الأحد، 26 مارس، 2017

مساعد الخياط


لم يتخط ربيعه الرابع عشر إلا أنه كان مضطراً للعمل، ترك دراسته واتجه ليساند أسرته الفقيرة، حتى انتهى به المطاف بائعاً في متجر ملابس جاهزة، ليمسي المسؤول عن توصيل الملابس للزبائن الأثرياء.

بعد عامين من الكد صار "أمانسيو أورتيغا" مساعداً لخياطي الشركة، ليكتسب خبرة إضافية في مراحل إنتاج الملابس، وهكذا من محل إلى آخر، حتى صار مديراً لمتجر ملابس في "لا كورونا" الإسبانية، غير أن عينه الثاقبة كانت ترقب المشهد وتحلّل ما يراكمه من خبرة؛ لاحظ أن معظم الأزياء تصمم وتخاط ليشتريها الأثرياء فقط، وأن من دون ذلك ليس له سوى الملابس العادية التي تنتج متشابهة وبكميات ضخمة! تولّدت لديه فكرة إنتاج أزياء فاخرة بأسعار رخيصة! ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
 
 

بالتأكيد لا بد من تخفيض تكلفة الإنتاج، لذا أضحى يمضي يومي نهاية الأسبوع في منزل عائلته لتصميم أزياء حديثة، ومحاولاً تقطيع مجموعة أقمشة رخيصة يدوياً دون معدات الخياطة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى نجح في بيع أول مجموعة ملابس نوم من تصميمه وتنفيذه بأسعار زهيدة، وهكذا عمل لسنوات حتى استطاع من أرباحه ومن راتبه المُدخر امتلاك أول مصنع ملابس وهو لم يتخط 27 عاماً!

مصنعه الأول كان مخصصاً لأردية الحمامات، ومنه انطلق نحو التوسع المتسارع، وخلال عام واحد استطاع افتتاح أول متجر يحمل العلامة التجارية "زارا"، في أشهر مجمع تجاري في بلدته "لا كورونا"، لأنه واعتماداً على خبرته الأولى في تكاليف تصنيع الملابس أدرك أنه لا بد من تخفيضها بأي طريقة، فقرر تجاوز الموزعين وتجاهل الإعلانات، وركز على تملّك جميع مراحل الإنتاج والتوزيع، ليحقق هدفا ألا تتجاوز دورة تصميم وتصنيع الملابس، ثم توزيعها على الأسواق 15 يوماً!
 
 

سرعان ما ذاع صيت "ألبسة الموضة بأسعار رخصية"، وهي ما كانت مستخدمة في متاجر "غاب" الأميركية و"نكست" البريطانية، لكن فكرة "زارا" كانت جديدة على السوقين الإسبانية والأوروبية لاحقاً، ناهيك عن سيطرة سلاسل متاجر لم تهتم بتلبية الجيل الشبابي الصاعد، وهكذا توسعت متاجر "زارا" وخلال سنوات أطلق "أورتيغا" علامات تجارية أخرى لتلبية شرائح متنوعة من المجتمع، كلها تتمحور حول فكرته: "جعل الموضة أكثر ديمقراطية"، ليضيف وهو ابن عامل سكة الحديد: "بعكس فكرة أن الموضة هي حق الثري، نحن نقدمها لتملس جميع طبقات المجتمع".

بالتأكيد أن سر نجاحه ليس أنه بدأ من قاع المهنة حتى قمتها كما الكثيرون! بل لأنه التقط المختلف منذ البداية وجاهد لنجاحه، حتى أضحى اليوم أثرى أثرياء الأرض وهو مجرد مساعد خياط.

 

الأربعاء، 1 مارس، 2017

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !

عرض - حمد بن هتفر

 ماذا لو كنت مكان أبطال القصص المائة بين دفتي كتاب "ماذا لو"؟ هل سوف تتشجع وتخوض غمار تجربة لا تعرف نهايتها؟ أم تتمسك بمكتسبات الواقع لتتنازل عن فرص المستقبل؟
هذا هو جوهر كتاب "ماذا لو؟" الصادر في 365 صفحة مؤخراً للكاتب في "الرياض" الزميل عبدالرحمن بن سلطان السلطان, عن دار مدارك للنشر, الذي يحلق بنا في مدارات العصور والازمنة بواقع أشبه بالخيال في مئة قصة قاسمها المشترك انها ليست بدعا أو أحلام يقظة , القلّة من أبطالها نجح من المرة الأولى, بينما الآخرون احتاجوا إلى كرّات متتالية من الفشل والخطأ للوصول الى النجاح .




يرى المؤلف في مقدمته أن يترك القارئ كل نظريات النجاح وكتب التحفيز والإبداع , وأن يبتعد عن الخطط المرسومة بالمسطرة والقلم؛ ليؤكد أن عنصر النجاح الأول يكمن في الشخص نفسه, لأنه ليس نسخة مكررة ممن سبقوه , من هذه القاعدة تنطلق نصوص وحكايا كتاب "ماذا لو؟", من حقيقة أن النجاح هو النتيجة الطبيعة للروح الإيجابية المتواصلة, وأن المبادرة مهما كانت مبتكرةً لن تزهر دونما شجاعة تقود إلى القفز فوق أسوار المجهول والمختلف, كما في القصص والتجارب التي يتناولها الكتاب من داخل المجتمع السعودي, وحتى أقصى الشرق والغرب, والتي نشر بعضها في عمود المؤلف في صحيفة "الوطن" ثم صحيفة "الرياض" وكذلك مجلة اليمامة الأسبوعية ومدونته الشخصية.
فمن شيكاغو إلى الرياض, ومن مملكة السويد التي استعانت بشبان سعوديين إلى الرجل الذي يعمل بقارتين في آن واحد, ومن القصة المنسية عن تأسيس الدوري الإنجليزي لكرة القدم إلى العجوز الفرنسية التي حَجرت على نفسها!,

وكذلك تجارب وقصص الناجحين ذات المسارات والنهايات المختلفة, التي سلكت طريقاً مختلفاً, أو ابتكرت أسلوب معالجة مختلفاً؛ وتناول أيضاً وجهات نظر مختلفة عن قناعاتنا, مثل فكرة أخذ إجازة لمدة سنة كاملة كل سبع سنوات, أو تحقيق المستحيل بالسفر حول العالم في 21 يوماً, ولم يغفل محاولة تطوير قناعاتنا في أساليب التعليم كما هي قصة الشاب ذي السبعة عشر ربيعاً الذي أتقن الحديث بعشرين لغة حيّة, أو الموقع الإلكتروني الذي أفسح المجال لتعلم اللغات بشكل مذهل أو التعلم من الشارع ..!

كما لا يخلو الكتاب من الحكايا الطريفة التي كانت سبباً في نجاح أصحابها مثل جوائز "أي جي نوبل" التي تمنح للابتكارات الأكثر سخافة وتفاهة في العالم, أو كتاب "رسائل حب لرجال عظماء" الذي ألف لاحقاً.

ولأن كثيراً من هذه القصص تخالف ما اعتدنا عليه من تقاليد فقد لايصدقها البعض من الوهلة الأولى.. إلا أنه قد يعيد النظر في جانب من أساليبه, ويخرج نحو مناطق تعّلم أبعد مما كان يتوقع ..

والاهم أن يؤمن أن جزءًا من نجاحات أبطال الكتاب جاء بسبب شجاعتهم في اقتحام المجهول ونزع الخوف منه لتحقيق هدف التساؤل ,

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !

الأحد، 25 ديسمبر، 2016

تخيّل صيدلية بلا صيدلي ..!


بالتأكيد أنك سوف تتعجب من هذه البدعة الجديدة التي لم يسبقنا إليها أحد, ولكن يبدو أنها هي الحل غير المسبوق الذي تفتقت عنه أذهان المسؤولين عن سوق العمل, فشرط أن يكون الصيدلي هو من يعمل في الصيدلية أمسى عائقاً – في نظرهم - أمام توطين النشاط, فصار الحل السهل هو إلغاء "المتطلب التأهيلي للصيدلي العامل في الصيدلية" على حد تعبيرهم, أي بعبارة أوضح: الاستغناء عن الصيدلي!
 
 
لست في معرض الحديث عن الدور المحوري الذي يقوم به الصيدلي, فهو المتخصص الخبير في علوم الدواء وما يتفرع عنها, وهو الحامل لذخيرة علمية وعملية تقف بالمرصاد للأخطاء الطبية, سواء داخل المستشفى, أو في خط التماس في صيدليات المجتمع, وأثره ملموس كما توضح ذلك العشرات من الدراسات المنشورة عن قياس أثره الصحي والاقتصادي, متى ما أعطي الصلاحيات ودعم بالإمكانات, كما هو تقرير الدراسة التي أجرتها الجمعية الصيدلية الكندية, وشملت 500 صيدلية مجتمعية في جميع مقاطعات كندا، وامتدت لمدة أربعة أسابيع فقط، وتناولت مدى تأثير التدخل الصيدلاني بالنسبة للأدوية الرفيّة OTC (تصرف بدون وصفة طبية)، إذ سجلت النتائج الآتية: توفير ما مقداره 79- 103 ملايين دولار كندي نتيجة التدخل الصيدلي المباشر، توفير ما مقداره 19 مليون دولار كندي نتيجة تحديد المرضى غير الملتزمين بالخطة العلاجية الموصوفة، توفير ما مقداره 168- 265 مليون دولار كندي نتيجة لتثقيف المرضى حول حالتهم المرضية وأدويتهم المستخدمة, وبواسطة تحليل بسيط لهذه النتائج يتضح أن إفساح المجال للصيدلي – وليس إلغاء دوره تماماً - للعب دوره أدى إلى توفير ما يقارب 388 مليون دولار أو ما يعادل 64 ألف دولار للصيدلية الواحدة! إضافة إلى ذلك أدعوكم للاطلاع على تقرير "مراجعة الخدمات الصيدلية في كندا وأثرها الاقتصادي على الصحة العامة" لعام 2016م والمتوفر على موقع جمعية الصيدلة الكندية, وفيه تفصيل أوسع عن دور الصيادلة في مكافحة التبغ وحملات لقاحات الأنفلونزا وغيرها من الخدمات الصحية.
الإشكالية الأخرى لهذه الفكرة العجيبة أنها تضرب بعرض الحائط جميع الأنظمة الصحية المعمول بها بالمملكة، إذ وحسب المادة الثالثة والعشرين من (نظام الممارس الصحي) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/53 وتاريخ 4/11/1426هـ يحظر صرف الأدوية إلا من قبل صيدلي مرخص، وهو بالمناسبة كل من يحمل شهادة بكالوريوس علوم الصيدلة أو الدكتوراه في الصيدلة من إحدى كليات الصيدلة بالمملكة أو ما يعادلها حسب المادة الأولى من (نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/31 وتاريخ 1/6/1425هـ, بل إن الفقرة (ب) من المادة الثالثة والعشرين تؤكد عدم السماح لفني الصيدلة – حامل دبلوم الصيدلة - أن يصرف الوصفة الطبية إلا تحت إشراف صيدلي مرخص له، فما بالك بصرفه من الآخرين!
المأساة الأخرى أننا وبعد عقود طويلة من وجود كلية واحدة للصيدلة في الجامعة الأم, أضحى اليوم لدينا أكثر من عشرين كلية صيدلة حكومية وخاصة! فهل يقابل هذا التصاعد الهائل لخريجي الصيدلة بمحاولة تقليص سوق العمل, وإقصاء الصيادلة عن ميدان عملهم الأساسي!
بالتأكيد إن هذه الفكرة خرجت دون استشارة المختصين من صيادلة وغيرهم, ودون الإدراك الكافي لمهنةٍ تعد ركناً أساسياً في منظومة الرعاية الصحية, وأن وزارة العمل سوف تتراجع عن خنق خط الدفاع الأخير قبل وصول الدواء للمريض.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان
 

 

الأحد، 18 ديسمبر، 2016

«كرانشي بيستاشيو»!

«غنيّة بحشوة الكرانشي بيستاشيو» هكذا تصف قائمة أطباق المطعم الفاخر أحد أهم أطباقه, وكأنما تلك الكلمات الأعجمية أضفت شيئاً من الفخامة والطعم الزائف للطبق, بينما المقصود بكل بساطة هو «فستق مقرمش»!
هذا المثال البسيط والمتكرر يعبّر عن واقع مزعج لما تتعرض لها لغتنا العربية, أو بالأحرى هوّيتنا الثقافية عبر وعائها الاتصالي, فالكلمات والجمل ليست مجرد أحرف وأصوات تتداولها الألسنة, ولكنها عمقٌ معرفي وتاريخي لأي أمة, وجزءٌ من الهوّية الوطنية لأي فرد.
من الطبيعي أن تتغلغل كلمات اللغات الأخرى وسط أحاديثنا وإلى لغتنا, فاللغة كائن حي يؤثر ويتأثر, وإحدى مميزات اللغات الحيّة – والعربية منها - مرونتها في تقبّل واستيعاب الكلمات المستحدثة القادمة من خارجها, كما في المصطلحات الطبية أو مسميات الأجهزة الإلكترونية الجديدة, لكن أن نلجأ لاستخدم مفردات من لغات أخرى نمتلك ما يوازيها من كلمات فتلك مأساة مزعجة, وتعبّر عن انهزامية لا تقل عن خسارة الحروب العسكرية والاقتصادية.
للأسف يؤمن كثيرون أن حشر كلمات أجنبية وسط حديثه, أو التحجج بجهله للمرادف العربي؛ علامة تقدم وحضارة, بينما هو في الحقيقة دليل ضعفٍ معرفي وهشاشة ثقافية, هذه الظاهرة امتدت مؤخراً إلى لوحات المتاجر والأسواق, وصارت جزءاً من قوائم أطباق المطاعم, وحتى مسميات المنتجات, والحجة أن العملاء يعتقدون أن أي منتج يحمل «نغمة» أجنبية فإنما هو منتج ذو جودة عالية, وبالطبع من نافلة القول إن الإسراف في الأسماء الأعجمية هو محاولة لتسويق المنتج على غيره من المنافسين دون الالتفات إلى جودته الحقيقية, أو محاولة للفت النظر كما فعلت في عنوان هذا المقال, رغم معارضتي الشديد لهذا الأسلوب.
اليوم الثامن عشر من ديسمبر نحتفل باليوم العالمي للغة العربية, وتقام الندوات واللقاءات العلمية في مؤسسات عديدة, وبالطبع أغلبها إن لم يكن كلها سوف تكون لقاءات أكاديمية خطابية، تعرض فيها الأبحاث البعيدة عن واقع اللغة اليومي, دون الالتفات لمبادرات شباب «التواصل الاجتماعي» لتشجيع استخدام اللغة العربية, التي دعمها قد يحقق ما فشلت فيه المبادرات الأكاديمية أو جهود الجهات الحكومية لبعث الأمل باستخدام «الفصحى» بشكل أوسع, خصوصاً وأن آخر معقل للفصحى بدأ يتهاوى؛ وهي مسلسلات الرسوم المتحركة للأطفال, التي يسودها اليوم اتجاه جديد لدبلجتها باللهجات المحكية! بعد أن بقيت تلك الرسوم – ولعقود متتالية - أحد أهم مصادر بناء مفرادت الفصحى للأجيال العربية الناشئة.
من المخجل أن لغةً يتحدث بها ما يزيد على 400 مليون نسمة تشهد تراجعاً وتقهقراً؛ والسبب هم متحدثوها الأصليون! فنحن من نبحث عن المفردة الأجنبية, ونحن من نتكاسل عن تعلّم لغتنا, ونحن من نثني على من يُعلم أبناءه لغة ثانية ونتجاهل لغتنا الأم! ونحن من نسخر ممن يحاول أن يتحدث بالفصحى! فبعد كل هذا نتعجب ممن يكتب «كرانشي بيستاشيو»!

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 11 ديسمبر، 2016

المثقف المهزوم


كل يوم تزداد دهشتي من ذلك المثقف المهزوم؛ الذي من فرط هوسه بالآخر أضحى لا يرى خيراً هنا أبداً, يرنو دوما نحو كل ما يقذفه الغرب, مهما كان غير مناسب لبيئتنا, أو حتى غير ناجح أصلاً في مصدره الذي خرج منه.
هذه الفئة من المثقفين التي تعاني من مركب متضاعف من النقص تجاه الرجل الأبيض؛ لا تزال تعتقد أنها بترفعها "البروجوازي" عن ثقافة مجتمعنا المحلي فكأنما ترتقي في سلم الحضارة, وأنها - مثلاً - باستحقارها فنون "السامري" و"الخبتي" وتقديرها ورفع قدر فنون "الجاز" و"الكانتري" فكأنما حازت قمّة التحضر والثقافة, بينما كل تلك الفنون فلكلور شعبي نابعٌ من قلب المجتمع الذي ظهر منه, ولا يمكن تفضيل أحدها على الآخر بهذا المنهج العنصري الفوقي.



المأساة هنا أن معظم هؤلاء يعاني نقصاً وضعفاً في عمقه الثقافي والعلمي, فهو وإن كان يرفع شعارات برّاقة إلا أنه أول من يخونها أمام أول عقبة أو حتى تهديد خطر عابر, ناهيك عن ضعف حجته في الدفاع عن فكرته, فيصبح مشوشاً وهشاً أمام الرأي العام, ليتحول إلى مهووس بالانتقام من بيئته وثقافته, حتى تجده بعد حين معجباً بالدين الآخر فقط نكاية بمن يعارضه, وللأسف مشكلته الرئيسة هي المعارضة الشخصية لذاته ولأسلوب عرض وتطبيق أفكاره, وليست معارضة الآخرين لأفكاره نفسها, وبالطبع هذا الهجوم لا يبرر ارتماءه في حضن المختلف فقط لأنه مختلف عن بيئتنا وليس لأنه الأفضل, كما هي قصة تحميل المناهج الدراسية وحدها جذور الإرهاب والتطرّف, مع يقين هؤلاء بوجود حالات تطرف وإرهاب متصاعدة في الغرب؛ الذي لا يعاني تطرفاً في مناهجه كما يدعي المثقف المهزوم.
لست ممن يعيشون أسرى الماضي, ولا ممن يتغنى ليل نهار بأمجاد حضاراتنا السابقة, لكنني – أيضاً - لست ممن يؤمن أننا لا يمكن أن نتقدم إلا بالقطيعة التامة مع ماضينا والانقلاب إلى نسخة مشوّهة عن الغرب, فقط ليرضى علينا ويمنحنا صك الحضارة, فالتقدم الذي يعيشه الغرب جاء نتيجة لتطور تاريخي طبيعي للمجتمع ومؤسساته, ولم يصل إلى أوج الحضارة البشرية باستنساخ تجارب أخرى كما هي.
للأسف يقدم مثل هؤلاء صورة غير مقبولة عن المثقف العربي, وكأنما أضحى مجرد مروج للحضارة الغربية بقضّها وقضيضها, وليس داعية حضارة وتقدم لمجتمعه, وهو يعلم أن التقدم الحضاري يعتمد على تطوير وتحديث المكوّن الثقافي والاجتماعي المحلي أولاً, وليس فقط مجرد استيراد الأفكار والأنظمة من مجتمع يختلف تاريخه ومكونه الحالي عنا.
كنت أحاول دوماً إيجاد تبرير لهؤلاء ومحاولة نقاشهم بالحسنى, وبالذات عبر قنوات الاتصال الاجتماعي حيث يبثون طاقتهم السلبية ورؤيتهم المنهزمة, لكنني مؤخراً تأكدت أنه مركب نقص متراكم اجتمع مع ردة فعل تجاه المجتمع, فصار الحل الأنجع: تجاهل هؤلاء والعمل على إيجابية مجتمعنا بدعم طاقاته الشابة, واستلهام التجارب الناجحة عالمياً وتطبيقها محلياً.

عبدالرحمن سلطان السلطان



الأحد، 4 ديسمبر، 2016

مفضوح رقمياً

قبل سنوات نشر الزميل فهد الأحمدي في عموده رسالة تلقاها من إحدى القارئات، تلك الرسالة قدمت وصفاً كاملاً لحياته الشخصية وعائلته، تفاصيل كل شيء محيط به، كم طوله؟ ومن هي زوجته؟ وما يحب وما يكره؟
العجيب أن جميع هذه المعلومات الشخصية كانت منشورة عبر مقاله اليومي خلال سنوات، وكل ما فعلته تلك الفتاة هو اقتناص معلومة واحدة من مقال وأخرى من مقال آخر، واستنتاج معلومة من جملة عابرة، مثل استطاعتها تخمين طوله اعتماداً على وصفه لالتقاط بعض الأشياء! وهكذا استطاعت تكوين صورة شاملة عنه دون أن تترك غرفتها! اليوم أضحى بإمكان أي مهتم معرفة كل ما يرغب عنك عبر حساباتك وتفاعلاتك في التواصل الاجتماعي دون أن يحتاج لاختراق بريدك الإلكتروني أو حاسبك الآلي.



كل ما يتطلبه الأمر اليوم مجرد الاطلاع على حساباتك الاجتماعية المختلفة، ثم جمع المعلومات وتحليلها ومحاولة الربط بينها، فمثلاً في "تويتر" تستطيع تحديد الاتجاه الفكري عبر مطالعة قائمة من تتابع، وإن كنت تغرد يمكن تحليل قائمة متابعيك، فالغالب الأعم يتابع من يوافق هواه ومن يؤكد تفضيلاته وتفسيراته، ناهيك عن تحليل خطاب التغريدات وإعادة التغريد والإعجاب، فضلاً عن تفاصيل تعليمك ومسيرتك المهنية في "لينكدإن"، ولا تنس المعلومات الشخصية الهائلة المتوفرة عبر "ملف التعريف" في "الفيسبوك"، إذ يمكنك تتبع حياة من ترغب عبر مساره الزمني، فهناك أصدقاؤه المقربون، وهناك تفاصيل حياته، أين سافر؟ وأين عاش؟ ومن هي زوجته؟ ولا تنس ما يبث عبر "سنابشات" وغيره.
قبل سنوات ظهرت في الولايات المتحدة وكالات خاصة للتجسس الرقمي، هدفها توفير معلومات لم يرغب عمّن يرغب، والعملية لم تكن تأخذ سوى وقت قصير، مجرد دراسة وتحليل لحسابات التواصل الاجتماعي للمعلومات والأحداث التي يضعها الشخص عن طيب خاطر، وتستطيع معرفة ما يحب أن يشرب ويأكل؟ أي فريق رياضي يشجع؟ أي حزب سياسي ينتمي؟ المضحك في الأمر أن بعض الشباب استغل تلك الخدمات للتعرف أكثر على الفتاة التي يحبها، حينئذ يستطيع أن يوقعها في شركه بعمق ما يعرف من تفضيلاتها واهتماماتها، بل حتى مصادفتها في الأماكن التي تحب أن تذهب لها عبر معلومات حسابها في الشبكة الاجتماعية: "فورسكوير" مثلاً. ولك أن تتصور أن بعض شركات التأمين هناك قد تفرض رسوم تأمين أعلى لمنازل من ينشطون في وسائط الاتصال الاجتماعي؛ لأنهم أكثر عرضة للسرقة، فهم يقدمون خدمة رائعة للصوص عبر الإفصاح اللحظي عن أماكن تواجدهم خارج المنزل، بل حتى صور سفرهم خارج البلاد.

قد تعتقد أنني أبالغ في أننا نفضح أنفسنا رقمياً دون أن نعي، ونتبرع لتعرية أنفسنا بأنفسنا، فلم لا تحاول أن تختار شخصاً لا تعرفه عن قرب لكنك تتابعه في إحدى الشبكات الاجتماعية، ثم تبدأ بجمع معلوماته من كافة حساباته الاجتماعية الأخرى، وأؤكد لك أنك وخلال ساعات معدودة سوف تدهش من كم المعلومات الضخمة التي حصلت عليها عنه، فهل تعتقد أنك استثناء من هذه الظاهرة؟ أم أنك سوف تهرع لحذف شيء من معلوماتك الآن؟

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 27 نوفمبر، 2016

حيث ينفع «الندم»

بالتأكيد سمعت عن الروائي الأميركي الشهير "مارك توين", الذي كتب في كل شيء تقريباً من الخيال التاريخي إلى التعليق الاجتماعي, ومن الأدب الفلسفي إلى النقد الأدبي, غير أن رأس المال الأساسي لموهبة ـ "صمويل كليمنس" - وهو الاسم الحقيقي لتوين - كان غنى تجاربه الحياتية وممارسته للغريب من المهن والأعمال, فمن صبي مطبعة إلى كاتبٍ ساخر, ومن قبطان سفينة بخارية إلى دارسٍ لما وراء الطبيعات, ومن رحالة إلى مخترع.



لكن ورغم كثرة الأقوال المنسوبة له, إلا أن حديثه عن الندم يكاد يكون الأكثر تداولاً, إذ يقول: "بعد عشرين سنة من الآن؛ ستندم على الأشياء التي لم تفعلها لا على الأشياء التي فعلتها"! وهنا مربط فرس التقدم إلى الأمام, فنحن جميعاً نتعرض يومياً للكثير من الاحتمالات ونحتاج إلى اتخاذ القرارات سواء كانت اللحظية أو تلك التي تؤثر على مسيرة حياتنا, بيد أننا غالباً ما نركن للتحفظ والبقاء ساكنين, رغم أن جرأة تجربة الاحتمالات, سوف تقودنا إلى الخيار الأكثر ملائماً لنا.
توجسنا من اتخاذ قرار ما يعود إلى الخوف مما قد يواجهك من شعور بالندم على القرار, أو الحسرة أن يكون حالك اليوم أفضل لو تجاوزت الموقف بلا قرار! وهذا بالطبع غير صحيح, فقرارك السابق يُفترض أنه بني على معلومات وشواهد وخبرات, وكان القرار الأفضل في حينه, ولو عاد بك الزمن وفي نفس الظروف سوف تتخذ نفس القرار, المأساة هنا أن تبقى مُضيعاً وقتك وفكرك في حدثٍ من الماضي انتهى ولن يعود!
حينما تتشجع لخوض غمار تجربة جديدة؛ فأنت تفتح باباً أوسع لخبرات حياتك وتضيف فصلاً لما تفخر به, فمثلاً ها هو صاحبنا "مارك توين" يتخذ قراره الالتحاق بأخيه في "نيفادا" ليضطر الارتحال عبر منطقة السهول العظمى وجبال الروكي, وفيها يقابل ويتعامل مع مجتمعات "المورمون", ثم ليستلهم منهم كتابه "الحياة الخشنة", ناهيك عن رحلته عبر نهر "المسيسبي", حينما أوحى له قبطان السفينة البخارية بالعمل قبطاناً مثله, مما جعله يستغرق سنتين من عمره حتى يمسي قبطاناً, وليخرج من تجربته هذه بروايته الشهيرة "مغامرات توم سوير".




هذا من جانب ما قدر يقودك اتخاذ قرار ما إليه وليس البقاء بلا قرار, أما الأجمل هنا فهو أن أبحاث علم النفس تؤكد يوماً بعد يوماً أننا كأفراد نُقدر ونفخر بتجاربنا – حتى لو كانت مريرة أو غير ناجحة - أكثر بكثير مما نملك من مال أو نفوذ. وأي قراءة سريعة لسير الناجحين لتجد أنهم وفي لحظة فارقة قد اتخذوا قرارا كان ليبدو أنه قرار غير حكيم, لكنهم لو لم يتخذوه لبقوا طوال عمرهم يعضون أصابع الندم.
بالطبع التفكير المسبق بالقيام بالأشياء وعواقبها مهم, لكن لا يجب أن تبقى هكذا دون أن تقوم بشيء فقط لتحمي نفسك من ألم "الندم", فلا أسوأ من أن تبقى متحسراً على ما لم تفعل, بدلاً من أن تندم على ما فعلت.

عبدالرحمن سلطان السلطان