الجمعة، 8 فبراير 2019

صبي الصيدلية


في السادسة عشرة من عمره ترك "ستيوارت آدامز" مدرسته الثانوية ليعمل في إحدى صيدليات بلدته "بيفيلد" شمال غرب لندن، ولم يكن يعلم أنه سوف يعشق مهنة الصيدلة، وسوف يمسي صيدلانياً يشار له بالبنان، ليكتشف أحد أهم الأدوية الذي لا يزال ضمن قائمة أكثر الأدوية تناولاً حول العالم.

أحب "آدامز" نشاطه اليومي في الصيدلية، قاده ذلك للاهتمام بالكيمياء والعلوم بشكل عام، مما شجع شركة "بوتس" للأدوية التي كان يعمل فيها على أن تتحمل تكاليف دراسته الجامعية للصيدلة، ليتخرج العام 1945 صيدلانياً، ويعود ليعمل في داره من جديد، ولكن ليس في إحدى الصيدليات بل في مركز أبحاث الشركة.





ركز جهده في دراسة أدوية جديدة للاتهاب المفاصل الروماتويدي، إذ كان العلاج المستخدم حينئذ هو الستيرويدات القشريّة وجرعة مرتفعة من الأسبرين، مما يعرض المريض للكثير من الأعراض الجانبية كالحساسية والنزيف. عمل لمدة عشر سنوات متواصلة مع فريقه الصغير على مسح ستمائة مركب، بهدف اكتشاف مركب فعال وذي آثارٍ جانبية أقل، وبجهد دؤوب استطاع تحديد مجموعة من مشتقات حمض البروبان ذات أثر لتخفيف الآلام، أربعة من المركبات التي وصلت قرب خط النهاية فشلت خلال أطوار الدراسات السريرية، ولم ينج سوى مركب واحد: "2 - 4 - متماكب بيوتايل البنزين حمض البروبان" أو ذي الاسم الرمزي "RD 13621"، الذي حصد نتائج ذات دلالة على حيوانات التجارب.

بعد سنوات من التطوير تشجّع "آدامز" وتناول بنفسه أول جرعة من دوائه ليخفف من صداع ألّم به بعد ليلة من الشراب، حقق المستحضر تخفيفاً للصداع أقوى بثلاث مرات من الأسبرين! لم يتوقف عند ذلك؛ بل بعد اطلاعه على بحثٍ منشور في مجلة علمية ألمانية عن جهاز أشعة فوق بنفسجية يقيس أثر مستحضرات علاج الالتهابات على الجلد، استخدم الجهاز على دوائه وبُهر من نتائجه، وليمسي الدواء الجديد أحد أفراد مجموعة الأدوية اللاستيرويدية المضادة للالتهاب.




العام 1969 استطاع تسجيل دوائه في بريطانيا، الذي اشتهر لاحقاً باسمه العلمي: "إيبوبروفين"، ليحقق نجاحاً متصاعداً، وليصبح المنقذ الأول لشركته، بل استطاع أن يوسع نشاطها في الولايات المتحدة، إذ بعد خمس سنوات سجل في هيئة الغذاء والدواء الأميركية، ثم بعد تحقيقه سجلاً نظيفاً تحول العام 1982م إلى دواء يصرف من دون وصفة طبية في بلد منشأه بريطانيا. ويقدر أنه ينتج حالياً منه سنوياً ما يزيد على العشرين طناً كل عام بمئات الأسماء التجارية!




قبل أيام ودع عالمنا "آدامز" عن خمسة وتسعين عاماً، قضى جلها في خدمة علوم الصيدلة، تلك المهنة التي أحبها صبياً، وبواسطتها رد الوفاء لرب عمله الذي احتضنه شاباً، الرائع في الأمر - أيضاً - أنه كان مثالاً يحتذى لقدرة الفرد على جعل العالم مكاناً أسعد وقابلاً للحياة عبر المسكّن الذي اكتشفه بعد رحلة طويلة من التجربة والبحث، ولا يزال يستخدم حتى اليوم.

 عبدالرحمن السلطان





السبت، 1 سبتمبر 2018

من "خاشابوري" الجبن إلى حمّام "الكبريت"


خمسة أيام رائعة في الطبيعة البكر أو "جورجيا"

خمسة أيام رائعة قضيتها خلال زيارة خاطفة إلى جمهورية جورجيا, برفقة كوكبة مميزة من الإعلاميين, في التدوينة التالية قصة وتفاصيل هذه الرحلة, وتلميحات وملاحظات, وروابط مباشرة للفنادق والمطاعم ومواقع الجذب السياحي, أتمنى أن تكون خير معين لمن يرغب زيارة هذه الدولة ذات الطبيعة البكر.
  


علم جورجيا

موقع جورجيا الاستراتيجي بين أسيا وأوروبا



اليوم الأول: الأحد
كانت الانطلاقة يوم الأحد 15 ذو الحجة 1439هـ الموافق 26 أغسطس 2018م, الساعة 7:30 صباحاً عبر رحلة "طيران ناس" المتوجهة مباشرة من الرياض نحو العاصمة الجورجية "تبليسي", خلال ثلاث ساعات فقط كانت الطائرة تحط الرحال في مطار "شوتا روستافلي  الدولي" في العاصمة الجورجية تبليسي, ذلك المطار الصغير النظيف, الذي يحمل اسم أشهر الشعراء الجورجيين.
خلال دقائق كنا قد تجاوزنا سلطات الجوازات بكل سهولة, فجورجيا لا تحتاج تأشيرة دخول للسعوديين, فقط توفير خطاب تأمين طبي يكون جاهزاً للطلب, لكنه في الحقيقة لم يُطلب منا, وكان تعامل ضباط الجوازات معنا لطيفاً وسريعاً.
بعد استلامنا للحقائب توجهنا لصرف بعض العملة الجورجية, التي يطلق عليها اسم "لاري", ويساوي اللاري الواحد ما يقارب الريال ونصف الريال السعودي, ثم شراء شريحة جوال من شركة محلية, ذلك أن شركات الاتصالات السعودية للأسف لا تقدم باقة تجوال وإنترنت مسبقة الدفع في جورجيا, اشترينا باقة 7 جيجا من شركة Geocell   بقيمة 40 لاري, لاحقاً اكتشفنا أن تغطية الشبكة غير جيدة وأن شركة Magti  قد تكون أوسع تغطية وأجود شبكة. جدير بالذكر أنه توجد شبكة واي فاي انترنت مفتوح في أشهر المواقع السياحية بالعاصمة, اسمها "Tbilisi love you",  لكن تغطيتها ضعيفة.

فئات العملات الجورجية


بالصدفة كان الرئيس التنفيذي لطيران ناس الأستاذ "بندر المهنا" يهُم بالمغادرة نحو الرياض, وكان السفير الجورجي بالرياض السيد "جورج جانجغافا"  يودعه, فكانت فرصة رائعة لمقابلتهما وتجاذب أطراف الحديث معهما قبل بداية مغامرتنا.

في المنتصف الرئيس التنفيذي لطيران ناس وعلى يمينه السفير الجورجي في الرياض
مع سعادة السفير الجورجي في الرياض


بعد دقائق استقلت كوكبتنا الإعلامية حافلة في اتجاه  محطتنا الأولى: "منتجع بحيرة لابوتا"  شرق العاصمة, استقبلتنا الأنسة "سلومي" ذات الابتسامة الدائمة, التي سوف تكون مرشدتنا السياحية خلال الأيام القادمة, كانت الحافلة فرصة رائعة للتعرّف على رفقاء الرحلة عن قرب على مدى الثلاث ساعات القادمة, مع تعلّم أهم كلمات اللغة الجورجية, مثل كلمة "شكرا" تنطق "مدلوبة" بالجورجية, وهلّم جرّا.
خلال اخترقنا سلسلة جبال "جمبوري" الشرقية, نحو الحدود مع المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية توقفنا عند مقهى صغير, يطل على سفح جبل شاهق,  ترجّل الجميع وانشغلنا بتوثيق المشهد المهيب, ثم صعدنا الجبل نحو المقهى البسيط, شاي وقهوة وعصير برتقال هو كل ما يقدمه مالك المقهى الشاب, مع قليل من قطع البسكويت اللذيذ.

مقهى رائع يطل على سلسلة الجبال.. توقفنا فيه مرتين.. 


صاحب المقهى.. رجل طيب ومضايف

مع الصديق فهد بن جليد

بعد أن تجاوزنا مدينة "تيلافي" وهي العاصمة الإدارية لمنطقة "كاخيتي" شرقي البلاد؛ وصلنا المنتجع قرابة الساعة الرابعة عصراً, وبعد استلام بطاقات الغرف, كان التجمع في مطعم المنتجع الرئيس, حيث استطعنا اللحاق بشيء من بوفيه وجبة الغداء, الذي كان لقاءنا الأول مع الخبز التقليدي الجورجي "البوري"..آه ما ألذ طعمه وشدة قوامه, بعد ذلك تجمعنا في مقهى الاستقبال أمام البحيرة لتجاذب أطراف الحديث وترتيب برنامج الرحلة, هناك قابلنا شاب عراقي لطيف يعمل في صناعة السياحة, وقضينا بضع ساعات رائعة نطل فيها على البحيرة الهادئة ونزلاء المنتجع ممن يمارسون الأنشطة الرياضية والترفيهية وسطها, ثم تناول العشاء في المطعم نفسه, بعد ذلك النوم مبكراً استعداداً لمغامرة الغد.



أمام بحيرة المنتجع .. لا يمكن أن تمرهنا دون تلتقط صورة للذكرى

منتجع لابوتا من أعلى



تلميحة: المنتجع مناسب للعوائل, إذ يحتوي على عدة مسابح منها ما هو مخصص للبالغين وأخرى للأطفال, ناهيك عن العديد من الأنشطة كالدراجات الهوائية ومراكب البحيرة اليدوية, والمنطاد, والدبابات البرية, وأربعة مطاعم وصالة تدريبات رياضية.

اليوم الثاني: يوم الاثنين
بعد وجبة الإفطار التي ترافقت مع زخات مطرٍ خفيفة, كان التجمّع أمام ساحة الدبابات البريّة,  حيث ارتدينا الخوذ واستمعنا لدرس سلامة سريع, وعلى الفور انطلقنا بها من الباب الخلفي للمنتجع نحو الجبل, اخترقنا حقولاً ومزارع, وصادفتنا قطعان ماشية وخنازير برية في الطريق.
وصلنا إلى الموقع المحدد, لنجد المنظمين قد سبقونا هناك, وليستقبلونا بتلك الوليمة الباذخة, التي يطلق عليها في اللغة الجورجية "سوبرا" أي وليمة, وهي تقليد جورجي موغل في القدم, حيث أطباق المقبلات والمخلالات الجورجية والأجبان والعصائر, بالقرب من موقعنا كانت هناك كنيسة مهجورة يقدر أنها أنشئت قبل ستمائة سنة, تجولنا في المنطقة المحيطة, حيث استمتعنا بجدول ماءٍ بارد, تحيط به غابة من الأشجار والشجيرات, والغريب من أنواع الفطر, بعضها سام وبعضها ضخم جدا,  قبيل الظهر ذكّى أحد زملائنا الخروف, الذي سُلخ وقطع على الفور, ليتحول إلى أطباق جورجية مختلفة, وبالطبع تنوعت الأطباق من السمك ولحم الضأن والدجاج, وبالتأكيد خُتمت بالفطيرة التي يتميز بها المطبخ الجورجي عما سواه: "خاشابوري", وهي فطيرة تتكون من خبز البوري "الخبر التقليدي" والجبن, ولها عدة أشكال مختلفة, كان موعدنا هنا بشكلها الأسطواني, حيث تخللها الكثير من الجبن الجورجي الفاخر.

كيسنة مهجورة وسط الغابة

الكرم الجورجي يتألق في السوبرا "سفرة الوليمة"


أحد أشكال فطيرة "الخاشابوري" ..أشهر أطباق المطبخ الجورجي


بعد ذلك انطلقنا وسط كروم العنب لنتوقف في أحد معامل النبيذ, ولنستمع لشرح عن طريقة اعداد النبيذ الجورجي المختلف عن بقية نبيذ العالم إذ إنه لا يحتوي على الخميرة, بل إن البعض يجزم أن جورجيا هي مسقط رأس النبيذ, ذلك أن هناك أدلة تشير إلى إنسان العصر الحجري قبل ثمانية آلاف سنة قد صنع النبيذ هنا, احتسينا القهوة والشاهي في الصالة الملحقة بالمعمل ثم غادرناه.
انتقلنا إلى وسط مدينة "تيلافي", حيث توقفت بنا الحافلة في شارع شولوكاشفيلي, وهي أحد أقدم مدن جورجيا, إذ وجد فيها حفريات من العصر البرونزي, ناهيك عن ذكرها في مخطوطات الرحالة اليوناني الشهير "كلاوديوس بطليموس", قضينا آخر ساعات النهار في جولة راجلة وسط المدينة, وكانت فرصة لمشاهدة السلع التقليدية والأسواق الشعبية.
في طريق عودتنا توقفنا في مطعم جديد, ذي مطل رائع مبهر, ومنه عدنا إلى المنتجع لقضاء أمسية لطيفة.

اليوم الثالث: الثلاثاء.
بعد وجبة الإفطار وجولة  سباحة منعشة ضمن المسابح المتعددة في المنتجع, خرجنا من المنتجع باتجاه العاصمة, توقفنا مرة ثانية في المقهى نفسه منتصف الطريق, الطقس رائع والقهوة أخاذة, قبيل الظهيرة وصلنا مشارف "تبليسي", وهي عاصمة البلاد منذ القرن الخامس الميلادي, التي اقتبس اسمها من الينابيع الحارة, ذلك أن كلمة "تبيلي" تعني بالجورجية المكان الدافىء, ولي عودة مع تلك الينابيع في الليلة الأخيرة بعون الله.

صورة بانورامية للعاصمة تبليسي


توجهنا إلى  مطعم "بيت  الخبز الجورجي" Bread House Georgian , على نهر كورا, الذي يشق العاصمة, توقفت كثيراً أمام تنور المطعم فقد أغرمت بالخبز الجورجي الذي يشتهر به, ثم صعدنا نحو الدور الثاني, لنجد مائدتنا العامرة تنتظرنا. تناولنا الأطباق التقليدية, مثل "بدريجاني" وهو شرائح الباذنجان المحشوة بمعجون الجوز وبذور الرمان, وتشكيلة من الأجبان, وطبعاً فطيرة الخاشابروي, وفي النهاية كما هي العادة: مشاوي "ماتسفادي" وهي قطع الدجاج أو الضأن المشوية على الفحم, التي تقدم مع البصل الأبيض ودبس الرمان.

تنور خبر البوري الجورجي

اعتقدها زينة ثم اكتشفت أنها نوع من الجبن!

طبق بدريجاني الجورجي


بعد ذلك توجهنا إلى فندق "موكسي" لتسجيل الدخول, وهو فندق ذو طراز حديث, لكنه غريب! إذ إن غرفه لا يوجد فيها لا صندوق أمانات, ولا خزانة ملابس ولا حتى هاتف! والفكرة أن كل الخدمات تُقدم في الدور الأرضي والاستقبال, بهدف أن يكون مكان تجمّع وتعارف لنزلاء الفندق, ولك أن تتصور أن الغرفة لا تحتوي –أيضاَ- مكواهَ, بل توجد غرفة كوي جماعية في كل دور! والهدف كما سبق أن يلتقي النزلاء ويتعرّفون على بعضهم البعض وتبنى صداقتهم العابرة, ولله في خلقه شؤون!



قبيل غروب الشمس توجهنا إلى وسط المدينة وبالتحديد إلى "ميدان", وهو الميدان الرئيس بالمدينة, صحيح اسمه عربي, وقد اشتق من الفترة التي حكم خلالها العرب المسلمون المدينة, حينما دخلت الجيوش العربية البلدة عام 736م في عهد مروان الثاني بن محمد, وبقيت حوالي ثلاثمائة سنة, حتى العام 1050م.
هناك تعرفنا على قصة تأسيس المدينة على يد "فاختانغ الأول غورغاسالي" ملك مملكة أيبيريا في القرن الخامس, والتي تحكي الأسطورة أنه ذهب للصيد, وأثناء رحلته وقع الطير الذي صاده قرب أحد الينابيع الساخنة, ليعجب الملك بالمنطقة ويتخذها عاصمة لمملكته, لتتحول مع الوقت إلى إحدى أهم المدن التي يخترقها طريق الحرير بين أوروبا وأسيا الصغرى.



العاصمة تبليسي من أعلى


أشارت دليلتنا إلى كاتدرائية الثالوث المقدس على ضفاف النهر, وما لها من دور مهم في حياة الجورجيين, كون الشعب الجورجي يعد محافظاً وملتزماً دينياً. بعد ذلك أخذنا التلفريك من أسفل المدينة نحو قلعة "ناريكالا" التي تطل على العاصمة من علٍ, وهناك يمكنك الوصول إلى التمثال الضخم "أم جورجيا", تلك المرأة الفضية, التي تقف بشموخ نحو مدينتها, وترتدي زياً تقليدياً جورجياً, وتحمل في يدها اليسرى كأس نبيذ ترحيباً بأولئك القادمين كأصدقاء, في حين تحمل يدها الأخرى سيفاً, لتؤكد أنها مستعدة لمحاربة أولئك القادمين كأعداء, ثم هبطنا عبر درج طويل, يمر عبر أزقة المدينة, وبالتأكيد توقفنا عشرات المرات للتصوير وتوثيق اللحظة.

تمثال أم جورجيا..مطلة على مدينة تبليسي
طريقنا نزولاً نحو جامع تبليسي


ما تكاد تصل دون الجبل, حتى تقف مندهشاً أمام جامع تبليسي الوحيد, الذي يجمع بين جدرانه المسلمين السنّة والشيعة في مسجد واحد! إذ يوجد فيه محرابان ومنبران متجاورين, الأيمن للشيعة والأيسر للسنّة, دخلنا وصلينا المغرب والعشاء جمع قصر والله الحمد.

على اليمين المحراب الشيعي وعلى اليسار المحارب السني
وسط المدينة




تجولنا بعد ذلك في أزقة تبليسي العتيقة, نزهة رائعة زانها طقس لطيف, من شارع "بيتليمي" إلى شارع "غومي", أشكال مختلفة من أنماط العمارة التي تعاقبت على المدينة, شربنا ونحن وقوف أكواباً منعشة من عصير فواكه, يُعصر طازجاً أمامك "رمان, عنب, برتقال" بعد ذلك شققنا الطريق وسط " مزار ميدان", حيث المطاعم والمقاهي والمشارب ومتاجر التذكارات والحرف اليدوية, كان هدفنا هو مطعم "جدار المدينة القديم" OldCity Wall أحد أفضل مطاعم تبليسي (ترتيبه رقم 8 من بين 929 مطعماً حسب تريب أدفيسر) , وهناك تناولنا الأطباق التقليدية مرة أخرى, ولكنها كانت أفخر وألذ, وزاد عليها طبق الفطر بالجبن السائل, ثم التحلية بقطع البطيخ والشمام.
في المطعم جاورتنا فرقة مغنيين شعبيين, فكانوا ينشدون أناشيدهم التراثية تارة بعد تارة, بيد أن عمدتنا الصحفي القدير إدريس الدريس أشار إلينا أن نهديهم أنشودة من تراثنا الوطني, وكانت أغنية "يا بلادي واصلي" هي ما اتفقنا عليه وأنشدناها سوياً, ليصفق لنا رواد المطعم كلهم أعجاباً بها.
بعد العودة إلى الفندق, خرجت مع الأصدقاء نحو الممشى أمام الفندق, حيث "جادة ساربروكن" saarbrucken square , التي توجد على جنبات ممشاها مختلف المطاعم والمقاهي, حيث الشيشة ومحلات التدليك والفنادق الصغيرة, سهرت مع عبدالعزيز العلوي وهاني الغفيلي ثم انضم لنا عبدالملك سرور.

مطاعم ومقاهي على الجانبين




اليوم الرابع: الأربعاء
بعد تناول وجبة الإفطار الخاطفة, وسريعاً إلى الحافلة, كنا في طريقنا نحو زيارة العاصمة القديمة "متسخيتا", وبعد حوالي الساعة إلى تل يشرف على المدينة القديمة, يقع على رأسه دير "جرافي", الذي يحكي قصة تنصير البلاد الجورجية على يد الفتاة "نيونو", تلك الفتاة التي كانت تعيش في مدينة "الرها" بتركيا, وحلمت أن المسيح يدعوها لتنصير جورجيا, وعلامة ذلك أن تجد عذق عنب في يدها, وتقول الأسطورة أنها عندما أفاقت من نومها وجدت عذق العنب! وذهبت إلى والدها القس الذي شجعها على الذهاب إلى جورجيا, وهناك تمكنّت أن تنصّر الملكة بعد أن استطاعت شفاءها من مرض لم يقدر الحكماء على علاجه, لكن الملك لم يعجب بذلك, فقرر قلتها وملاحقة الملكة, لكن عاصفة هوجاء منعت الملك من القدرة على النزول من الجبل نحوهما, ولم يستطع النزول إلا بعد أن دعا رب "نيويو"؛ فأخذ عهداً على نفسه أن يتنصّر وينصّر بلاده.

عاصمة جورجيا القديمة


مع الصحفي القدير إدريس الدريس


بعد ذلك اتجهنا إلى "أوبليستسيخ" أو المدينة المنحوتة فى الصخور, التي تقع على بعد 10 كم إلى الشرق من غورى، على الضفة اليسرى من نهر ميتكفارى, وتعد  أحد أقدم المستوطنات فى منطقة القوقاز والعالم، إذ يعود تاريخها إلى أوائل العصر البرونزى.

منازل منحوته في الصخور




في طريق العودة توقفنا لمدة ساعتين ونصف الساعة في مجمع تبليسي Tbilisi mall , وهو مجمع تجاري حديث, يضم 250 متجراً من أشهر العلامات التجارية العالمية والمحلية, وكانت فرصة للتسوق وتناول وجبة سريعة, عدنا بعد ذلك للفندق, وبعد قسط من الراحة خرجت مع الصديق أحمد المسيند إلى وسط المدينة, ونقدنا سيارة الأجرة 5 لاريات فقط (تقريبا 7.5 ريال سعودي), وهناك تجولنا في مقاهي منطقة "بزار ميدان" وتناولنا كوبي قهوة وسط تلك الأجواء الرائعة, ثم عدنا إلى الفندق.

عند السابعة كان موعدنا إلى حفل عشاء مميز, فقد اتجهنا إلى المطعم الفاخر "البيت الجورجي ‪Georgian House" والذي يشترط ملابس رسمية لدخوله, وصلنا في الوقت المحدد, وبعد تقديم المقدمات بدأ العرض بالأناشيد والرقصات التقليدية, ثم رقصة العروس, وبضع رقصات من جبال القوقاز, تميزت بجمال الأزياء التقليدية وسرعة الأداء ودقته.







مع رفيق الماجستير الصديق أحمد المسيند

 مباشرة بعد العودة إلى الفندق اتجهنا إلى ممشى الجادة المقابلة لنا, حيث قضينا أمسية باسمة, جمعت أغلب رفقاء الرحلة في جو أخوي قلّ مثيله.

اليوم الخامس: الخميس
بعد الإفطار وفي تمام العاشرة صباحاً اتجه الوفد إلى فندق Biltmore  حيث جُلنا على مرافق الفندق, ثم استقبلنا مدير عام هيئة السياحة الجورجية, بحضور مسؤول منطقة الشرق الأوسط, اللذين رحبا بنا وأكدا ترحيب البلاد بالسياح السعوديين والخلجيين, كما عرضا فيديو مقتبساً من تغريدات سائحي جورجي, وفيلماً رائعاً يحكي قصة تكريم السائح رقم المليون السادس لجورجيا, ثم فتحت الطاولة للنقاش وتبادل الأراء والاقتراحات.



بعد ذلك اتجهنا إلى مطعم, حيث تناولنا طعام الغداء وبالتأكيد "الخاشابروي" تقف شامخة وسط الأطباق, وختمنا السوبرا الجورجية بشاي لذيذ.
بعد العودة إلى الفندق, خرجت مع الصديق هاني الغفيلي مشياً على الأقدام إلى "سوق الجسر الجاف  Dry Bridge Market" الذي يقع على نهر المدينة, حيث يصطف الباعة عارضين الكتب المستعملة والأدوات القديمة بأسعار رخصية, والعجيب أنك تجد فيه كل شيء, من الإبرة إلى بكرات السينما القديمة, ملابس وأدوات من الحقبة السوفيتية, فنانون شباب وكهول يعروض أعمالهم الفنية, أدوات المطبخ وسماد للمزروعات, ثم أخذنا سيارة الأجرة نحو وسط المدينة, حيث اتجهنا بعد جولة سريعة إلى منطقة الحمامات الكبريتية, التي كما ذكرنا كانت سبب تأسيس المدينة ومنها اشتق الاسم, يوجد هنا أكثر من حمام عام, دخلنا "الحمام الملكي Royal Bath" واخذنا غرفة كبيرة, حيث يمكنك البدأ بالحمام الكبريتي الساخن ثم حمام الماء البارد, وهكذا دواليك, حتى يقوم المحمّم  بعمل الحمام لك, ثم الاسترخاء في الغرفة المقابلة والاستمتاع باستكانة شاي "خادر"!

لابد من تجربة الحمامات الكبريتية وسط تبليسي

مع الصديق هاني الغفيلي


خرجنا وتجولنا في المدينة القديمة, كانت فرصة لاكتشاف منابع جداول الماء خلف الجبل, والاستمتاع بالمشي في أزقة المدينة,  بعد ذلك انضممنا للأصدقاء في أحد المطاعم, الذي كان يقدم عرضاً موسيقياً حياً.
عدنا إلى الفندق, وبالتأكيد على الفور إلى الممشى المقابل, حيث رافقنا الاستاذ القدير ادريس الدريس والزملاء في أمسية رائعة لليلة الأخيرة.

يوم المغادرة: الجمعة
بعد الإفطار اتجهنا عند العاشرة نحو مطار العاصمة, وبعد إجراءات سهلة حصلنا على بطاقة الصعود من طيران ناس, ثم استرحنا قليلاً في صالة الركاب وتجولنا في السوق الحرة, عند الواحدة إلا ربعاً ظهراً أقلعت بنا الطائرة نحو الرياض, وبعد ثلاث ساعات وربع الساعة وصلنا أرض الوطن والله الحمد


  • رحلة خاطفة ومميزة, تعرفت فيها على بلدٍ جديد وثقافة مختلفة, والأهم على شعب طيّب مضايف, بالتأكيد لا تزال البنية الأساسية دون المستوى, لكن ما لمسناه من مسؤولي جورجيا هو عزمهم وجديّتهم وضع جورجياً على خريطة السياحة العالمية.
  • كنت أتمنى زيارة مدن أخرى مثل باتومي ,لكن الوقت لم يسعفنا, ولعل ذلك يكون في زيارة قادمة بعون الله تعالى
  • سعدت كثيراً بمرافقة الزملاء الإعلاميين من الرياض وجدة, وكل الشكر للصديق العزيز الأستاذ أحمد المسيند "مدير عام الاتصال المؤسسي  والمتحدث الرسمي في طيران ناس" على دعوته الكريمة.


السبت، 30 يونيو 2018

اسباجتي كرات اللحم


أمامك طبقٌ شهيٌ من الاسباجتي الإيطالية الممزوجة بكرات من اللحم، وعليك أن تأكل كمية محددة من الطبق شريطة أن تكون ذات قيمة غذائية فماذا تفعل؟، بالتأكيد سوف تركز على تناول كرات اللحم أولاً رغم أنها أقل عدداً وحجماً من الاسباجتي، هذا جوهر ما يخبرنا به العالم الإيطالي "فيلفريدو باريتو" في مبدئه الشهير: 80 / 20




دعونا نعود إلى أصل القصة نهاية القرن التاسع عشر، حينما لاحظ "باريتو" أن 20 % من نبتة فاصوليا في حديقة منزله قادر على إنتاج قرون بذور الفاصوليا، فأخذ يفكر بهذه النسبة ومدى انطباقها على نواحي الحياة الأخرى، فعكف على دراسة توزيع الإنتاج وملكية الأراضي في إيطاليا، فوجد أن حوالي 20 % من المصانع تنتج 80 % من إجمالي الإنتاج، و أن 20 % من السكان يمتلكون 80 % من أراضي البلاد، ليس هذا وحسب بل إن 20 % من السكان يتحكمون في 80 % من مجموع ثروات البلاد! عمم بعد ذلك "باريتو" هذا الاستنتاج في مبدأ حمل اسمه، وأضحى طريقة ناجعة لتحقيق الفعالية والإنجاز، خصوصاً بعد أن قام أستاذ إدارة الجودة "جوزيف جوران" بالدعوة لاستخدام المبدأ ضمن أساليب تحسين الجودة، ذلك أن القليل غالباً ما يكون هو الأهم، بينما الأغلب قليل الأهمية والتأثير.
ببساطة يشير هذا المبدأ إلى أن 20 % من الأسباب هي مسؤولة عن 80 % من النتائج، أي أن أغلب النتائج تأتي من أسباب محدودة، لذا يصبح من الذكاء التركيز على أهم عشرين سبباً لتحقيق أعلى النتائج، وعدم إضاعة الوقت والجهد والتكلفة فيما دون ذلك من أسباب هامشية وغير مؤثرة. ولتأكيد ذلك بعد مئة عام على نشر "باريتو" ورقته العلمية، طبق الكاتب ورائد الأعمال "ريتشارد جون كوخ" المبدأ على مجالات متعددة في الحياة، ونشرها في العام 1997 في كتابه "مبدأ 80 / 20"، ومنها: أن 80 % من الأرباح تأتي من 20 % من المنتجات، وأن 80 % من الإيرادات تأتي من 20 % من العملاء، و20 % من الملابس ترتدى بينما تقبع 80 % في خزانة الملابس، وأن 20 % من سكان العالم يتحكمون في 80 % من موارد الكوكب، وهكذا دواليك.
بالتأكيد القاعدة ليست دقيقة تماماً، ولكنها وصف تقريبي لما يمكن ملاحظته من واقع الحياة، بل حتى في الواقع الافتراضي في منصات التواصل الاجتماعي، حيث نجد أن 80 % من التفاعل يأتي من أقل من 20 % من المتابعين! لذا يرى الكثيرون أنها قاعدة ذهبية، وسهلة لتحقيق الفاعلية وتذوق لذة الإنجاز.
الالتزام بمبدأ "باريتو" قد يكون طوق النجاه لمن يتشكي دوماً من ضياع وقته دون إنجاز رغم أنه يقوم بالكثير من المهام، لكن شريطة أن يعرف هدفه الأهم والعوامل المؤثره عليه، وأن يركز العمل عليها بذكاء وجدّ، حتماً سوف يلمس نتائج أكثر مما يتمنى.