الأحد، 20 أغسطس، 2017

مأساة امتياز الكليات الأهلية!

يزهو بحصوله على منحة لدراسة الطب في كلية أهلية, كما يفرح الحاصل على منحة للدراسة في الخارج أو مواطنك الذي يدرس في كلية حكومية, جميع هؤلاء شباب وفتيات سعوديون يعدون الأيام والليالي حتى حصولهم على شهادة الطب والجراحة, لينضموا إلى من سبقهم من أبناء الوطن, لسد العجر الضخم في كادر الأطباء السعوديين ولكن!
ست سنوات من الدراسة والاجتهاد, والمنع من العمل لأنه حاصل على منحة للدراسة في كلية أهلية, لكن يجتهد ويصل الليل بالنهار, حتى يصل إلى سنة الامتياز, وهنا يصطدم بتنصُل وزارة التعليم عن صرف مكافأة الامتياز! فكيف يعيش الطبيب هذه السنة وهو مُجبر على استكمالها بلا دخل ولا مكافأة!
القرارات واضحة منذ القرار التاريخي لمجلس الوزارة الموقر رقم 29 وتاريخ 3/2/1431هـ بفتح منح الدراسة في الكليات الأهلية, والوزارة ملزمة بدفع مكافأة الامتياز, وقدرها "عشرة آلالف وسبعمائة ريال" شهرياً من قبل الجامعات والجهات الحكومية التي يتم التدريب فيها, وهو ما صدر في رد واضح وجلي من وزارة المالية لاستفسار سابق لوزارة التعليم, وهما الجهتان اللتان أناط بهما مجلس الوزراء في قراره ترتيبات قبول الطلاب والتكاليف المالية, ناهيك عن الوزارة كانت تدفع تلك المكأفاة وفجأة توقفت بلا سبب, وهناك الكثير من طلاب امتياز الكليات الأهلية سبق وحصل على هذه المكافأة من الحسابات المالية لوزارة التعليم!
المثير في الأمر أن الموقع الإلكتروني للوزارة لا يزال يحتوي صفحة عن مهام "إدارة الإشراف على المنح الدراسية للكليات الأهلية", ومن أهمها "تدقيق ومتابعة صرف مستحقات سنة الامتياز"!, وهذا رابط الصفحة: https://departments.moe.gov.sa/PHE/RelatedDepartments/Pages/Scholarships.aspx
وهي اليوم تتهرب بأعذار واهية وحجج غير مقبولة.
 
 
 
فلما التراجع عن مهمة وطنية؟ وعن حق كفله النظام والقرارات السابقة. لمصلحة من يفرّق بين أبناء الوطن في الابتعاث الداخلي والخارجي؟ لماذا توقف صرف مكافأة امتياز الابتعاث الخارجي ثم عادت مرة أخرى؟ أو ليس من يدرس هنا ولا يكلف الوزارة راتباً شهرياً ولا تذاكر ولا تأمين صحي أن يحصل على ما يشجعه التفرغ للجد والاجتهاد وللتدريب والتعليم؟
أسئلة كثيرة لم أجد لها جواباً منطقياً! لم استطع أفهم منطق منحهم فرصة التعليم ثم قطع المكأفاة عنهم دون سبب! وكأن دراستهم في كلية أهلية معتمدة من قبل الوزارة وهيئة تقويم التعليم تستوجب تفرقتهم عن مواطنينهم من طلاب الكليات الحكومية.
دعك من كل القرارات والالتزامات, ألا يوجد التزام أخلاقي بين الطالب الشاب –الذي لا يملك دخلاً- وبين ممول دراسته وهي وزارة التعليم لاستكمال متطلبات دراسته حتى النهاية؟ وأليس هذا أقل ما يمكن تقديمه بعد مرور سنوات الدراسة الشاقة بلا مكافأة شهرية وهو عالة على من حوله؟ سؤال يحتاج إلى إجابة وطنية صادقة, وقرار سريع بإعادة الحق لأهله.
عبدالرحمن السلطان
 

 

الأحد، 28 مايو، 2017

السعوديفوبيا

تقول إحدى الإعلاميات إن مجموع ديون الدول العربية يبلغ "220" مليار دولار، وأن السعودية بدلاً من دفع مبالغ الصفقة الواسعة مع الولايات المتحدة يجب أن تسدد ديون تلك الدول!

هكذا وبكل وقاحة تطلب أن نأخذ مال السعوديين لنسدد به فساد وسوء إدارة تلك الدول، تلك الدول التي تعيش على ثروات طبيعية لا تنضب، لكن الانقلابات المتلاحقة وتفرّد الحزب الواحد قاد لهذا التردي المتواصل.. المضحك في هذه التغريدة أنها استثنت العراق من تسديد ديونها، رغم أنها دولة نفطية وتحتضن "دجلة" و"الفرات" لكنه الهوى.

بالطبع لا يمكن أن تنسى ليبيا، التي يفترض أن تكون الأكثر تقدماً ورفاهية بين الدول العربية، نسبة إلى ثروتها النفطية وعدد سكانها الضئيل، لكن حالها اليوم لا يسر عدواً ولا صديقاً، أما الجزائر النفطية فتلك قصة حزينة الكل يعرفها، لكن قاتل الله الحسد، فهؤلاء اليوم لا يستطيعون تقبّل أننا في السعودية أصبحنا الرقم الأول في كل شيء، سواء على مستوى التنمية والبناء، أو على مستوى القوى والمواهب البشرية، فنحن اليوم من يتصدر المشهد الرياضي والثقافي والفني رغم كل خزعبلات نظرية "المركز والأطراف"، التي كانت رد فعل "عنصري" على تسارع تقدمنا الثقافي والأدبي، ولنا في نتائج جميع المسابقات الثقافية الأخيرة خير دليل، فجلهم من هنا.




بالتأكيد أنك كسعودي قد تعجبت أكثر مرة من المواقف الحادة والتفسيرات الغريبة لأي منجز أو تقدم سعودي من هؤلاء، وكأنما هم يعانون من حالة مرضية مستعصية استطيع تسمتها بـ saudiphobia "  رهاب السعودية"! فما أن يتناهى إلى سمعهم مسمى بلادنا؛ إلا وتصيبهم حالة من السعار، والسعي الحثيث للتقليل من أي حدث أو منجز، ناهيك عن محاولات اللمز والغمز المتتالية، معتقدين أنهم سوف يستطيعون تأخير أو خلخلة تقدم المجتمع السعودي بتغريدة هنا أو تعليق هناك. غير أن المسلّي في الأمر أن متابعة مثل هؤلاء سوف تزيدك سعادةً وحبوراً، لأنك أولاً سوف تتأكد أنك على المسار الصحيح، وثانياً سوف تتسلى بتناقض مواقفهم وتقلُبها، فقط لإظهارنا في الموقف الخاطئ، فهم من كان يطبل للرئيس "ترمب" خلال فترة الانتخابات، وأن فوزه سوف يكون خسارة لنا، غير أن ما حدث بعد ذلك كان العكس تماماً، وهم من يقف ضد خيارات الشعب السوري العربي، فقط لإرضاء محور إيران "غير العربية"، وهم من طالب بخروج القواعد الأميركية ثم صمت عن قاعدة "العديد" في قطر، والأمثلة كثيرة على هذا التناقض والهوى المريض.

بالتأكيد بلادنا ماضية إلى الأمام، وبالتأكيد أن المصابين بمرض "السعوديفوبيا" سوف تزداد حالتهم سوءاً وإثارة للشفقة، غير أن الدور الباقي اليوم يقع على عاتق الصيادلة السعوديين المبدعين علّهم يبتكرون دواءً لعلاج مثل هؤلاء، فقط من باب زكاة علمهم ووقتهم.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 21 مايو، 2017

رسالة إلى فخامة الرئيسرسالة إلى فخامة الرئيس

  فخامة الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب".. أكتب إليك اليوم وأنت ضيفٌ علينا، هنا في الرياض، العاصمة التي اخترتها لتكون أول مدينة تطؤها قدماك في أول جولة خارجية لك، أعرف أن هذا شرفٌ عظيم، غير أن الأهم هنا أنها رسالة واضحة تؤكد عمق ما يجمع بلدينا الصديقين.




فخامة الرئيس نحن هنا نؤمن أن التعاون مع أصدقائنا هو الضمان الحقيقي لاستمرار علاقة صحيّة ومفيدة للطرفين، فما بالك حينما تكون هذه العلاقة بين حليفين قويين، أثبتت أحلك الظروف أنهما يركزان على دعم المشترك ويتجاوزان المختلف، لذا أعتقد أننا بحاجة اليوم -أكثر من أي وقت مضى- لمزيدٍ من التعاون سواء على مستوى المواقف السياسية لحل بؤر النزاع والقلاقل في الشرق الأوسط، أو على مستوى التعاون الاقتصادي، ونحن نعمل على تحقيق رؤى التحوّل الوطني، والأهم هنا ما يهمني ككاتب شاب ومهتم بالشأن الاجتماعي هو مزيد من التعاون على المستوى التعليمي والثقافي، فالنجاحات التي تحققت من موجات الابتعاث للدارسة في الولايات المتحدة حققت الكثير على مستوى التنمية والثقافة، غير أننا لا نزال نطمع بالمزيد، وبالذات منح الدراسة والتدريب على رأس العمل، ناهيك عن فتح الباب لمزيد من تبادل الخبرات والتجارب على مستوى الأكاديميين والمهنيين والمهتمين بالشأن العام. وتشجيع المبادرات الشبابية وريادة الأعمال.

فخامة الرئيس لقد حققت بلادنا نجاحاً غير مسبوق في محاربة الإرهاب وجذوره، وبزّت غيرها من الأمم بالعمل على مقارعة الأساس الفكري للجماعات الضالة بالحجج والبراهين الصحيحة وليس فقط تبني الحل الأمني، وأضحت تجربة "المناصحة" بيت خبرة يتطور مع الوقت ويحقق نتائج تحفظ أبناء الوطن من سوء المنقلب، كم أتمنى أن يستفاد من هذه التجربة في جهود مكافحة الإرهاب العالمي، الذي لا يتعرف بعرق أو دين معين.

فخامة الرئيس.. أعرف أنك لمست الكثير من الاهتمام خلال زيارتك ولاحظت العديد من الفعاليات الثقافية والفنية المشتركة، وحضرت توقيع المتنوع من الاتفاقات الثنائية. ورسالة ذلك أننا نستطيع بتعاوننا أن نحقق الكثير، لصالح شعوبنا والعالم أجمع.


أكرر ترحيبي بك فخامة الرئيس في قبلة الإسلام وعرين العروبة، وكلي تطلعٌ وأملٌ صادق لمستقبل مشرق يجمع شباب بلدينا الصديقين، نحو مزيد من الاستقرار والرفاه والتقدم.

عبدالرحمن سلطان السلطان

الأحد، 26 مارس، 2017

مساعد الخياط


لم يتخط ربيعه الرابع عشر إلا أنه كان مضطراً للعمل، ترك دراسته واتجه ليساند أسرته الفقيرة، حتى انتهى به المطاف بائعاً في متجر ملابس جاهزة، ليمسي المسؤول عن توصيل الملابس للزبائن الأثرياء.

بعد عامين من الكد صار "أمانسيو أورتيغا" مساعداً لخياطي الشركة، ليكتسب خبرة إضافية في مراحل إنتاج الملابس، وهكذا من محل إلى آخر، حتى صار مديراً لمتجر ملابس في "لا كورونا" الإسبانية، غير أن عينه الثاقبة كانت ترقب المشهد وتحلّل ما يراكمه من خبرة؛ لاحظ أن معظم الأزياء تصمم وتخاط ليشتريها الأثرياء فقط، وأن من دون ذلك ليس له سوى الملابس العادية التي تنتج متشابهة وبكميات ضخمة! تولّدت لديه فكرة إنتاج أزياء فاخرة بأسعار رخيصة! ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
 
 

بالتأكيد لا بد من تخفيض تكلفة الإنتاج، لذا أضحى يمضي يومي نهاية الأسبوع في منزل عائلته لتصميم أزياء حديثة، ومحاولاً تقطيع مجموعة أقمشة رخيصة يدوياً دون معدات الخياطة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى نجح في بيع أول مجموعة ملابس نوم من تصميمه وتنفيذه بأسعار زهيدة، وهكذا عمل لسنوات حتى استطاع من أرباحه ومن راتبه المُدخر امتلاك أول مصنع ملابس وهو لم يتخط 27 عاماً!

مصنعه الأول كان مخصصاً لأردية الحمامات، ومنه انطلق نحو التوسع المتسارع، وخلال عام واحد استطاع افتتاح أول متجر يحمل العلامة التجارية "زارا"، في أشهر مجمع تجاري في بلدته "لا كورونا"، لأنه واعتماداً على خبرته الأولى في تكاليف تصنيع الملابس أدرك أنه لا بد من تخفيضها بأي طريقة، فقرر تجاوز الموزعين وتجاهل الإعلانات، وركز على تملّك جميع مراحل الإنتاج والتوزيع، ليحقق هدفا ألا تتجاوز دورة تصميم وتصنيع الملابس، ثم توزيعها على الأسواق 15 يوماً!
 
 

سرعان ما ذاع صيت "ألبسة الموضة بأسعار رخصية"، وهي ما كانت مستخدمة في متاجر "غاب" الأميركية و"نكست" البريطانية، لكن فكرة "زارا" كانت جديدة على السوقين الإسبانية والأوروبية لاحقاً، ناهيك عن سيطرة سلاسل متاجر لم تهتم بتلبية الجيل الشبابي الصاعد، وهكذا توسعت متاجر "زارا" وخلال سنوات أطلق "أورتيغا" علامات تجارية أخرى لتلبية شرائح متنوعة من المجتمع، كلها تتمحور حول فكرته: "جعل الموضة أكثر ديمقراطية"، ليضيف وهو ابن عامل سكة الحديد: "بعكس فكرة أن الموضة هي حق الثري، نحن نقدمها لتملس جميع طبقات المجتمع".

بالتأكيد أن سر نجاحه ليس أنه بدأ من قاع المهنة حتى قمتها كما الكثيرون! بل لأنه التقط المختلف منذ البداية وجاهد لنجاحه، حتى أضحى اليوم أثرى أثرياء الأرض وهو مجرد مساعد خياط.

 

الأربعاء، 1 مارس، 2017

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !

عرض - حمد بن هتفر

 ماذا لو كنت مكان أبطال القصص المائة بين دفتي كتاب "ماذا لو"؟ هل سوف تتشجع وتخوض غمار تجربة لا تعرف نهايتها؟ أم تتمسك بمكتسبات الواقع لتتنازل عن فرص المستقبل؟
هذا هو جوهر كتاب "ماذا لو؟" الصادر في 365 صفحة مؤخراً للكاتب في "الرياض" الزميل عبدالرحمن بن سلطان السلطان, عن دار مدارك للنشر, الذي يحلق بنا في مدارات العصور والازمنة بواقع أشبه بالخيال في مئة قصة قاسمها المشترك انها ليست بدعا أو أحلام يقظة , القلّة من أبطالها نجح من المرة الأولى, بينما الآخرون احتاجوا إلى كرّات متتالية من الفشل والخطأ للوصول الى النجاح .




يرى المؤلف في مقدمته أن يترك القارئ كل نظريات النجاح وكتب التحفيز والإبداع , وأن يبتعد عن الخطط المرسومة بالمسطرة والقلم؛ ليؤكد أن عنصر النجاح الأول يكمن في الشخص نفسه, لأنه ليس نسخة مكررة ممن سبقوه , من هذه القاعدة تنطلق نصوص وحكايا كتاب "ماذا لو؟", من حقيقة أن النجاح هو النتيجة الطبيعة للروح الإيجابية المتواصلة, وأن المبادرة مهما كانت مبتكرةً لن تزهر دونما شجاعة تقود إلى القفز فوق أسوار المجهول والمختلف, كما في القصص والتجارب التي يتناولها الكتاب من داخل المجتمع السعودي, وحتى أقصى الشرق والغرب, والتي نشر بعضها في عمود المؤلف في صحيفة "الوطن" ثم صحيفة "الرياض" وكذلك مجلة اليمامة الأسبوعية ومدونته الشخصية.
فمن شيكاغو إلى الرياض, ومن مملكة السويد التي استعانت بشبان سعوديين إلى الرجل الذي يعمل بقارتين في آن واحد, ومن القصة المنسية عن تأسيس الدوري الإنجليزي لكرة القدم إلى العجوز الفرنسية التي حَجرت على نفسها!,

وكذلك تجارب وقصص الناجحين ذات المسارات والنهايات المختلفة, التي سلكت طريقاً مختلفاً, أو ابتكرت أسلوب معالجة مختلفاً؛ وتناول أيضاً وجهات نظر مختلفة عن قناعاتنا, مثل فكرة أخذ إجازة لمدة سنة كاملة كل سبع سنوات, أو تحقيق المستحيل بالسفر حول العالم في 21 يوماً, ولم يغفل محاولة تطوير قناعاتنا في أساليب التعليم كما هي قصة الشاب ذي السبعة عشر ربيعاً الذي أتقن الحديث بعشرين لغة حيّة, أو الموقع الإلكتروني الذي أفسح المجال لتعلم اللغات بشكل مذهل أو التعلم من الشارع ..!

كما لا يخلو الكتاب من الحكايا الطريفة التي كانت سبباً في نجاح أصحابها مثل جوائز "أي جي نوبل" التي تمنح للابتكارات الأكثر سخافة وتفاهة في العالم, أو كتاب "رسائل حب لرجال عظماء" الذي ألف لاحقاً.

ولأن كثيراً من هذه القصص تخالف ما اعتدنا عليه من تقاليد فقد لايصدقها البعض من الوهلة الأولى.. إلا أنه قد يعيد النظر في جانب من أساليبه, ويخرج نحو مناطق تعّلم أبعد مما كان يتوقع ..

والاهم أن يؤمن أن جزءًا من نجاحات أبطال الكتاب جاء بسبب شجاعتهم في اقتحام المجهول ونزع الخوف منه لتحقيق هدف التساؤل ,

ماذا لو؟ واقع يدثره الخيال !

الأحد، 25 ديسمبر، 2016

تخيّل صيدلية بلا صيدلي ..!


بالتأكيد أنك سوف تتعجب من هذه البدعة الجديدة التي لم يسبقنا إليها أحد, ولكن يبدو أنها هي الحل غير المسبوق الذي تفتقت عنه أذهان المسؤولين عن سوق العمل, فشرط أن يكون الصيدلي هو من يعمل في الصيدلية أمسى عائقاً – في نظرهم - أمام توطين النشاط, فصار الحل السهل هو إلغاء "المتطلب التأهيلي للصيدلي العامل في الصيدلية" على حد تعبيرهم, أي بعبارة أوضح: الاستغناء عن الصيدلي!
 
 
لست في معرض الحديث عن الدور المحوري الذي يقوم به الصيدلي, فهو المتخصص الخبير في علوم الدواء وما يتفرع عنها, وهو الحامل لذخيرة علمية وعملية تقف بالمرصاد للأخطاء الطبية, سواء داخل المستشفى, أو في خط التماس في صيدليات المجتمع, وأثره ملموس كما توضح ذلك العشرات من الدراسات المنشورة عن قياس أثره الصحي والاقتصادي, متى ما أعطي الصلاحيات ودعم بالإمكانات, كما هو تقرير الدراسة التي أجرتها الجمعية الصيدلية الكندية, وشملت 500 صيدلية مجتمعية في جميع مقاطعات كندا، وامتدت لمدة أربعة أسابيع فقط، وتناولت مدى تأثير التدخل الصيدلاني بالنسبة للأدوية الرفيّة OTC (تصرف بدون وصفة طبية)، إذ سجلت النتائج الآتية: توفير ما مقداره 79- 103 ملايين دولار كندي نتيجة التدخل الصيدلي المباشر، توفير ما مقداره 19 مليون دولار كندي نتيجة تحديد المرضى غير الملتزمين بالخطة العلاجية الموصوفة، توفير ما مقداره 168- 265 مليون دولار كندي نتيجة لتثقيف المرضى حول حالتهم المرضية وأدويتهم المستخدمة, وبواسطة تحليل بسيط لهذه النتائج يتضح أن إفساح المجال للصيدلي – وليس إلغاء دوره تماماً - للعب دوره أدى إلى توفير ما يقارب 388 مليون دولار أو ما يعادل 64 ألف دولار للصيدلية الواحدة! إضافة إلى ذلك أدعوكم للاطلاع على تقرير "مراجعة الخدمات الصيدلية في كندا وأثرها الاقتصادي على الصحة العامة" لعام 2016م والمتوفر على موقع جمعية الصيدلة الكندية, وفيه تفصيل أوسع عن دور الصيادلة في مكافحة التبغ وحملات لقاحات الأنفلونزا وغيرها من الخدمات الصحية.
الإشكالية الأخرى لهذه الفكرة العجيبة أنها تضرب بعرض الحائط جميع الأنظمة الصحية المعمول بها بالمملكة، إذ وحسب المادة الثالثة والعشرين من (نظام الممارس الصحي) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/53 وتاريخ 4/11/1426هـ يحظر صرف الأدوية إلا من قبل صيدلي مرخص، وهو بالمناسبة كل من يحمل شهادة بكالوريوس علوم الصيدلة أو الدكتوراه في الصيدلة من إحدى كليات الصيدلة بالمملكة أو ما يعادلها حسب المادة الأولى من (نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/31 وتاريخ 1/6/1425هـ, بل إن الفقرة (ب) من المادة الثالثة والعشرين تؤكد عدم السماح لفني الصيدلة – حامل دبلوم الصيدلة - أن يصرف الوصفة الطبية إلا تحت إشراف صيدلي مرخص له، فما بالك بصرفه من الآخرين!
المأساة الأخرى أننا وبعد عقود طويلة من وجود كلية واحدة للصيدلة في الجامعة الأم, أضحى اليوم لدينا أكثر من عشرين كلية صيدلة حكومية وخاصة! فهل يقابل هذا التصاعد الهائل لخريجي الصيدلة بمحاولة تقليص سوق العمل, وإقصاء الصيادلة عن ميدان عملهم الأساسي!
بالتأكيد إن هذه الفكرة خرجت دون استشارة المختصين من صيادلة وغيرهم, ودون الإدراك الكافي لمهنةٍ تعد ركناً أساسياً في منظومة الرعاية الصحية, وأن وزارة العمل سوف تتراجع عن خنق خط الدفاع الأخير قبل وصول الدواء للمريض.
 
عبدالرحمن سلطان السلطان
 

 

الأحد، 18 ديسمبر، 2016

«كرانشي بيستاشيو»!

«غنيّة بحشوة الكرانشي بيستاشيو» هكذا تصف قائمة أطباق المطعم الفاخر أحد أهم أطباقه, وكأنما تلك الكلمات الأعجمية أضفت شيئاً من الفخامة والطعم الزائف للطبق, بينما المقصود بكل بساطة هو «فستق مقرمش»!
هذا المثال البسيط والمتكرر يعبّر عن واقع مزعج لما تتعرض لها لغتنا العربية, أو بالأحرى هوّيتنا الثقافية عبر وعائها الاتصالي, فالكلمات والجمل ليست مجرد أحرف وأصوات تتداولها الألسنة, ولكنها عمقٌ معرفي وتاريخي لأي أمة, وجزءٌ من الهوّية الوطنية لأي فرد.
من الطبيعي أن تتغلغل كلمات اللغات الأخرى وسط أحاديثنا وإلى لغتنا, فاللغة كائن حي يؤثر ويتأثر, وإحدى مميزات اللغات الحيّة – والعربية منها - مرونتها في تقبّل واستيعاب الكلمات المستحدثة القادمة من خارجها, كما في المصطلحات الطبية أو مسميات الأجهزة الإلكترونية الجديدة, لكن أن نلجأ لاستخدم مفردات من لغات أخرى نمتلك ما يوازيها من كلمات فتلك مأساة مزعجة, وتعبّر عن انهزامية لا تقل عن خسارة الحروب العسكرية والاقتصادية.
للأسف يؤمن كثيرون أن حشر كلمات أجنبية وسط حديثه, أو التحجج بجهله للمرادف العربي؛ علامة تقدم وحضارة, بينما هو في الحقيقة دليل ضعفٍ معرفي وهشاشة ثقافية, هذه الظاهرة امتدت مؤخراً إلى لوحات المتاجر والأسواق, وصارت جزءاً من قوائم أطباق المطاعم, وحتى مسميات المنتجات, والحجة أن العملاء يعتقدون أن أي منتج يحمل «نغمة» أجنبية فإنما هو منتج ذو جودة عالية, وبالطبع من نافلة القول إن الإسراف في الأسماء الأعجمية هو محاولة لتسويق المنتج على غيره من المنافسين دون الالتفات إلى جودته الحقيقية, أو محاولة للفت النظر كما فعلت في عنوان هذا المقال, رغم معارضتي الشديد لهذا الأسلوب.
اليوم الثامن عشر من ديسمبر نحتفل باليوم العالمي للغة العربية, وتقام الندوات واللقاءات العلمية في مؤسسات عديدة, وبالطبع أغلبها إن لم يكن كلها سوف تكون لقاءات أكاديمية خطابية، تعرض فيها الأبحاث البعيدة عن واقع اللغة اليومي, دون الالتفات لمبادرات شباب «التواصل الاجتماعي» لتشجيع استخدام اللغة العربية, التي دعمها قد يحقق ما فشلت فيه المبادرات الأكاديمية أو جهود الجهات الحكومية لبعث الأمل باستخدام «الفصحى» بشكل أوسع, خصوصاً وأن آخر معقل للفصحى بدأ يتهاوى؛ وهي مسلسلات الرسوم المتحركة للأطفال, التي يسودها اليوم اتجاه جديد لدبلجتها باللهجات المحكية! بعد أن بقيت تلك الرسوم – ولعقود متتالية - أحد أهم مصادر بناء مفرادت الفصحى للأجيال العربية الناشئة.
من المخجل أن لغةً يتحدث بها ما يزيد على 400 مليون نسمة تشهد تراجعاً وتقهقراً؛ والسبب هم متحدثوها الأصليون! فنحن من نبحث عن المفردة الأجنبية, ونحن من نتكاسل عن تعلّم لغتنا, ونحن من نثني على من يُعلم أبناءه لغة ثانية ونتجاهل لغتنا الأم! ونحن من نسخر ممن يحاول أن يتحدث بالفصحى! فبعد كل هذا نتعجب ممن يكتب «كرانشي بيستاشيو»!

عبدالرحمن سلطان السلطان