الجمعة، 4 نوفمبر، 2011

هل الحياة في الغرب أفضل ؟!

سؤال يتكرر دونما إجابة:

هل الحياة في الغرب أفضل؟!



سؤال لطالما تردد في عقولنا, و أزداد طنينًا مع تدافع أفواج المبتعثين والمبتعثات إلى أقطار الدول الغربية, وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية, في هذه التدونية التي أكتبها في ركن قصي من مدينة ألباكركي ABQ ولاية نيومكسيكو NM(جنوب الولايات المتحدة الأمريكية) خلال زيارة أحد الأصدقاء الأعزاء هناك, أحاول تلمس إجابات شافية لهذا السؤال الصعب.


صدمة و أكثر..

في البداية لابد من التوقف عند مفهوم الصدمة الثقافة Culture Shock وهو مفهوم اجتماعي/ثقافي يصف المخاوف والمشاعر (مثل المفاجأة، الحيرة، الفوضى، إلخ) المحسوسة عندما يتعامل الفرد ضمن ثقافة أو محيط اجتماعي مختلف تماما، كالبلاد الأجنبية, وعلى الرغم من الإنفتاح الإعلامي ومعرفة جيل الشباب بروح الثقافة الغربية بشكل كبير (عبر الأفلام, التلفزيون, ألعاب الفيديو...ألخ) إلا أن تطبيق النظرية ومراحلها المتعددة من الركض السعيد لمفاهيم الثقافة الجديدة ثم مرحلة التقبل و المفاوضات, بعد ذلك الحنين إلى الماضي و تقديم التنازلات تفصح عن حقيقة لا تدرك إلا بعد مرور فترة ليست بالقصيرة.


في أول زيارة لي لأمريكا, أتذكر صدمتي الإنبهارية عندما وطئت مانهاتن في نيويورك عام 2007م, بعد تردد شديد للسفر لأمريكا, بعد انتشار قصص مضايقات الدخول, نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمر, ولكن على أية حال وصلت إلى أمريكا برفقة زوجتي إيمان, وهناك كان التسابق نحو ماكدونالز, ونحو متاجر تايم سكوير, ومسارح برودوي الشهير.... والقائمة لا تنتهي, وأمتدت تلك الرحلة الأولى نحو أورلاندو و شيكاغو و واشنطن العاصمة....و كان الإنبهار و الفرحة الشديدة تغلف روح تلك الرحلة الشيّقة, وتنقلها إلى مستوى رفيع من البهجة و الحبور....
أنظمة سهلة ورائعة... أناس مبتسمون.... أماكن رائعة ونظيفة.... مناطق جذب سياحي مبهر... أما الطرق السريعة فتلك رواية أخرى... وغيرها كثير...

تجربة غنية.
ولكن مع تكرر زيارتي للولايات المتحدة الأمريكية بشكل دوري, واحتكاكي بأصدقائي المبتعثين هناك, خصوصًا خلال الفصل الدراسي الذي قضيته في جامعة ميشيقان Michigan University في مدينة (آن أربر) الناعسة, و إطلاعي على طبيعة عمل و حياة زملائي الأمريكان في الشركة التي كنت أعمل فيها سابقًا في مصنع الشركة في ولاية نيوجرسي (جنوب نيويورك) جعلني أفكر بعمق شديد: هل الحياة في الغرب أفضل؟؟  وخصوصًا بالنسبة لنا كسعوديين, وللإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى تحديد المحاور الرئيسية التي تلح على أفكارنا كسعوديين عندما نفكر بهذا التسأول المشروع, والتي يمكن تلخيصها بالنقاط العشر فيما يلي:

1- أمريكا بلاد الفرص العظيمة.
وهذا ما يصدح به الجميع دونما استثناء, ولكن عندما تدخل في التفاصيل تجد الشيطان كما يقول المثل الشهير, فالمجتمع الأمريكي يتميز بقصص النجاح الملهمة للكثيرين من أبناء الأقليات, ولكن جل تلك النجاحات كنت نتيجة رحلة طويلة من الألم و العرق و التضحيات, التي لا يمكن وصفها بالسهلة أبداً, فالحياة صعبة في حقيقتها, والفرص متاحة لمن يجد ويجتهد بشكل كبير, و أوكد بشكل كبير جدا, فالجميع يجهتد فقط ليحافظ على وظيفته أولاً, ثم ليصعد السلم ثانيًا. وغني عن القول أن من درس دونما أن يدفع قرشًا واحدًا, بل كان يستلم راتبًا للإعاشة يفوق ما يحصل عليه الأمريكي المتوسط أن يجد له مكانًا مناسباً في سوق العمل الأمريكي, والذي يوصف بكونه سوقًا متقلصًا بشكل ملاحظ, وذو جوانب تنافسية صعبة جدًا.

2- الحرية و الديمقراطية.
وهي القيم التي أرساها الأباء المؤسسون لهذه الدولة , فالحرية كقيمة تصان ضمن مبادىء الدستور وتحفظها مؤسسات الدولة وهيكلها القضائي المستقل.
إن العيش ضمن نظام يعطيك الحق في الحديث وفي السكوت أيضًَا, بل ويحمي حقوقك بشكل يثير الدهشة تجعلها أمنية يتسابق عليها البشر من كافة أنحاء الأرض نحو بلاد العم سام.

3- وضع المرأة.
وهنا الحديث يطول ويتشعب, فالقصة الشهيرة المتدوالة عن رغبة فتاة أمريكة العيش في بلادنا لما سمعته من حفظ لكرامة المرأة واعتمادها الشديد على ولي أمرها, بعدما عانت الويل من اهانات صديقها و اعتمادها على نفسها في الحياة, بعدما تركت بيت أهلها, يجعلنا نفكر بالجناح الثاني للقصة و هي الفتاة الشرقية التي تحلم بالعيش في أمريكا, لتحرر من قيود العائلة ولتصبح كائنًا حياً مكتمل الأهلية, ولتختبر جمال الحياة وروحها في الخروج و السفر و الصداقة وبناء النفس, و قبل ذلك كله قيادة السيارة (:
و المشكلة في هذا المحور؛ هي ضبابية الهدف, فواقع المرأة الأليم التي تعيشه يدفع الكثيرات إلى التفكير بأي شيء للخروج من هذا الواقع المزعج, وأذكر أنني سبق وقابلت عجوزًا أمريكية في مطار سان فرانسيكو (شرق أمريكا) منتصف العام 2010م التي تحدث معي عن ذكرياتها مع زوجها الذي عمل مبكرًا في أرامكو السعودية منتصف الستينات الميلادية, وكيف أنها كانت تشفق على الفتيات السعوديات من حياتهن الصعبة, ولكنها في الجانب الأخر كانت تتمنى بعضًا من جوانب الرعاية التي يحطن بها !!!

4- سهولة الحياة.
صحيح الحياة سهلة وبسيطة, و لكنها فقط لمن يملك المال, والقدرة على الإستمرار بالدفع, هنا تصبح الحياة ليس فقط سهلة؛ بل رائعة, و المتأمل في أسلوب حياة الأمريكان يجد أن مستوى المعيشة للفرد ينخفض باستمرار, و إندفاع الشركات الأمريكية نحو خفض التكاليف وبالتالي زيادة أرباحها يجعلنا نتسأل ما هي معايير سهولة الحياة.
فخفض التكاليف جعل السفر بالطائرة داخل أمريكا قطعة من العذاب, شركات تعد على الأصابع تحتكر الأجواء, أسعار متقلبة ورسوم متنوعة, ورحلات قليلة مباشرة بين المدن وغير ذلك, ومؤخرًا أساليب التفتيش الذاتي في المطارات, وما يصاحبه من انتنهاك للخصوصية و للكرامة الإنسانية.

5- الإبتسامة.
من أجمل الأمور التي تسعدك في أمريكا, هي الإبتسامة المتواصلة للجميع, و التحية التي ترد بأحلى منها من الجميع, و أؤكد على كلمة الجميع, فعلى الرغم من أن تبسمك في وجهك أخيك صدقة, إلا أن من طبق هذا المفهوم هم هذه الأمة الرائعة, ولا يهمني كون الأبتسامة بدأت بأسلوب الفرض على الجميع وكونها من متطلبات الاستمرار في الوظيفية و بالتالي الدخل المادي, بل أهتم بكونها أمرًا يسعدني يوميًا, ويجعل من يومي يومًا جميلاً قدر الإمكان.

6- الضرائب و الرسوم.
بكل بساطة بلادنا لا يعتمد نظامها الاقتصادي على الضرائب (مع وجودها على شركات الإستثمار الأجنبي), فالبيع و الشراء معفي من الضريبة, وهنا في أمريكا تترواح للمواد الاستهلاكية ما بين (3-9%) و قد تصل في حالات وولايات محددة إلى 12% فضلاً عن ضريبة الدخل المضافة, والضرائب المتنوعة على العقارات و الأصول الأخرى التي تثقل كاهل المواطن البسيط, بينما تستطيع الشركات الكبرى والأثرياء التملص منها نتيجة وجود جيوش من المحامين خلفهم, الأمر الذي يجعل الثروة تنساب من جيوب الأفراد العاديين إلى خزائن الأثرياء باستمرار..
أما الرسوم المخفية فتلك قصة اختبرها كل من سافر إلى أمريكا, فالكثير من السلع و الخدمات تعرض بأسعار مغرية وجذابة, ولكن عندما تقع في مصيدتها تجد الكثير من الرسوم, التي قد تتجاوز في بعض الأحيان السعر الملعن بشكل كبير, كما يحدث مع شرائح الهاتف الجوال و خدمات الإنترنت, و البيع عبر التلفزيون, وخدمات تأمين السيارات و غيرها, وتلك مشكلة صعبة, خصوصًا مع تزايد احتكار بعض الشركات لخدمات محددة, الأمر الذي ساهم في رواج سوق الرسوم المخفية.

7- البنية الأساسية.
بلادنا لا تزال في مرحلة البناء ورغم الإنجازات التي حدثت إلا أن تطور البلاد و الإنفجار السكاني يستلزم الكثير و الكثير, في الولايات المتحدة عجلة بناء البنية الأساسية توقفت منذ سنوات عديدة, فالطرق السريعة و الجسور و الأنفاق العظيمة و غيرها من منشآت البنية الأساسية كانت تيجة حقبة إنتهت من تاريخ البلاد, وهذا ما يلاحظ بشدة على قدم البنية وتهاكلها في أحيان عديدة, ومن المثير أن نعلم أن خطة الإنعاش الاقتصادي الأمريكي تعتمد على دعم البنوك و حقن سوق البنية الأساسية بمليارات من الدولارات الخضراء.

8- العنصرية.
لقد تأخرت الولايات المتحدة الأمريكية كثيرًا في حل مشاكل العنصرية, وعلى الرغم من وصول أول رئيس أسود للبيت الأبيض مؤخرا إلا أن روح العنصرية لا تزال موجود عند البعض, ولكن النظام يجرم مثل تلك الممارسات, يجعلها مخالفة نظامية تستحق العقوبة.
من جهة أخرى و لكون المجتمع الأمريكي يعتبر مجتمع مهاجرين من كافة أنحاء العالم يصبح تقبل الآخر جزءًا من الثفافة المحلية, خصوصًا مع الأجيال المتعاقبة, التي أضحت تتزاوج فيما بينها بشكل أوسع.

9- السياحة الداخلية:

اعتقد جازمًا أن الولايات المتحدة الأمريكة تعتبر أفضل مجمع سياحي في العالم قاطبة, لقد سافرت كثيرًا لأمكان مختلفة وأقطار متباينة, ولكنني لم أجد مثل التنوع البيئي الرائع, بل تعدد مواقع الجذب السياحي, والأسعار المعقولة, بالإضافة إلى الموهبة الأمريكية في تسويق و تطوير تلك المواقع.... من لاس فيقاس إلى لوس أنجلس إلى شيكاغو إلى نيويورك... والقائمة طويلة جدا جداً
وهنا لا يمكن مقارنة الواقع السياحي في أمريكا بواقعنا, فالبنية الأساسية للسياحة الداخلية لدينا غير متوفرة, بل تكاد لا تذكر, وهنا في أمريكا تعد السياحة البينية بين سكان الولايات جزءًا من المورث الشعبي, وأسلوب حياة الأمريكي, تتمنى أن تكون جزءًا منه.


10- المستقبل:

لا يعلم المستقبل إلا الله, ولكن الواضح أن الأمور لابد أن تتغير فالواقع الإقتصادي في أمريكا يعاني الكثير من الأزمات, نتيجة التطرف الرسمالي في تطبيقات المفهوم الرأسمالي في إدارة الإقتصاد, والدخول في حروب خاسرة بشكل متتالي, بينما نحن نستمر في دفع عجلة إقتصادنا اعتمادًا على النفط, الذي سوف يتوقف يومًا ما أو تظهر آلية جديدة لإنتاج الطاقة, وهنا سوف ننتقل إلى مرحلة جديدة لا يمكن تصور مستقبلها. لكن الأمل واسع لدينا اعتمادًا على شبابية روح مجتمعنا و استقرار قيادته نحو مستقبل مشرق أكثر.

وبعد...

لا اعتقد أنني قدمت إجابة شافية على سؤالي, ولكنني قدمت رؤية بانورامية لما نراه يوميًا ونحس به تجاه الغرب, وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية, وفي المحصلة النهائية أعتقد أن الحياة في الغرب صعبة, وقد لا تناسب قيم مجتمعنا و روح إلتزامه الديني, لكنها رائعة ومميزة لفترة محددة من رحلتنا في الحياة, وخصوصًا الشباب,و هذا ما أؤكد عليه و أدعوه له بشده, و على كثر ما سمعت: ( والله شكلي أبقعد بعد ما أخلص) على كثر ... ولا واحد نفذ كلامه.. دمتم في رعاية الله ..


عبدالرحمن بن سلطان السلطان



هناك تعليقان (2):

  1. كلام جميل جدا
    وصياغة رائعة

    ردحذف
  2. شكراً لك اخي الكريم

    ردحذف