الاثنين، 5 ديسمبر 2011

ما أدري وش أبـي؟؟ *

ما أدري وش أبـي؟؟ *

يصل الواحد منا سن الثلاثين وهو مفعم بالحيوية, متخم بالآمال العريضة, بعد سنوات المراهقة و الأفكار الواسعة جداً, ولكن ما يكاد يتجاوز منتصف الثلاثينات من عمره, حتى يبدأ شيطان الاكتئاب بالتسرّب إلى روحه, ولتنكسر نفسه دون آمالها, بل وتتحول حياته إلى مجرد آلة تجتر الماضي و تعيش الحاضر في حركة تكرارية مريرة, هذا الوصف الأسود هو ما يلخص واقعنا الاجتماعي على مستوى الأفراد, وهو نتيجة مباشرة لغياب الهدف الواضح والمحدد لدى قطاع واسعٍ منا, فالكثير يأمل بالكثير!, لكن لا يتحصل إلا على الفتات من تلكم الآمال المتنوعة.

ولعل نظرة خاطفة على حياة أغلب الناجحين و الواردة أسماهم في كتب التاريخ لتجد أن وضوح الهدف والتضحية دونه كانت هي الوصفة الرئيسية للنجاح, ليس فقط على المستوى العام, ولكن على مستوى الفرد, و رضاه عن نفسه أولاً. ودعني أقولها صريحة: لا يمكن أن يكون الشخص ناجحًا في التجارة و ناجحاً في الأدب و الثقافة وناجحاًً في المجال الأكاديمي و ناجحًا في مجالات أخرى في آن واحد, ذلك لأن ساعات اليوم لجميع البشر هي 24 ساعة فقط, كما أن قدرة البشر على التحمل و العمل لها حدود طبيعية لا يمكن تجاوزها. فعصرنا الحاضر هو عصر التخصص, بل و التخصص الدقيق, و الذي يفتح الآفاق لمختصيه نحو مجالات أوسع, و لكن بعد أن يبرز في ما يحبه و يؤمن فيه, حينها تفتح أبواب مغارة (علي بابا) أو قل تفتح أبواب الرزق و الشهرة على مصراعيها.

نواميس الحياة

عندما أنزل الله سيدنا آدم وحواء جعل لهذه الحياة نواميس تحكمها, وتكرر نفسها بشكل يثير الدهشة, و إحدى أهم تلك النواميس أن السعي في الأرض والتحرك هو مفتاح الرزق على كافة أنواعه,يقول عز وجل في محكم التنزيل (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) فالرزق غير محصور بأرض محددة, بل إن الانطلاق إلى أماكن أخرى قد تخلص الإنسان في قيود عائلية أو عادات اجتماعية, ليركز في عمله أو دراسته, فيكون النجاح حليفه, و من المشهور في تراثنا المحلي أن يولد في بلدة ما يرزق في بلدة أخرى, وهكذا.

من تجارب الجميع

وعودًا على موضوع تحديد الهدف, فمن منا لم يعش تجربة ضياع الرؤية وغياب الهدف بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية, كما لا يزال خريجوها يعشونها اليوم, فالغالب الأعم لا يعرف أن يذهب!, مع أن خطوته القادمة في تحديد التخصص أو الخروج مباشرة إلى سوق العمل سوف تؤثر على مستقبل حياته بشكل كبير؛ إلا أن الكثير من شبابنا لا يعرف أي شيء, بل يدخل تخصصا ما بناءً على توصية صديق أو وجود قريب سبق له دراسة التخصص, بل الأدهى من ذلك دخول التخصص بناءً على مدى سهولة الدراسة أو قرب مقر الجامعة أو الكلية ! هنا يقع الفرد في مشكلة عويصة لا يحس بها إلا بعد فوات الأوان, وقد حصل أو لم يحصل على الشهادة في تخصص لم يحبه, ليجد نفسه انظم إلى قاطرة الأفراد الذين يضيفون مجرد أرقام لا تذكر إلى الإحصاء السكاني لبلادهم و فقط.

خلاصة الحديث

فتش داخل روحك و أعرف ماذا تريد, ولا تستمع إلى أحكام الآخرين على إطلاقها, فما يعجبك قد لا يعجبهم, و أجعلهم مجرد مستشارين و خبراء تستأجر عقولهم بالمجان, وحين تعرف ما تريد من نفسه و ماذا تريد لها, أنتقل إلى المرحلة الثانية وهي التركيز على أهداف واضحة, و كتابتها على ورقة حقيقة, ثم النظر إليها و الإيمان بها, فالعمل على تنفيذها, والبعد عن كافة المشتتات, وتقليص الملهيات, ثم التوكل على الله –سبحانه وتعالى- والعمل الجد, حينها تذكر قوله تعالى (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) ( الكهف : 30 ). سوف تصل إلى مرادك بأسرع مما تتوقع...

دمتم في رعاية الله

عبدالرحمن بن سلطان السلطان

* ترجمة العنوان المكتوبة باللهجة النجدية: لا أعرف ماذا أريد.





هناك تعليق واحد:

  1. الفكرة مميزة, لكن المشكلة أن الفكرة و الهدف يكون في رأسك, لكن المجتمع والظروف هي التي تمنع في تحقيقك مبتغاك.
    شكرا على الطرح

    عبدالسلام, الرياض

    ردحذف