السبت، 17 ديسمبر 2011

يمقن إيه... يمقن لا ...!!

يمقن إيه... يمقن لا ...!!

من الأمور المثيرة في مجتمعنا هي حياة التناقض المتعدد الذي نعيشه على مختلف المستويات الاجتماعية, و الأكثر إثارة هو إيماننا التام بسلامة موقفنا من الناحية الأخلاقية Ethics و من الناحية الدينية من جهة أخرى.


ولعل الملاحظ لتحليل الخطاب المحلي Discourse analysis ليجد الغريب من الخصائص والمتناقضات, التي لم تجتمع سوى في مجتمعنا المحلي, والتي أعتقد أنها تراكمت نتيجة سطوة المؤسسة الدينية في البلاد و تحالفها مع المؤسسة السياسية, و توافق ذلك مع وفرة من المال, أدى إلى بروز حياة الترف, مع كل ما يصاحبها من أمراض اجتماعية وثقافية, تلكم المتناقضات التي أضحى تعايشها معنا مثيراً للتعجب و السؤال, و مدى قدرتنا على تجاوز التنافر في وعينا و إدراكنا المعرفي, والقفز على تساؤلات الضمير الصادق.

سبق وأن ناقش الأديب النوبلي "نجيب محفوظ" ثيمة تناقض الرجل الشرقي ضمن ثلاثيته الروائية الشهيرة "بين القصرين" , التي تناولت قصة عائلة تسكن القاهرة, يحكمها أب متزمت ذو شخصية قوية هو السيد أحمد عبد الجواد أو ما أصطلح عليه بــ(سي السيد), الذي يعيش في كنفه كل من : زوجته أمينة و ابنه البكر ياسين و فهمي وكمال إضافة إلى ابنتيه خديجة وعائشة,وتدور الأحداث حول محور الحياة السرية من الملذات التي يعشها الأب و يحرّمها على ولديه, بل يعيش حياة جادة جداً في منزله وعمله, وهذا للأسف ما يمارس لدينا حالياً على نطاق واسع, بين شبابنا و جيل الآباء, ممن يتوزع ساعات يومه بين دوام وظيفي, وسهرة دورية في " الاستراحة" وقليلٍ خاطف من الحياة الأسرية.

لقد لخص انتشار وتداول مقطع "يمقن إيه و يمقن لا" في شبكات التواصل الاجتماعي, و من قبله مغامرات "لورنس" البذيئة في غرف البال توك؛ هوس فئةٍ لا يستهان بها من المجتمع وتلذذها بسماع الكلمات النابية و الألفاظ السوقية, والحديث في أعراض الناس, والاستهزاء بمن يعانون من أمراض أو ظروف تختلف عنهم, وهو ما يتناقض مع خطابنا الديني المحلي الذي نجاهر فيه ليل نهار, وهو تمثل روح الإسلام الحقيقي, وأخلاق النبوة و القرآن, من خلال احترام الناس و أعراضهم, والبعد عن البذاءة وعدم الترويج لها, وهنا يكمن السؤال الفلسفي حول لماذا كل هذا التناقض؟؟ لماذا كل هذه الازدواجية في الحديث و الاستمتاع داخل الغرف المغلقة بأشياء يتقزز منها الفرد أمام الناس, بل ويحاربها بكل ما أوتي من قوة ونفوذ!! لماذا الفرحة بكل هذا الزخم من "نكت" و طرائف المحششين؟ سؤال أجزم أننا نحتاج تكاتف عصبة من علماء الاجتماع و النفس وغيرهم للخروج بأجوبة مفهومة!!

في العالم الغربي قلما تجد فردًا غير متصالحٍ مع نفسه, قبل أن يتصالح مع مجتمعه, بل إن الفرد يستغرق سنوات من شبابه حتى يصل إلى جوهر ما يريد, حينها يجاوز رحلة : "ممكن أن أعيش هكذا, أو ممكن أن أعيش كذا" إلى مرحلة هذا "أنا".... المتجرد أمام الناس و من خلفهم, هنا تصبح الحياة واضحة للجميع, بلا حواجز من الكذب و النفاق, تجعل الفرد حائرًا بين كل هذه الأقنعة, التي تخفي صديدًا قبيحاً وقيحًا كريهاً, من المؤكد أن المجتمع سوف يكون في حالٍ أفضل حينما نقضيى على تلكم الأزمة الاجتماعية المتفشية بيننا.

وبعد؛ إنها ليست دعوة نحو الفجور, أو نداء نحو استمراء المنكر و التعوّد عليه, بل إنها صرخة في أذن من يشوه صفحة مجتمعنا الطيب الطاهر, وصفعة على جبين من يدمر البقية الصالحة في فؤاد مجتمعنا, الذي كان لا يعرف الكذب و لا يعرف حقارة التعامل بالوجهين, بل كانت الكلمة البسيطة تقال في المسجد و الشارع و البيت, وفي كل مكان, لا تتغير ولا تتبدل, لأنها كلمات حق و محبة وصدق, تشفي القلوب وتنير الدروب... يمقن وصّلت فكرتي... يمقن لا...

و دمتم في رعاية الله

عبدالرحمن بن سلطان السلطان




هناك تعليق واحد:

  1. كان من الأفضل لو أنك أسهبت في تحليل المشكلة بناء على ما ذكرته في الفقرة الأولى من المقال بدلا من الإسهاب في مشاهدات يسهل على معظم الناس الإلمام بها كما فعلت في بقية الفقرات (ابتداء من قولك "سبق وأن ناقش الأديب النوبلي....")...
    بالتوفيق...

    ردحذف