الأحد، 30 ديسمبر، 2012

"النيوزويك".. #العدد_ المطبوع _ الأخير


"النيوزويك".. #العدد_ المطبوع _ الأخير



..وهكذا لم تستطع مجلة "النيوزويك Newsweek" العريقة الاحتفال بالذكرى الثمانين لصدورها، فودّعت قراء نسختها الورقية قبل شهرين من حلول الذكرى، بل وجعلت غلافها الأخير "سريالياً"، حينما وضعت الخلفية صورة حزينة وغير ملونة لبرج المجلة وسط "نيويورك"، وعنّونت الغلاف بوسمٍ "تويتري" يقول: last print issue أو العدد المطبوع الأخير! مما فتح الطريق واسعاً لعشرات الآلاف من "التغريدات" ليس في أميركا فقط، بل في العالم أجمع.


قبل أقل من شهر كنت في مدينة "نيويورك"، وكانت لي زيارة خاطفة لزميلة تعمل محررةً في الموقع الإخباري الشهير "
Daily Beast ديلي بيست"، كنت قد زاملتها خلال الفصل الصيفي الذي قضيته في كلية "إميرسون" للإعلام في "بوسطن" قبل سنوات، هذا الموقع كان قد دمج العام 2010م مع الهيكل الإداري والتحرير لمجلة "النيوزويك"، بعد انتقال ملكية المجلة إلى الملياردير الأميركي "سيدني هارمان"، الذي كان اشترى المجلة من مجموعة "واشنطن بوست" بدولار أميركي واحد!! ، تقول الزميلة لقد حاولنا كثيراً وبشتى الطرق بعث الحياة في النسخة الورقية، لكن السوق – للأسف - لم يستجب، وبدلاً من زيادة النسخ الموزعة، أو على الأقل توسّع الفئة العمرية لقراء المجلة، كنا نلاحظ انخفاضاً متواصلاً في التوزيع، مع تراجع اهتمام المعلنين بها!
ويرى بعض المراقبين أن توقف النسخة الورقية لهذه المجلة الشهيرة، وتحوّلها إلى شكل إلكتروني كامل ماهو إلا دليل إضافي على الموت التدريجي للصحافة الورقية، وأن هذا المصير المحتوم يحتاج فقط إلى مجرد سنوات قليلة حتى يصل صحافة العالم العربي، وأن دلائله بدأت بالظهور من خلال ازدهار متابعة الصحف الإلكترونية، وتراجع مبيعات الصحف الورقية، بينما يجادل آخرون أن سوء إدارة تحرير المجلة، وتركيز الملاك السابقين على نشاطات أخرى كالمعاهد التعليمية وغيرها قد أثر سلبياً على قدرة المجلة على المنافسة في سوقٍ شرسة وضيقة، ويدللون على ذلك باستمرار نجاح مجلتي "التايم" و"نيويوركر"، والأخيرة – بالمناسبة - تدار من نفس الموقع الإلكتروني الذي دمجت معه "النيوزويك"!، ولعلي هنا أدعو للاطلاع على التغطية الصحفية الثرية التي قدمها موقع "ديلي بيست" لقصة التحوّل الإلكتروني للمجلة، حيث أفردت صفحات طويلة للحديث عن تاريخ المجلة، و"خبطاتها" الصحفية الشهيرة، مثل فضحية "مونيكا ليونسكي" مع الرئيس الأميركي الأسبق "بيل كلينتون"، والعدد الاستثنائي والإضافي للمجلة الذي صدر بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من هجمات الحادي عشر من سبتمر 2001م، وغيرها من تحقيقات الصحافة الاستقصائية التي تميزت بها المجلة كما أغلب مجلات النخبة الأميركية، فضلاً عن معرض أغلفة بعض الأعداد الشهيرة، وهي تعد – بحقٍ - مدرسة متميزةً في العناوين الصحفية، وحسن اختيار الصورة الرئيسية، وتنسيق الشكل الفني، أما الأروع في هذا الملف فهو الحديث بكل تجرد وموضوعية عن المنافسة الملحمية بين المجلة ومنافستها اللدودة مجلة "التايم
Time"، التي رواها اثنان من قدامى الحروب الأسبوعية بين هاتين القامتين الإعلاميتين!! خصوصًا إذا علمنا أن مؤسس "نيوزويك" عام 1933م الصحافي "توماس مارتن" كان يشغل رئاسة تحرير مجلة "التايم"، وخرج منها بعد خلاف شديد مع ناشرها.

تقول المشرفة على عملية التحوّل ورئيسة التحرير "تينا براون" في عمودها الأخير: "في بعض الأحيان؛ التغيير ليس فقط شيئا جيداً، ولكنه ضروري أيضاً!"، لقد أقرت "براون" بفشلها في انتشال المجلة من تراجع مبيعاتها، وعدم قدرتها على الاستمرار، وأرجعت ذلك إلى دراسات حديثة أشارت إلى أن أكثر من 40% من الأميركيين يقرؤون الأخبار والصحف عبر شبكة الإنترنت، لكنها أشارت إلى أن المجلة سوف يتغير اسمها إلى "نيوزويك غلوبال" وذلك لتصل إلى "نقطة تسمح لها بالوصول إلى قرائها بفعالية أكبر" وهي تقصد عبر شبكة الإنترنت، مما يمكن المجلة من التركيز على مواضيع دولية أكثر، بالإضافة إلى زيادة صيغ التفاعل الآني مع القراء من جهة، وكتاب وصحفيي المجلة من جهة أخرى.
لكن الأمر الجميل من كل هذا أن النسخة العربية من "النيوزويك"، التي تصدر حالياً عن دار الوطن بالكويت سوف تواصل الصدور، بالإضافة إلى طبعات بعض اللغات الأخرى، نظراً إلى عدم تحول أسواق تلك المجتمعات إلى المحتوى الإلكتروني كما السوق الأميركي، حسب رؤية إدارة تحرير المجلة، لكنها في نهاية الأمر سوف تصل إلى ما وصلت إليه النسخة الأم، خصوصاً مع تراجع الإقبال على شراء مثل هذه النوعية من مجلات النخبة.
السؤال المهم، الذي قد تطول الإجابة عنه: أي صحفنا أو مجلاتنا السعودية، سوف تكون الأكثر شجاعة لاتخاذ قرار التوقف عن إصدار النسخة الورقية، والاكتفاء بالنسخة الإلكترونية؟ هذا ما سوف نعرفه سوياً.. وبالتأكيد قريباً جداً.
عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 14 ديسمبر، 2012

"جمال" المسيحي بتاع "نيونيورك"


 "جمال" المسيحي بتاع "نيونيورك"
تعرفت على "جمال" خلال اقامتي القصيرة في "نيونيورك" هذا الشهر, وبقدر ما رأيت من روحه المرحه؛ بقدر ما أحسست بقسوة الغربة عليه, حيث يعمل "جمال" ثمان ساعات متواصلة, سبعة أيام بالأسبوع, على عربة بيع "النقانق" وسندويشات "الفلافل" والدجاج والمرطبات, وذلك عند تقاطع الشارعي 48 و10.
يوماً سألته عن  شخصية الصورة المعلقة خلفه, حاول تغيير الموضوع, بيد أن إصراري جعله يشير إلى أنني "سعودي" ولا يجب أن أعرف الإجابة,  أجبته بسرعة: أنني أعرف أنها للسيدة العذراء, ولكن السؤال مجرد سؤال حديث عام, وليس لهدف محدد.
وبعد إلحاح شديد عليه, ذكر لي قصته المأساوية مع شاب سعودي, قبل ثلاثة أشهر, الذي توقف أمام عربته, وطلب من هذا وذلك, وقبل أن يدفع الحساب, سأل عن صاحبة الصورة, يقول "جمال": أجبته بحسن نية وتجرد, لكنني فوجئت بتغير معالم وجه, ثم ترك ما طلب, وذهب دون أن يدفع حسابه!!
حاولت الاعتذار عن موقف مواطني, وأنه قد يكون شاباً صغير السن, وليس مدركاً لضرورة التعايش وتقبل الآخر, لكنه قال "للأسف أن هؤلاء وغيرهم يعطون صورة غير صحيحة للإسلام", الإسلام المتسامح الذي يعرفه "جمال, الإسلام الذي غيرّه البعض ليكون متوافقاً مع مصالحه الفئوية والسياسية, وليس كما جاء به الهادي البشير صلى الله عليه وسلم, يضيف "جمال": "أنا حريص على أن تكون جميع مكونات أطمعتي "حلال" ولا أشترى سوى الأطمعة المصادق بحلتها من المركز الإسلامي في "نيونيورك", ذلك لأن المسلمين هو أخوتي في العروبة, وشركائي في الوطن, فضلاً عن أن الصدق والأمانة في التجارة هي ركنها الأول".
المثير في الأمر أن نعرف أن  "جمال" القبطي المصري, القادم من أعماق "أسيوط" الصعيد, عمل في بداية وصوله "نيونيورك", ولم يكن يمتلك أي شيء, على هذه العربة التي يمتلكها مصري آخر, ولكنه مسلم, هذا المالك, وما أن رأى قدر الإخلاص في "جمال" وحبه للعمل, حتى عرض عليه أن يكون شريكاً في ملكية العربة, وهكذا.. عربة لبيع الوجبات السريعة في "نيونيورك" يمتلكها عربيان, أحدهما مسلم والآخر مسيحي....هل وصلت رسالة "جمال" ؟ أتمنى ذلك...
عبدالرحمن السلطان
 

السبت، 3 نوفمبر، 2012

عمليات جراحية بأصابع قدمه!!


عمليات جراحية بأصابع قدمه!!


لم يكن طبيب الامتياز "فرانسيسكو بويسو Francisco Bucio" يعلم ما يخبئ له القدر صباح التاسع عشر من سبتمر 1985م, حينما ضرب زلزالٌ مدمر العاصمة المكسيكية "مكسيكو سيتي" عند السابعة وتسع دقيقة, وبثمان درجات من مقياس ريختر!
 

فجأة؛ وبينما كان يستعد لبداية جولته اليومية في الدور الخامس من مستشفى "مكسيكو سيتي", وجد الطبيب الشاب نفسه تحت ركام خمسة أدوار من مستشفاه, بعد أن باغته الزلزال المدمر, والذي حصد أكثر من عشرة الألف من البشر حسب الاحصاءات الرسمية.

تحت أطنان من الحطام والظلام, وأنين الجرحى, وروائح الموتى من حوله, تحسس "فرانسيسكو" أطراف جسده الجريح, فوجده يده اليمنى محتجزة تحت بقايا عمود خراساني ثقيل, حاول تحركيها لكنه أدرك استحالة ذلك, والأسوء ادراكه أن عدم وصول الدورة الدموية إلى يده يعني موتها, وضرورة بترها, مما سوف يقضي على أحلامه في ممارسة الطب, وبالذات التخصص في جراحة التجميل.

على مدى أربعة أيام بطيئة, تحمل "فرانسيسكو" ألامه الشديدة, مابين فقدان وعي أو يقظة متقطعة, زاده خوفه المريع على يده المحتجزة, بينما كانت فرق الإنقاذ تعمل ليل نهار, ومعهم والده واخوته الذين لم يفقدوا الأمل, حتى وصلوا إليه, ولم يفسد فرحة عثورهم عليه سوى اصرار فرق الإنقاذ على ضرورة بتر يده اليمنى حتى يستطيعوا انتشاله من تحت الأنقاض.

رفض والده هذا الاقتراح, وأصر على دفع فرق الإنقاذ للعمل ساعات متواصلة, حتى رفع العمود الخرساني بشكل كامل, ومباشرة نقل الطبيب الشاب نحو المستشفى الميداني, والذي أصر جراحوه على بتر أصابع اليد اليمني الأربعة على الأقل, ذلك أن عدم وصول الدم لتلكم الأصابع جعل أعصابها تموت, وأصبح من الضرورة بترها للحفاظ على سلامة بقية الجسد, وهذا ما حدث...

بعد أن أفاق "فرانسيسكو" من عمليته الجراحية؛ هاله ما خرج به من تلك الحادثة, لقد بقي على قيد الحياة, لكنه فقد أصابع يديه اليمنى, مما جعله يدركه أنه لن يستطع ممارسة الجراحة بيد واحدة! خلال الأيام التالية وقع "فرانسيسكو" أسير هواجس متضاربة, ثم حالة اكتئاب شديدة, لكنه كان لايزال متمسكاً بحلمه القديم أن يصبح يوماً ما جراحاً شهيراً, ومختصاً في علميات التجميل!

قاده تفكيره المتواصل إلى فكرة جنونية, لكن الأسوء منها هو إيجاد طبيب جراح يؤمن بها, ويستطيع القيام بها! كانت الفكرة هي نقل أصابع قدمه لزراعتها في يده اليمنى! وهكذا وخلال أربعة أشهر وجد "فرانسيسكو" نفسه في إحدى غرف عمليات "مركز كاليفورنيا باسيفك الطبي CPMC " الأمريكي, بعد أن أقنع البروفسور "بونكا  Buncke " بقيادة العملية التي اشترك فيها ثماينة جراحين مختصين, واستمرت أربع عشر ساعة ونصف, واستخدمت تقنية "المناظير الدقيقة Microscopes " لوصل الشرايين والأوتار والأعصاب بإصبعي القدم, اللتين وضعتا تقريباً مكان الخنصر والبنصر.

بعد ثلاثة أسابيع من الجراحة كان "فرانسيسكو" قادراً على تحريك أصابعه قليلاً, وقد كانت تلك مجرد البداية, إذ تطلب الأمر مزيجاً صعباً من تدريب الجسم والعقل واليد على هذا التحدي غير الطبيعي, وخضع "فرانسيسكو" طويلاً لورش تدريب وعلاج طبيعي, بعضها كانت غير ناجحة, وبعضها مؤلماً جداً, لكنه استطاع خلال ستة أسابيع فقط من امساك القلم, وفك الأزرار, حتى تمكن من كتابة اسمه بيده اليمنى, ثم تطور الأمر نحو تقطيع الخضروات والفواكة, لكنه خلال تلك الأسابيع الشاقة كان مؤمناً أن يده قادرة على التكيف مع الأصابع الجديدة, غير أن ذلك يتطلب صبراً عميقاً, وروحاً معنوية عالية لا تتوقف.
 

بعد عدة أشهر, عاد "فرانسيكو" إلى مستشفاه في مدينة "مكسيكو سيتي", وبدأ يزاول ما كان متاحاً له من مهنة الطب, وكانت البداية كما لو كان ممرضاً, حيث عمل على تنظيف وتضميد الجروح, ثم خياطة الجروح السطحية, ولكن يوماً ما وقد لاحظ أحد زملاءه الأطباء إصراره وعزيمته, فدعاه للمشاركة في إحدى العمليات الجراحية, واعتقد "فرانسيسكو" أن دوره في العملية لن يتجاوز التضميد والخياطة الخارجية, لكن ما أن بدأ الجراح عمليته, حتى نظر إلى صاحبه "فرانسيسكو" وقال له: "أكمل أنت النصف الثاني من العلمية الجراحية"! ورغم المفاجاة إلا أن صاحبنا لم يفوتها, وعمل جاهداً لمدة ساعة لإنهاء المطلوب, رغم أن الوقت الطبيعي لهذة العلمية لا يتجاوز دقائق معدودة, إلا أن تلك الساعة كانت طريقه نحو العودة لممارسة "جراحة التجميل التعويضية", بعد شهور طويلة من التدريب الشاق, وهاهو اليوم "فرانسيسكو" يمارس مهنته بكل اقتدار في مدينة تيوانا Tijuana  المكسيكية, ولا يخجل أبداً من أن يطلق عليه أصداقاه: "الطبيب الذي يجري العمليات الجراحية بقدمه"!

يختزن الانسان في داخله قدرة عجيبة على تجاوز الصعاب, وعلى الوصول إلى الأهداف مهما كانت بعيدة ومجنونة, ذلك أن التخطيط والإيمان بما تريد, ثم العمل بجد والتزام, سوف يصل بك إلى شاطيء النجاح مهما طالت المدة, وهاهو "فرانسيكو" وقد أصبح استشارياً وجراحاً شهيراً للعمليات التجميل, بعد أن كادت مأساة عارضة أن تغير مجرى حياته, فقط لو أنه استسلم ورضي بالهزيمة, لكن يبدو أن قاموسه كان خالياً من تلكم الكلمة, لذا عاد من جديد واستطاع تحقيق حلم حياته وبأصابع قدمه!!
عبدالرحمن السلطان
 

الأحد، 7 أكتوبر، 2012

في ذكرى "ستيف جوبز".. ما الذي كان ليفعله؟

 لم أستطع ترك كتاب "ما سوف يفعله ستيف جوبز" لمؤلفه "بيتر ساندر" دون التهام صفحاته كاملةً، والغوص عميقا في سيرة مختلفة لعَلمٍ غيّر عالم الحاسب الشخصي، وتحوّل إلى أيقونة عالمية بامتياز، وسواءً كنت من عشاق التقنية المتسارعة، أو مقتنصي قصص النجاح، أو حتى طالباً جامعياً مستجداً، فلا بد لك من مطالعة شيء من هذا المنهج الإداري المختلف وغير التقليدي، خصوصاً هذه الأيام التي تصادف الذكرى الأولى لرحليه، كما أن عنصر السرعة والاستفادة من الغير أضحى عاملا أساسيا للنجاح، أو كما يقول "ستيف جوبز" (1955-2011): "وقتك محدود، لذا لا تهدره لأنك لن تعيش حياة أخرى"!



العنوان الفرعي للكتاب يتوجه مباشرة للشباب المبادرين، ويطرح سؤالا يفترض الإجابة عليه بين دفتي الكتاب، وهو: "كيف يستطيع أسلوب ستيف جوبز أن يطور التفكير المختلف لأي أحد لكي ينجح" أو "يفوز Win" على حد تعبير ناشر الكتاب دار "ماكجرو - هيل"، حيث عمل المؤلف بطريقة متميزة عن مجمل الكتب التي تناولت سيرة "جوبز" وحاول الربط بأسلوب شيّق ما بين رؤية "جوبز" وعمله الحقيقي، معتمداً على احتكاكه المباشر به، وعرض القصص والأحداث بطريقة مختلفة.
يلخّص المؤلف ست خطوات اعتمدت عليها المسيرة الإدارية لصانع "أبل"، والتي سوف تمكنك في حال جمعت ما بينها من تفعيل كل أدوات الاتصال، وبالتالي الوصول إلى جوهر التأثير الذي كان يمتلكه "جوبز" على شركائه وموظفيه وكل من كان يتعامل معه.
تبدأ الخطوة الأولى بما يطلق عليه المؤلف: "العملاء Customers" حيث كان "جوبز" قادرا على التنبؤ باتجاهات النزعة الاستهلاكية للعملاء، حيث عمل على فهم واستيعاب احتياج الجمهور، وبالتالي استطاع تقديم منتجات تلبي رغباتهم، وتجعلهم أسرى كل ما يقدم بعد ذلك.
أما خطوته الثانية فهي "الرؤية Vision"، والتي تعد حجر الزواية لنجاحاته المتتالية، فرغم ما مرّ عليه من مصائب متتالية كطرده من شركته فقط بعد أقل من سنة واحدة من طرحه نظام "ماكنتوش" ونجاحه الأسطوري؛ إلا أن "جوبز" كان دائما ملما بجميع مراحل المشاريع الرئيسية، وكان يقدّر موظفيه بطريقة قد تكون مختلفة نوعا ما، لكنها حتما ملهمة.
لكن خطوته الثالثة قد تكون الأكثر حسما وهي: "الثقافة Culture"، التي تتمحور حول قدرة "جوبز" المدهشة في بناء بيئة عمل متماسكة ومتكاملة، تعتمد على طيف واضح من القيم والمعايير، تلكم المعايير التي تكون مشتركة ما بين منسوبي الشركة، مما يقود في النهاية إلى وجود تفاعل إيجابي مشترك، تبدأ بالتركيز على ثقافة الإيجابية، وتنتهي بمحاولة تجاوز روح السلبية، والمتمثلة في جملة "لا أستطيع"، ومنتجات "أبل" المبتكرة خير دليل على تجاوز الصعاب.
ورغم أهمية خطوة "المنتج Product" إلا أنها تأتي في المرحلة الرابعة، وكأنما هي نتيجة تلقائية للعمل الجماعي الخلاق، والذي يقود عادة إلى منتجٍ متخمٍ بالمميزات والخصائص، لكن "جوبز" يؤمن برؤية مختلفة تتمثل في البساطة والسهولة!، ثم إضافة لمسات خاطفة من "الأناقة"، والتي تنبع بالأساس من البساطة أولا، وليس من مفهوم التصميم الفني فقط، وهو – هنا - يقدم درسا حقيقيا في التسويق؛ وهو أن تبسيط المنتجات يعزز من جاذبيتها، وبالتالي محبتها، كما نرى اليوم من الهوس الذي يجتاح محبي شركة "أبل" حال طرحها منتجا أو إصدارا جديدا
أما الخطوة الخامسة فهي "الرسالة Message"، والتي يجب أن يقوم عليها المضمون والأسلوب، والحقيقة أن لدى "ستيف جوبز" أمثلة رائعة لرسائل تُربط بالرؤية السوقية، أو توقعات المستهلك، والجميل في الأمر أن معظم أحاديثه ورسائله كانت تنتهي بجمل ورسائل لا تنسى، الأمر الذي ينعكس بالنهاية على الخطوات الثلاث الأولى لفكر "جوبز".
الخطوة الأخيرة هي ما يطلق عليه: "جوهر العلامة Brand Essence"، وحيث إن العلامات التجارية الراسخة تصنف بناء على تكامل أربعة محاور: الصورة، والتناسق، والوعد، والثقة، إلا أن المثير في الأمر أن كل هذه المحاور لم تتوفر فقط في الشركة فقط، بل توفرت – أيضا - في قائدها "جوبز"! الذي نجح في بناء علامة تجارية متفردة الشخصية، وواثقة، حتى ناهزت قيمة الشركة 632 مليار دولار أميركي، لتكون الشركة الأكثر قيمة في التاريخ البشري حتى الآن.
من جهة أخرى يجادل البعض في كون "جوبز" شخصا غريب الأطور، ومتقلب المزاج، وصعب المراس، بل قد يكون قليل الأدب في التعامل مع الناس، وقاسياً على موظفيه، لكن لا أحد يستطيع القول أن "جوبز" لم يكافح ضد الظروف الصعبة، وأن "جوبز" لم يخرج من تحت الرماد أكثر من مرة، نعم يستحق "جوبز" التصفيق ليس فقط لإبداعه وقدراته الفذة، بل يستحق التصفيق لأنه أثبت أن هذا الكائن الحي المسمى بالإنسان قادرٌ على كل شيء، فقط متى ما توفرت لديه رؤية واضحة وعزيمة متواصلة، تركز على الهدف الأكبر دائما، لذا يختتم الكتاب فصوله بكلمات من الذهب لنجمنا "جوبز":  "بتركيزك على الأمور الثانوية، ستبقى إنسانا سطحيا ليس له بصمه في الحياة 
يحاول صديقنا المؤلف الإجابة عن: ما الذي كان ليفعله "جوبز" الآن، لكن السؤال الأهم هو: "ما الذي سوف تفعله أنت بعد معرفة أسرار "جوبز"؟؟

عبدالرحمن السلطان

 


الجمعة، 28 سبتمبر، 2012

أشباح تجذب السياح

أشباح تجذب السياح


السياحة ليست مجرد فندق أو مطعم، بل هي منظومة متكاملة من الخدمات والأنظمة، وغير ذلك من المتطلبات، لكن الأمر يتجاوز كل ذلك، باختراع ما يطلق عليه بمواقع الجذب السياحي.
قبل سنوات قضيت مدة طويلة في مدينة ألباكركي Albuquerque، بولاية نيومكسيكو (جنوب غرب أمريكا)، وهي مدينة صحراوية، يفترض أنها خالية من مواقع الجذب السياحي، ولكن ما إن طلبت من مضيفي الصديق خالد المعيقل عرض مقترحاته السياحية، حتى قدم مجلات وكتيبات كثيرة حول ما يمكن أن نقوم به في هذه المدينة "غير السياحية"، لكنه أصر بشدة على "جولة الأشباح"!!




الجولة لا تبدأ إلا عند منتصف الليل، وتستمر لمدة تسعين دقيقة حينما تبدأ الأرواح "الشريرة" بالتحرك وسط المدينة القديمة، وتعتمد الجولة الراجلة على التحرك وسط المنازل والكنائس القديمة، والتعرف على التاريخ الشفهي لتأسيس المدينة، وتحديد مواقع الأشباح، التي ظهرت بسبب حالات انتحار معروفة، أو ضمن جولات الحرب الأهلية الأمريكية، بل يحدد مرشد الجولة أسماء الأشباح ومدة ظهورهم، طبعاً لا يخلو الأمر من قفشات مضحكة، واستطراد تاريخي لطيف، والأهم من ذلك أن مرشد الجولة يصّر على أن يحمل المشارك كاميرا ذات فلاش ضوئي، لعل الحظ يحالفه ويلتقط صورة لأحد الأشباح "المفترضة"! أو لإحدى الظواهر المحيّرة، وتخيل أن تكلفة هذه الجولة 20 دولاراً (75 ريالاً) فقط.

لقد استطاع الأميركان وبحسهم التسويقي المبهر اختراع جولة سياحية من "لا شيء"، تجذب نحو قضاء وقت ممتع، بين جدران خرائب لا يستفاد منها، والأهم من ذلك إثبات أنه بالإمكان تسويق أي موقع ما بشكل سياحي، بشرط أن تتوافر الرغبة والفكرة، وهو ما ينطبق بشدة على مُدننا السعودية، ففيها من المواقع والآثار ما يمكن استغلاله بشكل تجاري وسياحي مبتكر، بحيث يكون قبلة لسكانها قبل سُياحِها.


ودمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان
 
# نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, الجمعة 29 رمضان 1433هـ, الموافق 17 أغسطس 2012م
 

الخميس، 27 سبتمبر، 2012

ماذا فعل "جون" بعد الخامسة والستين؟

ماذا فعل "جون" بعد الخامسة والستين؟

 
حتى الثالثة والخمسين من عمره؛ عمل السيد "جون فيردون John Verdon" في كتابة الإعلانات حتى تقاعد في منصب مدير تنفيذي، ثم انتقل لدراسة النجارة ثم العمل في صناعة الأثاث لمدة قصيرة، قبل أن تُحول نصيحة عابرة مسار حياته.




القصة المثيرة بدأت ذات مساء ربيعي، وقد أوشك قرص الشمس على المغيب على سفح المنطقة الغربية من جبال كاتسكيل (جنوب ولاية نيويورك الأميركية)، وكان "جون" وزوجته مسترخيين في كرسي خشبي هزاز، وهو يتحدث بإسهابٍ وتفصيل متواصل عن قصة "بوليسية" انتهى للتو من قراءتها، قاطعته زوجته "ناعومي" المتقاعدة حديثاً والتفتت نحوه وقالت: "بدلاً من جلوسك هنا...وحديثك اليومي عن القصص البوليسية لماذا لا تكتب واحدة"؟؟
قدحت الفكرة في رأس "جون" وقَبِل تحدي زوجته، وخلال أيام قليلة بدأ الكتابة وتجميع خيوط الحبكة التشويقية للقصة لتظهر إلى الوجود بعد سنتين روايته الأولى:" فكّر برقم Think of a Number" وشخصيته الرئيسية: "ديفيد جيرني" محقق الجرائم المتقاعد في مدينة نيويورك، الذي كما "جون" بدأ حياته الحقيقية بعد التقاعد، حينما تلقى رسائل غامضة ومثيرة، وبعد كرّ وفرّ وتعديلات متعددة، خصوصاً وأنها تجربته الكتابية الأولى؛ أرسل مسودة الرواية إلى الناشر، التي ما أن قرأها المحرر الأدبي حتى قضى عليها خلال ساعات معدودة، لتتصدر الرواية صيف 2010م، حيث حظيت باستقبال وحفاوة أدبية واهتمام الجمهور بشكل غير متوقع.

وهكذا تغلب "جون" على خوفه من المجهول، وحوّل سنوات تقاعده الرتيبه؛ إلى رحلة جديدة، إلى مغامرة جديدة، إلى آفاق أوسع، بل إن هذه الطاقة الإيجابية امتدت لتشمل زوجته المتقاعدة كذلك، وفي مقابلة صحفية نادرة يقول "جون": "عندما كتبت كتابي الأول لم أتصور حتى أنه سينشر، كان لدي الوقت لإخراجه، وشجعتني زوجتي على ذلك، وكتبت كتابي الأول وأنا أرجو أن يحوز على إعجابها" مشيراً إلى كونها من بادره بفكرة الكتابة أول مرة، وساندته خلال مراحل الكتابة وتطور العمل.
الحياة قصيرة لذا يجب أن تفعل ما تريد لا ما يريده الآخرون، يفخر "جون" بمقولة دائماً ما يرددها وهي: "بقدر ما أتذكر كنت دائماً أرغب أن أكون في مكان آخر أعمل شيئاً أو بالأحرى شخصاً آخراً"، ويضيف "جون": "عملت بهلوانياً في سيرك وقدت دراجات نارية، ثم عملت في صناعة الإعلان ثم الأثاث، ناهيك عن الحصول على رخصة طيار تجاري! لكنني لم أجد طوال هذه السنين ما أريد!" وهنا جوهر المشكلة التي يواجهها كثير من الناس، وهي العيش لصالح الآخرين دون أن نعلم، ودون أن نجعل اهتماماتنا الأولى هي محور اهتماماتنا الأساسية، وأن نعمل في ما نحب لكن إذا لم تستطع أن تفعل ما تحب خلال عملك الوظيفي الحالي فليس أقل من أن تقوم به بعد "تقاعدك"، لا أن تحوّل مرحلة التقاعد إلى خطوات "موت" بطيء كما يفعل الكثيرون.
وهكذا استمر "جون" في تحقيق حلم حياته، وأصدر بعد ذلك روايتين ناجحتين هما: "دع الشيطان ينام" عام 2011، و"اغلق عينيك الليلة" صيف هذا العام 2012، لتحجزان مكانهما على الفور في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً ضمن قائمة صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية، كما ترجمت رواياته- وخصوصاً الأولى - إلى خمسٍ وعشرين لغةً حية، منها البرتغالية والعبرية والفيتنامية والإسبانية، ولم تكن اللغة العربية - للأسف - من ضمنها!
وهكذا وسط أجمات الكرز، وعلى بساطٍ أخضرٍ ممتد، يضع "جون" كرسياً بلاستكياً بسيطاً يجلس عليه ساعات طويلة، يستهلم أفكاره، ويستقرئ مستقبل حياته، يعلم أن سنين عمره القادمة ليست طويلة، لكنه متأكد أنه سوف يملؤها بكثير من المتعة والإثارة؛ خصوصاً وأنه أمسى يقضي وقته في ما كان يحب، وفي ما كان يأمل يوماً ما أن يمارسه بشكل حقيقي.

هنا في السعودية كم من متقاعد يحمل كماً هائلاً من الخبرات؟ وجعبة مليئة بالقصص والحكايات؟ بل بعضهم يعّد ذاكرة متحركة لتطور مجتمعنا لكنه يخجل أو يخاف من مجرد المحاولة، والبعض يرنو إلى حياة الراحة المتواصلة دون أن يعلم أن خوض غمار تجربة جديدة سوف يضيف المزيد إلى حياته، ويجعله أكثر سعادة ورضى عن نفسه وعن سنوات خبراته الطويلة.
دعونا نتخيل بنوك "الخبرات" المعطلة من حولنا، لماذا لا تنطلق نحو مغامرة جديدة، قد لا تكون ذات عائدٍ مادي مجزٍ ولكنها تحقق أثراً إيجابياً رائعاً على روح "المتقاعد" أو الفرد المتحرر من قيود الوظيفة، كما أن أثرها ممتد إلى أسرته الصغيرة ومجتمعه المحيط أيضاً، فكم من "نابغة" أدبي يقتل موهبته خجلاً وتردداً، وكم من خبير هندسي يحمل حلولاً هندسية لم يسعفه عمله السابق في طرحها أو مجرد مناقشتها، وكم وكم؟؟ الأهم هنا هو أن تبدأ، حتى وإن كانت بدايات خجولة ومليئة بالأخطاء، وهو ما يؤكد عليه صاحبنا "جون" في معظم مقابلته الصحفية، حينما يكون السؤال حول نصيحته العامة، لتكون إجابته الموحدة دائماً: "لا تنتظروا حتى الخامسة والستين لكي تبدؤوا مثلما فعلت!".. فماذا أنت فاعل؟؟
نشر المقال في صحيفة الوطن بتاريخ 11 ذوالقعدة 1433هـ الموافق 27 سبتمبر 2012م


الخميس، 20 سبتمبر، 2012

عندما تعرفت على :ابن بكلارش" في طليطلة


عندما تعرفت على "ابن بكلارش" في طليطلة:
أول كتاب مجدول في الأدوية المفردة في الأندلس

البداية
خلال شهر يوليو 2008 م كنت في زيارة عمل إلى مملكة أسبانيا, وصدف أن كان مصنع الأدوية الذي أزوره يقع في ضواحي مدينة توليدو Toeldo أو طليطلة كما كان يطلق عليها إبان عصر الحضارة الإسلامية, و في أخر يوم من برنامج عملنا, قمت بمعية أحد الصيادلة الأسبان بجولة راجلة على أرجاء المدينة القديمة, الأمر الذي ساعدني كثيرا على الإطلاع عن قرب على بقايا العهد الزاهر لأجدادنا هناك.

وعلى الرغم مما قامت به محاكم التفتيش و برامج طمس الثقافة العربية, إلا أن شواهد تلك الحضارة لا تزال شامخة و باقية, و خصوصًا على طراز العمارة المحلية, و النقوش التي تقبع على جدران الكنائس التي كانت مساجد في ما مضى, و هناك في كاتردائية توليدو الرئيسية شاهدت مخطوطة لكتاب صيدلاني سبق أن قرأت عنه منذ سنوات طويلة, و لم أكن أتصور في يوم أن أجدها أمامي, ضمن مقتنايات كنسية شامخة ليس لها رواد, بل مجرد سياح يذهبون دون أن يتمعنوا في مقدار ما وصلت إليه حضارتنا, الأمر الذي قادني إلى سبر أغوار مؤلف هذا الكتاب, على الرغم من قلة المراجع, وأن أقدم هذه العرض السريع عن كتابٍ أعتبر في حينه فتح جديدًا في بلاد الأندلس.

كتاب فريد !!
الكتاب هو " الكتاب المستعني" لمؤلفه الصيدلاني ابن بكلارش, الذي يعتبر من بواكير الكتب المرتبة على شكل جداول مقارنية في بلاد الأندلس، حيث أن هذه الطريقة سبق استعملت في المشرق العربي ( مثل ابن بطلان في كتابه " تقويم الابدان " وابن جزلة في كتابة " تقويم الصحة "). وهذا الكتاب هو المؤلف الوحيد لابن بكلارش الذي وصل إلينا ، ويتكون من جمع لكل ماكتبه السابقون عن الأدوية المفردة مع ترتيبها وعرضها بصيغة واضحة ومفهومه .

من هو ابن بكلارش
مؤلفه هو يونس ( أو يوسف ) بن اسحاق بن بكلارش، من أشهر علماء الأندلس في صناعتي الصيدلة و الطب, و المعلومات المتوفرة عنه قليلة جداً, حيث ذكر حاجي خليفة في كتابه " كشف الظنون" كتابه "المستعني في الطب" فقط . أما ابن أبي أصيبعة في "كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء فقد قال عنه : " من أكابر علماء الأندلس في صناعة الطب وله خبرة واعتناء بالغ بالأدوية المفردة ، وخدم بصناعة الطب بني هود ( ولابن بكلارش ) من الكتب كتاب المجدولة في الأدوية المفردة وضعه مجدولا وألفه بمدينة المرية (جنوب شرق أسبانيا حالياً) للمستعين بالله أبي جعفر بن المؤتمن بالله بن هود" . و ذكر أحد المؤرخين أن ابن بكلارش ألف كتابا اخر بعنوان " رسالة التبيين والترتيب " لايزال مفقوداً ولاتوجد منه اي نسخة. أما اسم مؤلفنا فقد ورد في أشكال مختلفة، مابين يونس ويوسف ! ويظهر أن الإسم الصحيح هو يونس. أما نسبه فيكتب أحياناً بكسر الباء وأحياناً بفتحها ولكنه في أكثر الأحيان يكتب بضمها . كما تختلف الاراء في أصل الاسم, لكن الدكتور الأسباني أمادور غارسيا يرى مختصر " أبو كلارش" هو اسم عائلي أو لقب، لأن "كلارس " هو اسم عائلي عادي عند الاسبان موجود حتى يومنا هذا.

عنوان الكتاب
العنوان عائدٌ على اسم الأمير المستعين بالله أبي جعفر أحمد بن المؤتمن بالله بن هود ( المتوفي سنة 503 هـ/1110م) الملك الرابع من ملوك بني هود، وكانت دولتهم من أشهر دول الطوائف ، قاعدتها مدينة سرقسطة في شمال الاندلس ، وقد دام حكمها من سنة 410 الى سنة 536 هـ .
وصف الكتاب
رتب المؤلف الأغذية وتكلم فيها عن القوى الاربع: ( الجاذبة والحاصرة والهاضمة والدافعة)، وافعالها بأعضاء البدن المختلفة. أما نسخ "المستعيني " المخطوطة الموجودة الأن فهي قليلة ولايعرف منها الا ثلاث في المكتبات الاوربية (مدريد, أسبانيا . نابولي, أيطاليا. ليدن, هولندا) ونسخة أخرى في الخزانة العامة في الرباط.
والمخطوطة رقم 5009 المحفوظة في المكتبة الوطنية في مدريد ( اسبانيا )، هي نسخة قديمة مكتوبة في مدينة طليطلة في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر وهوامشها مليئة بالملاحظات المكتوبة باللغات الاسبانية والعبرية والعربية ، وتتكون من 140 صفحة مكتوبة بخط مغربي جميل .

تبويب مميز
يتألف الكتاب من جزيئن أولها مقدمة طويلة حول نظريات جالينوس ،و الآخر قائمة تحتوى على أكثر من 700 مادة طبية نباتية وحيوانية وجمادية. وبعد المقدمة نجد في كل صفحة جدولاً يحتوى على ستة ادوية مفردة ، والنص العربي ينقسم إلى خمسة أعمدة وهي :

1/ أسماء الأدوية المفردة .
2/ الطباع والدرج .
3/تفسيرها في اختلاف اللغات .
4/الأبدال منها .
5/منافعها وخواصها ووجوه استعمالها.

ميزة الكتاب: اللغات
العمود الثالث الخاص بتفسير أسماء الأدوية يعتبر أهم ما في الكتاب, حيث إن المؤلف يقدم أسماء الأدوية المفردة في كل من اللغات السريانية والفرسية واليونانية والعربية والعجمية الرومية و العجمية العامية ، ويتميز المؤلف أحياناً بين أعجمية سرقسطة وأعجمية الأندلس التى كانت لغة العامة في جنوب الجزيرة الايبرية. ويبلغ عدد المواد الموجودة في مخطوطة مدريد (طليطلة) هو 666 مادة، بمعدل ست أو خمس أو أحياناً أربع مواد في كل صفحة .
لكن الأجمل هو شرح المؤلف بخصوص ترتيبه المجدول, حيث يقول : ( وسلكت فيه طريقة المتقدمين على عادة المتفلسفين، وذلك أنهم ذكروا أن التأليف لا يتم حتى يتضمن ثلاث خصال إحداهما : جمع ما افترق والثانية .. اختصار مطول والثالثة .. إيضاح مشكل . وكتابي هذا قد جمع هذه الخصال الثلاث وذلك أني لم أر قط كتاباً لمن تقدم قبلي من كتب الأدوية المفردة جمع ماجمعته في هذا الكتاب لاني جعلت المفرد وطبعه ، وفي أي هو في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ثم جمعت ماله من الاسماء الشاذة وغير الشاذة على حسب الالسنة منها سريالية ومنها فارسية ومنها يونانية ومنها عربية ومنها اعجمية رومية ومنها أعجميه عامية ). وتتركز أهمية " الكتاب المستعيني " في ركنين أساسين : أولهما العلمي والآخر اللغوي . حيث تبرز أهمية الكتاب كونه يقدم معلومات عن العديد من الأدوية المفردة في بعض اللغات الأجنبية أكثر من أي كتاب عربي أخر.

المقدمة و أفكار جالينوس
في المقدمة الطويلة المشبعة بأفكار جالينوس, يتناول المؤلف بالتفصيل الفروقات بين الأدوية و القول فيها, حيث قسمها إلى أربعة أجزاء :
1 - القول في تعرف الأدوية المفردة ، الذي قال فيها ( إن الوجوه التي عرف منها الأوائل قوى الأدوية ومنها استنبطوا الدرج ثلاثة ، أحدها بطعومها ، والثاني بروائحها ، والثالث بإيرادها على البدن المعتدل) . بعد ذلك يدرس المؤلف امتصاص الأدوية ، وأخيرا يذكر أمثلة لأدوية مسخنة ومبردة في الدرجات الأربع . و من الأدوية المسخنة يذكر : البابونج وإكليل الملك والأترج والسنا, بينما يذكر من الأدوية المبردة: البلوط والورد والشعير والهندباء ونحو هذه .
2- القول في معرفة طبائع المركبات وكيف ينبغى أن تركب وماينبغى لمن أراد تركيبها أن يقدم والحاجة إلى تركيبها " . في هذا الجزء يعرف ابن بكلارش " الاعتدال " وهو تكافؤ الأجزاء واستواؤها ، كما يقدم تعريف " الصحة " كتكافؤ الطباع واستواء الأخلاط وثباتها في الاعتدال وألا ينقص الإنسان من أموره المعتادة طبيعية أو غير طبيعية !.
بعد ذلك ، يعرف " المرض " الذي لا يكون حسب اعتقاده إلا تعدي الأخلاط وخروجها عن الاعتدال بسبب تسلط أحد العناصر ( وهي الحر والبرد واليبوسة والرطوبة ) على بقية العناصر الاخرى. ثم يقدم تعريف اعتدال الأدوية المركبة . ثم قواعد تركيبها ، ثم كيفية تعرف درجة دواء مركب من بعض الأدوية المفردة المختلفة الطباع, وبعد تفصيل طويل يعطي تعليمات لتعديل المفعول الضار الضار لبعض الأدوية أو لإصلاح طعمها الكريه أو لمنع القئ أو لإطالة أفعالها أو تأخيرها .
3- القول في قوى الأدوية المسهلة على رأي جالينوس, يذكر أبن بكلارش كيفية الأخلاط المختلفة بواسطة خواص بعض الأدوية أو أثرها ، ثم استحالة الأخلاط في الجسم وعلاقتها بالقوى الأربع : الجاذبة والحاصرة والهاضمة والدافعة ، ثم يذكر مسألة فصد الدم وأخطارها، ثم كيفية إعطاء المسهلات وقواعده حسب الفصول وتأثير العمل والحركة فيه والوقت المناسب لإعطائها وعلاقة ذلك بالطعام والنوم .. إلخ.
4- القول في العلة التى دعت الأوائل إلى ابدال العقاقير وكيف بلغو الى معرفة ذلك, يتناول المؤلف فيها الفرق بين الطبائع وخواص الجواهر في دواء ما ، ويضع قواعد الإبدال . بعد ذلك يصنف الأدوية حسب أفعالها:أدوية جاذبة مثل: الحلتيت. أدوية قابضة مثل: الزيتون البري والكمثرى والكرفس والصبر والخشخاش والزعفران والتمر ومخ البيض المشوي . أدوية معفنة مثل : الزرنيخ. أدوية تنقص زيادة اللحم مثل : أصل الحنظل . أدوية تدمل وتختم الجراحات مثل : النحاس المحروق المغسول وقشور الرمان اليابسة وخبث الرصاص والرصاص المحرق. وغيرها .

أدوية غريبة!
من طرائف الكتاب احتواه على عدد من الأدوية غريبة الاستخدام, و التي يذكر المؤلف منها: أدوية تسود الشعر مثل : المر والكرنب والزوفا الرطبة .أدوية منبته لشعر الحاجبين ومسودة له مثل : الصمغ والعفص والسماق وورق الكرم والتوت وورق التين ولحاء شجرة البلوط ونحو هذه .أدوية محمرة للشعر مثل : الزرنيخ (الأرنب البحري إذا جفف وسحق وتضمد به ! ) ولبن الكلبة أول ماتنتج وهذا اغرب ماذكر بالكتاب وقشور الاقلاء والقطران والزيت العتيق وصمغ الكرم .

وبعد...
وبعد... إنها دعوة صادقة للصيادلة و الصيدلانيات لسبر أغوار مخطوطات حضارتنا العظيمة , فهي بلاشك مليئة بالجواهر و الدرر, لكن استخراجها يحتاج إلى همة عالية و إرادة جازمة.

دمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان

# نشر أصل هذه التدوينة في العدد47 من مجلة الصيدلي (جماد الآخرة,1430هـ) الصادرة عن الجمعية الصيدلية السعودية بالرياض.

الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

رسالة إلى ابن البيطار


رسالة إلى ابن البيطار

سيدي / العلامة أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي – المعروف بابن البيطار والملقّب بالعشّاب وأعظم صيدلي مسلم..

تحية طيبة وبعد ..
تردّدت كثيرا قبل أن أكتب إليك ولكنًّ الكيل فاض والوزن مال,وحال أحفادك معشر  الصيادلة  صار لا يسرّ عدوّا ولا صديقاً فكما تعلم – رحمك الله – أن الصيدلة مهنة عظيمة وجليلة,وتؤدي مهمات كثيرة؛ تصب كلها في خدمة المجتمع والرقي به وأجد من المناسب أن أخبرك - بداية – ببعض الأمور المحدثة في علمنا فلقد فصلت مهنة الطب عن الصيدلة,وصار كل منهما علمُ قائم بذاته,ولعلك عاصرت بداية الفكرة حين فتحت أول صيدلية مستقلة في بغداد عام 621للميلاد ونتيجة لذلك؛أضحى المجتمع ينظر إلى العملية الطبية من خلال منظار الطبيب,فقط مع أنها عملية متكاملة مترابطة؛بدءً من تحليل العينات ومروراً بالتشخيص  وانتهاءً بوصف الدواء وصرفه.
فصار الصيدلي في نظرة العامة بائعاً في السوق لا يختلف عن الباعة الآخرين؛ إلا في معرفته لمفردات اللغة الإنجليزية ومصطلحاتها العلمية,وتلك مصيبة كبرى,فلقد تخليَّنا  نحن أبناء مهنة الصيدلة عن لغتنا العظيمة؛ لغة القرآن واستعضنا عنها بلغة عجمية اللسان,مفكَّكة الحروف,فقيرة الجذور,فأصبح اسم الدواء مخطوطاً بلغة غريبة عن مجتمعنا,ثم أحطنا أنفسنا بسياج من حديد؛يفصلنا عن المريض وذلك يقودنا إلى مصيبة أخرى وهي أننا حجزنا أنفسنا داخل غرف مغلقة في أحد أركان المستشفى أو (البيمار ستان) كما كنتم تطلقون على مكان علاج المرضى. وزدنا الطين بلَّة؛حين وضعنا قضباناً نصرف من خلالها العلاج للمريض !
أستاذي ؛ لقد تخلى أحفادك عن تراثهم الإسلامي العظيم,الذي بهر حضارات عريقة,ولم يحاول أحد منهم قراءة كتابك الرائع: (الجامع في الأدوية المفردة),  وإن كان بطريق الصدفة معرفة إحدى الجواهر والدرر التي يحويها ذلك الكتاب الموسوعي,بل تركوا ذلك لذوي البشرة البيضاء من البشر,الذين ما طفقوا ينهلون من ذخائره العلمية الكثيرة. وإذا ما أردنا منافستهم,فلا بد من الدراسة المتأنية والبحث العميق .
أستاذي ابن البيطار؛لقد طورتم علم الصيدلة وأبدعتم ولهذا السبب أُسند إليك الملك الكامل الأيوبي عمادة شؤون الصيدلة في القاهرةُ فكنت تختبر الصيادلة الشباب في علوم الداء والدواء,ثم تمنحهم ترخيصا لمزاولة المهنة .
وكان ذلك بجهد متواصل ودؤوب,بجانب اهتمام شديد بالملاحظة العلمية الدقيقة وبالاستفادة من علوم الأمم الأخرى فقرأت كتاب (المادة الطبية) الذي وضعه (ديسقوريدس) وكتب (جالينيوس) وغيرها من الكتب التي تعد من أمهات المراجع في الأعشاب والنباتات الطبية؛واهتممت كذلك؛ بكتب الهنود والصينيين ولعل من أهم ما خلفت لنا في كتبك العظيمة؛هو: اهتمامك بالبحث التجريبي المقنن ومحاولة اكتشاف النباتات التي تنمو في ديارنا وتقابل في تأثيرها العلاجي النباتات التي تنمو في ديار الأغراب, وذلك بالطواف في البراري والقفار بمصر والشام؛ثم دراستك لأطوار النباتات المختلفة ومعرفة أيّ الأجزاء يحوي المادة الفعالة؛بل وزدت على ذلك البدائل الطبية,وطورت المقاييس,وجعلتها أكثر سهولة ودقة .. فجزاك الله عنا خير الجزاء.
معلمي؛في عصرنا الحاضر حصرنا دراسة علم الصيدلة بين جدران قاعات المحاضرات,وركزنا جهودنا على الأشكال الكيميائية ومشتقاتها,وعرجنا على بعض التجارب المخبرية البسيطة,وأغفلنا دراسة النباتات الطبية بشكل واسع,مع أنها مصدر آمن ودائم للدواء ومحقق لمفهوم الأمن الدوائي الوطني.ولك أن تتخيل العدد الكبير من الأعراض الجانبية –غير المرغوب فيها – الناتجة من كل هذه الأدوية,ذات المصدر الكيميائي الصرف بل وأزيد فأقول: إننا أصبحنا نحارب كل جديد في مجال علاج المريض فنحن لنؤمن إلا بالدواء الكيميائي فقط؛أما ما دون ذلك من علاج بالروائح أو الألوان أو التنويم المغناطيسي,أو غيرها من صور الطب البديل مجرد أوهام,هدفها الوحيد سرقة جيوب المغفلين من الناس,وما علمنا أنها فتح عظيم في بحر العلم الواسع, وباب رزق كبير لنا.
ابن البيطار كأني بك – وأنت تقرأ هذه الرسالة المتواضعة – تُتّمتم وتقول:وصيتي لكم أبناء الصيدلة: إخلاص النية لله عز وجل,الاهتمام بطَلب العلم الجاد والمفيد, التطبيق الأمين والأخلاقي لما دُرس,عدم البخل بالعلم على الناس,التصدي لتحقيق كتب الأوائل من أجدادكم,استخراج الوصفات الفريدة من بين سطورها, بل والانطلاق إلى صحرائنا العربية المترامية الأطراف,ومحاولة اكتشاف نباتات تنفع ولا تضر. واستذكروا دوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أنزل الله داء إلا أنزل  له دواء ) – رواه البخاري.
ابن البيطار: لقد أكثرت عليك حديث الشكوى والهم؛ ولكن أنت تعرف بأن حديث الابن وأبيه دائما ما يكون صريحاً, وحسبنا نصيحتك الأخيرة؛ فالصيدلة أمانة قبل أن تكون مهنة.
حفيدك الصيدلي
عبد الرحمن بن سلطان السلطان

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

تسعيرة حليب الأطفال

خلال خمس سنوات ارتفع سعر حليب الأطفال أكثر من 150%، ليتجاوز سعر العبوة الكبيرة (800 جرام) الستين ريالاً، رغم الدعم الحكومي الضخم الذي أمر به خادم الحرمين الشريفين، برفع الإعانة الحكومية من ريالين إلى 12 ريالاًَ لكل كليوجرام واحد.

إشكالية أسعار حليب الأطفال تنطلق من ارتفاعه المتواصل، بالإضافة إلى اختلاف ملحوظ لأسعار بيع الحليب الواحد في الصيدليات، وخلال فترات زمنية قصيرة, فضلاً عن التفاوت بين العلامات التجارية الأخرى نفسها، على الرغم من أن أغلب تلكم المنتجات يتم استيرادها معبأة من مصانع أوروبية محدودة، ذلك أن باب الاستيراد مفتوح لأي نوع ودونما تفتيش وتأهيل للمصادر، مع الإشارة إلى أن هناك فجوة ضخمة بين سعر التكلفة وسعر البيع النهائي، وتتنافى مع الأعراف التجارية لهامش الربح المنطقي والمعقول!

للأسف ومع خفوت نجم الرضاعة الطبيعة تزداد أهمية الحليب الصناعي, سواء بدائل حليب الأم المصنّع (حتى عمر ستة أشهر) أو الحليب التكميلي (لما بعد الستة أشهر وحتى بلوغ الطفل سنتين) ولا تزال وزارة التجارة تقوم بتشكيل اللجنة بعد اللجنة بهدف وضع تسعيرة نهائية على العبوات، دون تحديد جدول زمني واضح! رغم أهمية الموضوع وملامسته لواقع قطاع عريض من الأسر السعودية، خصوصًا الناشئة منها، ولعل التجربة الناجحة لتسعيرة الأدوية بالمملكة خير دليل على قدرة الجهة الحكومية على التحكم بأسعار السلع الحساسة، دون التدخل في آليات السوق المفتوح، ولكن الأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية ورغبة صادقة لحل المشكلة ونحن – بالتأكيد - قادرون عليها.
لحظات حرجة تتكرر دوماً حينما يقف حينها الأب عاجزاً عن توفير علبة حليب لطفله الرضيع ، والسبب تأجر أو موزع جشع لم يجد تحركاً من وزارة التجارة لإيقافه عند حده ، لكن أملنا لا يزال معقوداً على تحركٍ عاجلٍ غير آجل.


عبدالرحمن السلطان


تحديث: بعد مرور سنتين على المقال أصدرت وزارة التجارة قرارأً يحدد الحد الأعلى لأسعار حليب الأطفال الرضع

السبت، 4 أغسطس، 2012

"شغالتنا وشغالتهم"

لا يكاد يخلو مجلسٌ من الحديث والإبحار في مشكلة نقص الخادمات المنزليات, تلكم المشكلة التي تفاقمت حتى أوصلت راتب الخادمة المنزلية إلى راتب معلمة المدرسة الأهلية, حيث أشارت تقارير صحفية مؤخراً إلى أن رواتب الخادمات خلال الشهر الفضيل تجاوزت ثلاثة آلاف ريال, بل إن من يعملن بعقود مؤقتة تجاوز أجرهن في الساعة ما يدفع في عقود معلمات محو الأمية! فضلاً عن تضخم ظاهرة هروب الخادمات, بعد انتهاء فترة أشهر التجربة الثلاثة, أو حتى قبلها, الأمر الذي قاد إلى الاعتماد على مخالفات نظام الإقامة للخدمة في المنازل!.
للأسف أدت سياسة تأجيل الخلافات مع الدول المصدرة للخادمات, وفشل اللجنة الوطنية للاستقدام في تجاوز العوائق؛ إلى ارتفاع متسارع لتكاليف الاستقدام بشكل لا يصدق, خصوصًا مع إيقاف الاستقدام من دولتي الفلبين وإندونيسيا, وقصره على دول أخرى محددة, الأمر الذي حرم ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن من خدماتهن, رغم الحاجة الماسة
والأدهى من ذلك أن شركات الاستقدام المزمع تفعيل خدماتها قريباً برعاية وزارة العمل, بدأت مؤخراً بإطلاق بالونات اختبار حول رسومهم الباهظة, والرواتب الشهرية التي تتجاوز 1500 ريال, وغير ذلك من رسوم أولية وإدارية, وضمان مسترد, قد تتجاوز خمسة عشر ألف ريال, رغم سيل التبريرات الواهية من توفير تأمين صحي للخادمة, والتدريب المسبق, وضمان عدم الهروب, وغير ذلك من الوعود, التي كنا نشاهدها في مكاتب الاستقدام, والتي ما إن تطأ الخادمة منزل كفيلها حتى تبدأ تلك المكاتب بالتفنن في سبل التملص من التزاماتها السابقة, وها هي نفس المكاتب السابقة, تؤسس شركات جديدة, ولكن برأسمال من فئة المئة مليون! ليكون هدف توفير خادمة منزلية مدربة, متعلمة, وملتزمة آخر اهتماماتها.
لقد تحوّلت قضية نقص الخادمات إلى مشكلة الساعة في أغلب المنازل السعودية, فاتساع بعض المنازل وتعدد أفراد العائلة يجعل من الصعب على ربّة المنزل وحدها القيام بكافة الفروض المنزلية.. وللأسف فإن واقعنا الاجتماعي وروح الاتكالية لدى نسبة لا بأس بها من الجيل الجديد من الفتيات السعوديات -وبالتالي ربّات منازل المستقبل- يفصح عن تفاقم أكبر للمشكلة, خصوصاً مع عدم وجود حلول دائمة ومناسبة, سواء من وزارة العمل أو اللجنة الوطنية للاستقدام.. ليضحي محور حديثنا اليومي: "شغالتنا وشغالتكم"..

عبدالرحمن السلطان




السبت، 21 يوليو، 2012

يخلعها قطعة.. قطعة في "تويتر"

 حمدا لله فلقد قطعنا شوطا طويلا حتى تجاوزنا مرحلة "جار القمر" و"طائر النورس" إلى ذكر أسمائنا وحتى صورنا في السيد اللطيف: "تويتر". لقد كانت رحلة خاطفة في عمر الشعوب، ولكنها معبرة عن مجمل تحولات مجتمعنا السعودي، خلال السنوات الأخيرة، فلو عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وبالذات إلى منتديات شبكة الإنترنت، وقد تترس الجميع بمعرفات ومسميات مجهولة، ساعدت البعض على البوح بما لا يستطيع التصريح به ضمن واقع المجتمع، بل جعلت البعض الآخر عتادا في أتون معارك فكرية واجتماعية لا ناقة له فيها ولا جمل.
سنوات تسارعت والكثير يتحاور مع أفراد مجهولين، لا يعرف من هم، ولا يعرف حتى إن كانوا هم فردا واحدا بمعرف واحد أو مجموعات معرفات!، حيث كان البعض يلعب أدوارا مثيرة للشفقة، حينما يكتب ويرد على نفسه، بل يمجدها في بعض الأحيان، حتى تطور الأمر إلى تجارة بيع "المعرفات" في بعض منتديات النقاش الشهير آنذاك، مثل الساحات السياسية ونحوها، لكن اليوم ومع ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تجاوز المجتمع هذه الخصوصية الفريدة، فإن أغلب المشاركين لا يتحرج من اقتران اسمه الصريح بصورته البهية، وهو ما كان بداية خجولة في"الفيس بوك" لكنها اتضحت بشدة في معرفات "تويتر".

المثير هنا هو القدرة العجيبة للسيد "تويتر" على خلع هالات القداسة والتبجيل للعديد من شخصيات المجتمع المعروفة، خاصة الدينية والثقافية والفنية، التي أفصحت تغريدات بعضهم عن ضحالة فكر، وسوء أدب وأخلاق، بل وضيق أفـق من الآراء المخالفة، حتى وإن كانت مجرد ملاحظات أو إضافات! وما التغريـدة الشهيرة لأحد أعضاء مجلس الشورى بتلك الكلمة السوقية إلا مثالا معبرا عن سقوط تلكم القامات العاجية.

لقد خلع السيد "تويتر" ورقة التوت الأخيرة عن البعض، وجعله عاريا أمام الجمهور الحقيقي التفاعلي، دونما وسيط أو رقيـب، أو حتى حارس بوابة، كما كان موجودا في إحدى النظريات الكلاسيكة للإعلام، أما تذرع بعض المشاهير أن أخطاءهم مطبعية، وسببها سرعة الكتابة، وقرب مفاتيح الحروف من بعضها في الهواتف الذكية، لكنه لا يستطيع تفسير الأخطاء اللغوية والنحوية الفادحة، وعدم التفريق بين "الضاد" و "الظاء"، فضلا عن الضعف الشديد في الإملاء، والركاكة اللغوية، وفقر القدرة عن التكثيف اللغوي لفكرته في أقل من 140 حرفا.

في الحقيقة تشكل تغريدات "تويتر" مجالا خصبا لدراسات تحليل الخطاب Discourse study، حيث لم يعد بالإمكان النظر إلى لغة وسائط الاتصال الجماهيرية، ومنتجاتها كما هي نظرة اللغويين التقليدية، فالنص والخطاب في وسائط الاتصال الاجتماعي يختلفان اختلافا كبيرا عما هو موجود في رسائل وسائل الإعلام التقليديـة والكلمة المنطوقة، فضلا عن كون حدوث المعنى لا يتم أثناء كتابة النص أو إنتاجـه فقط، بل حتى لحظة قراءتـه، كمـا أن ربطه بالسياق الاتصالي والاجتماعي والسياسي، سوف يسهم بمزيد من الفهم والتفسير للتغريدات واتجاهات المجتمع، بالإضافة أن تعميق الدراسة بتحليل المحادثة الآنية والخاصة بين مغردي "تويتر"، يسهم في فهم تطور وتغير آلية الحوار المجتمعي، ومدى قبول الآخر والآراء المخالفة حتى وإن كانت من جمهور المؤيدين.

إن ظهور التغريدات بشكلها العفوي جعلها تعبيرا حقيقيا لبعض مكونات المجتمع، خاصة ذوي الحد الأدنى من الثقافة الرقمية، كما أن سلوك وردات فعل شخصيات المجتمع البارزة في "تويتر" جديرة بالدراسة أيضا، فهي بالنهاية تعبر عن الشخصية "النجم" بذاتها، نظرا لأن المتحكم والكاتب هو نفس الشخصية الشهيرة في الغالب الأعم.









لقد نشر مؤخرا عدد ليس بالقليل من الدراسات الإعلامية في الجامعات السعودية حول استخدامات "تويتر" من قبل المستخدمين، خاصة ما يطلق عليهم بالقائم بالاتصال، لكن مجمل هذه الدراسات تعتمد على أسلوب جمع المعلومات بالتسجيل الذاتي عبر الاستبانات، دون الخوض في بحث نوعي عميق، أو تحليل نوعي لنغمة الخطاب وأسلوب اللغة، مما يجعل النتائج غير دقيقة ومتأثرة بالعامل الشخصي، دون معلومات موثوقة يمكن البناء عليها وتطويرها.

هي دعوة عاجلة لأقسام الإعلام بجامعاتنا نحو تشجيع طلبة الدراسات العليا، بالعمل على إنجاز دراسات نوعية وذات قيمة حقيقة، تسهم في مزيد من الفهم لخصائص ومستقبل قنوات التواصل الاجتماعي في المملكة.
وأخيرا رغم أن "تويتر" يوفر لنا فضاءا غنيا لدراسة وملاحظة تطور المجتمع وتفاعله، لكنه حتما ليس إلا حلقة إضافية ـ بحد ذاته ـ سوف يتجاوزها المجتمع عما قريب إلى شيء رقمي آخر، لا أعلم ماهيته، لكنه حتما أكثر سعة وروعة وتفاعلا.


عبدالرحمن السلطان