الجمعة، 20 يناير 2012

كنيسة فاطمة... قصص متعددة الأوجه والقراءات

أساطير ومحاولة إغتيال البابا:

كنيسة فاطمة... قصص متعددة الأوجه والقراءات


قبل سنوات وخلال بواكير ظهور "اليوتيوب"؛ شاهدت مقطعاً لمعمم يحكي عن معجرات فاطمة الزهراء –رضي الله عنها- وأن كراماتها قد أدركها الغرب قبل الشرق, لدرجة أن هناك كنسية شهيرة في البرتغال – أو البرتقال!! كما كان يقول- قد سميت بإسمها؛ عرفاناً ووفاء لهذه السيدة الجليلة, وللحق فلقد ضحكت كثيرًا على تلك الترهات التي لا معنى,  رغم احترامنا وحبنا لبنت النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها...لكن وبعد مرور سنوات قليلة لم أكن أتصور أنني سوف أقف يومًا ما على كنسية "فاطمة" تلك, وفي البرتغال!! ولكن الأهم هو قصة ما حدث وما روي لي يستحق الرواية...

الرياض-لشبونة- الرياض

للقصة جذور طويلة, فلقد دأبت على السفر إلى البرتغال مرات كثيرة خلال أربع سنوات متواصلة, وذلك بحكمي عملي السابق, و خلال تلك الفترة تعرّفت بشكل حقيقي على لشبونة –عاصمة البرتغال- وأسواقها ومعالمها السياحية, وعلى المناطق المحيطة بها خصوصًا بلدة كشكايش  Cascaisالرائعة, ومنطقة Sintra,وتعلمت قليلاً من اللغة البرتغالية, وهي بالمناسبة أصعب من الأسبانية و أسرع نطقًا, ولكنها أكثر قربًا من اللغة العربية, وخصوصًا في جذور الكلمات والأفعال.

المهم... صباح يوم أحدٍ جميل من شهر فبراير 2009, وبعد وجبة إفطار خاطفة لذيذة مع أحدالزملاء القادمين من السعودية, وقد كان انتهى من عمله يوم أمس, كان محور الحديث هو زيارة معلم ما, بعيدًا عن ضجة لشبونة وأزقتها الضيقة, وكنت قد سمعت حديثًا من صديق برتغالي عن بلدة فاطمة, المسماة على فتاة عربية منذ زمن الحكم العربي للأندلس, وطبيعتها الخلابة, ومع تشجيع صاحبي حاولت الاتصال بعدد من وكلات السياحة المحلية, للمشاركة في جولة للبلدة, ولكن بعد محاولات عديدة وجدت أننا متأخرون جدًا, فباصات الجولات السياحية تخرج مبكرًا, والساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا, فلم يكن بد من الاستعانة بصديقي "فريدركو" سائق الشركة, الذي رغم إجازته الأسبوعية إلا أنه هب لنا سريعًا, وفي تجسيد ملحمي لأصوله العربية – كما يقول- وماهي إلا خمس وعشرين دقيقة ونحن على الطريق A1  السريع, متجهون نحو الشمال.

كنت قد سمعت عن منطقة فاطمة, لكن أن تكون هناك قديسة باسم فاطمة فهذا الأمر الذي لا يعقل, تقول الأسطورة البرتغالية أن فاطمة تلك هي فتاة عربية, قد تكون من نسب رفيع أيضًا, أحبت نصرانيًا من اهل البلاد, ثم هربت معه وتنصرت, وبعد وفاة حبيبها تبتلت وتحولت إلى راهبة في دير صغير البلدة التي تحولت إلى اسمها في نهاية الآمر.

والعجيب أن الجميع لديه قصة مختلفة عن الجميع, فسائقنا والذي تعود أصوله كما يقول إلى "الموركسين", وهي الكلمة المرادفة للكلمة  الأسبانية "مورو" , والتي تعني عرب شمال افريقيا القادمين للأندلس ثم اضيفت لهم صفة الإسلام لتصبح مورسكي, يقول صاحبنا: أنها راهبة, غيرت إسمها اللاتيني باسم عربي, بهدف أن تكون أكثر قبولا لدعوتها التبشرية بالنصرانية, وما لبث أن التصق الاسم الجديد بها, ونسي الناس اسمها الأصلي, وبعد حدوث المعجرات –التي سوف يأتي ذكرها بعد قليلاً- سميت الكنسية باسمها, وزاد من قدسيتها, أن تمثال السيدة العذراء قد حمى بابا الفاتكيان خلال زيارته للكنسية من طلقة نار غادرة... فزاد المكان قدسية على قدسيته الأولى !!

 القصة من وجهة نظرهم..

وجهة النظر المسيحية تقول أن القصة بدأت العام 1917م, حينمالمع بريق  خاطف بالسماء بمنطقة Cova da Iria, وشاهده ثلاثة أطفال رعاة هم  لوسيا (10 سنوات)، فرنشيسكو (9 سنوات) وجاسينتا(7 سنوات)،  ثم ظهرت بعده سيدة جميلة (يعتقدالكثير أنها السيدة مريم العذراء) فوق شجرة قالت أنها قادمة من السماء وطلبت منهم أن يعودوا في اليوم الثالث عشر من كل شهر من الأشهر الستة القادمة حتى تخبرهم مَن هيوما تريد!!

وصارت تلك المرأة تتحدث مع هؤلاء الأطفال, وفي جواباً لأسئلة لوسيا أخبرتهم أنهم سوف يذهبون إلى السماء ولكن على فرنشيسكو أن يسبح وأن يتطهروا (يستغفروا) لمن هم فيالنار. كما أخبرتهم أن أحد أصدقائهم الصغار-وكان قد توفي قبل فترة- أنه في السماء بينما صديق آخر في المطهر حيث سوف يبقى إلى انتهاء العالم. وقالت أنها السيدةالعذراء (مريم عليها السلام) وبأن الحرب سوف تنتهي في ذلك اليوم (لكنها انتهت بعد13 شهر من تاريخه)
الطفل فرنشيسكو لم يرَ شيئاً في البداية ولم يسمع أي شيء, أما جاسينتا فقد رأت وسمعت لكنها لم تتكلم, و بالطبع تعرّض الأطفال للتحقيق من قبَل حاكم المنطقة دون أنيغيّر هذا شيئاً من أقوالهم، كما أن الطفلة لوسيا ضربتها أمها التي اعتبرت أقوالها أكاذيب.
لكن السيدة كانت قد وعدت بأن تقوم بأعجوبة في تشرين الأول, وهذا ما حدث في الثالث عشر منه, وكان يوماً ممطراً ومع هذا تجمع سبعون ألف شخص منتظرين الأعجوبة الموعودة, بما فيهم مراسلوا الصحف والمجلات.. ثم حدثت الأعجوبة إذ أن المطر توقف وظهرت الشمس فصرخت الفتاة لوسيا (التي تحولت إلى راهبة لاحقاً) : "انظروا إلى الشمس" التي رأت فيها عددًا من الشخصيات الدينية المسيحية, ومنها: سيدة الأحزان وسيدة الكرمل ( نسبة إلى جبل الكرمل في الأرضي المقدمة بفلسطين) ويوسف الخطيب  ويسوع المسيح. نظر الجمع إلى الشمس ورأوها تتحرك وخافوا أنها نهاية العالم, وفي حقيقة الأمر لم يرَ كل الحضور ذلك, مع أن غيرهم على بعد 10 كيلومترات من الموقع رأوا تلك الظاهرة، بينما إدعى آخرون رؤية نجمة ليلية وغيرهم زاد على ذلك أن شاهد مطراً من الأزهار!!

لوسيتا أصبحت راهبة وظلت تتلقى رؤى وتجليات أو ما يطلق عليه بأسرار فاطمة الثلاثة. حيث في العام 1925 ظهرت لها السيدة العذراء مع المسيح حينما كان طفلاً, وقالت لها أن عبادة يسوع المسيح يجب أن تنتشر. ثم في1929 ظهرت أيضاً. ولقد كتبت لوسيا في 1937 سرداً كاملاً للظهورات التي يبدو أنها توسعت وضمّت ظهوراً لملاك قبل ظهور السيدة. ففي 1915 ظهر كشخص ملفوف بملاءة، وفي1916 كشاب في السادسة عشرة أكثر بياضاً من الثلج وعرّف عن نفسه بأنه ملاك السلام وطلب منهم الصلاة من أجل عديمي الإيمان مع ملامسة جباههم للأرض. لاحقاً في 1916 أخبرهم أنه ملاك البرتغال الحارس وأن عليهم أن يصلوا ويقدموا أضاحي من أجل كل شيء صنعوه لكي يأتي السلام، كما أعلمهم بأن قلبي يسوع ومريم يخططان لشيء لهم.

أيضاً في 1916 ظهر بهيئة غمامة في شكل بشري وناولهم. كما كتبت لوسيا في 1941 و1942 وصفاً للرؤيا التي رأت فيها الجحيم في 13 تموز 1917. وقد وصفتها بالنار الحمراءوالشياطين السود وصرخات الألم واليأس, وربطت ذلك بأن السيدة العذراء قد حذرت من إشارة عظيمة لليل يضيئه نور مجهول يرمز إلى عقاب إلهي لا سبيل إلى تلافيه إلابتكريس قلوبهم للمسيح و أمه.

انطباعات أولى

تبعد البلدة الصغيرة حوالي الساعة و النصف عن العاصمة, وتقع شمال المنتزة الطبيعي, وتقع الكنيسة وسط بلدية أوريم في مقاطعة سانتاريم, تلكم الكنسية التي توسعت كثيراً , وصارت تتكون من ساحة كبيرة,ومساحة أكبر لقداس واسع, على طرفها كنسية صغيرة (chapel) وأبرشية صغيرة لجوقة إنشاد, وكنسية جديدة تحتوي على مسرح ضحم دشنت عام 2007م, كماأن الساحة يتوسطها ممر مشاة مرصوف بالحجر الطبيعي, بحيث يجثو الحجاج على ركبهم,ويبدأون بالحبو نحو مذبح الكنسية الواقع في وسطها تمامًا,  والغريب أن الممشى يزدحم بالكثيرين, بل إن بعضهم يجثوا على بطنه, إمعانًا في إهانة النفس, والبعض يبدأ بالحبو ليس قبل الدخول في ساحة الكنسية, بل من منزله أو دولته, فالبعض يحج من مسافات بعيدة, طلبًا لغفران ذنبٍ عظيم أو علاج مرضٍ عضال, وخصوصًا من كثوليك أوروبا الشرقية.


وفي حديث خاطف مع بعضهم, لاحظت أن أكثرهم مصاب بأمراض خطيرة من السرطان و الصرع أوأمراض نفسية, بل إن بعض الأمهات تحج وقد حملت طفلها فوق ظهرها, ويستغرق وصولها شهورًا عديدة حتى تصل إلى جوقة الإنشاد, وقد أنهكها الطريق, وطهرت روحها منالأردان, طالبة مساعدة القديسة فاطمة ومن ورائها السيدة العذراء بعلاجها إبنها من مرضه.
بزنس و بزنس

تلكم الشعائر تتزامن مع اشعال الحاج شمعة و إضمار نذر vow,على دكة مذبح الكنسية أو على بابها الخارجي, والبعض لا يشعل شمعة عادية, بل يقوم بإشعال النار في شمعة تماثل في شكلها شكل العضو الذي يشتكي منه, فالمريض الذي يعاني من مشاكل في رجله أو في المشي فإن يشعل شمعة على شكل رجل, و هكذا فلقد ازدهرت الأعمال التجارية حول محيط الكنسية, وصارت المتاجر تبيع كافة الأشكال, حتى وصلت إلى الأعضاء الحميمة في جسد الذكر و الأثنى!! فضلاً عن توسع حركة الفنادق والشقق المفروشة في المنطقة, و باختصار تحول المكان من معلم ديني إلى مزار سياحي.



محاولة اغتيال البابا

القصة الأهم هي ما حدث في 13 مايو1981م, حيث كان البابا يجولعلى حشود من المسحيين في ساحة القديس بطرس في الذكرى السنوية لظهورالعذراء في بلدة فاطمة، حينها أقدم مسلح تركي هو محمد علي أغا, بإطلاق النار على البابا باستخدام مسدس براوننج عيار 9 ملم, حيث تقول الأسطورة أن تمثال السيدة العذراء هو من حمى البابا من الرصاصات, وحولها من المناطق الحيوية في جسده, لتسقر الرصاصات في الأمعاء الغليظة والأمعاء الدقيقة، وقد نقل البابا إلى مشفى الفاتيكان ثم إلى مشفى جيميلي في روما، وخلال طريقه إلى المشفى فقد البابا الوعي، وخسر كمية كبيرة من الدم وخضع لعملية جراحية دامت خمس ساعات، لعلاج الكمية الكبيرة من الدم التي فقدها ولترميم الجروح التي أصيب بها في البطن, وبعد شفائه قال البابا أن القديسة فاطمة هي من ساعدت على إبقاءه قيد الحياة طوال محنته: "هل يمكنأن أنسى حدث محاولة علي أغا في ساحة القديس بطرس، التي وقعت في يوم وفي ساعة ظهورأم المسيح للفلاحين الصغار قبل أكثر من ستين عامًا في بلدة فاطمة في البرتغال؟ فيكل ما حدث لي في حياتي وفي ذلك اليوم بالذات، شعرت بأن حماية الأمومة والرعاية الاستثنائية هي أقوى من الرصاصة القاتلة".

تم القبض على أغا فور قيامه بالعملية من قبل المحتشدين وحتى وصول الشرطة، وقد حكم عليه بالسجن مدى الحياة؛ ولكن بعد يومين من عيد الميلاد عام 1983 زار البابا يوحنا بولس الثاني أغا في السجن، وتكلم معه على انفراد لمدة عشرين دقيقة، ثم أعلن عفوه عنه,وبعد سنوات من التحقيقات, ثبت أن عملية محاولة الإغتيال كانت من تدبير المخابرات الروسية, و أن المسلمين ليسوا ذي علاقة بكل هذه العملية.

تجولت عدة ساعات بين جنبات الساحة والكنيسة, وتناولت مع صاحبي طعام الغذاء في مطعم برتغالي تقليدي, لم اشاهد إلا قليلاً من العرب, ولكن للأسف شاهدت بعض المسلمين ممن حضر للسلام و إشعال شمعة لفاطمة والتقرب لها و الدعاء عندها, و ذلك أمر غريب, فنحن في ديننا لا نحتاج إلى مثل هؤلاء الوسطاء, فعلاقة الإنسان بربه مباشرة, ولا حاجة لإحد بينهما, والله المستعان...
مما لا شك فيه أن فاطمة الزهراء –رضي الله عنها- ليس لها علاقة لا من بعيد أوقريب بهذه الأساطير والقصص, ولكن بالنسبة كانت تجربة روحية عميقة... إحتاج إلى مثلها يومًا ما...
ودمتم في رعاية الله.
عبدالرحمن بن سلطان السلطان

هناك 3 تعليقات:

  1. جولة سياحية مجانية... شكرا اخوي عبدالرحمن

    جاسر، الرياض

    ردحذف
  2. خالد الحامد29 يناير 2012 10:27 ص

    ما شاء الله اسلوب مميز في سرد الأحداث

    لم يشعرني بالملل او الرغبة في قفز الاسطر كما يحلولي دائما لإختصار الوقت

    تمنياتي لك بالتوفيق وأشكرك على هذه المعلومات القيّمة


    محبك / خالد الحامد

    ردحذف
  3. مقال ..informative ... جولة سياحية تاريخية دينية

    شكرا على هذا النوع من المقالات التي فقداناها

    ردحذف