الاثنين، 19 مارس، 2012

كيف أنتج "الـ لاشيء" أسطورة: "ساينفلد"

كيف أنتج "الـ لاشيء" أسطورة: "ساينفلد"
منذ مدة طويلة ولدي الرغبة بالكتابة عن  المهنية  Professionalism  الكبيرة التي تتمتع بها صناعة الترفية في الولايات المتحدة الأمريكية, ولكن الفرصة لم تتح, بيد أن مشاهدتي لإحدى حلقاتي المفضلة من المسلسل الشهير "ساينفلد" الليلة قبل الماضية؛ جعلتني أتشجع واجمع شتات أفكاري حول هذا الموضوع.

ذكرى جميلة
من أجمل ذكرياتي التي لا انساها؛ عندنا زرت أستديوهات ينوفارسال الأمريكية Universal Studio في مدينة لوس أنجلس – غرب الولايات المتحدة الأمريكية- صيف عام 2008م مع الصديق خالد المعيقل, ولمن لا يعرف الأستديوهات فلقد بنيت على مرتفع جبلي, يقسمها إلى جزءين اثنين, أحدهما في الأعلى للألعاب و المسارح متوسطة الحجم,  والقسم السفلي لبقية الألعاب و للجولة الطويلة على أستديوهات ينوفرسال, وخصوصًا مواقع التصوير الأساسية لأشهر الأفلام و المسلسلات الأمريكية, الشاهد في الأمر أن السلم الكهربائي الطويل, الذي يربط بين جزءي الأستديوهات, ما أن تتجاوز أربع أو خمس درجات منه, حتى تباغتك الموسيقى التصويرية لمسلسل ساينفلد, لترتسم الكثير من الابتسامات العفوية على محيا الجمهور, ويشع جوٌ من الرضا الواسع, خصوصًا و أن المسلسل صوّر بكامله في ضواحي لوس أنجلس (غرب أمريكا), على الرغم من أن وقائعه كلها حدثت في منطقة منهاتن بنيويورك (شرق أمريكا).
عثرة في البداية
كان جيري ساينفلد Jerry Seinfeld يقدم عروضه الكوميدية في الكثير من برامج السهرة الأمريكية, لكنه تشجع وقدم في عام 1989م الحلقة الأولى من مسلسل  كوميدي أطلق عليه مسمى: (يوميات ساينفلد The Seinfeld Chronicles  على قناة (NBC) الأمريكية، وللأسف لم يستطع المسلسل تحقيق النجاح المطلوب للقناة, حيث لم يحقق نسب المشاهدة المطلوبه, حاول جيري البحث عن قناة أخرى ولكن  محاولته بائت بالفشل الذريع, بيد أنه كان على موعد عظيم مع القدر.
إذ وبعد مرور سنة على عرض الحلقة الأولى، عادت الأفكار من جديد للقناة بعرض المسلسل مرة أخرى، خصوصًا بعد إنتهاء المسلسل الأسطوري (تشيرز (Cheers حيث طلب منه إعادة إنتاج حلقات جديدة من المسلسل، ليحقق المسلسل وخلال ثلاثة أسابيع أرقام مشاهدة متسارعة, حيث ذهل الجمهور من واقعية المسلسل و تعامله مع أدق تفاصيل الحياة اليومية للعزاب الشباب, خاصة في مدينة تحتل مكانة كبيرة في الوجدان الأمريكي: نيويورك, هنا لا بد من التأكيد على ضرورة مشاهدة إحدى أجمل حلقات ساينفلد, وهي الحلقة التي تحدث عن فكرة تقديم مسلسل عن "اللاشيء" لقناة NBC وكأنما يعيد التاريخ نفسه, ولكن بالكثير من السخرية اللاذغة  والقفشات القوية حول المدراء التنفيذيين في القنوات التلفزيونية الأمريكية الكبرى.
"لا شيء" وفقط
المسلسل يتمحور حول :الـ لا شيءThe Show About Nothing , كما يطلق عليه بطله الشهير (جيري ساينفلد), لقد حقق المسلسل الكوميدي  الشعبية الأكبر خلال عقد التسعينات، وهو ما يتذكره الإعلاميون والنقاد؛كأكثر الأعمال الفنية تأثيراً على أسلوب الحياة والثقافة الأمريكية، وذلك بتصدره المذهل في نسب المشاهدة الأسبوعية محققاً للقناة أرباح مالية ضخمة تجاوزت مليار دولار. وقد بدأ المسلسل سنة 1989، واستمر عرض مواسمه التسعة الرائعة إلى أن قرر صانعاه جيري ساينفلد و لاري دافيد إنهاءه مع موسم 1998وهو في قمة نجاحه الفني والجماهيري.
المسلسل يقتبس أحداثه من يوميات حياة جيري نفسه، ودوره بالمسلسل يحمل نفس اسمه. حيث يظهر "جيري" في الحلقات كشخص ناجح في فن الكوميدا الارتجالية، والتي يسخر فيها على أسخف وأبسط أمور الحياة, ويتتبع المسلسل مواقف (جيري) وأصدقائه الثلاثة, والتي تحدث أغلبها في شقته أو مطعمهم المفضل بمدينة نيويورك –الذي تحول إلى مزار سياحي حاليًا-. ويؤدي الممثل "جاسون الكساندر" دور الفاشل وسيئ الحظ (جورج كوستانزا) الذي تعرف على (جيري) منذ أيام المرحلة المتوسطة. أما الممثلة "جوليا لويس درايفس" فهي صديقة (جيري) السابقة (ايلاين بينيس)، الصريحة و المباشرة إلى حد البذاءة. أما (كوزموكرمير ) شخصية المعجبين المفضلة وغريب الأطوار  والذي يؤدي دوره الممثل (مايكل ريتشارد)، فهو جار جيري ذي قصة الشعر الغريبة ودخوله المفاجئ للشقة والمواقف المحرجة التي تحصل له, أما أجمل و أروع الحلقات التي أنصح بمشاهدتها –مرات عديدة!!- فهي:  حلقات (المطعم الصيني)، (الانتقام) و(الصفقة). (طفل الفقاعة).
قد لا تمل من مشاهدة حلقة ما مرات عديدة, والسر يكمن في حرفية الإنتاج, بداية من الفكرة Concept الحلقة, مروراً بفريق الكتابة و تطوير الفكرة, ثم كوكبة الممثلين المحترفين, والأهم إعطاء كل ذي حق حقه, من مسؤول الملابس حتى مسؤول الإضاءة, وتعد حلقة "موقف السيارات" إحدى الحلقات التي ظهرت خلالها, مهارة وحرفية فريق العمل, فلقد كانت فكرة الحلقة تعتمد على شراء كرمير لجهاز تلفزيون كبير من أحد الأسواق بهدف تقديمه كهدية, ولكنه بعد شراء التلفزيون, لم يستطع الأصدقاء معرفة مكان موقف السيارة, المشكلة أن لم يتوفر في كل مدينة لوس أنجلس سوق واحد يوافق على إعطاء الموافقة على تصوير حلقة عن المواقف, قد تستهلك أكثر من 36 ساعة تصوير, على مدى ثلاثة أيام, هنا أتخذ فريق الإنتاج قرارًا ببناء موقف سيارات مصغر, و استخدام المرايا بهدف إعطاء صورة أكبر عن المواقف, واستخدام سيارات مختلفة الألوان, وتغيير موقعها,بالإضافة إلى تغيير زوايا التصوير خلال الانتقال من دور إلى دور آخر, لقد كانت من أصعب الحلقات تصويرًا على فريق العمل, لكنها حتماً كانت من أجمل الحلقات, و المثير في الأمر أن التعب قبل بلغ أقصاه لدى الممثلين في نهاية الحلقة, حتى أنهم ضحكوا على حركة عفوية من كريمر, ولكنهم تابعوا تصوير الحلقة بهدف الإنتهاء فقط...
الإنتاج هو الأساس
دعوني أعطي مثالاً آخر على قوة الإنتاج, واهتمامهم بأدق التفاصيل, وهو إنتاج إحدى أشهر حلقات مسلسل ساينفلد هي حلقة "الزبادي المثلج منزوع الدسم" , حيث وفي تلك الفترة كان المجتمع النيويروكي في خضم معركة الانتخابات لرئاسة بلدية المدينة, وكان من المفترض عرض الحلقة في اليوم التالي لظهور نتائج الانتخابات, وكان سيناريو الحلقة يعتمد على مؤتمر صحفي لرئيس البلدية يتحدث عن قضية الزبادي المثلج و كونه منزوعاً عنه الدسم, لذا قرر فريق الإنتاج, تصوير نسختين من الحلقة الواحدة, يظهر في كل منهما أحد مرشحي الانتخابات يقدمه تعليقه على الموضوع كرئيس للبلدية !!, ليتم عرض المشهد المناسب, بعد فوز المرشح المناسب, وقد كان العمدة جولياني, لقد واجه المسلسل الكثير من العقبات, لكنه وجود كوكبة مميزة من العاملين فيه, كانت خير عوناً لتجاوز تلك العقبات, بداية من كتاب المسلسل و الكتاب المساعدون, والباحثون (وهي وظيفة لا توجد في صناعة الترفية العربي) ومسوؤلي الملابس والديكور, والأهم من ذلك الجمهور الحي, الذي يحضر تصوير عدد من مشاهد الحلقات, و للأسف قارن هذا الجهد الخرافي بالبخل الإنتاجي و فقر مواقع التصوير, بل وركاكة السيناريو والحوار في مسلسل "كلنا عليا قرّية" أو المسلسل الأشهر "طاش" وكلاهما دفعت فيها لأبطال العمل – فقط- ملايين الريالات, وهما بالمناسبة منتجا العمل كذلك !!

نهاية على القمة
" أريد أن انهي المسلسل وهو يعيش مرحلة القوة والنجاح".. هكذا صدح جيري ساينفلد بعشاق المسلسل ومن قبلهم نقاد الإعلام الأمريكي, عندما أعلن عن قراره الشجاع لإنهاء المسلسل ، وتصدر هذا الخبر العناوين الرئيسية للصحف وأغلفة المجلات، وحاولت شبكة (NBC) إغراءه بعرضها المالي الضخم، والذي بلغ خمسة ملايين دولار عن الحلقة الواحدة! ولكن دونما جدوى, وبالمناسبة ولا يزال يحتفظ ساينفلد برقمه القياسي في موسوعة  كأكثر دخل سنوي لممثل تلفزيوني في التاريخ, أما بخصوص الحلقة الأخيرة من مسلسله فلقد شاهدها ستة وسبعين مليون مشاهد، لتأخذ موقعها ضمن أكثر الحلقات التلفزيونية مشاهدة في تاريخ التلفزيون الأمريكي على الإطلاق, لا احتاج هنا للتذكير بكون أجزاء مسلسل "طاش" السعودي تجاوز الـ18 جزءًا, والحسابة بتحسب....
ماذا بعد ساينفلد؟؟
محبوا سانيفلد لا يكتفون فقط بالحلقات التلفزيونية,  لكنهم مهوسون بكل شيء له علاقة بالمسلسل – و أنا واحد مهنم-, والأجمل من ذلك أن الشركة صاحب حقوق الإنتاج تساعدهم على ذلك, فهو ربح مالي له في نهاية الأمر, هناك طيف واسع من التذكارات الرسمية التي تباع للمسلسل و نجمومه, من خرائط متنوعة بانورامية لمدينة نيويورك حدد فيها الأماكن التي حدثت فيها وقائع المسلسل مثل المطعم الصيني في الشارع الخامس, شقة إيلين, شقة جيري, استاد فريق اليانكي... وهكذا ( وهي موجودة بطريقة تفاعلية في الموقع الإلكتروني للمسلسل), بالإضافة إلى مقاطع صوتية للهواتف الجوالة, صور متعددة للحلقات الشهيرة, صور من جولات فريق المسلسل عبر أمريكا –خلال فترة عرض المسلسل-, شاشات توقف للحاسب الآلي, ملصقات كبيرة, كتاب نصي يحتوي على النص الكامل للسيناريو و الحوار.
فضلاً عن وجود صحفات رسمية للمسلسل في أشهر شبكات التواصل الإجتماعي مثل الفيسبوك و مايسبيس, ومعرّف في تويتر, فضلاً عن موقع رسمي غني بالمعلومات و المقاطع المضحكة.
السؤال الأصعب
لقد كانت حلقات المسلسل السعودي الأشهر "طاش" فرصة لا مثيل لها لبناء مسلسل يدر الأموال على صانعيه, ويخلق شخصيات تعيشي بيننا, ولكن هذا الأمر يحتاج وجود صناعة ترفية متكاملة, مع ضرورة وجود نظام يحمي حقوق الملكية الفكرية في المنتجات سواءً الوسائط الإعلامية أو حتى المنتجات الأخرى من هدايا وتذكارات, لقد حفلِ مسلسل "طاش" بالكثير من الشخصيات المميزة, مثل "فوائد" الحجازي و "حمود" و"محيميد"  و "هزار" الطفل, وغيرهم من الشخصيات التي كان من المفترض أن تتحول إلى واقع نعشه في حياتنا اليومية, من أزياء و مأكولات وألعاب  وغير ذلك... ولكن يبدو أن الجود من الموجود... و أن الغلبة سوف تبقى لصناعة الترفية الأمريكية لسنوات قادمة والله أعلم.

دمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان


هناك 3 تعليقات:

  1. لاري ديفد المخرج لهذا المسلسل قام في عام 1999 بانتاج مسلسل أخر لكنه ليس المخرج هذه المرة وإنما بطل المسلسل "curb your enthusiasm" على قناة HBO الخاصة.
    اذا كنت من محبي مسلسل ساينفلد بالتأكيد سوف تحب هذا المسلسل.
    تحياتي

    ردحذف
  2. جميل ماكتبت, مع قلة متابعتي للأفلام إلا أنني أعجبت بطرحك أخي عبدالرحمن

    مع تمنياتي لك بالتوفيق

    ردحذف
  3. من فترة وأنا ابحث عن تعريف باللغة العربية عن مع شوقي الكوميدي ساينفلد ولم أجد أي شيء، لكن هذا المقال كان أكثر مما توقعت
    فشكراً جزيلا لك اخ عبدالرحمن


    محمد- الرياض

    ردحذف