الجمعة، 13 يوليو، 2012

زيورخ... "هايدي" وأكثر


زيورخ ... "هايدي" وأكثر
الساعة تشير إلى الخامسة و النصف مساءًا و الأجواء أكثر من ربيعية, نسمات الهواء العليل تداعب أوراق الأشجار العتيقة, كنت متكئاً على زجاج الصف الأول في حافلة الجولة السياحية, عائدًا مما يطلق عليه بجولة هايدي لاند (Heidi Land) ,في رحلة امتدت حوالي السبع ساعات و النصف بالتمام و الكمال, نقدت فيها 82 فرنكًا سويسرياً.
الدولة الشطيرة!
خلال مراحل الرحلة توقفنا قليلاً في إمارة لختنشتاين Liechtenstein , التي لو بحثت عنها في الخريطة فلن تجدها ! فهي شطيرة متناهية الصغر, تقع بين النمسا وسويسرا، جنة من الإعفاء الضريبي, مما قاد إلى أن يبلغ عدد الشركات فيها أكثر من عدد سكانها ! توقفنا فيها قليلاً حتى يقوم صحبنا اليابانيون بختم جوازات سفرهم بختم الإمارة, ليكسبوا زيارة دولة إضافية بالمجان! ولنتناول طعام الغداء في تلك الأجواء الربيعية الرائعة خارج أحد مطاعمها المتنوعة, طبعًا وجبة الغداء لم مشمولة – وياللأسف- في رسوم الجولة.
الأفضل معيشة
كنت قد وصلت مدينة زيورخ Zürich صباح اليوم السابق قادمًا من فيينا, بعد أن أنهيت عملي الرسمي هناك, في طريق عودتي إلى الرياض, و أحببت أن أبقى بضع ليلاٍ في المدينة التي أعشقها حتى الثمالة.
هذه المدينة و التي رغم احتضانها لأكبر تعداد سكاني في سويسرا, إلا أنك لتتعجب من عدم وجود أي دليلٍ على الزحام المروري أو حتى تلوث بيئي أو بصري, وهي المدينة التي احتلت – بكل جدارة-موقعًا متقدمًا في قائمة أفضل المدن معيشة في العالم أجمع.
من المثير للتعجب أن تكون هذه المدينة قد جمعت من الأضداد ما لله به عليم, من البيرت إينشاين العالم الفيزيائي الشهير إلى فلادمير لينين الزعيم الاشتراكي الأشهر, حتى ملك أفغانسان السابق آمان الله خان, ولكن يبدو أنه قدر الأراضي السويسرية منذ الأزل, فهي بلد الحياد و ملتقى الجميع. فالكل أحب هذه المدينة الراقية, وخصوصًا بحيرتها التي أشتق أسمها منها.
هايدي وجدها وبيتر
عودًا على ذي بدأ, فما أن وصلنا إلى جبل هايدي المفترض, حتى تحركت مكامن الطفولة, و تراقصت صور ذلك المسلسل الكرتوني الذي سحر قلوبنا وملك ناصيتها في الخوالي من الأيام, رواية فتاة الجبل تلك التي أبدعتها جوانا سبراي Spyri Johanna حينما انتقلت للعيش في مدينة زيورخ, فصار لزاماً على تلك المدينة الاستفادة من شهرة الرواية وخصوصًا المسلسل الكرتوني, كان من الرائع أن نصل إلى كوخ جد هايدي, ثم نجد رفيقها بيتر مع العنزات, أما الأجمل فكان متجر التذكارات الملاصق لكوخ هايدي, وما احتواه من تذكارت غريبة ومثيرة للاهتمام!
بعد العودة منهكًا من الرحلة الطويلة؛ لم يكن هناك بدٌ من تناول قطعتي شاورما تركية من مطعم منزوي بين منازل زيورخ العتيقة, وهناك استمتعت بمشاهدة تلفريك زيورخ الغريب الذي يقطع بعض مناطقها من الأسفل إلى الأعلى, و على حين غرة تشرف على منظر رائع للمعهد الاتحادي السويسري للتقنية, ذلك المعهد الذي شهد تقدم العالم العبقري ألبرت أينشتاين لامتحاناته عام 1900 و نجاحه, لكنهم لم يقبلوه ليتحول بعد سنين عديدة إلى مكتشف النظرية النسبية في بلاد العم سام !
يوم ثاني
اليوم الثاني كان حافلاً بامتياز, فلقد خرجت بسرعة عند السابعة صباحًا من الفندق دون افطار, متجهاً نحو الباص رقم 165, والهدف كان ساحة Burkliplatz وسط المدينة, حيث يلتئم شمل مزارعي المنطقة يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع, لمدة خمس ساعات فقط, من السادسة إلى الحادية عشر صباحًا, لعرض خيرات الأراضي السويسرية.. فراولة تقطر عسلاً...عناقيد عنبٍ تتراقص تحت أشعة الشمس الخجولة... فضلاً عن الخضار الطازجة والجبن السويسري الشهي, التي غالبًا ما تكون منتجات زراعية ذات منشأ عضوي, أما الزهور فحدث ولا حرج... ألوان تثير البهجة و الحبور .... ومناظر تبعث الحياة و السعادة في الجميع بلا إستثناء.... بعد جولات التذوق والتذوق!... اتجهت صوب متحف Uhren Museum Beyer Museum و هو أحد أجمل متاحف الساعات وعلومها في سويسرا كلها, والذي لم تتح لي فرصة زيارته سابقًا, ولكنني هذه المرة كنت مصممًا على زيارته بأي طريقة, وللتاريخ فلقد قضيت في المتحف ساعة واحدة و ثلاث عشر دقيقة و أربع ثوان!
الجميل في الأمر أن المتحف يقع تقريبًا وسط شارع التسوق الشهير بانهوفشتراسية Bahnofstrasse, الذي يبدأ بمحاذاة محطة القطار, ويتجه جنوبًا, والشارع كما هو معروف يعج بسلسلة لؤلوية من المتاجر و البوتيكات الراقية, و المطاعم المميزة... و الأسعار دومًا لا تقل عن الآلف يورو وما يزيد! لكن الجولة الراجلة في الطريق, ثم كوب قهوة حينما تصل مشارف بحيرة زيورخ تجعل التجربة أكثر من مجرد حلم جميل تتمنى أن يستمر دونما نهاية, هناك تجاذبت أطراف الحديث مع بائع أقنعة, من النوع الذي يستخدم خلال الحفلات الراقية, والذي انطلق في محاضرة طويلة عن تاريخ الأقعنة الراقية, و نشأتها في فرنسا و الكثير من المعلومات التي لا أتذكر شيئًا منها, الشيئ الوحيد الذي أتذكره أن الرجل العجوز كان متقاعدًا من عمل حكومي منذ سنوات, و أن حياته قد بدأت من جديد حينما دخل باب الأقنعة هاويًا قبل سبع سنوات, لتدر عليه هذه الأقنعة حاليًا دخلاً يتجاوز راتبه التقاعدي بثلاثة أضاعف أو يزيد...
متى تتحق الأمنية؟؟
الحديث عن مدينة زيورخ وتجاربها يحتاج إلى حلقات متعددة, و إشارات أكثر لمدينة مليئة بالحياة والحيوية... وللحقيقة قد لا أكون مبالغًا حينما أصرح دائماً برغبتي العيش في هذه المدينة الرائعة... و المحببة إلى قلبي... ولكن متى تحقق هذه الأمنية؟
دمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان

هناك تعليق واحد:

  1. ذكرتني بسويسرا وجمالها وطبية أهلها, مقارنة بفرنسا, لكنني أعتقد أن جنيف احلى وأكثر فعاليات مقارنة بزيروخ


    ياسر, الرياض

    ردحذف