السبت، 21 يوليو 2012

يخلعها قطعة.. قطعة في "تويتر"

 حمدا لله فلقد قطعنا شوطا طويلا حتى تجاوزنا مرحلة "جار القمر" و"طائر النورس" إلى ذكر أسمائنا وحتى صورنا في السيد اللطيف: "تويتر". لقد كانت رحلة خاطفة في عمر الشعوب، ولكنها معبرة عن مجمل تحولات مجتمعنا السعودي، خلال السنوات الأخيرة، فلو عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وبالذات إلى منتديات شبكة الإنترنت، وقد تترس الجميع بمعرفات ومسميات مجهولة، ساعدت البعض على البوح بما لا يستطيع التصريح به ضمن واقع المجتمع، بل جعلت البعض الآخر عتادا في أتون معارك فكرية واجتماعية لا ناقة له فيها ولا جمل.
سنوات تسارعت والكثير يتحاور مع أفراد مجهولين، لا يعرف من هم، ولا يعرف حتى إن كانوا هم فردا واحدا بمعرف واحد أو مجموعات معرفات!، حيث كان البعض يلعب أدوارا مثيرة للشفقة، حينما يكتب ويرد على نفسه، بل يمجدها في بعض الأحيان، حتى تطور الأمر إلى تجارة بيع "المعرفات" في بعض منتديات النقاش الشهير آنذاك، مثل الساحات السياسية ونحوها، لكن اليوم ومع ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تجاوز المجتمع هذه الخصوصية الفريدة، فإن أغلب المشاركين لا يتحرج من اقتران اسمه الصريح بصورته البهية، وهو ما كان بداية خجولة في"الفيس بوك" لكنها اتضحت بشدة في معرفات "تويتر".

المثير هنا هو القدرة العجيبة للسيد "تويتر" على خلع هالات القداسة والتبجيل للعديد من شخصيات المجتمع المعروفة، خاصة الدينية والثقافية والفنية، التي أفصحت تغريدات بعضهم عن ضحالة فكر، وسوء أدب وأخلاق، بل وضيق أفـق من الآراء المخالفة، حتى وإن كانت مجرد ملاحظات أو إضافات! وما التغريـدة الشهيرة لأحد أعضاء مجلس الشورى بتلك الكلمة السوقية إلا مثالا معبرا عن سقوط تلكم القامات العاجية.

لقد خلع السيد "تويتر" ورقة التوت الأخيرة عن البعض، وجعله عاريا أمام الجمهور الحقيقي التفاعلي، دونما وسيط أو رقيـب، أو حتى حارس بوابة، كما كان موجودا في إحدى النظريات الكلاسيكة للإعلام، أما تذرع بعض المشاهير أن أخطاءهم مطبعية، وسببها سرعة الكتابة، وقرب مفاتيح الحروف من بعضها في الهواتف الذكية، لكنه لا يستطيع تفسير الأخطاء اللغوية والنحوية الفادحة، وعدم التفريق بين "الضاد" و "الظاء"، فضلا عن الضعف الشديد في الإملاء، والركاكة اللغوية، وفقر القدرة عن التكثيف اللغوي لفكرته في أقل من 140 حرفا.

في الحقيقة تشكل تغريدات "تويتر" مجالا خصبا لدراسات تحليل الخطاب Discourse study، حيث لم يعد بالإمكان النظر إلى لغة وسائط الاتصال الجماهيرية، ومنتجاتها كما هي نظرة اللغويين التقليدية، فالنص والخطاب في وسائط الاتصال الاجتماعي يختلفان اختلافا كبيرا عما هو موجود في رسائل وسائل الإعلام التقليديـة والكلمة المنطوقة، فضلا عن كون حدوث المعنى لا يتم أثناء كتابة النص أو إنتاجـه فقط، بل حتى لحظة قراءتـه، كمـا أن ربطه بالسياق الاتصالي والاجتماعي والسياسي، سوف يسهم بمزيد من الفهم والتفسير للتغريدات واتجاهات المجتمع، بالإضافة أن تعميق الدراسة بتحليل المحادثة الآنية والخاصة بين مغردي "تويتر"، يسهم في فهم تطور وتغير آلية الحوار المجتمعي، ومدى قبول الآخر والآراء المخالفة حتى وإن كانت من جمهور المؤيدين.

إن ظهور التغريدات بشكلها العفوي جعلها تعبيرا حقيقيا لبعض مكونات المجتمع، خاصة ذوي الحد الأدنى من الثقافة الرقمية، كما أن سلوك وردات فعل شخصيات المجتمع البارزة في "تويتر" جديرة بالدراسة أيضا، فهي بالنهاية تعبر عن الشخصية "النجم" بذاتها، نظرا لأن المتحكم والكاتب هو نفس الشخصية الشهيرة في الغالب الأعم.









لقد نشر مؤخرا عدد ليس بالقليل من الدراسات الإعلامية في الجامعات السعودية حول استخدامات "تويتر" من قبل المستخدمين، خاصة ما يطلق عليهم بالقائم بالاتصال، لكن مجمل هذه الدراسات تعتمد على أسلوب جمع المعلومات بالتسجيل الذاتي عبر الاستبانات، دون الخوض في بحث نوعي عميق، أو تحليل نوعي لنغمة الخطاب وأسلوب اللغة، مما يجعل النتائج غير دقيقة ومتأثرة بالعامل الشخصي، دون معلومات موثوقة يمكن البناء عليها وتطويرها.

هي دعوة عاجلة لأقسام الإعلام بجامعاتنا نحو تشجيع طلبة الدراسات العليا، بالعمل على إنجاز دراسات نوعية وذات قيمة حقيقة، تسهم في مزيد من الفهم لخصائص ومستقبل قنوات التواصل الاجتماعي في المملكة.
وأخيرا رغم أن "تويتر" يوفر لنا فضاءا غنيا لدراسة وملاحظة تطور المجتمع وتفاعله، لكنه حتما ليس إلا حلقة إضافية ـ بحد ذاته ـ سوف يتجاوزها المجتمع عما قريب إلى شيء رقمي آخر، لا أعلم ماهيته، لكنه حتما أكثر سعة وروعة وتفاعلا.


عبدالرحمن السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق