الاثنين، 30 أبريل، 2012

زيارتي الأروع لأستديوهات بارامونت الأمريكية

مائة عام من الشغف والإبداع المرئي:
زيارتي الأروع لأستديوهات بارامونت الأمريكية
لم أكن أتصور أن نكتة عابرة قد تتحول إلى واقع حقيقي لطيف بعد أربع سنوات فقط!, تلكم القصة التي إبتدأت وانتهت في عاصمة الترفية العالمية, وتحولت إلى شريط سينمائي ذي نهاية سعيدة... لي طبعاً (:
القصة منذ البداية...
منتصف صيف العام 2008م كنت للتو وصلت إلى لوس أنجلس قادمًا من سان دييقو بصحبة زوجتي, وقد كنا نحمل في جعبتنا برنامجًا سياحيا مكثفاً, يأتي على رأسه زيارة أحد أستدويوهات هاليوود الشهيرة, وهذا ما تحقق بزيادة أستديوهات يونفرسال universal studio , حينها حاولت شراء تذكرة لزيادة أستديوهات بارامونت, وهي الأهم بالنسبة لي, خصوصًا وأن أفلامها غالبًا ما تتسم بالعمق الفكري وأثرها الكبير على السينما الأمريكة, لكنني للأسف لم أوفق, فالتذاكر نفذت وعودتي إلى الرياض كانت بعد عشرة أيام فقط! هنا قالت لي مندوبة المبيعات وبنرة لا تخلو من الشفقة: لا تحزن فقد تتاح لك الفرصة بزيارة الاستديوهات في يوبيلها الماسي (مائة عام) أي في عام 2012م !! هنا ابتسمت بحزن, ولم أكن أتصور أن تصبح الأمنية حقيقة!!
هذه المرة ودعت صديقي خالد في مطار سان دييقو, واتجهت إلى فندقي شمال لوس أنجلس, فلقد كانت رحلتي للرياض بعد أقل من 36 ساعى فقط, ولم يبقى لي سوى يوم واحد هنا, في درة الغرب الأمريكي, تجولت قليلاً في الشارع الثالث, الشهير والقريب من رصيف سانتا مونكا, وهناك وأنا ارتشف قهوتي المفضلة من نوع الشكولا البيضاء في "ستار باكس" حتى لمحت إعلاناً ترويجيًا لفيلم جديد من إنتاج أستديوهات بارامونت, وقد كانت شارة الإعلان تشير إلى احتفال الأستديوهات بمرور مائة عام على إنشائها وسط ضاحية هاليوود, هنا تيقنت أنني على موعد رائع مع القدر, وأن حديث تلكم الفتاة قد يتحول إلى حقيقة جميلة, المهم خلال أقل من دقيقتين كنت أستعرض الموقع الإلكتروني لزيارة الأستديوهات, ولم أكن أصدق نفسي حينما وجدت على تذكرة وحيدة لزيارة الأستديوهات, غدا الأثنين الساعة الواحدة ظهراً, و بــ48 دولار أمريكياً فقط.... لقد كانت هي التذكرة الوحيدة المتوفرة خلال أربعة عشر يومًا قادمة!! لم أصدق ذلك, ولكنها أشياء جميلة قد تحدث أحياناً.
تحولت ليلتي تلك إلى ليلة ثقافية بإمتياز, فصرت أسبر أغوار تاريخ أستديوهات بارامونت بكل جد واجتهاد, وما أنتجته من أفلام وما قدمته للسنما العالمية, فلقد تعلمت من زياراتي السابقة للمواقع الأثرية أو المواقع السياحية أن التحضير المسبق لأي زيارة يمنحك ميزة إضافية و إستيعابًا أفضل لكمية المعلومات المقدمة خلال الرحلة, فضلاً عن زيادة مدة المتعة لأكبر قدر ممكن.. (: وهذا جوهر ما أبحث عنه.
تأخرت لكن..
وجدت أن المسافة ما بين فندقي والأستديوهات لا تتجاوز 20 كيلاً مربعاً, وأنها قد تستغرق نصف ساعة, لكنني لم أكن أعرف أن جزء كبيراً من مشوار الرحلة يمر بعدة طرق حيوية, وللأسف كدت أتأخر على الموعد المحدد, حيث أن شروط التذكرة تؤكد على ضرورة التواجد قبل نصف ساعة من بدأ الجولة, وبعد ضغط نفسي وصلت قبل الموعد بعشر دقائق, ومباشرة إلى مواقف السيارات, هناك نقدت سبع دولارت كاملة رسومًا لركن السيارة وسلمت المفتاح لحارس المواقف, وبسرعة نحو البوابة الرئيسية على شارع ميلروز العتيق.
بعد تدقيق الهوية, طبعت تذكرتي من قبل مكتب الاستقبال, لأجد تلكم الفتاة المبتسمة لترحب بي وتناولتي خريطة ملونة لهذه الأستديوهات الضخمة, التي تحتوي على 28 أستديواً, وعددًا كبيراً من الملحقات الفنية من مسارح ومناجر ومخارط ومولدات كهرباء وساحات و حدائق ومكاتب الكتاب و المخرجين و الفننين وغير ذلك.

مباشرة إتجهت إلى موقع التجمع أمام مركز مبيعات الأستديوهات, دخلت لأجد مرشدي للجولة الشاب الأسمر "كريس" في إنتظارتي, وليباغتني بسرعة البرق: هل أنت مستر السلطان؟؟ أجبته بكل ثقة: نعم سيدي, ولكن يمكن أن تنادني بأبدول.
السينما في السعودية.
خرجت معه لأجد بقية فريق الرحلة في انتظارنا, هنا أشار مرشدنا كريس إلى ضرورة التعارف, وكانت البداية مني, ثم جوني وشارل من بريطانيا, وجانيت وأبن أختها بيير من فرنسا, ثم الزوجين مكاتنوي, المهوسان بالسنيما الكلاكسية, لم نكد نفرغ من التعارف, حتى صعقني جوني بسؤالي عن صحة أن السعودية هي البلد الوحيد في العالم الذي لا يوجد فيه صالات سينما؟؟ رددت عليه بالإيجاب, والخيبة بادية على محياي, لكنني أضفت أن الأفلام السينمائية مشاهدة على نطاق واسع في السعودية عبر القنوات الفضائية والدول المجاورة, وهذه حقيقة يعرفها الجميع.
شغل مرتب
قبل البداية وزع علينا مرشدنا أجهزة استقبال إلكترونية, ليضعها كل منا على إحدى أذنيه, بحيث نبقى على اتصال دائم مع مرشدنا حتى لو ابتعد الفرد عن المجموعة, أو كان هناك تصوير حقيقي, وكان الحديث همسًا.الجميل في الأمر أن عدد مجموعتنا كان سبعة زوار فقط, مما ساهم بجعل الرحلة أكثر حميمية و أكثر بساطة, فضلاً عن الروح المرحة للمرشد, الذي أضفى كثيرا من المتعة على الرحلة ,خصوصًا مع إلمامه التام بتاريخ السينما الأمريكية.
كما أن المرشد كان يحمل جهاز كمبيوتر لوحي (أيباد), بحيث يعرض بعض مقاطع الأفلام الشهيرة التي تم تصويرها في المواقع التي كنا نزورها, مما أضفى بعدًا من الثقة والحبور لدينا, وكشف بعضًا من خدع أهل السينما, خصوصًا عندما ترى كماً هائلاً من الأفلام صورت في بقعة صغيرة جداً من العالم...
بوابة النجوم
نظرًا لكبر حجم الأستديوهات, وتباعد صالات الإنتاج احضر لنا مرشدنا سيارة صغيرة لنستخدمها في التنقل بين المواقع, ونظرا لكوني الفرد الوحيد في المجموعة بدون مرافق, فلقد كان من نصيبي الجميل أن أكون الراكب على يمين السائق, طبعًا كريس!!
مباشرة نحو البوابة الرئيسة والتي كانت إلى قبل ستين عامًا شارعاً عاماً, وتحول حاليًا إلى باب رئيسي للأستديوهات, لكن باب الدخول بقي كما هو, خصوصًا وأن الأسطورة المتداولة لاتزال سارية, حيث تقول الأسطورة أن من يدخل الباب وهو يضمر في نفسه الرغبة الحقيقة في النجاح و النجومية, سوف يجدها و لو بعد حين, على يمين البوابة يوجد الكرسي الشهير للسيد فرست جامب, والذي جسد شخصيته الفنان الكبير توم هاكنس, ليتحول إلى أحد أهم كلاسكيك السينما الأمريكية أو الأفلام التي تفتخر بها بارامونت على طول تاريخها.

بعد ذلك انتقالنا إلى المسرح الملحق بالاستديوهات, والذي يتسع لأربعمائة مشاهد فقط, ويستخدم في تصوير بعض الأفلام, وخصوصاً صالته الأمامية, ولكن بعد تغطية شعار الأستديوهات, الذي يبرز في منتصف بهو المسرح, كما يستخدم كصالة عرض مجانية للأفلام لمنسوبي الأستديوهات.
ثم تتالت الجولات على مخلتف الاستديوهات, والتي تختلف أحجامها ومساحاتها وإمكانياتها طبقًا للاحتياج, وكان لنا زيارة خاطفة للاستديو الذي تسجل منه حلقات الدكتور "فيل" وبرنامج "الأطباء", ولكن نظرًا لأن حقوق تلكم البرامج ليست لاستديوهات بارومنت, فلا يحق لنا أخذ صور من مواقع التصوير, لكن الأمر الملفت للنظر, هو الحجم الكبير لأجهزة التكييف داخل الأستديوهات, نظرا لكثرة أجهزة الإضاءة مما يسبب ارتفاعًا كبيراً في درجة الحرارة داخلها, مما استلزم بناء محطة تكييف ضخمة وسط الاستديوهات, تقوم بمد الاستديوهات بحاجتها من الهواء البارد طوال اليوم. لكن المثير هو وجود العربات الخاصة ببعض نجوم هاليوود, مما يشترط وجود عربة خاصة له لوحده!!
من الأمور الرائعة وجود لوحة شرف أمام بوابة كل استديو تحتوي على قائمة على أهم الأفلام و المسلسلات التي صورت في نفس الأستديو, مما يجعل بعض الأستديوهات ذات تاريخ أروع من أستديوهات أخرى!!
 بعد مرورنا بالاستديو رقم 24 دخلنا إلى منطقة واسعة, كانت عبارة عن مباني صورية ذات واجهات تمثل المدن الأمريكية الكبرى, فتلك تمثل منطقة مانهاتن في نيويورك, وتلك تمثل منطقة اللوب في شيكاغو, وذلك الجانب جزء من وسط بوسطن, بل كانت التفاصيل مدهشة, سواء من أعمدة الإضاءة التي يمكن تغييرها بمجرد استبدالها بأعمدة المدن الأخرى, أو مداخل قطارات الأنفاق المتحركة, أو حتى الأرصفة و الأبواب القابلة للدهن و التحريك, ومنطقة أخرى للمباني الحديثة, ومنها مبنى أستخدم في فيلم السيدة والسيدة سميث من بطولة براد بيت وأنجلينا جولي.
بل كان من المدهش أن أبقت الأستديوهات على أحد البيوت الذي كان يتكون من بابين متشابهين, ولكن الفرق بينها هو حجم الباب, وكان الأمر يستخدم في حال تصوير الممثلين و الممثلات, بغرض إظهار الممثلات أصغر حجماً وطولاً من الممثلين الذكور في حال كان الممثل الذكر قصير القامة أصلاً!! وتلك تفرقة عنصرية غريبة إنتهت من فترة طويلة.

في منتصف الاستديوهات منطقة تحتوي على عدد من المباني الإدارية, والتي كانت تستخدم سابقاً لسكن وعمل منسوبي الاستديوهات, فنظام العمل في هاليوود سابقا كان غريبا ومختلفاً عن الوقت الحالي, فالاحتكار العام كان هو النظام المتبع, سواء على مستوى الممثلين أو المخرجين أو حتى المؤلفين و فنني الإضاءة و التصوير, فالجميع يعمل مع الأستديو في كافة إنتاجاته, بل ويسكن في الأستديو نفسه!! وكان الاستثناء الوحيد في ذلك المخرج الشهير الفريد هيتشكوك, الذي عاش بالقرب من المنتجين وليس المخرجين, نظرًا لرغبة المنتجين أن يكون بالقرب منهم, لأنه كان أكثر المخرجين كلفة في تلك الأثناء!! وكانوا بحاجة إلى مراقبته بشكل لصيق!!
ساعتان من المتعة الرائعة, والجولة في تاريخ السينما الأمريكية, لا يمكنني أن أختصرها في هذه التدوينة السريعة, لكنها مجرد كلمات أحببت تسطيرها تخليدًا لذكرى أغرمت بها....
طبعاًَ أنتهت الجولة في المكان الشهير والذي تتفق في جميع جولات السياحة الأمريكية عليه, وهو: متجر التذكارات, والذي يحتوي على نسخ رقمية لأشهر أفلام الأستديوهات, وتذكارات متنوعة من الأقلام و الساعات و الملابس وغير ذلك... وهنا دعت كريس, وشكرته على جولته المميزة وروحه المرحة, التي تركت في نفسي الأثر العميق...و لكن دعوني في النهاية أن أهمس في أذن كل زائر لمدينة لوس أنجلس: أن تزور المدينة دون أن تزور أستديوهات بارمونت.... فأعلم أنك لم تزر المدينة أبداً....

تحياتي, عبدالرحمن السلطان.