السبت، 21 يوليو، 2012

يخلعها قطعة.. قطعة في "تويتر"

 حمدا لله فلقد قطعنا شوطا طويلا حتى تجاوزنا مرحلة "جار القمر" و"طائر النورس" إلى ذكر أسمائنا وحتى صورنا في السيد اللطيف: "تويتر". لقد كانت رحلة خاطفة في عمر الشعوب، ولكنها معبرة عن مجمل تحولات مجتمعنا السعودي، خلال السنوات الأخيرة، فلو عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وبالذات إلى منتديات شبكة الإنترنت، وقد تترس الجميع بمعرفات ومسميات مجهولة، ساعدت البعض على البوح بما لا يستطيع التصريح به ضمن واقع المجتمع، بل جعلت البعض الآخر عتادا في أتون معارك فكرية واجتماعية لا ناقة له فيها ولا جمل.
سنوات تسارعت والكثير يتحاور مع أفراد مجهولين، لا يعرف من هم، ولا يعرف حتى إن كانوا هم فردا واحدا بمعرف واحد أو مجموعات معرفات!، حيث كان البعض يلعب أدوارا مثيرة للشفقة، حينما يكتب ويرد على نفسه، بل يمجدها في بعض الأحيان، حتى تطور الأمر إلى تجارة بيع "المعرفات" في بعض منتديات النقاش الشهير آنذاك، مثل الساحات السياسية ونحوها، لكن اليوم ومع ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تجاوز المجتمع هذه الخصوصية الفريدة، فإن أغلب المشاركين لا يتحرج من اقتران اسمه الصريح بصورته البهية، وهو ما كان بداية خجولة في"الفيس بوك" لكنها اتضحت بشدة في معرفات "تويتر".

المثير هنا هو القدرة العجيبة للسيد "تويتر" على خلع هالات القداسة والتبجيل للعديد من شخصيات المجتمع المعروفة، خاصة الدينية والثقافية والفنية، التي أفصحت تغريدات بعضهم عن ضحالة فكر، وسوء أدب وأخلاق، بل وضيق أفـق من الآراء المخالفة، حتى وإن كانت مجرد ملاحظات أو إضافات! وما التغريـدة الشهيرة لأحد أعضاء مجلس الشورى بتلك الكلمة السوقية إلا مثالا معبرا عن سقوط تلكم القامات العاجية.

لقد خلع السيد "تويتر" ورقة التوت الأخيرة عن البعض، وجعله عاريا أمام الجمهور الحقيقي التفاعلي، دونما وسيط أو رقيـب، أو حتى حارس بوابة، كما كان موجودا في إحدى النظريات الكلاسيكة للإعلام، أما تذرع بعض المشاهير أن أخطاءهم مطبعية، وسببها سرعة الكتابة، وقرب مفاتيح الحروف من بعضها في الهواتف الذكية، لكنه لا يستطيع تفسير الأخطاء اللغوية والنحوية الفادحة، وعدم التفريق بين "الضاد" و "الظاء"، فضلا عن الضعف الشديد في الإملاء، والركاكة اللغوية، وفقر القدرة عن التكثيف اللغوي لفكرته في أقل من 140 حرفا.

في الحقيقة تشكل تغريدات "تويتر" مجالا خصبا لدراسات تحليل الخطاب Discourse study، حيث لم يعد بالإمكان النظر إلى لغة وسائط الاتصال الجماهيرية، ومنتجاتها كما هي نظرة اللغويين التقليدية، فالنص والخطاب في وسائط الاتصال الاجتماعي يختلفان اختلافا كبيرا عما هو موجود في رسائل وسائل الإعلام التقليديـة والكلمة المنطوقة، فضلا عن كون حدوث المعنى لا يتم أثناء كتابة النص أو إنتاجـه فقط، بل حتى لحظة قراءتـه، كمـا أن ربطه بالسياق الاتصالي والاجتماعي والسياسي، سوف يسهم بمزيد من الفهم والتفسير للتغريدات واتجاهات المجتمع، بالإضافة أن تعميق الدراسة بتحليل المحادثة الآنية والخاصة بين مغردي "تويتر"، يسهم في فهم تطور وتغير آلية الحوار المجتمعي، ومدى قبول الآخر والآراء المخالفة حتى وإن كانت من جمهور المؤيدين.

إن ظهور التغريدات بشكلها العفوي جعلها تعبيرا حقيقيا لبعض مكونات المجتمع، خاصة ذوي الحد الأدنى من الثقافة الرقمية، كما أن سلوك وردات فعل شخصيات المجتمع البارزة في "تويتر" جديرة بالدراسة أيضا، فهي بالنهاية تعبر عن الشخصية "النجم" بذاتها، نظرا لأن المتحكم والكاتب هو نفس الشخصية الشهيرة في الغالب الأعم.









لقد نشر مؤخرا عدد ليس بالقليل من الدراسات الإعلامية في الجامعات السعودية حول استخدامات "تويتر" من قبل المستخدمين، خاصة ما يطلق عليهم بالقائم بالاتصال، لكن مجمل هذه الدراسات تعتمد على أسلوب جمع المعلومات بالتسجيل الذاتي عبر الاستبانات، دون الخوض في بحث نوعي عميق، أو تحليل نوعي لنغمة الخطاب وأسلوب اللغة، مما يجعل النتائج غير دقيقة ومتأثرة بالعامل الشخصي، دون معلومات موثوقة يمكن البناء عليها وتطويرها.

هي دعوة عاجلة لأقسام الإعلام بجامعاتنا نحو تشجيع طلبة الدراسات العليا، بالعمل على إنجاز دراسات نوعية وذات قيمة حقيقة، تسهم في مزيد من الفهم لخصائص ومستقبل قنوات التواصل الاجتماعي في المملكة.
وأخيرا رغم أن "تويتر" يوفر لنا فضاءا غنيا لدراسة وملاحظة تطور المجتمع وتفاعله، لكنه حتما ليس إلا حلقة إضافية ـ بحد ذاته ـ سوف يتجاوزها المجتمع عما قريب إلى شيء رقمي آخر، لا أعلم ماهيته، لكنه حتما أكثر سعة وروعة وتفاعلا.


عبدالرحمن السلطان



الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

تخيل معلما بتأمين طبي!

ترتفع حرارة ابن أحد المعلمين، بسرعة يحمل فلذة كبده، يصل لاهثاً إلى مركز الرعاية الأولية القريب من منزله، ليجده قد أقفل أبوابه، رغم أن الساعة لم تتجاوز الخامسة مساءً، ليصبح بين خيارين لا ثالث لهما، أحلاهما مر، الأول: أن يذهب إلى مستشفى أهلي ليدفع من جيبه الخاص مبالغ مالية لا يمكن التنبؤ بها، أو لينتظر حتى صباح اليوم التالي حتى يفتح المركز الصحي أبوابه من جديد، رغم علمه الأكيد بضعف الإمكانيات والكوادر في مثل هذه المراكز، ، للأسف فإن أمثال هذه القصة المؤلمة تتكرر يوميًا وكل ساعة، وفي أمراض أشد وأصعب، حتى أضحى المعلم يعيش دوامة لا تنتهي، بين خدمات صحية متدنية أو معدومة، وبين صعوبة الدخول إلى المستشفيات المرجعية، بعد أن يحصل على تحويل من المركز الصحي أو "واسطة ما" تدخله مستشفى حكوميا متقدما مثل مستشفيات القطاعات العسكرية المختلفة، حيث إن المستشفيات التي تستقبل المعلمين وعوائلهم حالياً هي مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية فقط!!



للأسف انشغلت الوزارة وقياداتها المتعددة بمشاريع تطوير المناهج والمباني والتدريب والقيادات التربوية وكل شيء تقريباً، ولكنها غفلت عن جوهر وأساس العملية التعليمية كلها وهو المعلم والمعلمة، سيل هائل من تصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع سواءً من مسؤولي الوزارة أو مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام، كلها تدور في فلك الوعود التي لا تتحقق أبداً. ما الفائدة من كل هذه المشاريع والمعلم مشغول بقلبه وعقله خارج فصله الدراسي؟ لا يعرف كيف يتعامل مع طاريء صحي ألم به أو بأحد أفراد أسرته!.
أحد الحلول المهمة والبدهية، والتي تشبّع المعلم منها وعودًا بالدراسة والتمحيص، والتي أجزم أنها حق أصيل ولكنه مهملٌ للمعلم وعائلته، هو التأمين الصحي، والذي تشير تقديرات خبراء التأمين أن كلفة تطبيقه على المعلمين وعوائلهم تبلغ 4 مليارات ريال سعودي فقط سنوياً، على افتراض أن عدد المؤمن عليهم يناهز الثلاثة ملايين فرد، بحيث تترواح تكلفة وثيقة التأمين مابين 1500-2000 ريال للفرد الواحد سنوياً، وهو مبلغ يقل بالتأكيد عن المبالغ التي ينفقها المعلم على نفسه وعائلته في المستشفيات الخاصة، أو تتكبدها المستشفيات الحكومية للمريض الواحد، كما ثبت ذلك في الدراسة العلمية "بلسم" التي مولتها وزارة الصحة لدراسة تكلفة وجدوى التأمين الصحي لمجمل المواطنين السعوديين، فضلاً عن أن ضخ هذه الأموال في سوق التأمين الصحي المحلي سوف يزيد من حدة المنافسة بين شركات تقديم الخدمة، ويشكل رافداً كبيرًا لتوسع استثمارات القطاع الخاص في الرعاية الصحية، كما أن إضافة نسبة تحمّل أو مبلغ تحمّل مقطوع على المعلم قد يؤدي إلى خفض تكلفة الوثيقة الواحدة، نظرًا لأثر ذلك على عدد الزيارات والخدمات المقدمة
إن وزارة التربية والتعليم مطالبة بتطبيق التأمين الصحي بشكل كامل على منسوبيها، وتجاوز قصة فشل التأمين الصحي الاختياري، التي طرحت عام 2001م دونما نتيجة تذكر، وأدت إلى انسحاب نسبة كبيرة من المشتركين، ومن ثم إلغاء المشروع، فالتأمين الصحي جزء أساسي من صناعة التأمين الكاملة، والتي من أهم قواعدها أنه كلما زاد عدد المؤمن عليهم؛ كلما انخفض سعر الوثيقة الواحدة وتوسّع مجال التغطية التأمينية، فضلاً عن تحديد حدود وشروط التغطية ومنافعها. مع الإشارة إلى ضرورة أن تتحمل الوزارة تكلفة المشروع كاملاً، بحيث لا تضاف كلفة التأمين عبئًا إضافياً على كاهل المعلمين، ذلك أن إنفاق الدولة –رعاها الله- على التعليم وما يلحق به لا يمكن وصفه، ويعتبر من أعلى المعدلات العالمية، فدعونا نستكمل هذه المسيرة، ونردم هذه الفجوة، بحيث نجعل المعلم والمعلمة على رأس اهتماماتنا ولو لمرة واحدة فقط!!
قد يرد بعضهم بالقول إن المستشفيات الخاصة غائبة عن بعض مناطق المملكة غير الرئيسة، وهذا صحيحٌ من جانب، لكن التأمين الصحي سوف يوفر خيارات علاجيةً إضافية للمعلم وعائلته في المناطق الرئيسة، خصوصًا إن كان المعلم من قاطني منطقة إدارية صغيرة، بالإضافة إلى أن وجود مثل هذه العقود التأمينية الضخمة سوف يثير شهية المستثمرين نحو تأسيس منشآت صحية خاصة في كافة أنحاء المملكة، فضلاً عن القدرة على إضافة المستشفيات العسكرية كمقدم خدمة صحية في بعض المناطق بمقابل مادي يدفع من وزارة التربية والتعليم وهي الجهة المؤمنة على منسوبيها.
نعم تكلفة التأمين الصحي هائلة، وبأرقام مليارية ضخمة، ولكنها ليست خيالية لأنها مطلبٌ مهم جدًا لضمان جودة العملية التعليمية وتكاملها، ونتائجها الإيجابية واضحة، ولا تحتاج كل هذا التردد، فمتى نرى صاحب الرسالة الأولى في بلادنا؛ المعلم وقد أمسك بطاقته التأمينية بيده ووقف بكل احترام وتقدير داخل إحدى المنشآت الصحية الخاصة والمتقدمة، وهو مرتاح العقل والبال... متى؟؟


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 13 يوليو، 2012

زيورخ... "هايدي" وأكثر


زيورخ ... "هايدي" وأكثر
الساعة تشير إلى الخامسة و النصف مساءًا و الأجواء أكثر من ربيعية, نسمات الهواء العليل تداعب أوراق الأشجار العتيقة, كنت متكئاً على زجاج الصف الأول في حافلة الجولة السياحية, عائدًا مما يطلق عليه بجولة هايدي لاند (Heidi Land) ,في رحلة امتدت حوالي السبع ساعات و النصف بالتمام و الكمال, نقدت فيها 82 فرنكًا سويسرياً.
الدولة الشطيرة!
خلال مراحل الرحلة توقفنا قليلاً في إمارة لختنشتاين Liechtenstein , التي لو بحثت عنها في الخريطة فلن تجدها ! فهي شطيرة متناهية الصغر, تقع بين النمسا وسويسرا، جنة من الإعفاء الضريبي, مما قاد إلى أن يبلغ عدد الشركات فيها أكثر من عدد سكانها ! توقفنا فيها قليلاً حتى يقوم صحبنا اليابانيون بختم جوازات سفرهم بختم الإمارة, ليكسبوا زيارة دولة إضافية بالمجان! ولنتناول طعام الغداء في تلك الأجواء الربيعية الرائعة خارج أحد مطاعمها المتنوعة, طبعًا وجبة الغداء لم مشمولة – وياللأسف- في رسوم الجولة.
الأفضل معيشة
كنت قد وصلت مدينة زيورخ Zürich صباح اليوم السابق قادمًا من فيينا, بعد أن أنهيت عملي الرسمي هناك, في طريق عودتي إلى الرياض, و أحببت أن أبقى بضع ليلاٍ في المدينة التي أعشقها حتى الثمالة.
هذه المدينة و التي رغم احتضانها لأكبر تعداد سكاني في سويسرا, إلا أنك لتتعجب من عدم وجود أي دليلٍ على الزحام المروري أو حتى تلوث بيئي أو بصري, وهي المدينة التي احتلت – بكل جدارة-موقعًا متقدمًا في قائمة أفضل المدن معيشة في العالم أجمع.
من المثير للتعجب أن تكون هذه المدينة قد جمعت من الأضداد ما لله به عليم, من البيرت إينشاين العالم الفيزيائي الشهير إلى فلادمير لينين الزعيم الاشتراكي الأشهر, حتى ملك أفغانسان السابق آمان الله خان, ولكن يبدو أنه قدر الأراضي السويسرية منذ الأزل, فهي بلد الحياد و ملتقى الجميع. فالكل أحب هذه المدينة الراقية, وخصوصًا بحيرتها التي أشتق أسمها منها.
هايدي وجدها وبيتر
عودًا على ذي بدأ, فما أن وصلنا إلى جبل هايدي المفترض, حتى تحركت مكامن الطفولة, و تراقصت صور ذلك المسلسل الكرتوني الذي سحر قلوبنا وملك ناصيتها في الخوالي من الأيام, رواية فتاة الجبل تلك التي أبدعتها جوانا سبراي Spyri Johanna حينما انتقلت للعيش في مدينة زيورخ, فصار لزاماً على تلك المدينة الاستفادة من شهرة الرواية وخصوصًا المسلسل الكرتوني, كان من الرائع أن نصل إلى كوخ جد هايدي, ثم نجد رفيقها بيتر مع العنزات, أما الأجمل فكان متجر التذكارات الملاصق لكوخ هايدي, وما احتواه من تذكارت غريبة ومثيرة للاهتمام!
بعد العودة منهكًا من الرحلة الطويلة؛ لم يكن هناك بدٌ من تناول قطعتي شاورما تركية من مطعم منزوي بين منازل زيورخ العتيقة, وهناك استمتعت بمشاهدة تلفريك زيورخ الغريب الذي يقطع بعض مناطقها من الأسفل إلى الأعلى, و على حين غرة تشرف على منظر رائع للمعهد الاتحادي السويسري للتقنية, ذلك المعهد الذي شهد تقدم العالم العبقري ألبرت أينشتاين لامتحاناته عام 1900 و نجاحه, لكنهم لم يقبلوه ليتحول بعد سنين عديدة إلى مكتشف النظرية النسبية في بلاد العم سام !
يوم ثاني
اليوم الثاني كان حافلاً بامتياز, فلقد خرجت بسرعة عند السابعة صباحًا من الفندق دون افطار, متجهاً نحو الباص رقم 165, والهدف كان ساحة Burkliplatz وسط المدينة, حيث يلتئم شمل مزارعي المنطقة يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع, لمدة خمس ساعات فقط, من السادسة إلى الحادية عشر صباحًا, لعرض خيرات الأراضي السويسرية.. فراولة تقطر عسلاً...عناقيد عنبٍ تتراقص تحت أشعة الشمس الخجولة... فضلاً عن الخضار الطازجة والجبن السويسري الشهي, التي غالبًا ما تكون منتجات زراعية ذات منشأ عضوي, أما الزهور فحدث ولا حرج... ألوان تثير البهجة و الحبور .... ومناظر تبعث الحياة و السعادة في الجميع بلا إستثناء.... بعد جولات التذوق والتذوق!... اتجهت صوب متحف Uhren Museum Beyer Museum و هو أحد أجمل متاحف الساعات وعلومها في سويسرا كلها, والذي لم تتح لي فرصة زيارته سابقًا, ولكنني هذه المرة كنت مصممًا على زيارته بأي طريقة, وللتاريخ فلقد قضيت في المتحف ساعة واحدة و ثلاث عشر دقيقة و أربع ثوان!
الجميل في الأمر أن المتحف يقع تقريبًا وسط شارع التسوق الشهير بانهوفشتراسية Bahnofstrasse, الذي يبدأ بمحاذاة محطة القطار, ويتجه جنوبًا, والشارع كما هو معروف يعج بسلسلة لؤلوية من المتاجر و البوتيكات الراقية, و المطاعم المميزة... و الأسعار دومًا لا تقل عن الآلف يورو وما يزيد! لكن الجولة الراجلة في الطريق, ثم كوب قهوة حينما تصل مشارف بحيرة زيورخ تجعل التجربة أكثر من مجرد حلم جميل تتمنى أن يستمر دونما نهاية, هناك تجاذبت أطراف الحديث مع بائع أقنعة, من النوع الذي يستخدم خلال الحفلات الراقية, والذي انطلق في محاضرة طويلة عن تاريخ الأقعنة الراقية, و نشأتها في فرنسا و الكثير من المعلومات التي لا أتذكر شيئًا منها, الشيئ الوحيد الذي أتذكره أن الرجل العجوز كان متقاعدًا من عمل حكومي منذ سنوات, و أن حياته قد بدأت من جديد حينما دخل باب الأقنعة هاويًا قبل سبع سنوات, لتدر عليه هذه الأقنعة حاليًا دخلاً يتجاوز راتبه التقاعدي بثلاثة أضاعف أو يزيد...
متى تتحق الأمنية؟؟
الحديث عن مدينة زيورخ وتجاربها يحتاج إلى حلقات متعددة, و إشارات أكثر لمدينة مليئة بالحياة والحيوية... وللحقيقة قد لا أكون مبالغًا حينما أصرح دائماً برغبتي العيش في هذه المدينة الرائعة... و المحببة إلى قلبي... ولكن متى تحقق هذه الأمنية؟
دمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

عدد خمسة أعضاء من مجلس الشورى

من منا لا يعرف وليد الطبطبائي، أو جمعان الحربش من أعضاء مجلس الأمة الكويتي؟ ومن لم يسمع بمصطفى بكري أوعمرو حمزاوي من مجلس الشعب المصري، بل أكاد أجزم بقدرة بعض الشباب السعودي على تسمية كامل أعضاء مجلس الأمة الكويتي!
فالنائب الكويتي يمارس كافة صلاحياته في الرقابة والتشريع، مما جعله جزءاً من هموم مجتمعه، بينما لم يستطع السادة أعضاء مجلس شورانا الموقر بناء صورة ذهنية إيجابية عن مجلسهم! الأمر الذي انعكس على رؤية المواطن للشورى ودورها الوطني المهم، وتحوّل المجلس مؤخراً إلى مجرد حلقة إضافية في الدورة البيروقراطية لتشكّل الأنظمة والأطر التشريعية، أو مراجعة تقارير سنوية لمؤسسات وجهات حكومية، مضى على نشرها سنوات عديدة! وما قصة تبخّر مناقشة بند بدل السكن لموظفي الحكومة، أو إسقاط توصية تجريم بيع منتجات التبغ للقصّر، رغم كل التبريرات إلا دليلٌ إضافي على انقطاع الأعضاء بعيدًا عن نبض المجتمع، واحتياجات يومه وحياته، وبالتالي فإن البحث عن إجابة لعنوان المقال لدى جمهور الشباب السعودي يعد ضرباً من المستحيل!



للأسف لم يستطع المجلس أن يجسد رؤية القيادة لدورٍ محوري وحقيقي، كسلطة تشريعية رقابية، فدعم القيادة السياسية لتطور المجلس واضح، منذ أن بدأ بستين عضوًا في الدورة الأولى عام 1412، حتى وصل إلى مئة وخمسين في الدورة الحالية، فضلاً عن دخول المرأة في الدورة القادمة، والأهم من ذلك تعديل المادتين السابعة عشرة والثالثة والعشرين من نظام المجلس، اللتين أعطتا الحق لمجلس الشورى ورئيسه صلاحية دراسة ومناقشة أي نظام أو تعديله دون الحاجة إلى الرفع إلى الملك، كما كان في نظام المجلس قبل التعديل، ومن ثم يتم الرفع للملك بعد ذلك فيما توصل إليه المجلس، وكان المتوقع أن يسهم هذا التعديل في خدمة المواطن، وتسريع تحقيق تطلعاته، ومناقشة المُلح من القضايا والأنظمة، من خلال مبادرة الأعضاء طرح ودراسة ما يحقق المصلحة العامة أو يعالج مشكلة اجتماعية، ولكن ذلك لم يحدث بالشكل المنتظر، ولعلي أشير هنا إلى حديث العضو السابق في الشورى الدكتور محمد القنيبط في البرنامج التلفزيوني حديث الخليج، الذي أكد أن منحى نشاط المجلس قد أصابه الوهن بسرعة، وفوّت على نفسه فرصه تاريخية نحو أن يكون مشاركاً حقيقياً في بناء الوطن، حيث كانت البدايات مبشرة بمستقبل قوي، ولكن الأعضاء تراخوا في مسؤوليتهم، ولعل قراءة متفحصة لواقع حضور الجلسات وعدد المداخلات والاقتراحات كفيلة بإعطاء صورة حقيقية لبعض الأعضاء الصامتين دائماً.
من الأمور المثيرة في المجلس؛ عدم وجود علاقة طردية بين المؤهلات العلمية والمهنية للأعضاء ومخرجات المجلس، حيث تشير آخر إحصائية إلى أن 64% من مجموع الأعضاء يحملون درجة الدكتوراة، و14% درجة الماجستير، و21% الدرجة الجامعية، كما أن مراجعة سريعة لجداول أعمال الجلسات تظهر أن نسبة الاقتراحات المقدمة من الأعضاء لا تتجاوز العشرة بالمئة من مجمل ما ناقشه المجلس ولجانه المتخصصة، والأدهى من ذلك أن نعرف أن المجلس وحتى نهاية السنة الأولى من دورته الخامسة عقد (1141) جلسة، وأصدر (1361) قراراً، أي بمعدل قرار واحد لكل جلسة تقريباً، لكن يبدو أن تلك القرارات كانت حبراً على ورق، أو أنها مجرد توصيات لا معنى لها، لا نجد لها تأثيراً حقيقياً سُجل كمبادرة ظهرت من أروقة المجلس!
أما الترهل الإداري بالمجلس فقد وصل بالهيكل إلى خمس وثلاثين إدارة ووحدة وأكثر، وجيشًا جرارًا من الموظفين، مما يطرح تساؤلاً مشروعًا عن قدرة المجلس على إدارة نفسه، قبل أن يقوم بتقييم أداء الجهات الحكومية الأخرى، خصوصًا عندما نقارن الهيكل الإداري للمجلس ودوره مع المجالس والبرلمانات في الدول المتقدمة.
من المؤسف أن السادة الأعضاء يتحملون قسطاً كبيراً من مسؤولية فشلهم، رغم أنهم يلقون باللوم دائماً على تجاهل الوزارات المختصة، وعلى تعديلات هيئة الخبراء، بل وحتى على وسائل الإعلام! وهم يعلمون أن من يُعلق الجرس هم فقط، وأنهم محاسبون على تلكم الأوقات والأموال التي تصرف عليهم دون عائد على رفاهية المواطن، رغم أن الحل بيدهم، من خلال تفعيل أدوات الرقابة والتشريع، التي كفلها النظام الأساسي للمجلس، وأكد عليها خادم الحرمين الشريفين في أكثر من محفل وطني.
ونحن كمواطنين ليس هدفنا أن نتعرف على أشخاص أعضاء المجلس الكرام، بقدر أن حُلمنا أن يصبح المجلس صوتًا حقيقياً لنا، معبرًا عن هموم الشارع وآماله، ووسيلة حقيقية لحل المشاكل وطرح الحلول، ولكن حتى يتحقق ذلك الأمل أدعو أعضاء مجلسنا الموقر نحو متابعة أداء أعضاء مجلس الأمة الكويتي أو حتى أي مجلس برلماني في دولة متقدمة؛ علّ وعسى..


عبدالرحمن السلطان