الأربعاء، 29 أغسطس 2012

رسالة إلى ابن البيطار


رسالة إلى ابن البيطار

سيدي / العلامة أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي – المعروف بابن البيطار والملقّب بالعشّاب وأعظم صيدلي مسلم..

تحية طيبة وبعد ..
تردّدت كثيرا قبل أن أكتب إليك ولكنًّ الكيل فاض والوزن مال,وحال أحفادك معشر  الصيادلة  صار لا يسرّ عدوّا ولا صديقاً فكما تعلم – رحمك الله – أن الصيدلة مهنة عظيمة وجليلة,وتؤدي مهمات كثيرة؛ تصب كلها في خدمة المجتمع والرقي به وأجد من المناسب أن أخبرك - بداية – ببعض الأمور المحدثة في علمنا فلقد فصلت مهنة الطب عن الصيدلة,وصار كل منهما علمُ قائم بذاته,ولعلك عاصرت بداية الفكرة حين فتحت أول صيدلية مستقلة في بغداد عام 621للميلاد ونتيجة لذلك؛أضحى المجتمع ينظر إلى العملية الطبية من خلال منظار الطبيب,فقط مع أنها عملية متكاملة مترابطة؛بدءً من تحليل العينات ومروراً بالتشخيص  وانتهاءً بوصف الدواء وصرفه.
فصار الصيدلي في نظرة العامة بائعاً في السوق لا يختلف عن الباعة الآخرين؛ إلا في معرفته لمفردات اللغة الإنجليزية ومصطلحاتها العلمية,وتلك مصيبة كبرى,فلقد تخليَّنا  نحن أبناء مهنة الصيدلة عن لغتنا العظيمة؛ لغة القرآن واستعضنا عنها بلغة عجمية اللسان,مفكَّكة الحروف,فقيرة الجذور,فأصبح اسم الدواء مخطوطاً بلغة غريبة عن مجتمعنا,ثم أحطنا أنفسنا بسياج من حديد؛يفصلنا عن المريض وذلك يقودنا إلى مصيبة أخرى وهي أننا حجزنا أنفسنا داخل غرف مغلقة في أحد أركان المستشفى أو (البيمار ستان) كما كنتم تطلقون على مكان علاج المرضى. وزدنا الطين بلَّة؛حين وضعنا قضباناً نصرف من خلالها العلاج للمريض !
أستاذي ؛ لقد تخلى أحفادك عن تراثهم الإسلامي العظيم,الذي بهر حضارات عريقة,ولم يحاول أحد منهم قراءة كتابك الرائع: (الجامع في الأدوية المفردة),  وإن كان بطريق الصدفة معرفة إحدى الجواهر والدرر التي يحويها ذلك الكتاب الموسوعي,بل تركوا ذلك لذوي البشرة البيضاء من البشر,الذين ما طفقوا ينهلون من ذخائره العلمية الكثيرة. وإذا ما أردنا منافستهم,فلا بد من الدراسة المتأنية والبحث العميق .
أستاذي ابن البيطار؛لقد طورتم علم الصيدلة وأبدعتم ولهذا السبب أُسند إليك الملك الكامل الأيوبي عمادة شؤون الصيدلة في القاهرةُ فكنت تختبر الصيادلة الشباب في علوم الداء والدواء,ثم تمنحهم ترخيصا لمزاولة المهنة .
وكان ذلك بجهد متواصل ودؤوب,بجانب اهتمام شديد بالملاحظة العلمية الدقيقة وبالاستفادة من علوم الأمم الأخرى فقرأت كتاب (المادة الطبية) الذي وضعه (ديسقوريدس) وكتب (جالينيوس) وغيرها من الكتب التي تعد من أمهات المراجع في الأعشاب والنباتات الطبية؛واهتممت كذلك؛ بكتب الهنود والصينيين ولعل من أهم ما خلفت لنا في كتبك العظيمة؛هو: اهتمامك بالبحث التجريبي المقنن ومحاولة اكتشاف النباتات التي تنمو في ديارنا وتقابل في تأثيرها العلاجي النباتات التي تنمو في ديار الأغراب, وذلك بالطواف في البراري والقفار بمصر والشام؛ثم دراستك لأطوار النباتات المختلفة ومعرفة أيّ الأجزاء يحوي المادة الفعالة؛بل وزدت على ذلك البدائل الطبية,وطورت المقاييس,وجعلتها أكثر سهولة ودقة .. فجزاك الله عنا خير الجزاء.
معلمي؛في عصرنا الحاضر حصرنا دراسة علم الصيدلة بين جدران قاعات المحاضرات,وركزنا جهودنا على الأشكال الكيميائية ومشتقاتها,وعرجنا على بعض التجارب المخبرية البسيطة,وأغفلنا دراسة النباتات الطبية بشكل واسع,مع أنها مصدر آمن ودائم للدواء ومحقق لمفهوم الأمن الدوائي الوطني.ولك أن تتخيل العدد الكبير من الأعراض الجانبية –غير المرغوب فيها – الناتجة من كل هذه الأدوية,ذات المصدر الكيميائي الصرف بل وأزيد فأقول: إننا أصبحنا نحارب كل جديد في مجال علاج المريض فنحن لنؤمن إلا بالدواء الكيميائي فقط؛أما ما دون ذلك من علاج بالروائح أو الألوان أو التنويم المغناطيسي,أو غيرها من صور الطب البديل مجرد أوهام,هدفها الوحيد سرقة جيوب المغفلين من الناس,وما علمنا أنها فتح عظيم في بحر العلم الواسع, وباب رزق كبير لنا.
ابن البيطار كأني بك – وأنت تقرأ هذه الرسالة المتواضعة – تُتّمتم وتقول:وصيتي لكم أبناء الصيدلة: إخلاص النية لله عز وجل,الاهتمام بطَلب العلم الجاد والمفيد, التطبيق الأمين والأخلاقي لما دُرس,عدم البخل بالعلم على الناس,التصدي لتحقيق كتب الأوائل من أجدادكم,استخراج الوصفات الفريدة من بين سطورها, بل والانطلاق إلى صحرائنا العربية المترامية الأطراف,ومحاولة اكتشاف نباتات تنفع ولا تضر. واستذكروا دوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أنزل الله داء إلا أنزل  له دواء ) – رواه البخاري.
ابن البيطار: لقد أكثرت عليك حديث الشكوى والهم؛ ولكن أنت تعرف بأن حديث الابن وأبيه دائما ما يكون صريحاً, وحسبنا نصيحتك الأخيرة؛ فالصيدلة أمانة قبل أن تكون مهنة.
حفيدك الصيدلي
عبد الرحمن بن سلطان السلطان

الاثنين، 13 أغسطس 2012

تسعيرة حليب الأطفال

خلال خمس سنوات ارتفع سعر حليب الأطفال أكثر من 150%، ليتجاوز سعر العبوة الكبيرة (800 جرام) الستين ريالاً، رغم الدعم الحكومي الضخم الذي أمر به خادم الحرمين الشريفين، برفع الإعانة الحكومية من ريالين إلى 12 ريالاًَ لكل كليوجرام واحد.

إشكالية أسعار حليب الأطفال تنطلق من ارتفاعه المتواصل، بالإضافة إلى اختلاف ملحوظ لأسعار بيع الحليب الواحد في الصيدليات، وخلال فترات زمنية قصيرة, فضلاً عن التفاوت بين العلامات التجارية الأخرى نفسها، على الرغم من أن أغلب تلكم المنتجات يتم استيرادها معبأة من مصانع أوروبية محدودة، ذلك أن باب الاستيراد مفتوح لأي نوع ودونما تفتيش وتأهيل للمصادر، مع الإشارة إلى أن هناك فجوة ضخمة بين سعر التكلفة وسعر البيع النهائي، وتتنافى مع الأعراف التجارية لهامش الربح المنطقي والمعقول!

للأسف ومع خفوت نجم الرضاعة الطبيعة تزداد أهمية الحليب الصناعي, سواء بدائل حليب الأم المصنّع (حتى عمر ستة أشهر) أو الحليب التكميلي (لما بعد الستة أشهر وحتى بلوغ الطفل سنتين) ولا تزال وزارة التجارة تقوم بتشكيل اللجنة بعد اللجنة بهدف وضع تسعيرة نهائية على العبوات، دون تحديد جدول زمني واضح! رغم أهمية الموضوع وملامسته لواقع قطاع عريض من الأسر السعودية، خصوصًا الناشئة منها، ولعل التجربة الناجحة لتسعيرة الأدوية بالمملكة خير دليل على قدرة الجهة الحكومية على التحكم بأسعار السلع الحساسة، دون التدخل في آليات السوق المفتوح، ولكن الأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية ورغبة صادقة لحل المشكلة ونحن – بالتأكيد - قادرون عليها.
لحظات حرجة تتكرر دوماً حينما يقف حينها الأب عاجزاً عن توفير علبة حليب لطفله الرضيع ، والسبب تأجر أو موزع جشع لم يجد تحركاً من وزارة التجارة لإيقافه عند حده ، لكن أملنا لا يزال معقوداً على تحركٍ عاجلٍ غير آجل.


عبدالرحمن السلطان


تحديث: بعد مرور سنتين على المقال أصدرت وزارة التجارة قرارأً يحدد الحد الأعلى لأسعار حليب الأطفال الرضع

السبت، 4 أغسطس 2012

"شغالتنا وشغالتهم"

لا يكاد يخلو مجلسٌ من الحديث والإبحار في مشكلة نقص الخادمات المنزليات, تلكم المشكلة التي تفاقمت حتى أوصلت راتب الخادمة المنزلية إلى راتب معلمة المدرسة الأهلية, حيث أشارت تقارير صحفية مؤخراً إلى أن رواتب الخادمات خلال الشهر الفضيل تجاوزت ثلاثة آلاف ريال, بل إن من يعملن بعقود مؤقتة تجاوز أجرهن في الساعة ما يدفع في عقود معلمات محو الأمية! فضلاً عن تضخم ظاهرة هروب الخادمات, بعد انتهاء فترة أشهر التجربة الثلاثة, أو حتى قبلها, الأمر الذي قاد إلى الاعتماد على مخالفات نظام الإقامة للخدمة في المنازل!.
للأسف أدت سياسة تأجيل الخلافات مع الدول المصدرة للخادمات, وفشل اللجنة الوطنية للاستقدام في تجاوز العوائق؛ إلى ارتفاع متسارع لتكاليف الاستقدام بشكل لا يصدق, خصوصًا مع إيقاف الاستقدام من دولتي الفلبين وإندونيسيا, وقصره على دول أخرى محددة, الأمر الذي حرم ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن من خدماتهن, رغم الحاجة الماسة
والأدهى من ذلك أن شركات الاستقدام المزمع تفعيل خدماتها قريباً برعاية وزارة العمل, بدأت مؤخراً بإطلاق بالونات اختبار حول رسومهم الباهظة, والرواتب الشهرية التي تتجاوز 1500 ريال, وغير ذلك من رسوم أولية وإدارية, وضمان مسترد, قد تتجاوز خمسة عشر ألف ريال, رغم سيل التبريرات الواهية من توفير تأمين صحي للخادمة, والتدريب المسبق, وضمان عدم الهروب, وغير ذلك من الوعود, التي كنا نشاهدها في مكاتب الاستقدام, والتي ما إن تطأ الخادمة منزل كفيلها حتى تبدأ تلك المكاتب بالتفنن في سبل التملص من التزاماتها السابقة, وها هي نفس المكاتب السابقة, تؤسس شركات جديدة, ولكن برأسمال من فئة المئة مليون! ليكون هدف توفير خادمة منزلية مدربة, متعلمة, وملتزمة آخر اهتماماتها.
لقد تحوّلت قضية نقص الخادمات إلى مشكلة الساعة في أغلب المنازل السعودية, فاتساع بعض المنازل وتعدد أفراد العائلة يجعل من الصعب على ربّة المنزل وحدها القيام بكافة الفروض المنزلية.. وللأسف فإن واقعنا الاجتماعي وروح الاتكالية لدى نسبة لا بأس بها من الجيل الجديد من الفتيات السعوديات -وبالتالي ربّات منازل المستقبل- يفصح عن تفاقم أكبر للمشكلة, خصوصاً مع عدم وجود حلول دائمة ومناسبة, سواء من وزارة العمل أو اللجنة الوطنية للاستقدام.. ليضحي محور حديثنا اليومي: "شغالتنا وشغالتكم"..

عبدالرحمن السلطان