الجمعة، 28 سبتمبر 2012

أشباح تجذب السياح

أشباح تجذب السياح


السياحة ليست مجرد فندق أو مطعم، بل هي منظومة متكاملة من الخدمات والأنظمة، وغير ذلك من المتطلبات، لكن الأمر يتجاوز كل ذلك، باختراع ما يطلق عليه بمواقع الجذب السياحي.
قبل سنوات قضيت مدة طويلة في مدينة ألباكركي Albuquerque، بولاية نيومكسيكو (جنوب غرب أمريكا)، وهي مدينة صحراوية، يفترض أنها خالية من مواقع الجذب السياحي، ولكن ما إن طلبت من مضيفي الصديق خالد المعيقل عرض مقترحاته السياحية، حتى قدم مجلات وكتيبات كثيرة حول ما يمكن أن نقوم به في هذه المدينة "غير السياحية"، لكنه أصر بشدة على "جولة الأشباح"!!




الجولة لا تبدأ إلا عند منتصف الليل، وتستمر لمدة تسعين دقيقة حينما تبدأ الأرواح "الشريرة" بالتحرك وسط المدينة القديمة، وتعتمد الجولة الراجلة على التحرك وسط المنازل والكنائس القديمة، والتعرف على التاريخ الشفهي لتأسيس المدينة، وتحديد مواقع الأشباح، التي ظهرت بسبب حالات انتحار معروفة، أو ضمن جولات الحرب الأهلية الأمريكية، بل يحدد مرشد الجولة أسماء الأشباح ومدة ظهورهم، طبعاً لا يخلو الأمر من قفشات مضحكة، واستطراد تاريخي لطيف، والأهم من ذلك أن مرشد الجولة يصّر على أن يحمل المشارك كاميرا ذات فلاش ضوئي، لعل الحظ يحالفه ويلتقط صورة لأحد الأشباح "المفترضة"! أو لإحدى الظواهر المحيّرة، وتخيل أن تكلفة هذه الجولة 20 دولاراً (75 ريالاً) فقط.

لقد استطاع الأميركان وبحسهم التسويقي المبهر اختراع جولة سياحية من "لا شيء"، تجذب نحو قضاء وقت ممتع، بين جدران خرائب لا يستفاد منها، والأهم من ذلك إثبات أنه بالإمكان تسويق أي موقع ما بشكل سياحي، بشرط أن تتوافر الرغبة والفكرة، وهو ما ينطبق بشدة على مُدننا السعودية، ففيها من المواقع والآثار ما يمكن استغلاله بشكل تجاري وسياحي مبتكر، بحيث يكون قبلة لسكانها قبل سُياحِها.


ودمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان
 
# نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, الجمعة 29 رمضان 1433هـ, الموافق 17 أغسطس 2012م
 

الخميس، 27 سبتمبر 2012

ماذا فعل "جون" بعد الخامسة والستين؟

ماذا فعل "جون" بعد الخامسة والستين؟

 
حتى الثالثة والخمسين من عمره؛ عمل السيد "جون فيردون John Verdon" في كتابة الإعلانات حتى تقاعد في منصب مدير تنفيذي، ثم انتقل لدراسة النجارة ثم العمل في صناعة الأثاث لمدة قصيرة، قبل أن تُحول نصيحة عابرة مسار حياته.




القصة المثيرة بدأت ذات مساء ربيعي، وقد أوشك قرص الشمس على المغيب على سفح المنطقة الغربية من جبال كاتسكيل (جنوب ولاية نيويورك الأميركية)، وكان "جون" وزوجته مسترخيين في كرسي خشبي هزاز، وهو يتحدث بإسهابٍ وتفصيل متواصل عن قصة "بوليسية" انتهى للتو من قراءتها، قاطعته زوجته "ناعومي" المتقاعدة حديثاً والتفتت نحوه وقالت: "بدلاً من جلوسك هنا...وحديثك اليومي عن القصص البوليسية لماذا لا تكتب واحدة"؟؟
قدحت الفكرة في رأس "جون" وقَبِل تحدي زوجته، وخلال أيام قليلة بدأ الكتابة وتجميع خيوط الحبكة التشويقية للقصة لتظهر إلى الوجود بعد سنتين روايته الأولى:" فكّر برقم Think of a Number" وشخصيته الرئيسية: "ديفيد جيرني" محقق الجرائم المتقاعد في مدينة نيويورك، الذي كما "جون" بدأ حياته الحقيقية بعد التقاعد، حينما تلقى رسائل غامضة ومثيرة، وبعد كرّ وفرّ وتعديلات متعددة، خصوصاً وأنها تجربته الكتابية الأولى؛ أرسل مسودة الرواية إلى الناشر، التي ما أن قرأها المحرر الأدبي حتى قضى عليها خلال ساعات معدودة، لتتصدر الرواية صيف 2010م، حيث حظيت باستقبال وحفاوة أدبية واهتمام الجمهور بشكل غير متوقع.

وهكذا تغلب "جون" على خوفه من المجهول، وحوّل سنوات تقاعده الرتيبه؛ إلى رحلة جديدة، إلى مغامرة جديدة، إلى آفاق أوسع، بل إن هذه الطاقة الإيجابية امتدت لتشمل زوجته المتقاعدة كذلك، وفي مقابلة صحفية نادرة يقول "جون": "عندما كتبت كتابي الأول لم أتصور حتى أنه سينشر، كان لدي الوقت لإخراجه، وشجعتني زوجتي على ذلك، وكتبت كتابي الأول وأنا أرجو أن يحوز على إعجابها" مشيراً إلى كونها من بادره بفكرة الكتابة أول مرة، وساندته خلال مراحل الكتابة وتطور العمل.
الحياة قصيرة لذا يجب أن تفعل ما تريد لا ما يريده الآخرون، يفخر "جون" بمقولة دائماً ما يرددها وهي: "بقدر ما أتذكر كنت دائماً أرغب أن أكون في مكان آخر أعمل شيئاً أو بالأحرى شخصاً آخراً"، ويضيف "جون": "عملت بهلوانياً في سيرك وقدت دراجات نارية، ثم عملت في صناعة الإعلان ثم الأثاث، ناهيك عن الحصول على رخصة طيار تجاري! لكنني لم أجد طوال هذه السنين ما أريد!" وهنا جوهر المشكلة التي يواجهها كثير من الناس، وهي العيش لصالح الآخرين دون أن نعلم، ودون أن نجعل اهتماماتنا الأولى هي محور اهتماماتنا الأساسية، وأن نعمل في ما نحب لكن إذا لم تستطع أن تفعل ما تحب خلال عملك الوظيفي الحالي فليس أقل من أن تقوم به بعد "تقاعدك"، لا أن تحوّل مرحلة التقاعد إلى خطوات "موت" بطيء كما يفعل الكثيرون.
وهكذا استمر "جون" في تحقيق حلم حياته، وأصدر بعد ذلك روايتين ناجحتين هما: "دع الشيطان ينام" عام 2011، و"اغلق عينيك الليلة" صيف هذا العام 2012، لتحجزان مكانهما على الفور في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً ضمن قائمة صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية، كما ترجمت رواياته- وخصوصاً الأولى - إلى خمسٍ وعشرين لغةً حية، منها البرتغالية والعبرية والفيتنامية والإسبانية، ولم تكن اللغة العربية - للأسف - من ضمنها!
وهكذا وسط أجمات الكرز، وعلى بساطٍ أخضرٍ ممتد، يضع "جون" كرسياً بلاستكياً بسيطاً يجلس عليه ساعات طويلة، يستهلم أفكاره، ويستقرئ مستقبل حياته، يعلم أن سنين عمره القادمة ليست طويلة، لكنه متأكد أنه سوف يملؤها بكثير من المتعة والإثارة؛ خصوصاً وأنه أمسى يقضي وقته في ما كان يحب، وفي ما كان يأمل يوماً ما أن يمارسه بشكل حقيقي.

هنا في السعودية كم من متقاعد يحمل كماً هائلاً من الخبرات؟ وجعبة مليئة بالقصص والحكايات؟ بل بعضهم يعّد ذاكرة متحركة لتطور مجتمعنا لكنه يخجل أو يخاف من مجرد المحاولة، والبعض يرنو إلى حياة الراحة المتواصلة دون أن يعلم أن خوض غمار تجربة جديدة سوف يضيف المزيد إلى حياته، ويجعله أكثر سعادة ورضى عن نفسه وعن سنوات خبراته الطويلة.
دعونا نتخيل بنوك "الخبرات" المعطلة من حولنا، لماذا لا تنطلق نحو مغامرة جديدة، قد لا تكون ذات عائدٍ مادي مجزٍ ولكنها تحقق أثراً إيجابياً رائعاً على روح "المتقاعد" أو الفرد المتحرر من قيود الوظيفة، كما أن أثرها ممتد إلى أسرته الصغيرة ومجتمعه المحيط أيضاً، فكم من "نابغة" أدبي يقتل موهبته خجلاً وتردداً، وكم من خبير هندسي يحمل حلولاً هندسية لم يسعفه عمله السابق في طرحها أو مجرد مناقشتها، وكم وكم؟؟ الأهم هنا هو أن تبدأ، حتى وإن كانت بدايات خجولة ومليئة بالأخطاء، وهو ما يؤكد عليه صاحبنا "جون" في معظم مقابلته الصحفية، حينما يكون السؤال حول نصيحته العامة، لتكون إجابته الموحدة دائماً: "لا تنتظروا حتى الخامسة والستين لكي تبدؤوا مثلما فعلت!".. فماذا أنت فاعل؟؟
نشر المقال في صحيفة الوطن بتاريخ 11 ذوالقعدة 1433هـ الموافق 27 سبتمبر 2012م


الخميس، 20 سبتمبر 2012

عندما تعرفت على :ابن بكلارش" في طليطلة


عندما تعرفت على "ابن بكلارش" في طليطلة:
أول كتاب مجدول في الأدوية المفردة في الأندلس

البداية
خلال شهر يوليو 2008 م كنت في زيارة عمل إلى مملكة أسبانيا, وصدف أن كان مصنع الأدوية الذي أزوره يقع في ضواحي مدينة توليدو Toeldo أو طليطلة كما كان يطلق عليها إبان عصر الحضارة الإسلامية, و في أخر يوم من برنامج عملنا, قمت بمعية أحد الصيادلة الأسبان بجولة راجلة على أرجاء المدينة القديمة, الأمر الذي ساعدني كثيرا على الإطلاع عن قرب على بقايا العهد الزاهر لأجدادنا هناك.

وعلى الرغم مما قامت به محاكم التفتيش و برامج طمس الثقافة العربية, إلا أن شواهد تلك الحضارة لا تزال شامخة و باقية, و خصوصًا على طراز العمارة المحلية, و النقوش التي تقبع على جدران الكنائس التي كانت مساجد في ما مضى, و هناك في كاتردائية توليدو الرئيسية شاهدت مخطوطة لكتاب صيدلاني سبق أن قرأت عنه منذ سنوات طويلة, و لم أكن أتصور في يوم أن أجدها أمامي, ضمن مقتنايات كنسية شامخة ليس لها رواد, بل مجرد سياح يذهبون دون أن يتمعنوا في مقدار ما وصلت إليه حضارتنا, الأمر الذي قادني إلى سبر أغوار مؤلف هذا الكتاب, على الرغم من قلة المراجع, وأن أقدم هذه العرض السريع عن كتابٍ أعتبر في حينه فتح جديدًا في بلاد الأندلس.

كتاب فريد !!
الكتاب هو " الكتاب المستعني" لمؤلفه الصيدلاني ابن بكلارش, الذي يعتبر من بواكير الكتب المرتبة على شكل جداول مقارنية في بلاد الأندلس، حيث أن هذه الطريقة سبق استعملت في المشرق العربي ( مثل ابن بطلان في كتابه " تقويم الابدان " وابن جزلة في كتابة " تقويم الصحة "). وهذا الكتاب هو المؤلف الوحيد لابن بكلارش الذي وصل إلينا ، ويتكون من جمع لكل ماكتبه السابقون عن الأدوية المفردة مع ترتيبها وعرضها بصيغة واضحة ومفهومه .

من هو ابن بكلارش
مؤلفه هو يونس ( أو يوسف ) بن اسحاق بن بكلارش، من أشهر علماء الأندلس في صناعتي الصيدلة و الطب, و المعلومات المتوفرة عنه قليلة جداً, حيث ذكر حاجي خليفة في كتابه " كشف الظنون" كتابه "المستعني في الطب" فقط . أما ابن أبي أصيبعة في "كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء فقد قال عنه : " من أكابر علماء الأندلس في صناعة الطب وله خبرة واعتناء بالغ بالأدوية المفردة ، وخدم بصناعة الطب بني هود ( ولابن بكلارش ) من الكتب كتاب المجدولة في الأدوية المفردة وضعه مجدولا وألفه بمدينة المرية (جنوب شرق أسبانيا حالياً) للمستعين بالله أبي جعفر بن المؤتمن بالله بن هود" . و ذكر أحد المؤرخين أن ابن بكلارش ألف كتابا اخر بعنوان " رسالة التبيين والترتيب " لايزال مفقوداً ولاتوجد منه اي نسخة. أما اسم مؤلفنا فقد ورد في أشكال مختلفة، مابين يونس ويوسف ! ويظهر أن الإسم الصحيح هو يونس. أما نسبه فيكتب أحياناً بكسر الباء وأحياناً بفتحها ولكنه في أكثر الأحيان يكتب بضمها . كما تختلف الاراء في أصل الاسم, لكن الدكتور الأسباني أمادور غارسيا يرى مختصر " أبو كلارش" هو اسم عائلي أو لقب، لأن "كلارس " هو اسم عائلي عادي عند الاسبان موجود حتى يومنا هذا.

عنوان الكتاب
العنوان عائدٌ على اسم الأمير المستعين بالله أبي جعفر أحمد بن المؤتمن بالله بن هود ( المتوفي سنة 503 هـ/1110م) الملك الرابع من ملوك بني هود، وكانت دولتهم من أشهر دول الطوائف ، قاعدتها مدينة سرقسطة في شمال الاندلس ، وقد دام حكمها من سنة 410 الى سنة 536 هـ .
وصف الكتاب
رتب المؤلف الأغذية وتكلم فيها عن القوى الاربع: ( الجاذبة والحاصرة والهاضمة والدافعة)، وافعالها بأعضاء البدن المختلفة. أما نسخ "المستعيني " المخطوطة الموجودة الأن فهي قليلة ولايعرف منها الا ثلاث في المكتبات الاوربية (مدريد, أسبانيا . نابولي, أيطاليا. ليدن, هولندا) ونسخة أخرى في الخزانة العامة في الرباط.
والمخطوطة رقم 5009 المحفوظة في المكتبة الوطنية في مدريد ( اسبانيا )، هي نسخة قديمة مكتوبة في مدينة طليطلة في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر وهوامشها مليئة بالملاحظات المكتوبة باللغات الاسبانية والعبرية والعربية ، وتتكون من 140 صفحة مكتوبة بخط مغربي جميل .

تبويب مميز
يتألف الكتاب من جزيئن أولها مقدمة طويلة حول نظريات جالينوس ،و الآخر قائمة تحتوى على أكثر من 700 مادة طبية نباتية وحيوانية وجمادية. وبعد المقدمة نجد في كل صفحة جدولاً يحتوى على ستة ادوية مفردة ، والنص العربي ينقسم إلى خمسة أعمدة وهي :

1/ أسماء الأدوية المفردة .
2/ الطباع والدرج .
3/تفسيرها في اختلاف اللغات .
4/الأبدال منها .
5/منافعها وخواصها ووجوه استعمالها.

ميزة الكتاب: اللغات
العمود الثالث الخاص بتفسير أسماء الأدوية يعتبر أهم ما في الكتاب, حيث إن المؤلف يقدم أسماء الأدوية المفردة في كل من اللغات السريانية والفرسية واليونانية والعربية والعجمية الرومية و العجمية العامية ، ويتميز المؤلف أحياناً بين أعجمية سرقسطة وأعجمية الأندلس التى كانت لغة العامة في جنوب الجزيرة الايبرية. ويبلغ عدد المواد الموجودة في مخطوطة مدريد (طليطلة) هو 666 مادة، بمعدل ست أو خمس أو أحياناً أربع مواد في كل صفحة .
لكن الأجمل هو شرح المؤلف بخصوص ترتيبه المجدول, حيث يقول : ( وسلكت فيه طريقة المتقدمين على عادة المتفلسفين، وذلك أنهم ذكروا أن التأليف لا يتم حتى يتضمن ثلاث خصال إحداهما : جمع ما افترق والثانية .. اختصار مطول والثالثة .. إيضاح مشكل . وكتابي هذا قد جمع هذه الخصال الثلاث وذلك أني لم أر قط كتاباً لمن تقدم قبلي من كتب الأدوية المفردة جمع ماجمعته في هذا الكتاب لاني جعلت المفرد وطبعه ، وفي أي هو في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ثم جمعت ماله من الاسماء الشاذة وغير الشاذة على حسب الالسنة منها سريالية ومنها فارسية ومنها يونانية ومنها عربية ومنها اعجمية رومية ومنها أعجميه عامية ). وتتركز أهمية " الكتاب المستعيني " في ركنين أساسين : أولهما العلمي والآخر اللغوي . حيث تبرز أهمية الكتاب كونه يقدم معلومات عن العديد من الأدوية المفردة في بعض اللغات الأجنبية أكثر من أي كتاب عربي أخر.

المقدمة و أفكار جالينوس
في المقدمة الطويلة المشبعة بأفكار جالينوس, يتناول المؤلف بالتفصيل الفروقات بين الأدوية و القول فيها, حيث قسمها إلى أربعة أجزاء :
1 - القول في تعرف الأدوية المفردة ، الذي قال فيها ( إن الوجوه التي عرف منها الأوائل قوى الأدوية ومنها استنبطوا الدرج ثلاثة ، أحدها بطعومها ، والثاني بروائحها ، والثالث بإيرادها على البدن المعتدل) . بعد ذلك يدرس المؤلف امتصاص الأدوية ، وأخيرا يذكر أمثلة لأدوية مسخنة ومبردة في الدرجات الأربع . و من الأدوية المسخنة يذكر : البابونج وإكليل الملك والأترج والسنا, بينما يذكر من الأدوية المبردة: البلوط والورد والشعير والهندباء ونحو هذه .
2- القول في معرفة طبائع المركبات وكيف ينبغى أن تركب وماينبغى لمن أراد تركيبها أن يقدم والحاجة إلى تركيبها " . في هذا الجزء يعرف ابن بكلارش " الاعتدال " وهو تكافؤ الأجزاء واستواؤها ، كما يقدم تعريف " الصحة " كتكافؤ الطباع واستواء الأخلاط وثباتها في الاعتدال وألا ينقص الإنسان من أموره المعتادة طبيعية أو غير طبيعية !.
بعد ذلك ، يعرف " المرض " الذي لا يكون حسب اعتقاده إلا تعدي الأخلاط وخروجها عن الاعتدال بسبب تسلط أحد العناصر ( وهي الحر والبرد واليبوسة والرطوبة ) على بقية العناصر الاخرى. ثم يقدم تعريف اعتدال الأدوية المركبة . ثم قواعد تركيبها ، ثم كيفية تعرف درجة دواء مركب من بعض الأدوية المفردة المختلفة الطباع, وبعد تفصيل طويل يعطي تعليمات لتعديل المفعول الضار الضار لبعض الأدوية أو لإصلاح طعمها الكريه أو لمنع القئ أو لإطالة أفعالها أو تأخيرها .
3- القول في قوى الأدوية المسهلة على رأي جالينوس, يذكر أبن بكلارش كيفية الأخلاط المختلفة بواسطة خواص بعض الأدوية أو أثرها ، ثم استحالة الأخلاط في الجسم وعلاقتها بالقوى الأربع : الجاذبة والحاصرة والهاضمة والدافعة ، ثم يذكر مسألة فصد الدم وأخطارها، ثم كيفية إعطاء المسهلات وقواعده حسب الفصول وتأثير العمل والحركة فيه والوقت المناسب لإعطائها وعلاقة ذلك بالطعام والنوم .. إلخ.
4- القول في العلة التى دعت الأوائل إلى ابدال العقاقير وكيف بلغو الى معرفة ذلك, يتناول المؤلف فيها الفرق بين الطبائع وخواص الجواهر في دواء ما ، ويضع قواعد الإبدال . بعد ذلك يصنف الأدوية حسب أفعالها:أدوية جاذبة مثل: الحلتيت. أدوية قابضة مثل: الزيتون البري والكمثرى والكرفس والصبر والخشخاش والزعفران والتمر ومخ البيض المشوي . أدوية معفنة مثل : الزرنيخ. أدوية تنقص زيادة اللحم مثل : أصل الحنظل . أدوية تدمل وتختم الجراحات مثل : النحاس المحروق المغسول وقشور الرمان اليابسة وخبث الرصاص والرصاص المحرق. وغيرها .

أدوية غريبة!
من طرائف الكتاب احتواه على عدد من الأدوية غريبة الاستخدام, و التي يذكر المؤلف منها: أدوية تسود الشعر مثل : المر والكرنب والزوفا الرطبة .أدوية منبته لشعر الحاجبين ومسودة له مثل : الصمغ والعفص والسماق وورق الكرم والتوت وورق التين ولحاء شجرة البلوط ونحو هذه .أدوية محمرة للشعر مثل : الزرنيخ (الأرنب البحري إذا جفف وسحق وتضمد به ! ) ولبن الكلبة أول ماتنتج وهذا اغرب ماذكر بالكتاب وقشور الاقلاء والقطران والزيت العتيق وصمغ الكرم .

وبعد...
وبعد... إنها دعوة صادقة للصيادلة و الصيدلانيات لسبر أغوار مخطوطات حضارتنا العظيمة , فهي بلاشك مليئة بالجواهر و الدرر, لكن استخراجها يحتاج إلى همة عالية و إرادة جازمة.

دمتم في رعاية الله
عبدالرحمن السلطان

# نشر أصل هذه التدوينة في العدد47 من مجلة الصيدلي (جماد الآخرة,1430هـ) الصادرة عن الجمعية الصيدلية السعودية بالرياض.