السبت، 9 مارس، 2013

حديقة "نيويورك" المعلقة

حديقة "نيويورك" المعلقة

 
كم هي رائعة هذه المدينة؛ الحاضنة لكل صنوف التجريب والابتكار، نعم إنني أتحدث عن "التفاحة الكبيرة"، أو "نيويورك" كما يعرفها الجميع، لكن دعوني أحدثكم عن قصة نجاحٍ غير عادية لأفراد عاديين من أبناء هذه المدينة، هذه القصة التي أظهرت إلى الوجود متنفساً مبتكراً ما أزال أستمتع بزيارته مع أصدقائي "النيويوركيين" كلما سنحت الفرصة، وما زلت أتذكر دهشتي قبل سنوات حينما رأيت حديقةً معلقةً وسط المدينة!، ليس هذا وحسب؛ بل كانت متنزها طويلاً يقع بالتحديد فوق سكة حديد قديمة، تخترق شوارع الجزء الغربي الأدنى من شبه جزيرة "منهاتن"!
حتى وقت قريب كان خط السكة العلوي هذا يستخدم في نقل اللحوم والبضائع، متجاوزاً 22 شارعاً عاماً، بل ومخترقاً عدداً من البنايات الضخمة والممتلكات العامة، منها فندق شهير! حتى قررت البلدية أنه حان الوقت لإزالة هذه السكة المعلقة، نظراً لعدم استخدامها، الأمر الذي حفّز شابين من أبناء "نيويورك" للعمل على الاستفادة من هذه الفرصة، بما يعود بالنفع البيئي والثقافي على مدينتهم، وعلى الفور بدأت بالتشكل إحدى أروع قصص نجاح أفراد المجتمع المدني، وأطولها نفساً.




بعد أن سمع "جشوا ديفيد" و"روبرت هامدون" بنيّة أصحاب الأراضي والأبنية التي يخترقها خط High line هدم السكة القديمة، قاما على الفور بتأسيس تجمع أصدقاء غير ربحي للمحافظة على إرث خط سكة الحديد الذي يخترق حيّهم السكني، قامت هذه المجموعة بالدفاع عن حق المدينة بالإبقاء على هياكل هذا الخط، بل وتحويله إلى متنفس أخضر للسكان، واستوحت فكرة جنونية من مشروع مماثل في مدينة "باريس"، وهو ممشى "Promenade plantee" ، الذي بني على أنقاض سكة حديد "Vincennes" ، وما إن بدأت هذه المجموعة بالعمل الإعلامي وحشد الرأي العام، حتى دُعمت هذه الأفكار من قبل وجهاء "نيويورك"، ومجتمع صناعة المسرح والفنون في "برودوي"، وخلال خمس سنوات فقط أعلنت بلدية "نيويروك" التزامها بتمويل خمسين مليون دولار لتأسيس الحديقة المقترحة، ثم توالت التبرعات من جهات وشخصيات معروفة، ثم في منتصف السنة السادسة أعلن "المجلس الفيدرالي للنقل الأرضي" عن حذف مسارات هذه السكة من شبكة قطارات المدينة، والسماح للبلدية بالعمل على السكة، وتغييرها إلى متنزه عام، أما في أبريل 2006، وهي السنة السابعة منذ بداية الفكرة؛ فلقد أعلن عمدة "نيويورك" عن تدشين أعمال إنشاءات المتنزه. يبلغ طول المتنزه حالياً حوالي ميل واحد (1.6 كليو متر مربع) على السكة القديمة للجانب الغربي الأدنى من شبكة قطارات "نيويورك"، حيث ينطلق المتنزه من محطة "Gansevoort" بالقرب من غرب الشارع الثالث عشر، في منطقة كان يطلق عليها سابقاً "منطقة تعبئة اللحوم Meatpacking District" إلى أن يصل إلى الشارع الثلاثين، مخترقاً حي "شيلسي" إلى المنطقة الغربية من "منهاتن"، وحتى الآن افتتحت مرحلتان من المشروع، الأولى عام 2009، والثانية 2011، ويعمل حالياً على الانتهاء من الجزء الثالث والأخير من المشروع، ليغطي المتنزه خط السكة بكاملها، ويصبح مجموع طوله الكلي 2.33 كيلو متر مربع. شارك كثير من المعماريين في التخطيط والتصميم، ليخرج في النهاية متنزه ذو نمطٍ جديد، متماهيا مع أبنية المدينة ومناظرها الطبيعية في آن واحد، خصوصاً مع إعادة زراعة أكثر من مئة نوع من النباتات الطبيعة البرية، التي كانت نمت على السكة بعد توقف حركة القطارات عن العمل، فضلاًَ عن أن الرؤية المعمارية لممشى المتنزه اعتمدت على إبطاء الحركة، بهدف تعزيز الشعور بالهدوء، وقضاء وقت أطول بين السلالم الطويلة، والممرات المتعرجة، أما الأروع فهي الزوايا الخفيّة، التي تشجع رواد الحديقة على قضاء وقت أطول، وهي مطعّمة بمناطق جلوس فسيحة، بحيث يستطيع المتنزّه مشاهدة "نيويورك" من زوايا مختلفة، كما لو كانت شاشة "سينما" بيضاء. يقول المهندس المعماري" ريكاردو سكوفيديو" والذي شارك في تصميم الحديقة: "إنه من المثير أن نرى إمكانية أن يمشى الناس حوالي 22 مربعاً سكنياً من خلال الحديقة، بينما قد لا يستطيعون أو لا يرغبون بمشي أكثر من ثلاثين قدماً في الشارع الحقيقي"!




الآثار الإيجابية لهذه الفكرة تجاوزت البعد البيئي إلى البعد الاقتصادي، فلقد تنشطت الحركة العقارية في الأحياء السكنية المجاورة، وأنجز أكثر من ثلاثين مشروعاً عقارياً خلال الفترة الماضية، أما من الناحية السياحية فلقد أسهمت غرابة فكرة المتنزه في جذب جموع السياح إليه، وتحويله إلى عنصر جذب سياحي إضافي للمدينة، ناهيك عن ظهوره مؤخراً في مشاهد كثير من المسلسلات التلفزيونية، مثل مسلسل كارتون الكبار: "سيمسون" وغيره.
حالياً يوجد لهذه الحديقة المعلقة والمتلوية في آن واحد جمعية مسجلة من المتطوعين، ولها شعار وفعاليات ثقافية واجتماعية، كما يحتوي موقعها الإلكتروني على معلومات وصور نادرة عن تاريخ الخط، وعن فكرة المشروع وتطوره التاريخي، فضلاً عن قيامها برعاية المتنزه، وتنظيم فعالياته المختلفة.
قبل أسابيع كنت في "نيويورك" ورأيت إعلانات متفرقة للجمعية تدعو المتطوعين من أبناء المدينة للعمل معا لإزالة أكوام الثلج بعد أن يتوقف، استعداداً للموسم الأروع في الحديقة؛ وهو فصل الربيع.
لكن بعد إنجاز هذا السبق المتفرّد، ماذا بقي في جعبة "نيويورك" من أفكار ابتكارية ملهمة؟ نعم بقي كثير.. فهاهما شابان "نيويوركيان" آخران، هما "جيمس رامزي" و"دان باريش" يعملان على الترويج لتحويل إحدى المطارات المهجورة لقطار الأنفاق “Underground” في الجزء الشرقي من "منهاتن" إلى حديقة عامة، ولكن هذا المرة تحت الأرض! لتكون متنفساً إضافياً للمدينة، خصوصاً خلال فصل الشتاء وتساقط الثلوج.. صحيح أن الفكرة رائعة وغير مسبوقة، لكن قاسمها المشترك مع قصتنا الأولى هو أن كلتا المبادرتين ظهرت نتيجة تحرك وإصرارٍ إيجابي من أفراد المجتمع، لذا سوف تتحول إلى واقع ملموس في نهاية المطاف، ينعكس إيجابياً على الفرد قبل مجتمعه.
 
عبدالرحمن السلطان

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق