الأحد، 5 مايو، 2013

"نظريات المؤامرة" مرة أخرى.. تفجيرات "بوسطن" أنموذجا!


"نظريات المؤامرة" مرة أخرى.. تفجيرات "بوسطن" أنموذجا!


يبدو أننا لا نزال نراوح المربع الأول، فما أن ننتهي من مصيبة هنا أو كبوة هناك؛ إلا ونعود لننبش مارد نظريات المؤامرة من جديد، وكأنما نحن لا نزال مصرين على أننا مركز الكون! وهوس جميع أمم الأرض!
رغم قدم نظرية المؤامرة "Conspiracy Theory" إلا أنها لا تزال وسيلة دفاعية ناجحة للأمم المتخلفة التي تفسّر السبب الأساسي لحدث ما على أنه نتيجة سر أو مجموعة أسرار غير معروفة، وهي بالطبع تستهدف الأمة المتآمر عليها، نظراً لتاريخها العظيم وقدرتها المزعومة على قلب حقائق الواقع الحالي، وبالطبع فإن هذه المزاعم تنتهي إلى أن تكون جميع الأحداث العالمية نتيجة "مؤامرة خبيثة" تحاك سراً وليلاً، وخلف الأبواب الموصودة، وغني عن القول أننا كملسمين قد ابتلينا بنظريات المؤامرة لكل شيء، كما ابتليت بها الأمم المتخلفة الأخرى، بل إن تفسيرنا لتاريخنا المعاصر أضحى تفسيراً مقترناً بالمؤامرات المستمرة للقوى الغربية تجاه منطقتنا، بداية من اتفاقية "سايكس بيكو" ومروراً بالانتداب البريطاني لفلسطين، وليس انتهاء بحربي الخليج الأولى والثانية أو الاحتلال الأميركي للعراق!


واستكمالاً لمسلسل المؤامرات؛ لم تنج تفجيرات ماراثون "بوسطن" من تخرصات وأفكار معتنقي نظريات المؤامرة، التي ازدادت قوة وانتشاراً مع سرعة نقل المعلومات غير المؤكدة من خلال وسائط الاتصال الاجتماعي، وبالذات عبر "توتير" الذي احتل موقع "منتديات الإنترنت" سابقاً، والتي كانت مرتعاً للغريب والعجيب من نظريات المؤامرة، حيث تداولت مؤخراً على سبيل المثال مجموعة صور متناقضة للشاب المسلم المتهم في تفجيرات "بوسطن"، حيث ظهر في بعض الصور يعتمر قبعة طبع عليها الرقم 3، وظهر في أخرى طبع عليها الرقم 7!، مما شكل مدخلاً شيقاً لفكرة تلاعب جهاز المباحث الأميركي FBI في أدلة الاتهام، أو كون الحادثة مدبرة بشكلٍ مسبق، رغم عدم التأكد من مصدر الصور أو دقة زاوية التصوير! أما القصة الأخرى المثيرة للشفقة؛ فهي تداول خبر صحفي عن حذف شبكة "فوكس FOX" التلفزيونية لحلقة من مسلسل كارتون الكبار "Family Guy"، والتي ظهرت أجزء منها وكأنها تتنبأ بتفجيرات ماراثون "بوسطن"، بينما حقيقة الأمر أن المقطع قد تمت فبركته بطريقة فنية هزيلة، حيث أضيف لحلقة قديمة تتناول ماراثون "بوسطن" مقطع آخر من حلقة أخرى يظهر فيها إرهابي يخطط لتفجير جسر بواسطة هاتفه المحمول! ودمجت الحلقتان بحيث تظهر وكأنما المسلسل قد تنبأ بما حدث في بوسطن! مما يجعل الحديث في وجود هذه الحلقة ضرباً من إضاعة الوقت والجهد، ويتقرب في خطوطه العريضة من مئات القصص والصور التي ظهرت بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا، حيث ظهرت الكثير من الصور المفبركة وغير الحقيقة، وكذلك القصص والتصريحات لأشخاص لا وجود لهم، مثل مزاعم غياب مئات الموظفين اليهود من موظفي برجي التجارة العالمية عن أعمالهم يوم اصطدام الطائرتين بالبرجين! وكأنما يمكن كتمان قصة غياب هذا العدد الضخم من الموظفين في آن واحد، وغيرها من قصص وروايات هشّة، مما جعل الساحة تضج في نهاية الأمر بالكثير من التفسيرات المتناقضة في آن واحد، لكن معظمها يدور في فلك المؤامرة على الإسلام والمسلمين!







لقد اقتربت بعمقٍ علمي من أصول نظريات المؤامرة حينما كنت أكتب رسالتي في ماجستير الإعلام، والتي كانت عن "الأطر الإعلامية لتغطية مرض "أنفلونزا الخنازير" في الصحافة السعودية"، ودارت مناقشات فكرية طويلة بيني ومشرف رسالتي البروفسور "علي بن شويل القرني" حول أصول نظريات المؤامرة، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، ومنها حالة "أنفلونزا الخنازير" التي درستها بعمق وتداولت عنها وسائل الإعلام الكثير من المزاعم والمؤامرات؛ حيث يرجح أن أصل نظريات مؤامرات الأنفلونزا يعود إلى الطبيب الأميركي "ليونارد هورويتز Leonard G. Horowitz" الذي يزعم في مؤلفاته (Horowitz,2001) أن كل اللقاحات مصنّعة من قبل شركات الأدوية الكبرى والمافيات السياسية التي لديها غايات محددة، وقد استطاع كتابه الذي يروّج لنظرية مؤامرة لقاح فيروسH1N1، أن يثير فزعاً وخوفاً بين الناس، حيث يزعم أن الفيروس واللقاح المضاد له كلاهما مؤامرة دبّرها أشخاص وجهات حكومية، وأن الهدف من وراء هذا اللقاح هو تخفيض نسبة السكان في العالم الثالث للتخلص منهم!، و"هورويتز" الذي قدم نفسه على أنه طبيب مختص في الأمراض المعدية واللقاحات، بينما هو طبيب أسنان في الولايات المتحدة وحاصل على الماجستير في الصحة العامة، حاول أن يدعم أقواله تلك بالإشارة إلى مضاعفات خطيرة يحدثها اللقاح عند الإنسان، غير أن الهيئات الرقابية الدولية فنّدت مزاعمه، فضلاً عن عدم ظهور تلكم المضاعفات على أرض الواقع، غير أنني ومن خلال تحليلٍ علمي لجميع فرضيات مؤامرة "أنفلونزا الخنازير" وصلت إلى نتيجة واحدة وهي أنها ليس لها أساس من الصحة، فلو تتبعت كل خبر أو تقرير صحفي يتناول طرفاً من أطراف المؤامرة فإنك في النهاية سوف تصل إلى مصدر مجهول أو إلى مدونة بدون اسم صريح.



للأسف فإن نظريات المؤامرة امتدت إلى كل شيء في حياتنا، فحتى الفرد العادي صار يؤمن أن فشله الشخصي يعود سببه إلى مؤامرات يقوم بها الآخرون تجاهه، بينما تقصيره في عمله أو ضعف كفاءته هو السبب الأساسي، وغني عن القول أن هذا الحديث يقع بالتأكيد على الأمم المتخلفة، والتي تلقي باللوم على الأمم المتقدمة في فشلها، بينما نجد أن بنية مجتمعاتها وفسادها هما السببان الأساسيان لتخلفها عن ركب الأمم المتقدمة، دون إغفال حق الأمم الأخرى في أن تخطط لمستقبلها وأن تعمل لأجيالها القادمة؛ حتى لو كان على حساب الأمم الأخرى، وهو ما يعد في رأي البعض "مؤامرة" تستحق النوح والبكاء دون العمل الحقيقي والجاد.

عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 5 مايو 2013م

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق