الخميس، 3 أكتوبر، 2013

من دمر "كنيسة" بلدتي "القرينة"؟

هالني الموقف، ولم أصدق ما رأيته، نعم إنه الموقع بذاته، ولكنه بعد أن عانى الإهمال سنوات طويلة ها هو اليوم يدمّر بفعل فاعل! إنه أول مسجدٍ بني في منطقة نجد "وسط المملكة"، مسجد "قرآن"، أو مسجد بلدة "القرينة" مسقط رأسي، وهي البلدة العريقة التي تقع شمال غرب العاصمة الرياض، وتبعد عنها حوالى 70 كلم، هذا المسجد الذي يعتقد أنه بني على أنقاض أقدم كنيسة في "نجد".



إذ تشير المصادر التاريخية إلى إيغال بلدة "القرينة" في القدم، كما تدل على ذلك الكتابات "الثمودية" التي وجدت في وادي "مليح" في "القرينة"، فضلاً عن ذكرها المتواتر في كثيرٍ من المراجع والروايات التاريخية، كما في كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني، بل إنها وردت في قصيدة للشاعر الشهير "جرير"، حين قال:

كأن أحداجهم تحدى مقفية نخلٌ بملهم أو نخل بقرّانا
حيث قال عنها "السكري": إن ملهم وقرّان قريتان باليمامة، لبني سحيم بن مرّة بن الدؤل بن حنيفة، وكان "بني سحيم" يستوطنون وادي "قرآن"، ويدينون بالنصرانية، وكانت لهم كنسية، تقع على الجبل، وتطل على الوادي... من جهته، قال علامة الجزيرة العربية "حمد الجاسر": "ومن بني سحيم أهل قران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل "طلق بن علي"، و"علي بن شيبان" وغيرهما، وكانت النصرانية قد انتشرت بين بعض قبائل العرب فكان لدى بني سحيم كنيسة، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم أداوة فيها ماء، وأمر أن يهرق فيها لتطهيرها".
وأضاف علامة الجزيرة العربية أن المرء يشاهد في "القرينة فوق جانب الجبل الواقع جنوب الوادي المطل عليه آثار بناء مرتفع، يطلق عليه اسم "الكُنيَّسة" بالتصغير، وقد يكون آثار حصن من الحصون لصق بها الاسم، لإطلاقها على المكان الذي كانت تقع فيه الكنيسة لبعد المكان عن المدينة، وارتفاعه عن الوادي الذي ينتشر فيه السكان" ثم عاد علامة الجزيرة وأكد على أنها قد تكون "آثار دير قديم"، كما أشار إلى ذلك الشيخ عبدالله بن خميس في كتابه "معجم اليمامة"، وكذلك الدكتور صالح الوشمي -رحمه الله- في كتابه النفيس "ولاية اليمامة دراسة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية حتى القرن الثالث الهجري".
وهو ما ورد كذلك في سنن "النسائي" بحديث "قيس بن طلق"، عن أبيه "طلق بن علي"، الذي صححه الألباني، حينما خرجوا ووفدوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنية الإسلام والبيعة، إذ يقول "فبايعناه، وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا -والمقصود بالبيعة هنا هي المعبد أو الكنسية- فاستوهبنا من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في أداوة وأمرنا فقال: "اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجداً، فقلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف فقال: "مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيباً" فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالآذان، ثم يضيف يؤكد وجود الكنيسة، قال: "والراهب رجلٌ من طيء، فلما سمع الآذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد".
هذا الحديث ورد بصيغة مقاربة –أيضاً- في صحيح ابن حبان، أما عن تاريخ تأسيس المسجد على أنقاض الكنسية؛ فيشير محقق كتاب "ابن حبان" تعليقاً على "طلق": قال أبوحاتم رضي الله عنه" طلق كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سني الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله بالمدينة، وبالتالي فإن المسجد بني منذ السنة الأولى للهجرة، واستمرت الصلاة فيه حتى هجر أهل "قرآن" المكان، ورحلوا إلى البصرة، بعد زوال حكم "الاخيضريين" في منطقة "اليمامة"، أي عام 310هـ، كما قال "ابن سيرين" في كتابه.
من جهة أخرى، يؤكد المعمّرون من أبناء بلدتي -القرينة- أن آثار وحدود المسجد كانت واضحة قبل عقود ماضية، وأن "قرآن" بعد ما سكنت من جديد تحرّف اسمها إلى "القرينة"، ذلك في القرن الحادي عشر الهجري عندما وردت لأول مرة بمسمى "القرينة"، حينها تصاعب أهلها الصعود إلى المسجد، فنقلوا بعض حجارته، وبنوا فيها المسجد القديم في الوادي، ونسي الأول وأهمل، كما ورد في مجلة "القرينة" الصادرة عن لجنة التنمية الاجتماعية في "القرينة"، وهو ما كان يتحدث به جدي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عبدالله السلطان -رحمه الله-، الذي يروى مشاهدته للمسجد بحدود شبه واضحة، وخصوصاً مكان تغيير قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة.


للأسف هذا الموقع المهم جداً لم يلق اهتماماً عابراً من وكالة الآثار سابقاً في وزارة التربية والتعليم، ولا حتى من الهيئة العامة للسياحة والآثار حالياً، على رغم أنه موقعٌ أثري مهم، ويوثق حدثاً تاريخياً مفصلياً في تاريخنا، وهو دخول الإسلام للمنطقة الوسطى، وهو ما يتوافق مع ذكرى محزنةٍ كان جدي -رحمه الله- يرددها دوماً، وهي خيبة أمله حينما وجد بعض الكتابات الثمودية، ولكن للأسف لم يجد تجاوباً من أي جهة رسمية لدراستها وفك مغاليقها، وللأسف ها هو الموقع اليوم يتعرّض للتخريب بشدة على يد فئة مجهولة، والخوف الشديد من استمرار هذا الإهمال، حتى تضيع معالم الكنسية/المسجد، ويصبح من المستحيل إعادتها إلى سابق عهدها، فمتى نرى تحرّك "هيئة السياحة والآثار"، أو حتى علماء الآثار والمهتمين لحفظ الموقع وإعادة تأهيله، وربما تأسيس متحف مجاور يحكي قصته للأجيال القادمة، هذا ما أتمناه ويتمناه كل منتسب إلى هذه القرية العريقة.




عبدالرحمن السلطان

هناك 3 تعليقات:

  1. والله انك رايق.. البلد فاضي لهالخرابيط ؟

    ردحذف
  2. صورة مع التحية لهيئة السياحة والاثار....
    وينهم عن هاالموقع المهم اللذي مكن يصير معلم سياحة مهم بالرياض

    أبو عبدالله

    ردحذف
  3. ياشباب وين المسجد او الكنيسة اروح في اي اتجاه

    ردحذف