الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

هم الاستثنائيون

ما الذي يجعل موسيقاراً شهيراً يحظى بحفيدٍ أكثر شهرةً منه؟ ما الذي يفسر انتشار المبدعين والمخترعين في عائلات دون أخرى؟ 
حتى وقت قريب كان علماء النفس الاجتماعي وخبراء الإدارة يعزون النجاح المهني والإبداع العلمي إلى المواهب الطبيعية والملكات الفكرية للفرد بذاته، أو بعبارة أخرى إلى الوراثة فقط! بينما يكاد أغلب العلماء في الوقت الحاضر يجمعون على أن الشخص الناجح هو مجموع أكثر من ذلك، بل هو نتاج البيئة المحيطة والتنشئة الاجتماعية أولا، وغيرها من العوامل الأخرى، كالاهتمام والتدريب، بل حتى التوقيت المناسب!
وحيث إن للنجاح درجات ومراحل، قد نختلف في تعريفها، أو حتى الاعتراف بأن شخصاً ما هو شخصٌ ناجح، نظراً لاختلاف معاييرنا، واختلافنا نحن في تعريفنا للنجاح، إلا أن هناك مستوى آخر من النجاح يكاد يكون ساطعاً كالشمس، لا تخطئه العيون ولا يستطيع تجاهله أحد؛ وهو أن يصل النجاح إلى مستوى "الشخص الاستثنائي"، وهو من يستطيع أن يجعل الجميع يعترف بنجاحه وإبداعه دون تردد.
والشخص "الاستثنائي" هنا هو المبدع الذي يتعاطى مع الأشياء بطريقة خارجة عن المألوف، سواءً كان عالماً أو فناناً أو رياضياً أو حتى رجل أعمال، كما غازي القصيبي في الأدب وسليمان الراجحي في عالم الأعمال، أو سامي الجابر في الرياضة. وهذا الاستثناء يعيدنا إلى المربع الأول من تساؤلنا: هل هي الوراثة، أم المهارة والموهبة فقط، أم إن هناك أشياء أخرى تجعلهم كذلك؟
لقد حاول كثيرون دراسة أنماط حياة الناجحين، وعلى رأسهم الاستثنائيون، وخرجوا بكثيرٍ من القواعد والأنماط. كما درس آخرون سماتهم الشخصية وخرجوا ببعض القواسم المشتركة. الأمر الأكيد الذي خرج به الجميع؛ هو أن التنشئة الأولى تلعب دوراً محورياً في توجيه "الاستثنائي"، فكون الشخص يعيش في كنف عائلة ميسورة سوف يحصل على حدٍ مناسب من التربية والتعليم، فما بالك إن عاش بين والدين متعلمين أو متذوقين للفنون أو ممارسين للرياضة؟ حتماً سوف يؤثر هذا الأمر على مستقبل حياته، ومدى اهتمامه بشيء ما دون الأشياء الأخرى. وهذا يقودنا للمثال الشهير عن خصائص أطول شجرة في الغابة، فهي بالتأكيد ليست بالضرورة الشجرة التي نبتت من أقوى بذرة أو أطول فسيلة، بل إن استمرارها في النمو دون منغصات ساهم في النهاية بكونها الشجرة الأطول، ذلك لأنه صدف غرسها في أخصب تربة، وحظيت بموقعٍ لا يحجب عنها ضوء الشمس، ولم تنقر ساقها الطيور، ولم يقطع حطّاب فروعها، وهو ما ينطبق على الاستثنائيين ومن ورائهم الناجحون، فهم ليسوا بالضرورة نتاج البذرة القوّية، ولكن أغلبهم بالتأكيد حظي بضوء الشمس والماء الوفير، كما حظي بالحماية من نقر الطيور وجور الحطابين
لكن الحقيقة الغائبة عن كثير من البشر؛ هي أن الجميع يمتلك موهبة ما كامنة، لكن الكثيرين لا يستطيعون تفعيلها، فضلاً عن إدراك وجودها لديهم أولاً، وهو الأمر الذي يتوافق مع أن الموهبة الفطرية تولد مع الإنسان، ولكنها تكون في طور الاستعداد والانطلاق، وهي فقط تحتاج إلى الرعاية والاهتمام، سواء من البيئة المحيطة، أو حتى من الشخص ذاته، حتى تظهر إلى العلن ويعترف بها الآخرون.. ولعل هذا ما تؤكده الدراسة الشهيرة التي أجراها عالم النفس السويدي "كيه أنديرز إريكسون K. Anders Ericsson " على طلاب أكاديمية الفنون في "برلين"، حيث قسم طلاب وطالبات عزف الكمان إلى ثلاث مجموعات، الأولى تضّم العازفين الاستثنائيين المبدعين، والثانية تضم العازفين ممن سيحترفون العزف في الفرق الموسيقية، أما المجموعة الثالثة فضمت من لن يحترف العزف، وسيكتفي بوظيفة معلم موسيقى في التعليم العام. وكان أن طلب من الجميع الإجابة على نفس السؤال: "على مدار مشوارك الفني، ومنذ أن أمسكت بالكمان، كم عدد الساعات التي أمضيتها في التدريب على العزف؟"

لاحظ "إريكسون" أن الجميع بدأ العزف مبكراً، أي في الخامسة من عمره، وبنفس القدر تقريباً، أي حوالي ساعتين إلى ثلاث أسبوعياً، لكن مع بلوغهم الثامنة بدأ التباين يظهر، إذ كان الاستثنائيون يتدربون ساعات أكثر من نظرائهم، فكانت 6 ساعات في التاسعة، ثم 8 ساعات في الثانية عشرة، حتى بلغت 30 ساعة وهم في العشرين من عمرهم، أي خلال منتصف دراستهم في الأكاديمية. وبعد احتساب عدد الساعات بشكل إجمالي، وجد أن العازفين "الاستثنائيين" حصلوا على عشرة آلاف ساعة تدريب، بينما حقق العازفون العاديون أقل من أربعة آلاف ساعة تدريب!

هذه الدراسة أكدت أن أياً من العازفين الاستثنائيين لم يحقق النبوغ والاستثناء اعتماداً على موهبته فقط، دون أن يستمر في التدريب لساعات طويلة، على مدى سنوات متتالية، وبالتالي فإن مَن تدرب بشكل أقل؛ حصل على عائد وشهرة أقل. كما أن الدراسة أكدت أنه بدون وجود موهبة أساسية فإن ساعات التدريب، حتى لو تضخمت لن تنتج مبدعاً واحداً كما الاستثنائيين! وبالتالي فإن حجر الزاوية الأساسي في النبوغ والإبداع هو الجد والاجتهاد، والتدريب المتواصل، والتركيز على بناء الموهبة وتطويرها.
ولعل قراءة سريعة لأحوال الاستثنائيين ممن وصل قمة مجاله، تجده ليس فقط يضاعف جهده وعمله، بل إنه يبذل جهداً استثنائياً يتجاوز ما يقوم به الناجحون في تخصصه، مما يجعلنا نزداد إيماناً بأهمية العمل والتركيز، كعامل أساسي في بناء الموهبة والوصول بها إلى قمة النجاح الاستثنائي،
لذا فإن طريق الموهبة الاستثنائية واضح المعالم، لكنه صعبٌ وشاق، ويحتاج قدراً هائلاً من الصبر والالتزام، لذا يندر وجود الاستثنائيين، ليس بسبب نقص المواهب، لكن بسبب الكسل، وعدم الرغبة بالاجتهاد والعمل، لذا إن أردت أن تكون أحد هؤلاء الاستثنائيين تذكر أن موهبتك هي مجرد الخطوة الأولى في طريقٍ ممتد، واجتهادك فقط هو من يحدد وصولك خط النهاية من عدمه.

عبدالرحمن السلطان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق