الثلاثاء، 2 يوليو، 2013

فنان يلهب المخيّلة ويصنع الوحوش!

قد تكون لم تسمع بفنان المؤثرات الخاصة "راي هاريهاوزن " Ray Harryhausen، الذي توفي مايو الماضي، ولكنك بالتأكيد قد شاهدت ولو مقطعاً من أحد كلاسيكيات أفلام الإثارة والتشويق الأميركية؛ التي ساهم "راي" في إنتاجها.

لقد عمل هذا الفنان المبدع لمدة تزيد عن 50 عاماً في صناعة الخدع السينمائية، وتصميم الوحوش والمخلوقات الغريبة، وتحريكها بطرق مبتكرة، كما لو كانت حقيقية، بل كما لو كانت محرّكة بالبرامج الحاسوبية المتقدمة، التي تستخدم حالياً، وقلصت كثيراً دور فناني المؤثرات الخاصة. لكن الأمر الذي جعل "راي" مميزاً وسط "هاليوود"، المتخمة بالفنانين والمبدعين؛ هو شغفه الكبير بعمله وفنه، والذي بدأ من نشأته في مدينة "لوس أنجلوس" قبل 92 عاماً، حينما لم يمنعه والداه من الاهتمام بفن العرائس رغم أنه صبي، بل تطور الأمر إلى الهوس بجمع دمى وشخصيات أفلامه المفضلة، ومحاولة رسم وصنع المخلوقات البشعة بالورق أو بأي شيء آخر، وكثيراً ما كان يستذكر دهشته وتأثره الكبير من فيلم "العالم المفقود" last world، حينما شاهده لأول مرة عام 1925 مع والديه، وخصوصاً مشهد صراع الديناصورات فوق جبل شاهق، تم دفع أحدها ليسقط ويلقى حتفه، ثم فيلم king kong عام 1933، الذي حضره بالمصادفة، حيث إن عمته كانت تعتني بوالدة السيد "جورمان"، الذي أعطاها ثلاث تذاكر للعرض السينمائي، فأخذته هو وأمه كذلك. هذا الفيلم لم يحفزه فقط، بل غيّر من اتجاه حياته تماماً، ذلك أنه ومنذ خروجه من صالة السينما أمطر أمه وعمته بالأسئلة عن الفيلم، والغوريلا العظيمة، وكيفية تحريكها، وتسلقها ناطحة السحاب "ذا أمبير ستيت" في "نيويورك"، لكنهما لم تستطيعا الإجابة إلا على نزرٍ قليلٍ من الأسئلة، ليعود إلى المنزل ويبدأ رحلة البحث والقراءة في المجال، حتى صادف وجود معرض مؤقت في متحف مقاطعة "لوس أنجلوس" عن التقنيات التي استخدمت في الفيلمين اللذين أثارا مخيلته، مما مكنه من تصور أوسع لكيفية عمل هذه التقنيات.


يقول "راي" في لقاء صحفي سابق: "إنه حينما بلغ الثالثة عشرة من عمره أدرك أن مستقبله سوف يكون بين هذه الوحوش"، التي يحب طلتها على الشاشة الكبيرة، وليحدد هدفه أن يصبح أهم فنان مؤثرات وحيل سينمائية في السينما الأميركية، وكان له ما يريد، بل إن هذا الهوس المتواصل خلال مرحلة الطفولة انتهى ببداية شغوفة عملية، ففي سن الثامنة عشرة قام بتصميم عدد من نماذج الديناصورات، استخدمها في فيلم قصير طموح أطلق عليه: "تطوّر العالم"، الذي صور بداية الحياة على الأرض، حتى نهاية عصر الديناصورات، وعمل على استخدام وسائل تقنية معروفة، واعتمد على تقنية دمج الصور المتتالية للشخصيات غير المتحركة، لكي تبدو متحركة في نهاية الأمر، ولكنه بعد الانتهاء من فيلمه ومشاهدته لفيلمRites of Spring من "ديزني"، وجد أن فيلمه كان يعاني الكثير من المشاكل والعيوب التقنية.
لكن هذه الكبوة لم تكن سوى دفعة إضافية لاستمرار شغفه بالمؤثرات الخاصة، حتى كان التحوّل المحوري حينما التقى "ويليس أوبريان"، وهو الذي أبدع مؤثرات الفيلمين اللذين تأثر بهما "راي" سابقاً، حيث عمل مساعداً له في فيلم Mighty Joe Young، وكانت فرصة كبيرة لممارسة تقنية التحريك بإيقاف حركة الكادرStop Motion Animation, وحيث اجتمعت خبرة الفنان وشغف الشباب أنتج المبدعان فيلماً رائعاً، نالا عليه جائزة "أوسكار" أفضل مؤثرات خاصة، ورغم أن الفيلم لم ينجح جماهيرياً، إلا أنه قفز بتقنية "التحريك بإيقاف الكادر" خطوات عديدة إلى الأمام، وبعد سنوات من العمل مع "أوبريان" سطع نجم "راي" بسرعة، إذ إنه ركز بشدة على تطوير التقنيات، وابتكار وسائل جديدة، وتوالت نجاحاته، كما في فيلم "الرحلة الذهبية للسندباد"، وفيلم "مليون سنة قبل الميلاد"، وفيلم "السندباد وعين النمر"، ليصبح أيقونة المؤاثرات الخاصة بلا منازع، وليطوّر أسلوبا تقنيا جديدا أطلق عليه: "الأبعاد " Dynamation، وهي الجمع البصري ما بين الحركة الحيّة والتحريك بإيقاف الكادر، حيث يقدم حركة حية في خلفية المشهد، بينما هناك نموذج آخر ثابت يتحرك ببطء في المنتصف، ثم حركة حية في مقدمة الكادر، مما ينتج تجسيم المشهد المتحرك ببطء بدرجة أكبر، وغالباً ما كانت هذه الطريقة تستخدم في عرض معارك وحركات الوحوش والمخلوقات الغريبة، مما جعل بعض النقاد يطلقون عليها "التأثير السندويشي"، لأنها زادت من واقعية المشهد، وأقوى بكثير من تحريك النماذج أمام خلفية حية مسطحة فقط.



حتى إنه، وعلى الرغم من أن فيلمه الأخير "صدام الجبابرة" صدر عام 1981، إلا أن روعته الفنية استمرت خلال السنوات الثلاثين التي أعقبته، بل لا تزال نسخة هذا الفيلم الكلاسكية أفضل وأكثر إثارة من النسخة الجديدة التي صدرت قبل ثلاث سنوات، واستخدمت التقنيات الحاسوبية الجديدة.
المثير في الأمر أن القاعدة الأساسية لجذب الجماهير لحضور الأفلام هي مدى شهرة أبطال العمل، من نجمات أو نجوم محبوبين، عليهم تركز الحملة التسويقية للفيلم، وفي بعض الحالات يكون اسم المخرج سبباً إضافياً لجذب بعض الفئات، لكن حالة واحدة شذّت عن هذه القاعدة؛ وهي أن يجذب اسم فنان المؤثرات الخاصة الجمهور بنفسه! وهذا ما حققه العبقري "راي هاريهاوزن" بجدارة، وكلمة السر دائماً: الشغف.. ثم الشغف

عبدالرحمن السلطان 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق