الأحد، 31 مارس، 2013

هل زرت "شقراء" مؤخرا؟

هل زرت "شقراء" مؤخرا؟

هنا كان الشاعر "مبيلش" يكتب قصائد قبل مئة عام، وهنا مجلس الرجال و"الوجار"، وهذا "بطن البيت"، كان المتحدث هو مضيفنا الصيدلي ثامر بن عبدالرحمن الصبيّ، الذي حوّل دعوته الكريمة لزيارة "شقراء" القديمة إلى مغامرة رائعة، وذكريات لا تنسى.

كانت البداية قبل ذلك بساعتين فقط، حينما التأم شمل المجموعة في موقعٍ محددٍ شمال "الرياض"، وانطلق الجميع باتجاه الهدف، صحيح أننا تأخرنا قليلاً بسبب كوب قهوة أميركية، أصرّ صديقنا "أيمن" على ضرورة أن يفتتح يومه بها! لكننا وصلنا وأذان صلاة الظهر يصدح في سماء "شقراء"، وليس هناك أروع من المدرسة النجدية في رفع الأذان.

وهكذا أصبحنا وسط مدينة "شقراء" وهي العاصمة الإدارية لإقليم الوشم "190 كلم شمال غرب العاصمة"، التي لا يكاد الشخص يقبل بسيارته، ويتجاوز الدوار الأول حتى يرى على يمينه سور البلدة القديمة شامخاً، بجدرانه الطينية الباسقة، لتجد في إحدى زواياه قصر الشيخ "عبدالرحمن بن عبدالله الفاضل"، الشهير بقصر "السبيعي"، المنشأ عام 1327، الذي استضاف الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- مرات عديدة، وكان مقراً ممثلاً لمالية الدولة في الإقليم. كانت خطوتنا الأولى هي زيارة منزل الشاعر النجدي "عبدالله بن محمد الصبيّ"، الشهير بـ"مبيلش" والمتوفى وحيداً دون عائلة عام 1370، لكن شعره الرقيق جمع ووصل إلينا، بل إن منزله الطيني، وبعد أن تولى ابن عمومته الشيخ "سليمان بن عبدالرحمن الصبي" أمر ترميمه بنفس مواد بنائه، ازدان بنماذج جميلة معلقة من شعره، بعد أن جمع من هنا وهناك.
 

بعد استراحة خاطفة، تخللها احتساء القهوة والشاي في مجلس شاعرنا "مبيلش"، وهي بالمناسبة عادة أغلب البيوت المرممة في البلدة القديمة، حيث الأبواب مفتوحة، ورائحة القهوة والتمر الفاخر تسبق ترحيب أهلها بضيوف مدينتهم. المهم.. بعد هذه الاستراحة انطلقنا نحو رحلة تاريخية مليئة بالقصص والأحداث، مروراً بجدران بلدة كانت حيّة برجالها ونسائها الكرام، حيث كانت البداية من مسجد الحسيني، بمئذنته الفريدة وآباره، الذي يتجاوز تاريخ بنائه 350 عاماً، حيث رمم بشكل فني متقن، وخصوصاً "الخلوة" السفلية، التي كانت تجمع جماعة المسجد خلال أيام البرد، كما هي الحال في أغلب مساجد "نجد"، ثم المنحاة والسوابيط، ومجلس "البواريد"، والسكك المؤدية إلى بيت المطوعة "إدريسة"، تلكم المرأة التي كانت تعلم القرآن للفتيان والفتيات، وقصر "حشر البواردي" الذي كان أميراً لشقراء، ثم المرور بعد ذلك على الحويطات المرممة، ومنها حائط "لولوة" وحويط "الجماعة"، ومدرسة "السليمي" التي كانت خارج السور، وكان لها الفضل في تخريج عددٍ كبيرٍ من أبناء شقراء وما حولها، ثم الجولة الخارجية على السور من الجهة الشمالية الغربية، ثم الدخول إلى منزلي عائلتي "الجميح" و"العيسى"، كما أننا لم نغفل زيارة باب "العقدة" و"المقاصير" و"حوش الخيل"، وكذلك حجرة "السكور"، وهي غرفة تحكم توزيع المياه التي كانت تسقي سكان "شقراء" تلكم الأيام.
 
 
 
 

بعد هذه الجولة المثقلة بالتاريخ، التي تخللتها وجبة غداء تقليدية "ثقيلة"، تكونت من "الجريش" و"المرقوق"، وطبق "المخامير"؛ وهي الوجبة التي تتميز بها "شقراء" دون بلدات "نجد"؛ انطلقنا بجولة مكوكيةعلى معالم المدينة، وكانت خطوتنا الأولى سوق "حليوة" الشعبي، الذي جدد مؤخراً، حيث قضينا وقتاً ممتعاً بتجاذب أطراف الحديث "المثير" مع عددٍ من كبار السن من الباعة والحرفيين، الذين تميّز حديثهم بالقفشات اللطيفة والقصص التاريخية، منها قولهم أن تسمية "شقراء" كان نسبة إلى "الجبل الأشقر" بالقرب منها، وأضاف بعضهم سبباً آخراً يعود إلى غلبة اللون الأشقر على تربة أرضها، نظراً لأنها تربة طينية امتزجت بالرمال، ثم تواصلت جولتنا على بقية منشآت المدينة، وخصوصاً المشاريع الجديدة، لجامعة شقراء والكلية التقنية، وحديقة البحيرات! وغيرها.
 
 


غير أن مضيفنا كان يخبئ لنا الأروع لآخر الرحلة، فما إن عدنا إلى منزل "مبيلش"، وتناولنا قهوة ما بين "عشاوين"، حتى اتجهنا نحو نفود "المسمى" بالقرب من "شقراء"، وهي منطقة رمال ذهبية رائعة، وقد كانت للتو ارتوت من مطرٍ خفيفٍ هطل قبل ليلة واحدة، مما جعل الجلوس فوق تلكم الحبيبات أمراً لا تمكن مقاومته، وقد كانت سهرة ممتعة، وقد تحلّق الرفاق حول قطعٍ توهجت من حطب "السمر"، واكتملت الليلة بأن كان القمر بدراً، مما جعلنا نطيل السهر والسمر

لقد نجح أهالي "شقراء" في إعادة الحياة إلى قلب مدينتهم، وأضحت تجربة سياحية رائدة على مستوى المملكة، دون إغفال الجهود التي تمت في بلدة "أوشيقر" المجاورة، التي تميزت تجربتهم بإضافة متحف مفتوح، ومطعم شعبي، لا يقدم سوى الأكلات الشعبية "النجدية"، بالإضافة إلى متاجر صغيرة تخصصت في عبق الماضي من مأكولات ومشروبات وملابس وتذكارات، تجعل زيارة مثل هذه الأماكن تجربة تتمنى ألا تنهتي، فكم رأينا في جولتنا من عوائل تتجول بكل حرية، والأب والأم يقدمان ذكراتهما عن حياة الأجداد، وعن شظف العيش آنذاك، وذلك هو جوهر السياحة الريفية، حينما يستمتع الزوار على مختلف أعمارهم، ويستفيد معظم السكان المحليين من تلكم الزيارة.

إن حواضر "نجد" الأخرى مثل "ثادق"، و"القرينة"، و"حريملاء"، و"سدود" وغيرها ليست مليئة فقط بالآثار، بل متخمة بالشواهد التي يجب أن تعود إلى بريقها السابق، ففيها من عبق التاريخ الكثير، وفيها من القصص والأحداث ما يستحق أن يروى للأجيال الشابة، إنه نداء لهيئة السياحة والآثار بألا يقتصر عملها فقط على طباعة المطويات الدعائية، وتنسيق الرحلات الإعلامية، ثم إضافة شعارها بعد أن يقوم الأهالي بكل شيء، فالهيئة بإمكانياتها الضخمة أقدر على القيام بالمزيد، ولتكن البداية فقط بدعم المشاريع السياحية الصغيرة لشباب المنطقة، مثل "الإرشاد السياحي" و"خدمات الضيافة" وغيرها، هنا نستطيع أن نقول إن الهيئة بدأت بالخطوة الأولى الصحيحة نحو سياحة سعودية مستدامة.

عبدالرحمن السلطان

نشر أصل هذه التدوينة في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 31 مارس 2013م

الأربعاء، 27 مارس، 2013

"ريادة الأعمال".. قبل أن تتهور!

"ريادة الأعمال".. قبل أن تتهور!

شاع في السنوات القليلة الماضية مصطلح "ريادة الأعمال"، وهي المشاريع المبتكرة التي تعتمد على وجود "رائد الأعمال"، وهو ذلك الشخص الذي لديه الشغف والرغبة والإدارة لتحويل فكرة جديدة أو اختراع جديد إلى مشروع تجاري ناجح.

وعلى الرغم من أن الفكرة قديمة اقتصاديا، إلا أنها تبدو وكأنها جديدة على المشهد السعودي، إذ لا تزال تحظى بزخم إعلامي متضخم، ترافق ذلك مع ظهور متواصل لنجوم مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يروجون لريادة الأعمال، ويدفعون الشباب نحو خوض غمارها، واتخاذ القرار الحاسم بالتحوّل من موظف إلى رب عمل!.
ولكن وللأسف ورغم بريق "ريادة الأعمال"، وروعة الحديث عنها، إلا أن ذلك لم يترافق مع تطور إجراءات تراخيص المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، واستمرار غياب الدعم التمويلي والاستشاري لتلكم المشاريع، مما يجعل "رائد الأعمال" يصاب بخيبة أمل مبكرة حينما يستقيل من عمله، ويكتشف أن واقع سوق العمل ليس بالسهولة التي كان الجميع يتحدث عنها، وأن العروض التقديمية ومحاضرات الترويج لا تعدو أن تكون مجرد تحفيز للعمل واتخاذ قرار المبادرة.



والأسوأ من ذلك أن يكتشف أن معظم الجهات الحكومية والمؤسسات غير الربحية التي من المفترض أن تدعم "رواد الأعمال"، مثل "صندوق المئوية" و"معهد ريارة الأعمال الوطني" و"صندوق دعم الموارد البشرية"، هي مجرد وعود إعلامية مبهجة، لكنها كلها متخمة بشروط صعبة، وإجراءات معقدة.
خلاصة الحديث: قبل أن تتهور وتصبح "رائد أعمال"، تأكد من كل شيء، ولا تصدق الوعود الصحفية، والأهم أن تكون مستعدا للكثير من غير المتوقع وغير السعيد أيضا.


عبدالرحمن السلطان


الاثنين، 25 مارس، 2013

"إكسبو 2025" في جدة

"إكسبو 2025" في جدة

قبل ثلاثة عقود شاركت المملكة لأول مرة في معرض "إكسبو Expo الدولي" وهو الملتقى العالمي الضخم الذي يعرف نفسه بأنه: "المعرض العظيم لمنتجات صناعة العالم" بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الدولية، والتبادل الثقافي، وتسليط الضوء على المكتشفات التقنية.

هذا المعرض الضخم والفريد من نوعه، والذي بدأ خجولا في "لندن" عام 1851، تحول إلى تجمع دولي لعرض منتجات وثقافات الدول، ومناقشة المستجدات الدولية في الاقتصاد والبيئة والثقافة وغيرها، كما أنه أضحى محفزا للتجارة الدولية، دون إغفال أثره الاقتصادي والثفافي والاجتماعي الكبير على المدينة المضيفة، خصوصا التركات القيمة من مبان ومعارض وصفقات اقتصادية، حيث من المثير أن نعلم أن كثيرا من معالم العالم الشهيرة أنشئت بسبب هذا المعرض، مثل برج "إيفل"، والذي بني خلال دورة المعرض في باريس عام 1889، أو حديقة الشاي اليابانية في "سان فرانسيسكو" عام 1894، وكذلك برج اتصالات مدينة "سياتل" عام 1962، والقائمة طويلة.



حاليا لا يتجاوز حضور المملكة سوى المشاركة في المعرض، التي تتأرجح بين مشاركة رائعة كما حدث في "شنغهاي" الصينية عام 2010، أو مشاركة خجولة كما في "ناغويا" اليابانية 2007، بينما تصارع حاليا شقيقتنا "دبي" خمس مدن بالعالم على استضافة دورة العام 2020، ألا تستحق "جدة" أن تنضم إلى قائمة مدن العالم التي حظيت بشرف استضافة هذه التظاهرة العالمية، وبالذات الدورة بعد القادمة من المعرض عام 2025، وهي المدينة السعودية الأجمل، بموقعها الجغرافي المميز، وتنوعها الثقافي والاجتماعي..؟


أعتقد أنها تستحق ذلك وبجدارة، والكرة الآن بملعب غرفتها التجارية والصناعية ومجمل رجال وسيدات جدة


عبدالرحمن السلطان

السبت، 23 مارس، 2013

"كلمة سر" إنجاز الأهداف

"كلمة سر" إنجاز الأهداف


الأفكار كثيرة والآمال أكثر، وهو ما يقود الكثيرين –خصوصاً من الشباب- للوقوع في مأزق التشتت، وعدم التركيز على إنجاز ما يفترض إنجازه أولاً، ليفاجأ في نهاية اليوم أنه لم ينته من أي شيء يذكر! كما هي الحال مع من يشارك في كل شيء، فتارة تراه في عملٍ خيري، وتارة أخرى في نشاط تطوعي، ثم تجده "رجل أعمال" بعد صلاة المغرب، ومحاضراً قبل نهاية اليوم! وهلم جرا. ويزيد الأمر سوءا دخول الهواتف الذكية على الخط مؤخراً، وهي التي تجعل "التركيز" أمراً شبه مستحيل! وللأسف هذا التشتت تجاوز الأفراد ليصل إلى مجمل الجهات الحكومية، والتي تعمل في عدة مشاريع ضخمة ومتشعبة، وعلى عدة محاور في آن واحد، والنتيجة مشتركة بين الجميع؛ وهي "لا شيء"!
ولعل النظرية الكلاسيكية الشهيرة: "80-20" هي الخطوة الأولى في طريق تركيز أعمالنا، وهي التي طرحها المفكر الإيطالي "باريتو"، حينما قال إن تركيزك على 20% الأهم من أهدافك؛ سوف يجعل تحقق 80% مما تصبو إليه! وغني عن القول إنه هذه القاعدة قابلة للتطبيق على مختلف مسارات حياتنا الشخصية، والعائلية والمهنية.

كما أن الناجحين يتفقون على أن كلمة السر في النجاح وإنجاز الأعمال هي: التركيز على الأهم ثم المهم، ومحاولة البعد عن المشتتات والأهم البعد عن إغراء الأهداف السهلة والممتعة، التي تعطي الشخص انطباعاً كاذباً أنه منجزٌ ومحقق للأهداف، بينما حقيقة الأمر أنه أبعد ما يكون عن ذلك.
وتذكر دوما قوله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).
عبدالرحمن السلطان


الجمعة، 22 مارس، 2013

سلبي ..ثم ماذا؟

سلبي".. ثم ماذا؟

من الطبيعي أن تتضايق عندما ترى مشروعا وطنيا متعثرا، ومن المتوقع أن تتساءل بحرقة عن تأخر تنفيذ بعض المشاريع والبرامج، بل إن ذلك يقع ضمن دائرة واجبات المواطنة الحقة، وضمن مسؤوليات كل فرد تجاه مجتمعه، لكنه من غير الطبيعي أن يتمحور حديث الإنسان كله تجاه تلكم السلبيات وفقط، ويتجاوز مجمل الإيجابيات المتناثرة هنا وهناك.
الإشكالية الكبرى هي حينما تسيطر هذه الأفكار السلبية على تفكير الفرد، وتمسي النافذة التي يطلّ منها تجاه كل شيء، فالرؤية السلبية لديه مقدمة دائما، دون أن يدرك أن تفاوت الإنجاز، بل غيابه في بعض المشاريع سنة كونية، وشيء متوقع، صحيح أنه لا بد من المساءلة وعقاب المسؤولين عن ذلك، ولكن دون أن يؤثر هذا على نظرتنا نحن للحياة.

وللأسف تصل هذه النظرة السلبية ذروتها عند الحديث والتخطيط للمشاريع الجديدة، فيصبح البعض حجر عثرة أمام تخطيطها قبل التنفيذ، بحجة أنها لن تقوم ولن ينجز منها شيء، عطفا على المشاريع الأخرى المماثلة التي تعثرت أو توقفت! لذا يجب أن تكون نظرتنا تجاه المشاريع الوطنية المتعددة نظرة متوازنة، وأن نستمر في نقد ما نراه تقصيرا من مسؤوليها، دون أن نصل إلى مرحلة النظرة السلبية، وهي المرحلة التي يتمنى البعض وصولنا إليها، حينها تصبح الساحة خالية لهم، ليمارسوا هوايتهم المفضلة في التعطيل والانتفاع من المال العام، ثم تزداد نظرتنا السلبية أكثر وأكثر، لتصل تلكم الممارسة في نهاية الأمر إلى حياتنا الشخصية، وتؤثر على علاقتنا دائرة الأسرة وضمن محيط الأصدقاء وزملاء العمل.
خلاصة الحديث؛ دع عنك السلبية، ودع الأفعال الإيجابية تتحدث عن نفسها.

الخميس، 21 مارس، 2013

"توحّديون" عباقرة.. ولكن

"توحّديون" عباقرة.. ولكن


التوحّد هو حالة مرضية تعوق استيعاب ومعالجة المعلومات، وتؤدي إلى حدوث عقبات اتصالية عند المصاب، بالإضافة إلى اضطرابات مختلفة الشدة في مهارات التعلّم السلوكي والاجتماعي، ويظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل وقد يستمر مدى الحياة، غير أنه يعتبر من أكثر الأمراض التي بدأت نسبتها تتصاعد في المجتمع، ولكن وعلى الرغم من التأثير العقلي المتفاوت للتوحّد، وأثره على القدرة التواصلية للإنسان، إلا أنه يوفر للمصاب فرصاً غير طبيعة للإبداع، وتجاوز المألوف.
فها هو التوحّدي "ستيفن ويلتشر" الذي ما أن حلق بالمروحية فوق مدينة لندن لمدة 15 دقيقة فقط، حتى استطاع أن يرسم التفاصيل الدقيقة جداً للمناظر التي رآها، وعلى امتداد سبعة أميال مربعة! بينما تعد التوحّدية "تامبل جراندين" الأكثر تأثيراً على صناعة الماشية الأميركية، والتي تقدر بثمانين مليار دولار، حينما أحدثت ثورة في تصميم حظائر الماشية، وصنفتها مجلة "التايم" كواحدة من أهم الشخصيات تأثيراً على العالم. أما في المملكة فلقد أبهر الجميع الطفل التوحّدي "صالح" الذي ظهر فضائياً، واستطاع منافسة الحاسب الآلي على تحديد أي تاريخ خلال ثوان خاطفة! وعلى إجراء عمليات حسابية بسرعة فائقة.




المأساة أن ذوي أي طفلٍ توحّدي سعودي لا يجدون أي مكانٍ يستقبل فلذة كبدهم، ويعاملون وكأنه مصاب بتخلفٍ عقلي، وهذا أمر غير صحيح من الناحية الطبية، وغير أخلاقي أيضاً، مما يضطرهم للسفر بأبنائهم للدول المجاورة، فقط لمحاولة إيجاد مركز رعاية مناسب، والعمل على تطوير مهاراتهم السلوكية والاجتماعية، بينما المسؤولية تقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية في إنشاء دورٍ متخصصة، تستقبل هؤلاء وتحوّلهم ليس فقط إلى عنصر بناء، بل إلى مشروع عبقرية قادمة.

عبدالرحمن سلطان السلطان



نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 21 مارس 2013م

الثلاثاء، 19 مارس، 2013

أول "مليارديرة" عصامية

أول "مليارديرة" عصامية


كل النساء اللاتي يملكن مليار دولار وأكثر ورثّنها عن آبائهن أو أزواجهن؛ إلا امرأة عصامية واحدة، استطاعت بعرق جبينها وإيمانها المتواصل بموهبتها؛ أن تكون أول "مليارديرة" عصامية على وجه المعمورة.
لكن دعونا نعد إلى المليار الأول، إلى الوراء قليلاً، فقط إلى عام 1990، حينما كانت "جوان رولينج Joanne K. Rowling" في الخامسة والعشرين من عمرها، وكانت قابعة على كرسيٌ متهالك ضمن مقطورة الدرجة السياحية، في رحلة قطار رتيبة ومزدحمة، ما بين "مانشستر" إلى "لندن"، لكن تلك الأجواء المملة ما تلبث تجعلها تحلّق بعيداً نحو الخيال والإبداع، حتى تلهم بفكرة رواية مثيرة عن ساحر صغير يدعى "هاري بوتر". تقول "رولينج": "حطت الفكرة فجأة في رأسي!" وتضيف:" كنت أكتب تقريباً منذ كان عمري ست سنوات، ولكنني لم أتحمس لفكرة قط مثلما تحمست لهذا الإلهام، وخلال أربع ساعات -وقد تأخر القطار في وصوله- تفجرت في ذهني كافة التفاصيل، جسد هزيل، أسود الشعر، يرتدي نظارة طبية، فتى طيب لم يكن يعلم أنه ساحر! لكنه يدرس في مدرسة للسحر، يجبر نحو مصارعة الأشرار، للحفاظ على إرث والديه، وللدفاع عن البشرية كذلك.



خلال السنوات التالية وقد بدأت "رولينج" بالكتابة، مرت بأسوأ حالاتها النفسية والمعيشية، وعملت سكرتيرة خارج بلادها، وجليسة أطفال، وعاشت رحلةٍ زواجٍ فاشلة، ثم فجعت بوفاة أمها، لتضطر للعيش عالة على أختها في "أدنبرة"، كما أنه وعلى الرغم من حصول "رولينج" على شهادة جامعية في الأدب الكلاسيكي؛ إلا أن تخصصها الأدبي هذا لم يشفع لها عند أي من الناشرين الكُثر الذين جالت عليهم، حتى عام 1997 حين تشجعت دار نشر "Bloomsbury" لطباعة الكتاب، لكنها رفضت أن يكتب اسم المؤلفة كما هو، معللة ذلك بأن جمهور القراء لا يحبذون شراء كتاب أطفال كتبته امرأة!، مما جعلها تستخدم J.K كاختصارٍ لاسمها في الطبعات الأولى من الرواية، لكن المثير في الأمر أن الجزء الأول من الرواية وكان عنوانه: "هاري بوتر وحجر الفيلسوف" حقق اكتساحاً لا يصدق، وتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً خلال أسابيع قليلة، وبدأت تظهر مراجعات نقدية وتقارير صحفية إيجابية تتكلم عن هذه الرواية الظاهرة، وكيف أن الجميع أصبح يوصي أصدقاءه بشراء تلك الرواية التي تجعل الأطفال والمراهقين متعلقين بها حتى إنهائها كاملة، على الرغم من صفحاتها الطويلة وقصصها المتداخلة!
تعتمد حبكة القصة الأساسية على الفتى "هارتي بوتر" وأصدقائه الذين يدرسون في مدرسة "هوجورتس" للسحر والشعوذة، وجولات الكر والفر للشاب اللطيف "بوتر"، وصراعه المتواصل مع ساحر قوى الظلام "اللورد فولدمورت"، الذي يعمل لأن يصبح خالداً، وقاهراً لقوى عالم السحرة، بهدف أن يتحكم بالبشر، بعد أن يقوم بتدمير كل من يقف في طريقه، وخصوصاً بطلنا "هاري بوتر"، الذي أضحى الآن أشهر بطل رواية شبابية في العالم، باعت أكثر من 450 مليون نسخة حتى الآن، وترجمت إلى 67 لغة حية!



وهكذا كرّرت سلسلة نجاح لا تتوقف، وتحولت إلى ظاهرة كونية متصاعدة، لتبدع الكاتبة سبعة أجزاء متتالية من السلسلة، وثمانية أفلام سينمائية، وهكذا تكونت بالتدريج إمبراطورية "هاري بوتر" الضخمة، من سلسلة روايات، وكتب مصوّرة، وأفلام، وألعاب فيديو، وبضائع تذكارية، وحتى مدينة ألعاب كبرى في "أورلاندو" الأميركية، بالإضافة إلى موقع إلكتروتي مبتكر: www.pottermore.com، أشرفت على تنفيذه هذه المبدعة الشغوفة، من خلاله يختبر المتصفح تجربة قراءة تفاعلية للرواية، يستطيع أن يضيف ويعدل على القصة ما يشاء، وقت ما يشاء، مما يجعلها تجربة فريدة من نوعها، وتجعل القارئ في موقع المتحكم بالقصة، وليس متفرجاً فقط، كما أنه يوفر تجمعاً لمهوسي القصة، وفرصة لتبادل الخبرات والقصص بين المهتمين، كل هذا وصل بالعلامة التجارية لهاري بوتر إلى أن تقدر حالياً بخمسة عشر مليار دولار أميركي!


بعد أن أنهت "رولينج" قصة "هاري بوتر" عن سبق إصرار وترصّد، رغم أنف ملايين المعجبين والمعجبات حول العالم؛ انطلقت على الفور إلى مغامرة جديدة، ولكنها اقتنصت إلهامها الجديد في الطائرة هذه المرة، وليس في مقطورة قطار متهالك كما "هاري بوتر"، حيث وبعد خمس سنوات من الكتابة أصدرت رواية "The Casual Vacancy" أو"المقعد الشاغر"، وهي أولى رواياتها للبالغين، تلك الرواية التي تتناول بلدة "باغفور دPagford " التخيلية، حيث يتوفى فجأة عضو مجلسها البلدي، ويشغر مقعده بالمجلس، ثم يبدأ صراع دموي ومثير للفوز بانتخابات هذا المقعد الشاغر، خصوصًا في بلدة كانت مقصداً للسياح ومثالاً للنظافة والتقدم، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى منطقة متخلفة ومليئة بالمجرمين ومتعاطي المخدرات. يشير عدد من النقاد إلى أن الكاتبة هذه المرة استوحت فقرها المدقع، وإصابتها بالسلوك القهري لتضمنها وسط شخصيات روايتها الجديدة، بل إنها تصف بدقة قصص السكان البائسين، الذين أغلقت أبواب الدنيا في وجوههم، مما حدا بهم إلى الغرق في طوفان المخدرات والعنف، ولكن حتى الآن لم تحقق هذه الرواية الجديدة النجاح المتوقع، خصوصاً عندما تقارن مع النجاحات الأسطورية لسلسلة "هاري بوتر".


كثيرون تحدثوا عن قصة نجاح "رولينج"، وعن إبداعها المتقن في وصف أجواء عوالم قصصها، فضلاً عن تربيتها لجمهور وفيّ من القراء، كانوا يكبرون في العمر، وتكبر معهم قصة "هاري بوتر" بالتالي، لكن الجميع أجمع على أن حجر زاوية نجاحها؛ هو إيمانها التام بموهبتها، وأنها كانت متأكدة من أن إنتاجها الأدبي يستحق أن يصل إلى الجمهور، وما قصة إصرارها لمدة سبع سنوات متواصلة على النشر، بعد أن رفضت من ناشرين عدة إلا دليل على أن الإصرار هو معدنها الأساس، وأن إصرارها الحالي على الانتقال إلى مرحلة جديدة بعد "هاري بوتر" يؤكد أن النجاح سوف يكون حليفها مرة أخرى.
عبدالرحمن سلطان السلطان



 نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريه 19 مارس 2013م
 
 

الخميس، 14 مارس، 2013

قافية "ابن إدريس" والمشكلة الوحيدة..

قافية "ابن إدريس" والمشكلة الوحيدة..


حسناً فعل هذا الرائد السابق لعصره، الشاعر والأديب "النجدي" عبدالله بن إدريس، الذي كان أول من التفت وسلط الضوء على الحالة الأدبية في "نجد"، حينما أصدر كتابه الشهير "شعراء نجد المعاصرون"، في زمن كانت الطباعة غير متوفرة في المنطقة الوسطى، لكنه وبإرادة قلم توجد؛ سافر إلى "مصر" ودفع الكثير من ماله وقوت عياله؛ لكي يطبع هذا السفر الفريد، بل وليقوم بجولة على كبار الأدباء العرب، ويهديهم نسخاً من الكتاب، وهدفه الوحيد هو التعريف بأدب "نجد"، وقد كان القوم لا يحفلون بمنتجها الأدبي، ولا يعرفون عنه قيد أنملة.


لكن ريادة هذا الرجل استمرت عقوداً طويلة دون إغفال رئاسته للنادي الأدبي بالعاصمة؛ حتى أتحفنا مؤخراً بإصداره مذكراته الشخصية، تحت عنوان "قافية الحياة"، وهي وإن كانت قصص كفاحٍ شخصية؛ إلا أنها متقاطعة بشدة مع تاريخنا الأدبي وتطور مسيرة الصحافة والثقافة في المملكة، وهنا بيت القصيد؛ حيث لا نزال نعاني بشدة من نقص التوثيق والكتابة في هذا المجال، ولعلها صيحة محبٍ نحو أدبائنا الكبار ليوثقوا تجربتهم بأنفسهم قبل أن يوثقها غيرهم.

الكتاب ثريٌ ورائعٌ أيها السادة، ويمكنكم التهامه خلال ساعات قصيرة، غير أنه ورغم لغة التاريخ المهيمنة عليه، إلا أن رومانسية الكاتب تجعلك تتوقف مرة هنا ومرة هناك، وأكاد أجزم أنك سوف تتوقف كثيراً أمام قصيدته الرقيقة لزوجته حينما ألم بهما المرض سوياً وخاف أن يفترقا، ويذهب أحدهما قبل الآخر.
لكن المشكلة الوحيدة في الكتاب أنني حتى الآن لا أزال أنتظر نسخةً موقعةً من رائدنا الذي نفخر به جميعاً، كما وعدني أستاذي وزميلي بالصحيفة "إدريس"، وإن غداً – يا إدريس- لناظره قريب..
 
عبدالرحمن السلطان
 
نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, 14 مارس 2013م


السبت، 9 مارس، 2013

حديقة "نيويورك" المعلقة

حديقة "نيويورك" المعلقة

 
كم هي رائعة هذه المدينة؛ الحاضنة لكل صنوف التجريب والابتكار، نعم إنني أتحدث عن "التفاحة الكبيرة"، أو "نيويورك" كما يعرفها الجميع، لكن دعوني أحدثكم عن قصة نجاحٍ غير عادية لأفراد عاديين من أبناء هذه المدينة، هذه القصة التي أظهرت إلى الوجود متنفساً مبتكراً ما أزال أستمتع بزيارته مع أصدقائي "النيويوركيين" كلما سنحت الفرصة، وما زلت أتذكر دهشتي قبل سنوات حينما رأيت حديقةً معلقةً وسط المدينة!، ليس هذا وحسب؛ بل كانت متنزها طويلاً يقع بالتحديد فوق سكة حديد قديمة، تخترق شوارع الجزء الغربي الأدنى من شبه جزيرة "منهاتن"!
حتى وقت قريب كان خط السكة العلوي هذا يستخدم في نقل اللحوم والبضائع، متجاوزاً 22 شارعاً عاماً، بل ومخترقاً عدداً من البنايات الضخمة والممتلكات العامة، منها فندق شهير! حتى قررت البلدية أنه حان الوقت لإزالة هذه السكة المعلقة، نظراً لعدم استخدامها، الأمر الذي حفّز شابين من أبناء "نيويورك" للعمل على الاستفادة من هذه الفرصة، بما يعود بالنفع البيئي والثقافي على مدينتهم، وعلى الفور بدأت بالتشكل إحدى أروع قصص نجاح أفراد المجتمع المدني، وأطولها نفساً.




بعد أن سمع "جشوا ديفيد" و"روبرت هامدون" بنيّة أصحاب الأراضي والأبنية التي يخترقها خط High line هدم السكة القديمة، قاما على الفور بتأسيس تجمع أصدقاء غير ربحي للمحافظة على إرث خط سكة الحديد الذي يخترق حيّهم السكني، قامت هذه المجموعة بالدفاع عن حق المدينة بالإبقاء على هياكل هذا الخط، بل وتحويله إلى متنفس أخضر للسكان، واستوحت فكرة جنونية من مشروع مماثل في مدينة "باريس"، وهو ممشى "Promenade plantee" ، الذي بني على أنقاض سكة حديد "Vincennes" ، وما إن بدأت هذه المجموعة بالعمل الإعلامي وحشد الرأي العام، حتى دُعمت هذه الأفكار من قبل وجهاء "نيويورك"، ومجتمع صناعة المسرح والفنون في "برودوي"، وخلال خمس سنوات فقط أعلنت بلدية "نيويروك" التزامها بتمويل خمسين مليون دولار لتأسيس الحديقة المقترحة، ثم توالت التبرعات من جهات وشخصيات معروفة، ثم في منتصف السنة السادسة أعلن "المجلس الفيدرالي للنقل الأرضي" عن حذف مسارات هذه السكة من شبكة قطارات المدينة، والسماح للبلدية بالعمل على السكة، وتغييرها إلى متنزه عام، أما في أبريل 2006، وهي السنة السابعة منذ بداية الفكرة؛ فلقد أعلن عمدة "نيويورك" عن تدشين أعمال إنشاءات المتنزه. يبلغ طول المتنزه حالياً حوالي ميل واحد (1.6 كليو متر مربع) على السكة القديمة للجانب الغربي الأدنى من شبكة قطارات "نيويورك"، حيث ينطلق المتنزه من محطة "Gansevoort" بالقرب من غرب الشارع الثالث عشر، في منطقة كان يطلق عليها سابقاً "منطقة تعبئة اللحوم Meatpacking District" إلى أن يصل إلى الشارع الثلاثين، مخترقاً حي "شيلسي" إلى المنطقة الغربية من "منهاتن"، وحتى الآن افتتحت مرحلتان من المشروع، الأولى عام 2009، والثانية 2011، ويعمل حالياً على الانتهاء من الجزء الثالث والأخير من المشروع، ليغطي المتنزه خط السكة بكاملها، ويصبح مجموع طوله الكلي 2.33 كيلو متر مربع. شارك كثير من المعماريين في التخطيط والتصميم، ليخرج في النهاية متنزه ذو نمطٍ جديد، متماهيا مع أبنية المدينة ومناظرها الطبيعية في آن واحد، خصوصاً مع إعادة زراعة أكثر من مئة نوع من النباتات الطبيعة البرية، التي كانت نمت على السكة بعد توقف حركة القطارات عن العمل، فضلاًَ عن أن الرؤية المعمارية لممشى المتنزه اعتمدت على إبطاء الحركة، بهدف تعزيز الشعور بالهدوء، وقضاء وقت أطول بين السلالم الطويلة، والممرات المتعرجة، أما الأروع فهي الزوايا الخفيّة، التي تشجع رواد الحديقة على قضاء وقت أطول، وهي مطعّمة بمناطق جلوس فسيحة، بحيث يستطيع المتنزّه مشاهدة "نيويورك" من زوايا مختلفة، كما لو كانت شاشة "سينما" بيضاء. يقول المهندس المعماري" ريكاردو سكوفيديو" والذي شارك في تصميم الحديقة: "إنه من المثير أن نرى إمكانية أن يمشى الناس حوالي 22 مربعاً سكنياً من خلال الحديقة، بينما قد لا يستطيعون أو لا يرغبون بمشي أكثر من ثلاثين قدماً في الشارع الحقيقي"!




الآثار الإيجابية لهذه الفكرة تجاوزت البعد البيئي إلى البعد الاقتصادي، فلقد تنشطت الحركة العقارية في الأحياء السكنية المجاورة، وأنجز أكثر من ثلاثين مشروعاً عقارياً خلال الفترة الماضية، أما من الناحية السياحية فلقد أسهمت غرابة فكرة المتنزه في جذب جموع السياح إليه، وتحويله إلى عنصر جذب سياحي إضافي للمدينة، ناهيك عن ظهوره مؤخراً في مشاهد كثير من المسلسلات التلفزيونية، مثل مسلسل كارتون الكبار: "سيمسون" وغيره.
حالياً يوجد لهذه الحديقة المعلقة والمتلوية في آن واحد جمعية مسجلة من المتطوعين، ولها شعار وفعاليات ثقافية واجتماعية، كما يحتوي موقعها الإلكتروني على معلومات وصور نادرة عن تاريخ الخط، وعن فكرة المشروع وتطوره التاريخي، فضلاً عن قيامها برعاية المتنزه، وتنظيم فعالياته المختلفة.
قبل أسابيع كنت في "نيويورك" ورأيت إعلانات متفرقة للجمعية تدعو المتطوعين من أبناء المدينة للعمل معا لإزالة أكوام الثلج بعد أن يتوقف، استعداداً للموسم الأروع في الحديقة؛ وهو فصل الربيع.
لكن بعد إنجاز هذا السبق المتفرّد، ماذا بقي في جعبة "نيويورك" من أفكار ابتكارية ملهمة؟ نعم بقي كثير.. فهاهما شابان "نيويوركيان" آخران، هما "جيمس رامزي" و"دان باريش" يعملان على الترويج لتحويل إحدى المطارات المهجورة لقطار الأنفاق “Underground” في الجزء الشرقي من "منهاتن" إلى حديقة عامة، ولكن هذا المرة تحت الأرض! لتكون متنفساً إضافياً للمدينة، خصوصاً خلال فصل الشتاء وتساقط الثلوج.. صحيح أن الفكرة رائعة وغير مسبوقة، لكن قاسمها المشترك مع قصتنا الأولى هو أن كلتا المبادرتين ظهرت نتيجة تحرك وإصرارٍ إيجابي من أفراد المجتمع، لذا سوف تتحول إلى واقع ملموس في نهاية المطاف، ينعكس إيجابياً على الفرد قبل مجتمعه.
 
عبدالرحمن السلطان

 


الخميس، 7 مارس، 2013

موسم "بيبلومانيا" السعوديين


أليس من الرائع أن نصاب بمرضٍ ما؟ على الأقل نصاب بلوثته لمدة قصيرة، وذلك لنغتنم فرصة لا تكرر إلا مرة واحدة في السنة! ما أتحدث عنه هو الحالة الطبية التي يطلق عليها "بيبلومانيا bibliomania" أو بالتعريف العلمي الدقيق: "هوس حيازة أو ملكية الكتب"! وهذا ما نراه –الآن- على محيا عددٍ لا بأس به من رواد معرض الرياض الدولي للكتاب.






طبعاً هذه الحالة تقود صاحبها فقط إلى شراء وشراء المزيد من الكتب، دون أن يقرأها، أو حتى يتصفح فصولها، لذا تجد هؤلاء يزاحمون المهتمين في أروقة معارض الكتاب، ويشتري من هنا وهناك، ليخرج بعد ساعات قليلة بحملٍ ثقيل دون محتوى نفيس، يتحول "الكتاب" إلى "ديكورٍ" منزلي خلال دقائق معدودة، حين يعود صاحبنا "البيبلومانيّ" إلى منزله، فرحاً ومنتصراً، بعد أن اصطاد طرائده وأشبع إدمانه، دون أن يعلم أنه أنجز الجزء البسيط في العملية وهو الشراء, وبقي الجزء الأهم وهو القراءة!


صديقي.. الخط رفيع بين حب القراءة والاطلاع، وبالتالي جمع الكتب النافعة، وبين هوس هذه الحالة الطبية. وكي لا تقع فريسةً لشهوة الشراء دون الاطلاع؛ تذّكر قبل أن تزور المعرض أن تقوم بمراجعة عناوين مكتبتك الشخصية, كي لا تقع في فخ التكرار، وأن تبحث عن الكتاب الذي يهمك ويفيدك، أو ما يلهمك أو يُسليك، وليس الكتاب المثير، الذي يدّعي صاحب دار نشره أنه "ممنوع"! وأنك لن تجده إلا خلال أيام المعرض فقط, فكم من كتابٍ من هذا النوع؛ تكتشف بعد قراءة صفحات معدودة أنه لا يسمن ولا يغني من جوع..وكل عام ومعرض كتابنا بخير..

عبدالرحمن السلطان