الأحد، 28 أبريل، 2013

المرأة التي دخلت السجن بنفسها

المرأة التي دخلت السجن بنفسها


قد يتعرض "الناجح" للمضايقات والصعوبات، بل قد يواجه عقبات قد تقضي على مستقبله المهني، والأسوأ من ذلك أن تهدم احترام جمهوره له، لكن قصة صعود نجم الطاهية الأمريكية "مارثا ستيوارت Martha Stewart" شدتني بشكلٍ غريب، كونها اتخذت قراراً مفاجئاً، خلال قمة نجاحها المهني؛ وهو أن تدخل السجن طواعية عام 2004م، وأن تتنازل عن الاستمرار في محاكمة طويلة، كادت أن تكلفها شهرتها الكبيرة، وأن تفقدها حب واحترام ربات المنازل الأمريكيات.

لم يكن أحد يتوقع أن تتخذ "مارثا" مثل هذا القرار، وهي على قمة مجدها، وقد كانت تقدم برنامجاً تلفزيونياً شبه يومي، يبث على إحدى قنوات التلفزة الوطنية، وتنشر مجلةً تحقق انتشاراً كبيراً، غير أن رواج ادعاءات تجنبها غير القانوني لخسارة محققة، بأن قامت عام 2001م ببيع أسهم شركة "ImClone"، التي على الفور فقدت 18% من قيمتها في اليوم التالي لبيع أسهمها! لقد حاولت "مارثا" أن تتجنب الحملة الإعلامية التي ظهرت بعد انخفاض السعر، بما في ذلك تغطية مجلة "نيوزويك"، التي هاجمت الطاهية الشهيرة تحت عنوان: "فوضى مارثا"، مما سبب تضخم كرة الثلج تجاهها، والتي رغم أنها حاولت تجاهل تلك الحملة بأن استمرت بتقطيع "الملفوف"، أو على حد تعبيرها الساخر: "أريد فقط أن أركز على طبق السلطة"، لكنها وبعد سنة من ضغوط المجتمع والإعلام أعلنت استقالتها من منصبها كمديرة تنفيذية، بعد أن بدأ تحقيق للنيابة العامة في "نيويورك"، ولكن الأمر تجاوز ذلك، إذ وفي عام 2003م وجه الادعاء العام إلى أشهر طاهية أمريكية في الوقت الحاضر تسع تهم مختلفة، أهمها غش الأوراق المالية، والأخرى عرقلة سير العدالة، لتتنحى طواعية عن مناصبها الأخرى، ولتبدأ خوض سلسلة من المحاكمات والقضايا المتتالية، لكنها بعد أقل من سنة اتخذت قرارها بقبول قرار هيئة المحلفين بسجنها في إصلاحية فيدرالية، وفترة سنتين من الإفراج المشروط.




لكن دعونا نعد إلى الوراء..بعيداً، لنعرف ما الذي جعل "مارثا ستيوارت" تحقق كل هذا النجاح المبهر؟، ولتتربع على عرش إمبراطورية ضخمة من المشاريع، التي بدأت فقط بكتب الطبخ ووصلت مؤخراً إلى كل مستلزمات المنزل تقريباً.
عاشت "مارثا" بدايات تقليدية، مما جعلها تميل بقوة نحو الاهتمامات المنزلية، حيث اكتسبت من والدتها أصول الطبخ، ومهارات الخياطة، بينما تعلمت طرق التعليب والحفظ عندما كانت تزور بيت جديها في "بافالو"، كما ساهم انخراطها في الأنشطة اللاصفية بصقل شخصيتها، لكنها عملت في عروض الأزياء، ونظراً لاستقامتها حصلت على منحة جامعية في نيويورك، لكنها توقفت عن الدراسة لتتزوج، ثم تعود للدراسة في الجامعة بعد عام، ولتحصل على تخصص التاريخ، وبالذات تاريخ الهندسة المعمارية، لكنها لم تعمل في مجال تخصصها، بل بدأت بتطوير مهاراتها التجارية، ودخلت سوق الأوراق المالية عام 1967م، وحققت نجاحاً باهراً، لكنها كانت دوماً تحنّ لمطبخها وبيتها، وبعد ست سنوات اتخذت قرارها وتركت العمل الوظيفي وتفرغت لحياتها الخاصة وتربية ابنتها الوحيدة.
وفي عام 1967م قررت أن تستفيد من خبرتها التجارية في ما تحب، فبدأت من قبو منزلها أعمال توريد الأطعمة catering، مع صديقتها "نورما كولير" التي زاملتها خلال فترة عروض الأزياء، فحققتا نجاحاً متصاعداً، ولكن للأسف دب الخلاف بين الصديقتين، حيث زعمت "كولير" أنه بات من الصعب العمل مع "مارثا"، وأنها كانت تتحكم بالعمل بطريقة أنانية، لكن إيمان "مارثا" بموهبتها ومهارتها جعلها تشتري نصيب صاحبتها، ليتطور المشروع ويتوسع.
لكن قصة الانطلاقة الرئيسة بدأت بعد أن تولى زوجها رئاسة شركة "نيويورك هاري وان ابرامز" للنشر عام 1977م، حيث أشرف على إصدار سلسلة "الكتاب السري للأمثال"، والذي لقي رواجاً غير متوقع، مما جعل شركته تتعاقد مع شركة زوجته للإشراف على حفلات إصدار الكتاب، والتي كانت فرصة لمارثا أن تتعرف على "آلان ميركن" رئيس مجموعة "كراون" للنشر، الذي أبدى إعجابه بما لديها من مواهب وحسن إدارة، ليوقع معها عقداً لتأليف كتاب طهي فريدٍ من نوعه، يحتوي على وصفات وصور للحفلات التي أشرفت على خدمتها، وكان كتاب: "المسليات Entertaining"، الذي حقق نجاحاً باهراً، وليكون أعلى كتب الطهي مبيعاً منذ ظهور الكتاب الأسطوري "إتقان فن الطبخ الفرنسي" لجوليا تشايلد، الذي صدر في عقد الخميسنات الميلادية.
تلاحق النجاح سريعاً بعد ذلك؛ حيث أصدرت طاهيتنا العديد من الكتب، منها "وجبات مارثا ستيوارت"، ثم "مشهيات مارثا" وهكذا دواليك، وقامت بكتابة الكثير من المقالات الصحفية عن التدبير المنزلي، والظهور في برامج "الثرثرة" الأمريكية، مثل "أوبرا" و"لاري كينغ".






لقد عملت "مارثا" على بناء سمعة قوية لشخصها، واجتهدت في تقديم المفيد والمناسب للمرأة الأمريكية، وخصوصاً العاملة، مما جعلها تصنف كإحدى النساء الأمريكيات الشهيرات، حتى إنها وبعد خمسة عشر عاماً من العمل الدؤوب والجاد؛ بدأت في عام 1993م برنامجاً تلفزيونياً خاصاً بها لمدة نصف ساعة فقط، تحت إشراف مجلتها "مارثا ستيوارت ليفينج" والتي كانت أطلقتها قبل ثلاث سنوات، أي في عام 1990م، تلكم المجلة التي تلخص نجاحات "مارثا"؛ حينما وصلت ذروة التوزيع عام 2002م ببيعها مليوني نسخة للعدد الواحد!





بعدقود طويلة من العمل المتواصل لبناء صورة إيجابية للطاهية، التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى مرشدة لربات البيوت الأمريكيات، والتي اضطرت للانحناء وقت العاصفة، ودخول السجن بملء إرادتها، خوفاً من فقدان جماهيرها الكبيرة، والتي تجاوزت أمريكا لتصل إلى العالم أجمع، والمثير في الأمر أن خروجها من السجن عام 2005م زاد من شعبيتها، وجعلها تقتحم مجالات جديدة كبيع البيوت المستوحاة من منزلها الأول، ليؤكد ذلك على صحة حدسها، وأن رهانها على جمهورها الوفي قد حقق نتائج لم يكن يتوقعها أكثر المراقبين تفاؤلاً.
عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 28 إبريل 2013م

أفكار.. تستحق الانتشار

أفكار.. تستحق الانتشار

يعتقد معظمنا أن أفكارهم الشخصية هي الأفضل، وأن اتباع رؤيتهم تقود إلى النجاح في نهاية المطاف، لكن المعماري الأميركي "ريتشارد وورمين" كان له رأي آخر، إذ إنه آمن مبكرا أن هناك مخزونا هائلا من الأفكار الرائعة لدى الآخرين تستحق الانتشار، لكنها للأسف تقبع وراء قضبان الخجل أو الخوف، لذا بادر منذ 1984 على تحفيز الآخرين للحديث عن أفكارهم، وتبنى تجمعا سنويا لنشرها أطلق عليه اختصارا: "TED".

كانت البداية تعتمد على محاضرات تتناول شؤون التقنية والتصميم، كونها واكبت صعود نجم "وادي السيلكون"، إلا أن فكرة التجمع تطورت بسرعة، وأضحت ميدانا واسعا لنشر الأفكار الفريدة، في جميع ميادين الحياة، ثم حددت 18 دقيقة فقط كحد أقصى لكل متحدث، وذلك لاستيعاب أكبر قدر ممكن من المشاركين، وللتركيز على الفكرة المبتكرة وحدها، دون الخوض في تفاصيل لا فائدة منها، وزاد من جمال المحاضرات أنها تتم غالبا بأسلوب السرد القصصي، والهدف النهائي تسويق الأفكار الجديدة أو الأسئلة المختلفة، القادرة على تغيير التصرفات، وبالتالي قدرتها على تغيير العالم نحو الأفضل.



الأكثر روعة أن منظمة TED وبعد أن بدأت بالترخيص لتنظيم المحاضرات خارج أميركا؛ فإنها حظرت التربح من ورائها، بحيث تتم تغطية تكاليف التنظيم فقط، لذا فلقد عقد حتى نهاية 2012: 16 ألف محاضرة في أكثر من 1200 مدينة في 133 بلدا حول العالم، منها مدينتا "الرياض" و"الظهران" بالمملكة.





خلاصة الحديث: دعك من مهاترات "تويتر" وسفاسف "كيك" وحاول الإبحار في محاضرات "تيد" www.ted.com، فقد تلتقط فكرة من هنا أو هناك، وقد تكون تلك الفكرة هي من تغير مستقبل حياتك!

عبدالرحمن السلطان


نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بترايخ 28 إبريل 2013م


الأحد، 21 أبريل، 2013

أن تحجر على نفسك!


 أن تحجر على نفسك!

رائعٌ أن تعيش الحياة دون منغصات أسريّة أو التزامات تجاه زوجة أو أطفال, لكنك سوف تصل في النهاية إلى أن تعيش تلك اللحظات الجميلة لوحدك فقط, ذلك أن التنازل عن تأسيس أسرة مقابل التخلص من الالتزامات الأسرية والمسؤوليات المجتمعية؛ أمرٌ تدفع قيمته ليس متأخراً فقط, بل وبشكل مضاعف.
أخطر ما في العيش وحيداً أنك لا تكتشف أنك بحاجة إلى أسرة "حقيقة" إلا بعد فوات الأوان, بعد أن تتلاشى قوة الشباب, ويصبح الإنسان مجرد عالة على غيره, حتى لو كان يملك الأموال الكثيرة, وحاز نصيباً وافراً من الشهرة, فها هي الفرنسية "جان أوجييه" مالكة الفندق الشهير "نيغريسكو"؛ تطلب عبر محاميها أن توضع تحت الحجر والوصاية الرسمية!



هذه العجوز التي بلغت التسعين الشهر الماضي؛ لم تتزوج ولم تكوّن أسرة بطبيعة الحال, مما جعل ورثتها ينحصرون في كلبيها: "ليلو" و"ليلي"!. لقد أفنت "جان" عمرها في الاعتناء بهذا الفندق الذي ورثته عن والديها, وحوّلته بشغفها إلى إيقونة فنية, متخمة بالمقتنيات النادرة والمتناقضة, لكنها لم ترو ظمأها الطبيعي للأمومة, مما جعلها تئن تحت وطأة الوحدة خلال سنواتها الأخيرة, وزاد خوفها من تعرضها للغش والابتزاز؛ إذ بدأت تعاني من لحظات نسيان خاطفة, كما أنها أضحت أسيرة الكرسي المتحرك بعد إصابة ركبتها مؤخراً.





لقد عاشت "جان" حياة حافلة بالصخب والفرح, دون أي التزام أسري, ولم تشعر أبداً بمتعة وكبد تربية الأطفال, ولم تفرح لفرحهم أو تحزن لحزنهم, لكنها -للأسف- وحينما وصلت للنهاية وصلتها وحيدة دون أحد, فهل يرغب أحدٌ ما بإعادة قصتها من جديد!

عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 21 إبريل 2013م

الجمعة، 19 أبريل، 2013

هل أنت جامح؟

هل أنت جامح؟

نعم.. هل أنت جامح؟.. أو بلغة أخرى هل لديك الرغبة في الاكتشاف، والبحث عن المغامرة، مهما كانت خطرة، أو لا يمكن الاقتراب منها؟ في هذا المقال نحاول سبر أغوار روح التحدي لدى البشر، ومدى اقترابنا نحن السعوديين منها!

يرى علماء "الأنثربولوجيا" أن الإنسان بطبعه ميال نحو اكتشاف ما وراء المجهول، والبحث عن إجابات شافية عما يجهل، وهدفه في ذلك ليس واقعه الحالي، بل ليتعرف بشكل أكثر دقة على مستقبله، ثم ليكون له دورٌ أكبر في تشكيله وتحديد معامله، بينما يرى "الجامحون" أن الرغبة بالاكتشاف لا تتجاوز الرغبة نفسها فقط، حيث يستشهد كثير من الجامحين برسالة العالم "ديفيد سكوت"، حينما كان رئيساً لبعثة الهبوط على "القمر" "أبولو 15": "أدركت الآن الجوهر الحقيقي لطبيعتنا الإنسانية: الاكتشاف ثم الاكتشاف"!

هنا في المملكة ورغم وجود روح التحدي لدى الكثير من شبابنا، إلا أن معظمها يصرف في تحديات غير مفيدة، مثل "تفحيط" السيارات أو المنافسات الشبابية التافهة، والتي لا تشبع نهم الشخص الجامح في نهاية الأمر، غير أن جموح البعض يجعلنا أكثر تفاؤلاً باستمرارية هذه الغريزة البشرية، فمثلاً نجد أن رياضة "تسلق الجبال" تزداد انتشارا في المملكة، وتتحول إلى هواية يبذل فيها الغالي والنفيس، وهي وإن كانت رياضة بدنية مجهدة؛ إلا أنها تحقق فرحة استكشاف ذواتنا، بعد أن نكتشف تضاريس محيطنا القريب، كما أنها تزيدنا قرباً من ربنا –عز وجل- حينما تتجلى ضآلة ذوانتا أمام جبروت الطبيعة وخالقها. بينما نجد على الطرف المقابل الكثير من البشر الذين تتوق قلوبهم قبل جوارحهم لركوب صاروخٍ فضائي، أو الاقتراب من بركانٍ ثائر، وهم يفعلون ذلك ليس فقط بدافع الفوز بمكان أفضل أو ثروة أكبر، بل للاكتشاف، حباً فقط في الاكتشاف.

وعلى الرغم من شيوع مبدأ أن الرغبة بالاكتشاف تنشأ فطرياً لدى الأنسان، إلا أن المورثات المحفزة لروح المغامرة لا تزال مجهولة حتى الآن، ولكن يدور نقاش علمي كل فترة حول مورثة متفرعة من المورث DRD4، والتي تساعد على التحكم في إفراز مادة "الدوبامين"، وهي ناقل كيميائي يلعب دوراً في عمليتي "التعلم" و"الجزاء"، ولقد دأب مجموعة من العلماء على ربط هذه المورثة بحب البشر للاستطلاع وبالتالي للترحال والبحث عن مكان آخر، والتوق لإقامة علاقات جديدة، لكن المثير في الأمر أن هذه المورثة لا توجد إلا في أقل من خمس البشر! لكن الأكثر إثارة أن دراسات جديدة بدأت بربط هذه المورثة بهجرات البشرية، ولقد كانت دراسة "شوانغ يونق" من جامعة كاليفورنيا الأمريكية الأولى التي طرحت هذه الفكرة عام 1999م، والتي تعززت بدراسة أخرى عام 2011م التي وجدت أن هذه المورثة مع مورثة أخرى أطلق عليه 2R تنزع لأن تكون أكثر تكرارًا لدى السكان الذين هاجر أسلافهم لمسافات طويلة، مقارنة بالسكان الأصليين لأي منطقة، الأمر الذي يفسر نزعة شعوب محددة للسفر والترحال، والبحث عن فرص وآفاق أخرى، بينما تنزع أعراق أخرى للاستقرار وعدم البحث عن المغامرة والجموح.

ليس هذا فحسب، بل لقد ربطت دراسات أخرى بين هذه المورثات والقوة الجسمانية لدى من يحملون هذه المورثات، كما يوجد لدى كثير من القبائل المهاجرة، والتي تعتمد على ملاحقة الماء والعشب لتغذية ماشيتهم، وغني عن القول إن هذه القوة الجسدية واللياقة البدنية تؤهلانهم لدورات الترحال التي لا تنتهي. صحيح أن هناك طيفا من العلماء يستطيع نقد هذه الدراسات بسهولة، ذلك أنه لا يمكن اختزال أمرٍ معقد لدى البشر في مورثة واحدة أو اثنتين، خصوصاً أن هذا الأمر قد يتعارض مع قوانين ومنطق علم الورثة.
لذا يميل آخرون إلى وجود مجموعة مورثات أخرى تسهم في تحفز "الجموح" لدى الفرد، تساندها في ذلك البيئة المحيطة، ابتداءً من الأسرة الصغيرة، من والدين وإخوة وأخوات، ومروراً بالظروف الاقتصادية، ومدى توفر نماذج حية للجامحين، أو بلغة أخرى ضرورة توفر خليط من الدوافع نحو حب الاستطلاع، فضلاً عن وجود الوسائل المساعدة على حدٍ سواء.
ولكن ألا يستطيع علماء المورثات السعوديون أن يحاولوا فك "شفرة" مورثات مواطنيهم، لمعرفة ميولهم نحو حب الاستطلاع والمغامرة؟ وهل يحمل السعوديون هذه المورثة أم لا؟ أم إننا لا نزال بعيدين عن التعرف على أنفسنا بأنفسنا.


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 19 إبريل 2013م
 

الأحد، 7 أبريل، 2013

جمجمة ال 29 مليون سنة.. في مكة !


جمجمة الـ29 مليون سنة.. في مكة!


هل يعقل أن جيولوجيين سعوديين اكتشفوا "جمجمة" لإحدى الثديات، يقدر عمرها بتسعة وعشرين مليون سنة! أحدث دويا كبيرا في الأوساط العلمية، دون أي اهتمام إعلامي محلي معتبر، أو حتى تحقيق صحفي عابر!!

هذه الجمجمة النادرة كانت محفوظة بين طبقات الحجر الرملي من الجزء المتوسط لمتكون "الشمسي" في منطقة "الخيف" بمحافظة "الجموم" - 30 كلم شمال مدينة مكة المكرمة -، وجاء اكتشافها نتيجة تعاون علمي مثمر بين هيئة المساحة الجيولوجية السعودية SGS وبضعة علماء من جامعة "ميتشجن" الأميركية، حيث تمكن هذا الفريق العلمي المشترك من العثور على بقايا جمجمة، تحتوي على عظام الوجه، والأنف، والفك العلوي، وأجزاء من المنطقة المحيطة بالأذن، والتي صنفت بعد التحليل والدراسة على أنها من أشباه السعادين (القردة) البدائية.



ولكن قبل الحديث عن هذه الجمجمة لا بد أن نتعرف على جيولوجية الموقع التي اكتشفت فيه هذه الأحفورة، حيث تشير الدراسات إلى أن متكون "الشميسي" قد ترسب قبل انتفاخ أخدود البحر الأحمر في العصر "الميوسيني" على متكون "عسفان" من العصر "الطباشيري" المتأخر إلى العصر "الأيوسيني"، أي قبل انفصال قارتي "آسيا" و"أفريقيا" عن بعضهما، حيث يحتوي الجزء الأوسط من المتكون على بيئة ظهور شجر "المنغروف غير البحري"، بينما يقدر عمر متكون "الشميسي"
بـ21 - 26 مليون سنة، اعتمادا على تحليل النظائر المشعة، فضلا عن تدفقات "اللابة" الأكبر عمرا، التي تعلو المتكون وتعطيه عمرا يتجاوز 21 مليون عام.

قدر العلماء عمر الأحفورة المكتشفة بتسعة وعشرين مليون سنة، بناء على نتائج تحليل النظائر المشعة المستخلصة من الصخور البركانية لحرّة "العجيفاء"، كما ساعدت أحافير الثديات المكتشفة مع جمجمة "السعدان" في تحديد العمر بعد مقارنتها بمثيلاتها في العالم، هذا الاكتشاف أطلق عليه اسم "سعدان الحجاز" "Saadanius hijazensis"، نسب الاسم إلى منطقة الاكتشاف أولا وهي الحجاز، وثانيا إلى السعدان، وهو اسم عربي جامع للقردة، وينتمي "سعدان الحجاز" المنقرض إلى طائفة "الثديات" المتفرعة منها رتبة "الرئيسيات"، التي تضم الأنواع الحالية والمنقرضة للقردة والسعادين، والتي تندرج تحت مستوى تصنيفي أكثر تشعبا يعرف بالكاترينيات (Catarrhini) أو الرئيسيات ذوات فتحات الأنف المستقيم والمفتوحة للأسفل، والتي تضم كذلك أقدم الكاترينيات البدائية من "أفريقيا"، ومجموعة قردة منقرضة من "أوراسيا".

ولكن ما الأهمية العلمية لمثل هذا الاكتشاف؟ الجواب أن العلماء يعتقدون أنه هذه الأحفورة تؤكد أهمية المنطقة العربية الأفريقية كمركز لتطور الـ"كاتاهرينات" البدائية، حيث كان يسود الاعتقاد بناء على دراسات وراثية أن قردة العالم القديم انحدرت من "القردة العليا" و"أشباه البشر" بين 34.5 و29.2 مليون سنة، ولكن سجل حفريات "الرئيسيات" من جهة أخرى كان يشير إلى أن الانقسام بين المجموعتين الرئيسيتين قد حدث بين 23 و25 مليون سنة! مما يجعل بالتالي إحدى النظريتين خاطئة!، لكن حفرية "سعدان الحجاز" الجديدة؛ وحيث إنها تنتمي لأقرب سلف مشترك لقردة العالم القديم والقردة العليا، أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن الانقسام قد حدث خلال الفترة التي أشارت إليه سجلات الحفريات، أي ما بين 29 - 28 و24 مليون سنة.

هذا الاكتشاف الهام حفّز علماء الأحافير حول العالم نحو إعادة دراسة وتقدير عمر الإنسان القديم، حيث قال الدكتور "ويليام ساندرز" - الذي شارك في المشروع -: "إنه اكتشاف رائع، لأن لهذه الجمجمة خاصيات مشتركة بين كل "قردة العالم القديم" وأضاف "انه لو تم إيجاد معلومات كافية عن هذا الكائن، ربما تمكن العلم من كشف بعض أسباب التطورات التي أدت إلى نشوء القردة والإنسان فيما بعد"! على حد تعبيره، ونظرا لأهمية هذه النتائج فلقد نشرت عنه دراسة علمية في مجلة "نيتشر Nature" الرصينة، في عددها الصادر بتاريخ 15/ 7/ 2010 أحدث نقاشا علميا متواصلا حول العالم.

في الحقيقة لا يجب إلقاء اللوم على الإعلام المحلي فقط على تجاهله هذا الاكتشاف الفريد، والذي تناوله ببضعة أخبار متناثرة، بينما الموقع الرسمي لهيئة المساحة الجيولوجية السعودية لا يحتوي إلا على خبر صحفي واحد عن الموضوع، وبدون صور للجمجمة أو ما تم اكتشافه! على رغم من نشر الصور في مجلة "نيتشر"، فضلا عن عدم التوسع في الموضوع وأثره على اتجاهات الاكتشاف الجديدة وعلم الأحافير، كما أن الخبر ذكر أسماء المشاركين فقط، دون التعريف بهم أو بخلفياتهم العلمية وخبراتهم، كما جرت العادة في مثل هذه الاكتشافات المهمة، ولعل نظرة سريعة على موقع الهيئة تفصح عن رؤيتها لدور الإعلام بالتعريف عن جيولوجية بلادنا، فمثلا صفحة "الأبحاث العلمية" – رغم أهميتها - لا تزال تحت الإنشاء!، وكذلك الصفحات الأخرى تعني فقرا معلوماتيا فادحا، رغم وجود مخزون علمي ضخم لدى الهيئة.

كما أن العلماء الذي شاركوا في المهمة كانوا يتوقعون الحصول على اكتشافات جديدة، لا تقل أهمية عن "سعدان الحجاز"، حيث أشار البحث المنشور في مجلة "نيتشر" إلى عزمهم العودة للمنطقة التي استخرجوا منها الأحفورة للمزيد من الاستكشاف، مما سيفتح آفاقا جديدة لفهم طبيعة الأحياء التي تعاقبت على كوكب الأرض، ولكننا – للأسف - لم نسمع شيئا بعد ذلك، فضلا عن أن الهيئة لا تزال بعيدة عن الإعلام، وعن دورها المفترض في توعية الجمهور، وتثقيفه من الناحية الجيولوجية أو البيئية.
أما بخصوص "سعدان الحجاز" فنحن ننتظر شريطا وثائقيا عن رحلة البحث عن الجمجمة، ومراحل التحليل، ودراسة النتائج، وماذا تم بعد ذلك، فضلا عن ضرورة إضافتها إلى مناهج الجيولوجيا في المرحلة الثانوية، وإشراك مزيد من العلماء والباحثين السعوديين في المراحل القادمة من البحث، والأهم من ذلك عرض الأحفورة للجمهور في متحف مفتوح يطوف مناطق المملكة، ليؤكد للجميع أن تاريخ هذه البلاد أعمق مما يعتقدون.

عبدالرحمن السلطان

رابط المقال العلمي في مجلة "نيتشر" عن سعدان الحجاز


نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 7 إبريل 2013م
 

الخميس، 4 أبريل، 2013

"أنت".. ماذا تريد؟

"أنت".. ماذا تريد؟

لا يكاد خريج الثانوية العامة يطوي صفحة اختبار "القياس"، حتى يسارع لاختبار "التحصيلي"، ثم يبدأ بحلقة لا تنتهي من المقابلات الشخصية والتقديم هنا وهناك. لكنه ورغم جهده الكبير، يغفل عن الأهم، وهو أن يحدد التخصص الذي يرغبه بصدق.


ذلك لأن الشاب يحاول الهروب من هذا الاستحقاق المهم، بأن يعتمد على ما يراه والده أو والدته، أو أن يحاول تقليد ما اختاره أعز أصدقائه، والأسوأ أن يختار التخصص بناء على قرب مقر الدراسة، أو سهولتها في أحيان كثيرة!.
وللأسف لا يعلم هذا الشاب أنه يفرّط في حقه الأصيل في أحد أهم قرارات حياته، التي تعتمد عليه وظيفته المستقبلية، وبناؤه لأسرة سعيدة، بل إن سعادته ورضاه الداخلي عن نفسه يعتمد بشكل أساسي على ممارسته لما يحب، فكيف يمارس ما يحب وهو أصلا يدرس شيئا آخر تماما!، بل كيف سيبدع في دراسته ويتعمق في تخصصه وهو يذهب مكرها ويحضر محاضراته جسدا دون قلب!.
 
اختيار التخصص غير المناسب يقود إلى "التسرب" من الجامعة، سواء بتغيير التخصص مرات متعددة، أو أن ينسحب من دراسته في نهاية الأمر، وهذا ما يفسر وصول نسبة "التسرب" في الجامعات السعودية إلى 35%! وهي نسبة كبيرة، وهدر مالي وبشري ضخم، وإن حللت جذر المشكلة، فسوف تجد أن اختيار التخصص غير المناسب هو القاسم المشترك.
خلاصة الحديث: عزيزي خريج الثانوية العامة، دعك من الجميع، واتبع حدسك ورغبتك، ولا تقلد صديقا أو قريبا، فمستقبلك أنت تصنعه بيدك وليس الآخرون، ولتكن الخطوة الأولى هي اختيار تخصصك بنفسك.. أنت وحدك فقط.
 
عبدالرحمن السلطان