الثلاثاء، 30 يوليو 2013

حياتك أولى بك

جميلٌ أن تساعد الآخرين، ورائعُ أن تقدم ما تستطيع لمن يحتاج، لكن أن تعيش حياتك أسير تقديم الخدمات، والتضحية للآخرين فتلك قسمة ظالمة، سوف تكتشف نهايتها السيئة متأخراً.
والأسوأ من ذلك أن تصبح حياة الإنسان مجرد رجع صدى للآخرين، سواء كانوا من دائرة العائلة القريبة، أو حتى من الدائرة الكبيرة المحيطة بأي شخص كان، سواء صديق دراسة، أو زميل عمل. نعم هناك مسؤوليات على كل إنسان تجاه بعض المحيطين به، كما هي مسؤولية الأب والأم تجاه أبنائهما، أو مسؤولية الإخوة تجاه إخوتهم، وهلم جرا، لكن من الضروري أن تؤطر كل تلك المسؤوليات بإطار واضح من العلاقة المتوازنة، فلا ضرر ولا ضرار، أما أن تصبح العلاقة ذات اتجاه واحد، فهذا هو أسرع طريق لإفساد العلاقة، مهما كانت قوية أو راسخة.

كم من صديقٍ محب قدم الكثير لأصدقائه الأقربين؛ ولكنه حينما احتاج أحدا منهم فوجئ بخلو الساحة من الجميع. وكم من أخ كبير ضحى بأشياء مهمة في حياته في سبيل إخوته، ليجد نفسه وحيداً في نهاية المطاف. وكم من أمٍ لم تتزوج بعد وفاة زوجها، حرصاً على راحة أبنائها، لتعيش أسيرة دارة العجزة في خريف عمرها! والسبب أن هؤلاء وغيرهم يتناسون أنفسهم في سبيل تقديم الكثير لمن يحبون، دون أن يعلموا أن لأنفسهم عليهم حقاً، يضيع حال تقديمه للآخرين

خلاصة الحديث: نعم.. علاقاتك القريبة مهمة في حياتك، وأساسية في استقرار حالتك النفسية، ولكن حياتك الشخصية أولى أن تهتم بها أولاً، ثم يأتي الآخرون ثانياً.


عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 29 يوليو 2013

"والت ديزني" الياباني!

 كثيرة هي الأجيال العربية الشابة التي تعلقت بالمسلسل الكارتوني "مغامرات عدنان"، بل إن كثيرين يحفظون عن ظهر قلب كافة تفاصيله! هذا الكارتون الذي تحوّل إلى إيقونة عالمية لم يكن سوى إنتاج واحد من مكتبة المخرج الياباني الشهير: "هاياو ميازاكي"، الذي يعتبر ببساطة: أعظم مخرج ورسام رسوم متحركة ياباني، مما جعل كثيراً من النقاد يطلق عليه لقب: "والت ديزني" ولكن النسخة اليابانية! 



"ميازاكي" لم يصل إلى هذه الدرجة الرفيعة من المهنيّة والإبداع دفعة واحدة، أو بدعم من هذا أو ذاك، ولكن وصوله إلى القمة جاء نتيجة اقتران الموهبة بالعمل الجاد المستمر، فهو لم يتبجح بموهبته قط، بل بقي يصعد السلّم ثمانية عشر عاماً من أستديو إلى آخر، يكتسب منها مهارة ما، ويتعرّف على تقنية جديدة هناك، حتى أخرج مسلسله الأول "مغامرات عدنان"، أو "فتى المستقبل كونان" في التسمية الأصلية، حينها حقق نجاحاً باهراً في أغلب دول العالم، بينما حقق هنا في العالم العربي حضوراً ملفتاً، بعد أن قامت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية بدبلجة المسلسل بشكل رائع ومتقن، مما زاد من أرقام المشاهدة، وجعل المتابعين الصغار يتعلقون به، كما لو كان إنتاجاً عربياً خالصاً!

لكن الأمر الذي كان يتميز به "ميازاكي" مقارنة بمعاصريه هو اهتمامه بأدق التفاصيل، وخصوصاً الخلفيات المستخدمة في رسومه، ومدى قربها من الواقع الحقيقي للقصة، فها هو يسافر برفقة رفيق دربه الفني المخرج "إيساو تاكاهاتا" إلى "زيورخ" السويسرية، لمشاهدة الجبال والمواقع التي ألهمت المؤلفة السويسرية "يوهانا شبيري" في عملها الروائي عن "هادي.. فتاة الألب"، مما جعل العمل الرسومي يتفوق بمراحل على النسخ الأخرى الكثيرة للرواية، سواء على مستوى الأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية، ولتتم دبلجته إلى لغات عالمية كثيرة، كما هي الحال في معظم الإنتاجات التي ساهم فيها، أو أخرجها "ميازاكي لوحده، هذا النجاح الدولي لأحد الأعمال المبكرة لميازاكي، قاده للعمل بنفس الأسلوب، على رغم صعوبته، واستهلاكه وقتاً طويلاً، حيث سافر هو و"تاكاهاتا"، مرة أخرى إلى مواقع رواية مختلفة، ولكن هذه المرة إلى دولتين مختلفتين في قارتين متباعدتين، هما إيطاليا والأرجنتين، في قارتي أوروبا وأميركا الجنوبية على التوالي، من أجل أن يجعل مسلسله الرسومي "ثلاثة آلاف ميل في البحث عن أم ماركو" أكثر قرباً من الطبيعة، على حد تعبيره.


هذا الياباني المبدع ولد في العاصمة اليابانية "طوكيو"، قبل الحرب العالمية الثانية بخمس سنوات فقط، وعلى رغم أن عائلته انتقلت إلى "كانوما" الريفية وهو في الرابعة من عمره، إلا أن إرهاصات الحرب العالمية، وأثرها الشديد على بلاده، تركت أثراً عميقاً في أعماله، التي تميزت بنبذ العنف والحروب، والبحث عن عوالم مختلفة، مليئة بالصدق والألوان والحب، شيء آخر تميزت به أعمال "ميازاكي" هو احتواؤها على الكثير من تصاميم الطائرات الحربية، ويعود سبب هذا الاهتمام نظراً لعمل والده وعمه في تصميم الطائرات.
لكن الخطوة الأبرز في حياته كانت تأسيس شركة "أستديو جيبلي"، بعد أن اشتد عوده، واتسعت دائرة خبرته، وكان أن أسس الشركة بمشاركة صديقه المخرج ""إيساو تاكاهاتا" والموسيقار "جو هيسياشي"، الذي يطلق عليه لقب "بتهوفن الياباني"، وحيث إن اختارت أستديوهات "ديزني" الفأر "ميكي" شخصيتها الرئيسية، كان "التوتورو" هو الشخصية الأولى في "أستديو جيبلي".
على رغم كل هذه النجاحات لم يشتهر "ميازاكي" في اليابان إلا عام 1984، بعد ظهور فيلمه "ناوسيكا أميرة وادي الرياح"، الذي يتناول قصة أميرة صغيرة تحارب "بحر الهلاك" للحفاظ على ما تبقى من مستوطنات بشرية على كوكب الأرض، بينما لم يعرف في الولايات المتحدة الأميركية حتى عام 1999، بعد إطلاق فيلمه الرسومي "الأميرة مونونوكي"، بعد عامين من انتاجه الأصلي، مما جعل شركة "ديزني" تخطب وده، وتشتري حقوق توزيع وبث بعض أفلامه في جميع أنحاء العالم، ضمن اتفاقية "ديزني توكوما"، الأمر الذي أكد استحقاقه للقب "والت ديزني اليابان"، على رغم رفضه التام لمثل هذه التسميات، بل إنه لا يرى نفسه صاحب فضل في انتشار أسلوب "الأنمي" الياباني، بل يرى نفسه مجرد رسام "أنمي"، فقط "كان محظوظاً بما يكفي لأن يصنع أفلاماً بلمسته الشخصية!"، على حد تعبيره.

"ميازاكي" لا يزال يعمل بهمة نشاط، على رغم بلوغه الثانية والسبعين من عمره، فهو مؤمن أن الشغف بشيء ما يجعلك تستمر فيه دونما كلل أو ملل، على رغم أنه حاول التقاعد مرة عام 1997 بعد نجاح فيلم "الأميرة مونونوكي" وحصوله على الأوسكار الياباني، لكنه وبعد قضائه عطلة مع ابنة أحد أصدقائه عاد مرة أخرى للإخراج، وظهر فيلمه العظيم "المخطوفة"، حيث كانت تلكم الفتاة التي صحبته مصدر إلهام له، مما حقق أرقاماً هائلة في بلده الأم، بل تفوق على إيرادات فيلم "التيتانك" الشهير في اليابان تلك الأثناء، ثم حصل في النهاية على جائزة "الأوسكار" الأميركية لأفضل فيلم رسوم متحركة، وكان أول فيلم من فئة "الأنيمي" يحصل عليها، وها هو يعمل حالياً على فيلم رسومي جديد بعنوان: "الريح قادمة"، ومن المتوقع أن يدشنه خلال هذا الصيف.
وفي النهاية نيابة عن كثير من أجيال العرب ممن استمتع بمغامرات "عدنان" و"لينا"، أو استهوته قصة "هايدي"، أو حتى استمر بمشاهدة الرسوم المتحركة للكبار؛ دعوني أهمس في أذن هذا المبدع العبقري: شكراً جزيلاً لمن أتقن صنعته، ولم يعتمد فقط على موهبته، فصنع شيئاً لا يكاد ينساه أي أحد.. شكراً.



عبدالرحمن السلطان

السبت، 27 يوليو 2013

"نوبل" بالمقلوب!

تقول الباحثة الفرنسية "أنيتا إيرلاند" في نهاية بحثها العلمي الرصين، الذي استغرق سنوات طويلة من عمرها: "إن الميل نحو اليسار، يجعل برج "إيفل" يبدو أصغر حجماً"! هذا البحث رغم "سخافته"؛ إلا أنه وبالمشاركة مع بحوث علمية أكثر سخافة؛ حصل على جائزة "نوبل" العام الماضي، ولكن بالمقلوب!


غالباً ما ارتبطت جائزة "نوبل" بفروعها الأساسية الأربعة بإبداعات العقل البشري، وعلى تقديرها لإضافات علماء كبار، قدموا الكثير لبني جنسهم، مما جعلها تتصدر بجدارة قمة الجوائز الدولية، بينما على الجهة المقابلة علماء وباحثون آخرون ضلوا السبيل، وأفنوا وقتهم وجهدهم بالعمل الدؤوب على تجارب "سخيفة"، ذات نتائج أقل ما يطلق عليها بأنها: "تافهة"!

غير أن المجلة الأميركية Improbable Research التقطت هذا الخيط، وتبنّت تنظيم حفلٍ سنوي لتكريم الفائزين بجوائزها لأسخف الإنجازات العلمية، وكان أن أطلقت عليه جوائز "
IgNoble "، وهما مقطعان إن جمعا في كلمة واحدة فإنها تعني: "دنيء، منحط"! بحيث تكون مقاربة ساخرة للجائزة الأشهر والأكثر احتراماً "نوبل"، وتمنح هذه الجائزة للعلماء والباحثين ممن يقدمون إنجازات علمية غريبة تبعث على الضحك، ولكنها – وهذا هو الأهم - بعد أن تضحكك؛ تجذبك وتجعلك تفكر وتتأمل فيها بعمق! وللعلم فإن قائمة الفائزين بالجائزة طويلة ومثيرة، ذلك أنها منذ بدايتها عام 1991؛ وهي لا تزال تبهرنا بكل غريب وعجيب، كالبحث الذي قارن المجال المغناطيسي بين الضفادع ومصارعي "السومو"! لكن الأجمل في ذلك أن من يقدم الفائزين ويسلمهم جوائزهم؛ هم فائزون حقيقيون بنوبل الحقيقية!

صراحة بحثت بجدٍ عن اسم سعودي واحد ضمن قوائم الفائزين بهذه الجائزة الغريبة، ولكنني لم أجد أحداً، بعد أن كنت موقناً أننا بعيدون جداً عن "نوبل" الأصلية، ولكن يبدو أننا لا في "العير" ولا في "النفير"!

عبدالرحمن السلطان

 


الاثنين، 22 يوليو 2013

الساحة واسعة.. يا رواد الاستراحات

لم يكد يصل استراحة "العيال"؛ حتى انشغل بالبحث عن شاحن كهربائي لجهازه اللوحي، ليستطيع تشغيله حتى يصل بقية الأصدقاء، على الأقل ليكتمل الحد الأدنى لأربعة "البلوت". وما هي إلا دقائق قليلة حتى صاح بشدة على عامل الاستراحة لكي يدركه بقطعتي جمر تتقدان، فقط ليشعل بهما رأس "معسله"، وكانت البداية بموقع الفيديو الشهير "يوتيوب"، ومن مقطع طريف إلى آخر غريب، حتى بدأ يشاهد المقاطع المنتجة من قبل شباب سعوديين، المهم أن صاحبنا رغم أنه كان مستمعا في أغلب ما يقدم إلا أنه كان يقدم ملاحظة هنا، وأخرى هناك، وهذا أمر طبيعي ومتوقع، لكنه بعد فترة من النقد الموضوعي؛ تطور حديثه إلى نقد حاد وغير موضوعي، ثم تحول نقاش شباب "الاستراحة" إلى "سماجة" ما يقدم، وأنها بلا فائدة تذكر، وأنها مجرد حب للظهور و"الترزز"، بل إنهم يزعمون أنهم باستطاعتهم تقديم أفضل من ذلك بمراحل متقدمة، بمجرد أن يرغبوا بذلك، ولكن متى ما توفر الوقت والدعم وأشياء أخرى كثيرة! على حد قولهم.

العجيب في الأمر أن أصدقاءنا في تلك "الاستراحة"، التي تعتبر مماثلة لمئات الاستراحات المتناثرة في مدن المملكة؛ يقضون ساعات طويلة من يومهم هنا، والملتقى الرسمي في "الاستراحة" غالبا ما يبدأ بعد صلاة العشاء حتى ساعات ما بعد منتصف الليل، بل إن البعض يقضي بين جدران الاستراحة ساعات أكثر من عمله اليومي، هذا طبعا إذا لم يكن عاطلا عن العمل!

والمشكلة تتجاوز عدم تقديرهم للجهود المبذولة في تلك البرامج، المنتجة في أغلبها بجهود فردية، أو تعاون شبابي، دون دعم حقيقي من جهة حكومية وخاصة؛ إلى عدم التفكير – مجرد التفكير - في محاولة منافسة تلك الجهود، رغم أنها تنشط حاليا في بضع حقول ومجالات وليس كلها، حيث منها "الكوميدي"، ومنها برامج التجارب والمعلومات، وبعضها يتناول مهارات التدريب والتعليم، لكن جمعيها يجمعها روح الشباب وقدرته على العمل ليل نهار، في سبيل إظهار منتج يجذب الجمهور، ولا يجعله يمل المشاهدة قبل نهاية المقطع، ولنا في تجارب سعودية شباببة الكثير من العبر، كما هي قصة برنامج "التاسعة إلا ربع"، أو "لا يكثر"، أو "ضربة حربة"، أو حتى سلسلة "التسماح"، أو في برنامج المعلومات والتجارب، مثل "ترمينال" المتخصص في معلومات وتجارب السياحة والسفر، بل وصل الأمر إلى تقديم مسلسلات سعودية "إنترنتية"، على درجة عالية من الاحترافية والإبداع، مثل مسلسل "تكي"، أو مسلسل "شقة العيال" لعدد من الشباب المبتعثين، أو طرح قضايا الفتيات السعوديات عبر "نون النسوة"، أو نصائح الطبيبين السعوديين الشابين لتخفيف الوزن في "عالميزان حميدان"، بل حتى تعليم اللغة الإنجليزية في "فلمّها"!



كل ما يحتاجه الأمر مجرد الإيمان أن كل إنسان لديه شيء يريد أن يقوله، وأنه لديه من المهارات والقدرات ما يمكنه من تقديم المفيد لغيره، فالجميع مهما كان مضيعا لوقته وحياته، إلا أنه غالبا ما يكون مهتما بأمر ما، بل قد تجده موسوعة متنقلة في موضوع محدد، لذا فإن إشراك الآخرين فيما لديك؛ سوف يساعدك للوصول إلى الكثيرين، وثق تماما أن الساحة واسعة، وتستطيع أن تستوعب الجميع، حيث إن أغلب المجالات لا تزال بحاجة إلى لاعبين إضافيين، وخصوصا التي لم تطرق بعد، خذ مثلا: تبسيط العلوم، مهارات كهرباء المنزل، مهارات الاتصال، مهارات البرامج الحاسوبية كالتصميم والبرمجة، الطبخ، المهارات التربوية، لكن كل هذا مشروط بضرورة التركيز على مجال واحد، والعمل الجاد على تقديم محتوى مناسب، فالجمهور وإن كان يهمه الشكل الفني النهائي، إلا أن الغلبة في النهاية هي للمحتوى الجيد والمفيد، والأمثلة متعددة على قنوات "يوتيوبية" عالمية، استطاعت الوصول إلى جمهور المعمورة بديكور بسيط، وإخراج فني بدائي، ولكنها تميزت في المحتوى الذي يهم الجمهور، ويجعله يبحث عنك قبل أن تبحث أنت عنه.
أيها السادة قضاء وقت لطيف وسريع في استراحة ما أمر طبيعي، بل قد يدخل في باب "المستحسن"، لما فيه من ترويح للنفس، واختلاط بالأصدقاء والأحباء، وشحذ الهمم كذلك، لكن الإشكال أن تتحول تلك اللقاءات إلى مسلسل يومي لقتل وقت الشاب، وإلى عامل سلبي في حياته ونظرته إلى المجتمع، بل الأسوأ من ذلك أن يصبح الشخص مجرد منظّر وحالم بلا تجربة حقيقة، ثم إلى ناقد وناهش بلا هدف يمكن قياسه؛ ذلكم – للأسف - هو الواقع المعاش في كثير من استراحات شبابنا، وقد حان الوقت الآن نحو تحويل هذه الطاقات الشبابية إلى منتج يفيد الشاب نفسه قبل مجتمعه، وها هي النماذج المحلية الناجحة تقف شامخة أمامنا، فما الذي يجعلك أخي الشاب تتردد حتى الآن؟ حاول فقط، وأنت الحكم.

عبدالرحمن السلطان





السبت، 20 يوليو 2013

"أي شيء" ولكن بشرط!

يعتقد الكثيرون أن المشاركة في العمل التطوعي تستلزم تقديم جهد منقطع النظير، واستقطاع وقتٍ طويل من يومك، بينما حقيقة الأمر أن المرونة الفائقة هي إحدى مميزات العمل التطوعي، ذلك أن مشاركتك التطوّعية لا تحتاج منك في البداية إلا إبداء الاهتمام بالنشاط التطوعي ذاته، وفهم أبعاد المشاركة، وأثرها على مجتمعك المحيط، وعلى المتطوع نفسه من باب أولى.
وبالتالي فإن قدر ومدة تطوعك بعد ذلك تعتمد على مدى إيمانك بأثر ما تشارك به، لأنك إن حملت الهم سوف تعيد ترتيب التزاماتك اليومية، بحيث تجد للتطوع مكاناً لها، وسوف تتعجب في النهاية من قدرتك على تقديم الكثير دون أن تحس، لكن إذا لم تستطع تقديم سوى القليل، فلا تجزع ولا تتراجع، لأن أي مشاركة مهما كانت بسيطة، سوف تساعد على إنجاز الهدف، ولكن شرط أن يكون مخطط لها، وأن لا تشتت عمل الآخرين، أو تكون عامل تأخير أو ضرر، وكم من مساهمات بسيطة كان لها الأثر الكبير في الإنجاز، بعد أن تراكمت مع جهود الآخرين، كما هي الحال في قصة تأسيس منظمة "أطباء بلا حدود"، التي كانت نتاج جهود متناثرة لأطباء وصحفيين فرنسيين، وأضحت اليوم بعد 40 عاماً إحدى أكبر المنظمات التطوعية في العالم، فضلاً عن أثرها النفسي الإيجابي على حياة المتطوّع وعلاقاته الاجتماعية، وتذكر حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ" رواه مسلم.


خلاصة الحديث: جوهر التطوّع يعتمد على مدى إيمانك بما تفعله، وتقدمه لمجتمعك، وثِق تماماً أنه في عالم التطوع: "أي شيء" سوف يكون إضافة حقيقية لكل "شيء". 



عبدالرحمن السلطان




الجمعة، 12 يوليو 2013

بطالة الأطباء قادمة

صدق أو لا تصدق، أن عدد كليات الطب البشري وطب الأسنان في المملكة قد تضاعف مرات عديدة، خلال سنوات قليلة، بعد أن كان عدد الكليات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة!
والحقيقة أن التوسع في حد ذاته مطلب وطني مهم؛ إذا ما كان معتمداً على رؤية مستقبلية، واستقراءٍ مدروس لاحتياج المملكة من الطواقم الطبية، لكن أن يكون مجرد افتتاح كليات متتالية، دون اهتمام بتأهيل وكفاءة الكادر التعليمي والإداري لهذه الكليات، فتلك مشكلة سوف نجني ثمارها عما قريب، عندما تبدأ تلكم الكليات بتخريج طلابها وطالباتها.

وللأسف فإن هذا التوسع المتسارع لم يواكبه توسع في توفير الوظائف المناسبة للخريجين، مما يجعلنا نجزم بقرب حدوث أزمة "بطالة أطباء سعوديين" عما قريب، خصوصاً وأن كثيراً من الوظائف الصحية يشغلها غير سعوديين، وهي على مراتب ومسميات وظيفية أقل مما يستحقه المواطن في الوقت الحالي، كما أن كثيراً من هؤلاء الخريجين لن يستطيعوا الحصول على قبول في البرامج التخصصية الحالية، نظراً لأنها لا تقبل إلا نزراً قليلاً كل عام!
لذا فإن المسؤولية هنا تتجاوز وزارة التعليم العالي ودورها بحسن اختيار الكادر التعليمي والإداري للكليات الناشئة، وضرورة تطعيمها بأصحاب الخبرات من الكليات العريقة؛ إلى الهيئة السعودية للتخصصات الصحية التي نطالبها بضرورة الإعلان عن نتائج اختبار الأطباء السعوديين المتقدمين للحصول على رخصة مزاولة المهنة، الأمر الذي سوف يكون مؤشراً على مدى جودة التعليم في كل كلية طبية على حدة، ويجبر الكليات على تحسين جودة مخرجاتها
الطب أمانة قبل أن يكون مهنة، فدعونا نحرص أولاً على حسن تعليم وتدريب أبنائنا، فهم – بعد الله - مستقبلنا الصحي.
 

السبت، 6 يوليو 2013

"يهودي ويضحّك"!


قبل يومين حاولت بشتى الطرق الحصول على حجز لحضور عرض كوميدي شهير
Stand-up Comedy في "نيويورك"، ولكنني للأسف لم أستطع، نظرا لكثرة الإقبال، وبيع المقاعد كافة مسبقا، لكنني لم أيأس وحضرت مبكرا قبل العرض، علّ وعسى أن يتخلف أحد من الجمهور، وأسعد بمقعده، وهذا ما حدث بالفعل.




ولكن ما إن بدأ العرض حتى فوجئت بالكوميديان الأول: "جيف لامب   
Jeff lamp"، الذي ما انتهى من مقدمته الساخرة، حتى بدأ يكيل القفشات والمواقف المضحكة لليهود في المجتمع الأميركي، والتي يتمحور معظمها حول صورهم النمطية المتداولة، كالبخل وحب المال، والسيطرة على الإعلام، بيد أنه لم يخجل من كونه "يهودي" الأصل والديانة، بل يبدو أن ذلك كان دافعا لمزيد من القسوة الكوميدية اللاذعة!، التي تجاوزت مرحلة جلد الذات لأن تكون وسيلة لطيفة ومؤثرة لتصحيح تلكم الصور السلبية، وربطها بمواقف كوميدية مضحكة وإيجابية عند المتلقي، وكم أحوجنا نحن "المسلمين" لتحسين صورتنا بمثل هذه الوسائل غير المباشرة، خاصة وأن صورتنا لا تعيش أفضل أوقاتها حاليا.

والحقيقة أن العرض وإن كان متخما بصنوف الضحك المتواصل، إلا أنه كان مليئا بالعبر والشواهد، والأهم من ذلك تسليط الضوء على عدد من عيوب المجتمع الأميركي، ومنها فضح الممارسات العنصرية للبعض، وهي القضية التي ما تزال تشغل بال الكثيرين هناك.

أيها السادة.. كلما كانت الكوميديا أكثر شفافية في تعبيرها عن الواقع، كلما كانت أكثر قسوة وجراءة، لكنها حتما سوف تجعلنا نتعرف بصدق على مكامن الضعف أو الانحراف، وبالطبع تلكم هي أول خطوات حل أي مشكلة.


عبدالرحمن السلطان

الخميس، 4 يوليو 2013

لماذا يأفلون سريعاً؟


ما الذي يجعل نجومنا يأفلون سريعاً؟ ما الذي يجعلهم يغادرون دائرة اهتمام الجمهور مبكراً؟ للأسف هذا ما يحدث للكثير من مبدعينا, ليس فقط في المجال الفني, بل حتى في الرياضة والدعوة وغيرها.

ولعل أوضح مثال لما قد يحدث لصورة "النجم"؛ هو الاهتزار الحالي لسمعة الكثير من النجوم  في ساحة "توتير", بل تُبدل نظرة الجمهور تجاههم بمجرد "تغريدة" واحدة! قد لا تناسب قيم جمهوره المتابع, أو قد تفهم فهماً خاطئاً.




طبعاً هناك عدة أسباب لذلك, ليس أولها ضعف شخصية النجم نفسه, وفقره المعرفي, وغياب مهارات الاتصال الجماهيري, ولكن أهمها هو غياب "صناعة النجم" بمفهومها الاحترافي, فأغلب النجوم يتعامل بنفسه مع كل شيء, سواء على مستوى الأعمال, أو حتى في تواصله مع وسائل الإعلام, أو جمهوره المحب.

في الجهة المقابلة يحرص النجوم الغربيون على ضرورة وجود وكيل أعمال محترف, تتجاوز مهمته الإدارة المالية للنجم, إلى الإشراف التام على تفاصيل مستقبله, بداية من حياته الأسرية, مروراً بعاداته الغذائية, وتدريبه وصقل مهاراته, حتى تنسيق ظهوره في وسائل الإعلام, ومؤخراً إدارة حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذه الأنشطة تهدف إلى استمرار الصورة الإيجابية للنجم, لدى وسائل الإعلام والجمهور, مما يسهم في إطالة عمر نجوميته, وبالتالي استمراره ضمن المشهد الإعلامي.

وللأسف فإن كثيراً من نجومنا يستكثرون وجود وكيل أعمال لهم, بحجة أنه يشاركهم دخلهم المادي, الذي هو نتاج عرقهم وتعبهم, وهم يتناسون أن وجود الوكيل المحترف يزيد من ازدهار عمل النجم, ويفتح آفاقا جديدة له, ولنا في تجربة الاحتراف الرياضي المحلي قصص نجاح جيدة, قد تثير شهية البعض لاستلهامها في مجالات إبداعية أخرى

عبدالرحمن السلطان

  

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

فنان يلهب المخيّلة ويصنع الوحوش!

قد تكون لم تسمع بفنان المؤثرات الخاصة "راي هاريهاوزن " Ray Harryhausen، الذي توفي مايو الماضي، ولكنك بالتأكيد قد شاهدت ولو مقطعاً من أحد كلاسيكيات أفلام الإثارة والتشويق الأميركية؛ التي ساهم "راي" في إنتاجها.

لقد عمل هذا الفنان المبدع لمدة تزيد عن 50 عاماً في صناعة الخدع السينمائية، وتصميم الوحوش والمخلوقات الغريبة، وتحريكها بطرق مبتكرة، كما لو كانت حقيقية، بل كما لو كانت محرّكة بالبرامج الحاسوبية المتقدمة، التي تستخدم حالياً، وقلصت كثيراً دور فناني المؤثرات الخاصة. لكن الأمر الذي جعل "راي" مميزاً وسط "هاليوود"، المتخمة بالفنانين والمبدعين؛ هو شغفه الكبير بعمله وفنه، والذي بدأ من نشأته في مدينة "لوس أنجلوس" قبل 92 عاماً، حينما لم يمنعه والداه من الاهتمام بفن العرائس رغم أنه صبي، بل تطور الأمر إلى الهوس بجمع دمى وشخصيات أفلامه المفضلة، ومحاولة رسم وصنع المخلوقات البشعة بالورق أو بأي شيء آخر، وكثيراً ما كان يستذكر دهشته وتأثره الكبير من فيلم "العالم المفقود" last world، حينما شاهده لأول مرة عام 1925 مع والديه، وخصوصاً مشهد صراع الديناصورات فوق جبل شاهق، تم دفع أحدها ليسقط ويلقى حتفه، ثم فيلم king kong عام 1933، الذي حضره بالمصادفة، حيث إن عمته كانت تعتني بوالدة السيد "جورمان"، الذي أعطاها ثلاث تذاكر للعرض السينمائي، فأخذته هو وأمه كذلك. هذا الفيلم لم يحفزه فقط، بل غيّر من اتجاه حياته تماماً، ذلك أنه ومنذ خروجه من صالة السينما أمطر أمه وعمته بالأسئلة عن الفيلم، والغوريلا العظيمة، وكيفية تحريكها، وتسلقها ناطحة السحاب "ذا أمبير ستيت" في "نيويورك"، لكنهما لم تستطيعا الإجابة إلا على نزرٍ قليلٍ من الأسئلة، ليعود إلى المنزل ويبدأ رحلة البحث والقراءة في المجال، حتى صادف وجود معرض مؤقت في متحف مقاطعة "لوس أنجلوس" عن التقنيات التي استخدمت في الفيلمين اللذين أثارا مخيلته، مما مكنه من تصور أوسع لكيفية عمل هذه التقنيات.


يقول "راي" في لقاء صحفي سابق: "إنه حينما بلغ الثالثة عشرة من عمره أدرك أن مستقبله سوف يكون بين هذه الوحوش"، التي يحب طلتها على الشاشة الكبيرة، وليحدد هدفه أن يصبح أهم فنان مؤثرات وحيل سينمائية في السينما الأميركية، وكان له ما يريد، بل إن هذا الهوس المتواصل خلال مرحلة الطفولة انتهى ببداية شغوفة عملية، ففي سن الثامنة عشرة قام بتصميم عدد من نماذج الديناصورات، استخدمها في فيلم قصير طموح أطلق عليه: "تطوّر العالم"، الذي صور بداية الحياة على الأرض، حتى نهاية عصر الديناصورات، وعمل على استخدام وسائل تقنية معروفة، واعتمد على تقنية دمج الصور المتتالية للشخصيات غير المتحركة، لكي تبدو متحركة في نهاية الأمر، ولكنه بعد الانتهاء من فيلمه ومشاهدته لفيلمRites of Spring من "ديزني"، وجد أن فيلمه كان يعاني الكثير من المشاكل والعيوب التقنية.
لكن هذه الكبوة لم تكن سوى دفعة إضافية لاستمرار شغفه بالمؤثرات الخاصة، حتى كان التحوّل المحوري حينما التقى "ويليس أوبريان"، وهو الذي أبدع مؤثرات الفيلمين اللذين تأثر بهما "راي" سابقاً، حيث عمل مساعداً له في فيلم Mighty Joe Young، وكانت فرصة كبيرة لممارسة تقنية التحريك بإيقاف حركة الكادرStop Motion Animation, وحيث اجتمعت خبرة الفنان وشغف الشباب أنتج المبدعان فيلماً رائعاً، نالا عليه جائزة "أوسكار" أفضل مؤثرات خاصة، ورغم أن الفيلم لم ينجح جماهيرياً، إلا أنه قفز بتقنية "التحريك بإيقاف الكادر" خطوات عديدة إلى الأمام، وبعد سنوات من العمل مع "أوبريان" سطع نجم "راي" بسرعة، إذ إنه ركز بشدة على تطوير التقنيات، وابتكار وسائل جديدة، وتوالت نجاحاته، كما في فيلم "الرحلة الذهبية للسندباد"، وفيلم "مليون سنة قبل الميلاد"، وفيلم "السندباد وعين النمر"، ليصبح أيقونة المؤاثرات الخاصة بلا منازع، وليطوّر أسلوبا تقنيا جديدا أطلق عليه: "الأبعاد " Dynamation، وهي الجمع البصري ما بين الحركة الحيّة والتحريك بإيقاف الكادر، حيث يقدم حركة حية في خلفية المشهد، بينما هناك نموذج آخر ثابت يتحرك ببطء في المنتصف، ثم حركة حية في مقدمة الكادر، مما ينتج تجسيم المشهد المتحرك ببطء بدرجة أكبر، وغالباً ما كانت هذه الطريقة تستخدم في عرض معارك وحركات الوحوش والمخلوقات الغريبة، مما جعل بعض النقاد يطلقون عليها "التأثير السندويشي"، لأنها زادت من واقعية المشهد، وأقوى بكثير من تحريك النماذج أمام خلفية حية مسطحة فقط.



حتى إنه، وعلى الرغم من أن فيلمه الأخير "صدام الجبابرة" صدر عام 1981، إلا أن روعته الفنية استمرت خلال السنوات الثلاثين التي أعقبته، بل لا تزال نسخة هذا الفيلم الكلاسكية أفضل وأكثر إثارة من النسخة الجديدة التي صدرت قبل ثلاث سنوات، واستخدمت التقنيات الحاسوبية الجديدة.
المثير في الأمر أن القاعدة الأساسية لجذب الجماهير لحضور الأفلام هي مدى شهرة أبطال العمل، من نجمات أو نجوم محبوبين، عليهم تركز الحملة التسويقية للفيلم، وفي بعض الحالات يكون اسم المخرج سبباً إضافياً لجذب بعض الفئات، لكن حالة واحدة شذّت عن هذه القاعدة؛ وهي أن يجذب اسم فنان المؤثرات الخاصة الجمهور بنفسه! وهذا ما حققه العبقري "راي هاريهاوزن" بجدارة، وكلمة السر دائماً: الشغف.. ثم الشغف

عبدالرحمن السلطان 


الاثنين، 1 يوليو 2013

يا خسارة الابتعاث فيهم!

نعم؛ الابتعاث مبادرة رائعة، وأثرها يتجاوز الفرد بذاته إلى مجتمعه المحيط، وبالتالي وطنه الكبير، لكن كل هذا مشروط بقدرة المبتعث "الفرد" على الاستفادة الشاملة من بيئة الابتعاث الكاملة، وليس فقط مجرد حضور الفصول الدارسية، وإنجاز الفروض والأبحاث العلمية.

خلال هذا الصيف، أتيحت لي فرصة مقابلة عدد كبير من المبتعثين في أربع ولايات أميركية، وكم كنت فخوراً بالتعرّف على نماذج رائعة من الشباب السعودي المثقف، ولكنني للأسف صدمت بما رأيت من واقع مزعج لعددٍ من مبتعثينا، فكل علاقتهم بالابتعاث هو مجرد الذهاب إلى الجامعة والعودة منها فقط، دون انغماس حقيقي في النشاطات الجامعية الأخرى، أو محاولة الغوص في الثقافة المحلية للمجتمع الذي يعيش فيه حالياً.

بل زاد الطين بلّة؛ تقوقع شبابنا مع بعضهم في شققٍ مستأجرة، تتحول كما لو كانت استراحة شبابية في الرياض، ليمسي يوم صاحبنا المبتعث كالتالي: جامعة، ثم نوم، ثم "أربعة بلوت"، وقليل من الـ"بليستيشن"، ثم لقطة الختام بالكبسة السعودية
وللأسف، لن يدرك المبتعث الفرصة الذهبية التي يعيشها حالياً، إلا بعد عودته إلى الوطن، واكتشافه أنه يفتقر إلى الكثير من المهارات والمعارف، والتي كان لا يمكن اكتسابها في الجامعة فقط، بل هي نتاج تفاعل يومي، وتداخل ثقافي مستمر، طبعاً اللوم قد تتحمل الملحقية الثقافية جزءا منه، كونها تركز فقط على المتابعة الدراسية للمبتعثين، دون الاهتمام بالمكتسب الثقافي أو الاجتماعي لهم.
خلاصة الحديث: أيها المبتعث حاول أن تكسر حاجز الخوف، وأن تعيش التجربة كاملة دون تردد، وتداخل مع الجميع، وشارك بما تحب من نشاطات طلابية داخل الجامعة، أو خارجها، وتذكر أنك الرابح الأكبر من كل هذا.
عبدالرحمن السلطان