الجمعة، 30 أغسطس، 2013

برغر".. و"برغر"

فجأة ودون مقدمات تكاثرت مطاعم "البرغر"، وكأنما نكتشف هذه الوجبة لأول مرة! فما أن تتجول في شوارعنا حتى تدهش من العدد الهائل لهذه المطاعم
فجأة ودون مقدمات تكاثرت مطاعم "البرغر"، وكأنما نكتشف هذه الوجبة لأول مرة! فما أن تتجول في شوارعنا حتى تدهش من العدد الهائل لهذه المطاعم، التي أمست تنافس الصيدليات في أعدادها! وحققت الطرفة القديمة، أن بين كل مطعم "برغر" وآخر؛ مُطيعم "برغر" صغير!، بينما يرى أحد الأصدقاء من مدمني "نظرية المؤامرة"؛ أنها نتيجة الابتعاث وعودة جحافل "المتأمركين"!


ولكن يبدو أن هذا النوع من المطاعم أصبح الموضة الجديدة للاستثمار فيما يرغبه الشباب، وصارت هي المشورة الأولى لمن يريد استثمار ماله في أي مشروع، هكذا دون أي دراسة جدوى، أو تقديم شيء مميز، وذلك لاعتقاد البعض سهولة تحضير "البرغر" كوجبة، وأنه لا يحتاج إلى جيش من الطباخين والمساعدين كما هي الحال في المطاعم الأخرى، بينما الأمر يحتاج أكثر من مجرد توفير "لحم" وخبز و"صوص"! فالعبرة دوماً ليست بتقديم ما يقدمه الآخرون، حينها سوف تتحول إلى "تكملة" عددٍ للمنافسين، بل مجرد خيارٍ ثانٍ للجائعين في حال أن مطعمهم المفضل كان مزدحماً أو مقفلاً، وتنضم إلى قوافل الخاسرين، ممن قلّد مشروعاً تجارياً فقط لأنه رآه مزدهراً!، رغم أن فرصة النجاح بتقديم "برغر" ذي نكهة مختلفة مرتفعة جداً، في ظل منافسة هذه المطاعم التي تشبه بعضها في كل شيء. خصوصاً عند الحرص على مصدر اللحم، وتطعيمه بشيء من البهارات المحلية، ودعني أذكرك أن أقدم من دخل سوق مطاعم البرغر في أميركا، ليس بالضرورة هو الأشهر والأكثر انتشاراً الآن، كما هي الحال في سلسلة "وايت كاسل"، التي تراجعت كثيراً، والسبب عدم تقديمها للجديد وللمختلف عن الآخرين.
خلاصة الحديث: إن كنت من هواة "البرغر" فغامر وجرّب، ولكن تذكر أن تتميز عن الآخرين، خصوصاً بالوصفة المبتكرة، حينها سوف يعود لك الزبون، حتى لو لم يكن جائعاً!

عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17991


الاثنين، 26 أغسطس، 2013

"دال" أوباما

هل سبق أن اطلعت على خطاب أو قرار أصدره الرئيس الأميركي الحالي "باراك حسين أوباما"؟ إذا لم تكن قد اطلعت فدعني أخبرك أنك سوف تجده ممهوراً باسمه الصريح وإمضائه دون أن يسبق اسمه أي حرف أو ألقاب شرفيّة، سوى مسماه الوظيفي "الحالي" وهو "رئيس الولايات المتحدة الأميركية".





فقط اسمه هكذا دون أي شيء آخر، وهو الحاصل على شهادة الدكتوارة في القانون (J.D) وبمرتبة الشرف عام 1991 من كلية القانون بجامعة "هارفارد" العريقة، وهي من أرقى كليات القانون بالعالم كله، ليعمل محاضراً للقانون الدستوري لمدة 12 عاماً، وبالطبع كان يستخدم خلال تلك الفترة لقبه الأكاديمي، لأن ذلك يعد أمراً طبيعياً في الأوساط الأكاديمية، لكنه عندما ترك العمل الجامعي وانتقل إلى النشاط السياسي لم يعد يتاجر بذلك اللقب، لأنه من غير الطبيعي في المجتمعات المتقدمة أن يقوم الإنسان باستخدام لقب أكاديمي في حياته اليومية، رغم أنه يستطيع ذلك عبر وسائل الإعلام التي تلاحقه أو ظهوره الإعلامي المكثف.


هنا نجد أن الحاصل على الدكتوراة في أي تخصص يستخدام حرف "الدال" قبل اسمه في أي مكان، لأنه يؤمن أن ذلك سوف يكسبه مزيداً من الاحترام، وأنه سوف يحصل على امتيازات أكثر، وتلك ممارسة غير أخلاقية، فاللقب الأكاديمي يجب أن ينحصر استخدامه ضمن نطاقه المؤسسي فقط، ذلك لأن الحاصل على الدكتوراة في القانون التجاري ليس بالضرورة أن يكون متبحراً في القانون الجنائي، ناهيك عن إدراكه للعلوم الأخرى، ولك أن تلقي نظرة خاطفة على معرفاتنا في "توتير" لتجد قوائم الألقاب والمسميات التي تحوّلت إلى تسويقٍ شخصي وحجز مكانة اجتماعية؛ أكثر من كونها درجة علمية، وللأسف مجتمعنا لا يزال يكن تقديراً أكبر لمن يفخر بتلك الألقاب دون النظر إلى إنجازه الحقيقي


عبدالرحمن السلطان





الأحد، 25 أغسطس، 2013

لا.. لتعديل المادة 55!

دعوني أدخل في صلب القضية مباشرة.. لقد عملت سنوات طويلة من عمري الوظيفي في القطاع الخاص، وأعرف ماذا يعني خوف المواطن من مستقبله الوظيفي في القطاع الخاص، وهو ما تنوي وزارة العمل تدميره عن قصدٍ أو دون قصد!
حيث من المتوقع أن يصوّت أعضاء مجلس الشورى بعد عودتهم من إجازتهم "الطويلة جداً" على بعض التعديلات على نظام العمل والعمال، وأهمها تعديل "المادة 55"، التي تنص حالياً على أن عقد الموظف السعودي يتجدد تلقائياً بعد مرور 3 سنوات، إلى أن يكون التجديد سنوياً! مما يجعل الموظف السعودي رهينة لأرباب العمل، إذ سوف يتم التلويح بعدم التجديد دون وجه حق، عند أي خلاف عابر أو حتى دون أي سبب

ولكن البعض يرى أن التعديل سوف يجعل سوق العمل أكثر تنافسية وجذباً لذوي الكفاءات والخبرات، بينما الواقع خلاف ذلك، لأن هذا التعديل سيزيد من العوائق التي تمنع السعوديين عن العمل في القطاع الخاص، والتي ليس أولها تدني الرواتب أو طول ساعات العمل، بل أهمها هو غياب "الأمان الوظيفي"، والذي ما إن يتحقق حتى يرتفع عدد شبابنا في ذلك القطاع، كما هي الحال في "أرامكو"، أو شركات التشغيل الذاتي، لأن البيئة المهنية هناك تساعد على الاستمرار، وتجاوز كل الصعوبات، كما أن هذا التعديل يشكل أيضاً خطراً كبيراً على أصحاب الخبرات الطويلة في المجالات المتخصصة والنادرة، كالطيران مثلاً، والتي قد لا يجد الموظف الذي أنهي عقده تعسفاً بديلاً عنها.
ندائي الأخير لممثلينا في مجلس الشورى أن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يكرروا رفضهم السابق لهذا التعديل الجائر، فالأمان الوظيفي منطلقٌ مبدئي لسعودة القطاع الخاص؛ إن كنا جادين في ذلك.

عبدالرحمن السلطان





السبت، 24 أغسطس، 2013

الهندوسي وأفيال المسلمين

 ما الذي يجمع بين بروفسور "هندوسي" يعمل أستاذاً ورئيس قسم التصميم الحضري في جامعة "هارفارد" الأميركية وأفيال يمتلكها بضعة مسلمين في الهند؟

يقول المعماري الشهير "راؤول ميهروترا Rahul Mehrotra " إن هاجس الأمن الاجتماعي لأي مقيم هو أمرٌ أساسي لشعوره بالاستقرار، وهو لا يتحقق إلا عندما يحس الإنسان بانتمائه للمجتمع والجماعة، لكن هذا المبدأ لم يكن ممكناً لمربي الفيلة في قرية "هاثي جاون" بولاية "راجستان" الهندية، حيث سائسي الفيلة من المسلمين الذي يعيشون وسط ولاية ذات أغلبية هندوسية. ورغم دورهم الكبير في جذب السياح للمنطقة إلا أن الحكومة المحلية تلكأت في توفير سكن لهم، يكون قريباً من مصدر مياه وفيرة، نظراً لاحتياج فيلتهم إلى كميات ضخمة للاستحمام أو لإزالة أصباغ الزينة.

لم يفكر "ميهروترا" قط في ديانة سائسي الفيلة أو "الماهوت" كما يطلق عليهم السكان المحليون، ولكنه أدرك العلاقة الوثيقة بين هؤلاء وفيلتهم، لدرجة أنها لا تنام حتى يغني "الماهوت" لها، وأنها سوف تكون مفتاح دمجهم في المجتمع المحلي، لذا قام على تصميم منازل لهم ولفيلتهم في آن واحد!
وكان أن صمم منازل صغيرة ذات طابق واحد ليسكن الفيل في جزء من الطابق الأرضي، بينما يسكن "الماهوت" وعائلته في الجزء المتبقي! كما صمم الأسطح بشكل مستو حتى تتمكن الأسر من بناء طابق إضافي بعد تحسن دخلهم المادي، وهكذا وفي مطلع العام الماضي 2012م استقرت طلائع الأسر ليصل استيعاب القرية حتى الآن إلى مائة "ماهوتي" وعائلته.



يرى "ميهروترا" أنه أسهم بفن العمارة في إيجاد حلٍ مستدام لفئة منسية من الشعب الهندي، فمربو الفيلة الذين لم يتمكنوا قط من العيش مع فيلتهم أضحى حلمهم العتيق حقيقةً على أرض الواقع، وصاروا –أيضاً- جزءاً أساسياً من مجتمعهم المحيط.

عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 23 أغسطس، 2013

أصلح "لمبة" منزلك أولا!

ما إن يتخذ صاحبنا العزيز موقعه في صدر المجلس، حتى يبدأ سيمفونية التحليلات السياسية للأوضاع الراهنة في المنطقة
ما إن يتخذ صاحبنا العزيز موقعه في صدر المجلس، حتى يبدأ سيمفونية التحليلات السياسية للأوضاع الراهنة في المنطقة، وأنه سبق أن قال كذا وكذا، بل وتنبأ ببعض ما يحدث الآن، لكنه لا يكتفي بذلك، بل يبدأ إطلاق التهم ضد الجميع، ويصدر الأحكام القاسية تجاههم، هكذا دون تثبت من مصدر معلومة، أو فهمٍ أوسع لخلفيات القضية.

من الطبيعي أن يحلل الإنسان أي مشهد من وجهة نظره، التي غالبا ما تكون نتاجا تراكميا للبيئة التي نشأ فيها، ونوع التعليم الذي تعرض له، لكن من غير الطبيعي أن يسرف في الحديث عن الإصلاح والحلول وإدارة الأزمات وغيرها، وهو لم يقم بإنجاز ما يجب عليه أولا بالشكل المطلوب، ولم يستطع إدارة منزله الصغير بالشكل المثالي، حتى يتوقع من الآخرين إدارة الأزمات بأسلوب صحيح، فمثلا كثيرون لم يقوموا بتربية أبنائهم بالشكل المناسب، لكنك تراهم ليل نهار منشغلون بتقييم سياسة وأوضاع التعليم، ويلقون باللوم عليها في كل شيء، مع أن التربية والتعليم في المنزل تأتي أولا، أما غيرهم ممن لا حديث لهم سوى "حفريات" الطرق وسوء التنفيذ، تجد منزله الشخصي يئن تحت وطأة مصابيح كهربائية لا تعمل أبدا، أو دورة مياة معطلة منذ أشهر، دون إغفال إسناد أعمال الصيانة للأرخص سعرا والأقل جودة من العمالة السائبة.
نعم نحن مطالبون بأن نكون عينا على واقعنا، فنحن من يعيش فيه، ولكن لا بد أن نبدأ بأنفسنا ومنازلنا أولا قبل كل شيء، فالله – سبحانه وتعالى- يقول: (إِن الله لاَ يغيِرُ ما بِقَوم حتى يغيِروا ما بِأنفسهِم) الرعد 11.. والله المستعان

عبدالرحمن السلطان

 


الخميس، 22 أغسطس، 2013

مليونير "الكِيك" العجوز

بعد ظهور "تويتر" وازدهار نجم وسائط الاتصال الاجتماعي، ظهرت إلى السطح الكثير من تطبيقات الاتصال الاجتماعي، لكن الحظ لم يحالف أغلبها، لذا جزم خبراء كُثر أننا وصلنا إلى ذروة الاتصال الاجتماعي، وأنه لا مكان لأي شيء آخر.
وحده العجوز الكندي إسحاق رايتشيك  Issac Raichyk، كان مؤمنا أنه ما يزال هناك متسع لشيء جديد، وصدف أنه كان يعمل منذ سنوات على تصميم وبناء كاميرات الفيديو التي يمكن ارتداؤها، وكان يفكر بأن تكون تلك الكاميرات مرتبطة بشبكة اجتماعية، يمكن من خلالها نشر التحديثات الشخصية، وكان مؤمنا أن الأفراد يتوقون لمشاهد المقاطع المرئية أكثر من قراءة النصوص أو مشاهدة الصور، كما يحدث في "تويتر" أو "فيسبوك"، هذه الأفكار قادته إلى إدراك أن مقاطع "الفيديو" الشخصية بحاجة إلى منصّة سهلة التعامل، سواء من ناحية رفع المقطع، أو مشاهدته، أو التعليق عليه، كما لو كان الفرد يتصفح تطبيقا بسيطا، وهكذا ظهرت فكرة منصّة Keek، التي تعني بلغة العصور الوسطى الإنجليزية: "النظرة"، وبالذات تلك الخاطفة. وكانت الفكرة معتمدة على دمج أشهر تطبيقات الاتصال الاجتماعي في آن واحد، كما لو كان "تويتر" للفيديو، أو"يوتيوب" مصغّر؛ ليستطيع المستخدم رفع مقطع مرئي لا تتجاوز مدته 36 ثانية فقط.



المثير أنه واجهه في البداية عدم تقبل المستثمرين لفكرته، فاضطر للاستدانة من أقاربه وأصدقائه، حتى دشن فكرته في يوليو 2011، ليحقق على الفور نجاحا عالميا باهرا، مما جعل المستثمرين يسارعون إلى تقديم تمويل إضافي له، فقط بعد 3 أشهر من التدشين!.


لقد استطاع العجور "إسحاق" أن يحوّل أحلامه إلى حقيقة، وأن يمتلك الملايين، لكن الأهم هنا أنه استطاع النجاح وابتكار الجديد، في حين أن الجميع كان مؤمنا أنه لم يكن هناك متسع للمزيد!. 


عبدالرحمن السلطان


الأربعاء، 21 أغسطس، 2013

بين "المغرب" و"العشاء"

تبلغ الفترة الزمنية ما بين أذان المغرب وأذان العشاء في المملكة حوالي الساعة والربع، وهي مدة حددها "ولي الأمر" منذ فترة طويلة، وكان الهدف تعجيل صلاة العشاء، بحيث يستطيع الإنسان النوم بعد أداء فروضه، وتناول عشائه بعد صلاة المغرب، ولكن الظروف المعيشية وأحوال الناس تغيرت في وقتنا الحاضر، وتباعدت المسافات وازدحمت الطرق، وأضحت هذه المدة ضيّقة جداً، بل إنها تبلغ في واقع الأمر أقل من ساعة واحدة، إذا احتسبت بعد الانتهاء من صلاة المغرب، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان إنجاز أي عمل أو زيارة أي مكان خلالها، ويزداد الأمر صعوبة في الأسواق المركزية والمراكز التجارية، حيث تغلق بعض المتاجر أبوابها قبل الأذان بخمس عشرة دقيقة، بهدف الانتهاء من زبائنها الموجودين داخلها قبل أذان العشاء، مما يجعل الوقت الفعلي 45 دقيقة! وتلك مدة قصيرة لا تكاد تذكر.

وحيث روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن ‏آخر وقتها حين يغيب الأفق.‏ وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل"، فإننا ندعو هيئة كبار العلماء لإعادة دراسة اجتهاد الفترة الزمنية بين الصلاتين، وإطالتها، والاستفادة من تجربة تمديدها الموسمي نصف ساعة خلال شهر رمضان، تسهيلاً للناس، وتحقيقاً لسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بتأخير صلاة العشاء إذا لم توجد مشقة، وأمكنت الصلاة في الجماعة، وهذا متحصل الآن بانتشار المساجد وتوزعها، وإغلاق المتاجر وقت الصلاة، فقد ورد في الحديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه الترمذي

عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17872

الثلاثاء، 20 أغسطس، 2013

رسالة من المستقبل

جدي العزيز ـ رحمه الله ـ أبعث لك رسالتي هذه وأنا مُتكئ في القطار اللولبي تحت مدينة الرياض، إذ استغنيت عن سيارتي الخاصة منذ خمس سنوات، وصرت أتنقل بهذا القطار السريع، الذي ينقلني من الشمال إلى الجنوب خلال دقائق معدودة، إذ لم يبق على موعدي مع طبيب الأسرة والمجتمع إلا سبع دقائق فقط، وهي كافية كي أصل إلى "مركز الرعاية الأولية"، وأقابل الطبيب الذي يعرفني ويعرف أفراد عائلتي.. أه لا تقلق فهي مجرد زيارة دورية، فقط للتأكد من كل شيء.
هل تصدق يا جدي، إنني قبل ثلاثة أيام حاولت البحث عن مقر إحدى الإدارات الحكومية، ولكنني لم أستطع، فجميع من سألت استهجن السؤال، وأشار علي بإجراء المعاملات كافة عبر موقعهم الإلكتروني، أو التواصل معهم عبر قنوات الاتصال الاجتماعي، والتي ـ دعني أصدقك القول ـ إنها أضحت متداخلة بقوة مع مناحي حياتنا اليومية كافة، ولكنني بعد الإصرار اكتشفت أن المقر الرئيس لهذه الإدارة الحكومية هو في بلدةٍ صغيرة، تبعد عن العاصمة أكثر من 200 كلم!، ولك أن تعلم أن العاصمة لم يبق فيها الآن إلا عدد محدود من الجهات الحكومية، وأغلبها يستعد للمغادرة إلى إحدى المدن الأخرى.

جدي الغالي.. كم اشتقت لحديثك الشيق، وقصصك الرائعة، لذا فكرت باستعمال آلة الزمن ـ المتوفرة حاليا ـ للعودة إلى زمانكم، حيث اكتظاظ الطرق، وندرة الرعاية الصحية، وطغيان "الواسطة"، وغياب التخطيط المسبق، لكنني ترددت كثيرا، حينما أعدت النظر في واقعي الجديد، وقد قضينا على كل هذه العقبات، فقط حينما استثمرنا في "الإنسان" أولا، ثم طبقنا جميع الأنظمة واللوائح الموجودة، وهي بالمناسبة ما سبق أن أصدرتموها في زمانكم.. الأمر الذي يدعوني مرة أخرى لتكرار الدعاء لكم بالرحمة والمغفرة، والسلام عليكم
عبدالرحمن السلطان

 


الاثنين، 19 أغسطس، 2013

مبروك "جالك" خطأ!

لا أعرف ما الذي يحس به من يتتبع عورات الناس؟ وأي متعة يجدها في الكشف عن خطأ ما، لقد تفرّغ البعض مؤخراً للاهتمام بالآخرين أكثر من الاهتمام بأنفسهم، وتحولوا من مسؤولية البناء إلى الحرص على هدم أعمال الآخرين، مهما كانت مفيدة لغيرهم.
فما إن يجلس حتى ينطلق في حفلة سبابٍ وانتقادٍ لا تصدق، وكأنما يفرح لمجرد وقوع الآخرين في الخطأ، مع ملاحظة أن "الخطأ" هذا حسب رؤيته الشخصية، بينما قد لا يكون "خطأ" صرفاً، بل صواباً في حالات كثيرة، أو فهماً مختلفاً لفكرة محددة، أو اجتهاداً يحتمل الصواب والخطأ، لكن صاحبه هنا اجتهد وقدم شيئاً، ولم يتوقف على قارعة الطريق، فقط ليتكلم ويتنقد، دون أن يقدم شيئاً.


ولعل المتتبع لردود فعل بعض جمهور "تويتر" يرى العجب العجاب، من سوء الأخلاق، والحرص على تتبع العثرات، والتركيز على تكبير أي ملاحظة، مهما كانت صغيرة أو لا تستحق التوقف، كملاحظة الأخطاء اللغوية والإملائية في التغريدات، دون الاهتمام بالمحتوى وهو الأهم بالطبع، أو سياسة الكيل بمكيالين لمواقف البعض، أو تعليقاتهم على الأحداث حين تكون "خطأ" لا يغتفر للبعض، بينما يتجاوز عنها عند البعض الآخر، فقط لأنها توافق الهوى، أو لأن الشخص مرضي عنه، دون إغفال السرعة الشديدة في الرد، وكأنما كان صاحبنا ينتظر تلك الكلمات، حتى يرد عليها بأقذع ما ينضح به إناؤه.
نعم.. النقد مهم، وحاجة ضرورية لتقدم الأمم، لأن ذلك يعدل الأخطاء، ويصحح المسار، ويرفع من مستوى المادة المنجزة، لكن أن يتحول النقد وتصيّد الأخطاء إلى منهج حياة، أو أن يتفرغ البعض لممارسته فقط؛ فتلك انتكاسة حضارية، وتعطيلٌ للعنصر البشري في ما لا ينفع، عن إنجاز ما ينفع.
عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17846


الأحد، 18 أغسطس، 2013

قصتي مع "السميط"

إنها "الفرعاء" جنوب غرب "أبها"، يونيو 2002م، أما الحدث فهو: "الملتقى الطلابي الثاني"، الذي جمع طلاب الكليات الصحيّة من كافة أنحاء المملكة، كنت أتولى رئاسة اللجنة الإعلامية، وأشرف على تدريب طلاب الكليات الصحية من ذوي الميول الصحفية في النشرة اليومية للملتقى، فضلاً عن توثيق الفعاليات والنشاطات.
كان المحور الأساسي للملتقى هو: "الإبداع في العمل الصحي"، وكان الداعية د. عبدالرحمن بن حمود السميط المتحدث الرئيسي، حيث إنه أبدع وانطلق بالرسالة الطبية إلى آفاقٍ أوسع، وحقق المفهوم الإسلامي من مهنة الطب، وصدف أن كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تزال تخيّم على أوضاع العمل الدعوي في كافة أنحاء العالم، حيث تعرضت الكثير من المؤسسات الإسلامية للإغلاق أو التضييق، لأسباب كثيرة، أهمها تركيزها على العمل السياسي أكثر من النشاط الإغاثي، بينما استمرت "جمعية العون المباشر"، التي أسسها السميط، بسبب وضوح رسالتها، وشفافية عملها.


وصل السميط إلى أرض الملتقى عصراً، عبر رحلة طويلة من أفريقيا إلى جدة ثم أبها، لكنه أبى إلا البقاء بين أبنائه الطلاب لساعات طويلة، يحدّث هذا، ويبتسم لذاك، وكنت قد اتفقت معه على حديثٍ لمجلة "البلسم" الطبية التي للتو بدأت رئاسة تحريرها، وكان لي شرف الجلوس معه لساعتين متواصلتين، أجاب فيها على الكثير، رغم أن بعض الأسئلة كانت تقليدية، ويمكن الحصول عليها من لقاءات سابقة، لكنه أصر على الإجابة عليها، وخصوصاً السؤال التقليدي عن كيفية انخراطه بهذا العمل العظيم، ما زلت أتذكر استذكاره الدائم لزوجة الشيخ جابر الأحمد الصباح، التي طلبت منه بناء مسجدٍ خارج "الكويت"، فكانت بدايته العظيمة بناء مسجدٍ في جمهورية "ملاوي"، ومنها انطلق للملايين من مسلمي أفريقيا، وتلك رواية تحتاج إلى الكثير من المقالات، رحم الله الرجل الذي كان أمّة وحده.


 عبدالرحمن السلطان


السبت، 17 أغسطس، 2013

"الخَشاش".. تطل من جديد

لن نتعلّم من أخطائنا أبداً، فها هي سوق الأسهم المحلية ما إن بدأت في الانتعاش والتحليق عالياً؛ إلا وهرع الخاسرون مرة أخرى إلى ميدان خسارتهم من جديد!
لست كاتباً اقتصادياً، ولكن نواميس الحياة تقول إن العودة إلى السوق نفسها، وبالأدوات نفسها، سوف تؤدي إلى النتيجة السابقة ذاتها، وهي ربح وهمي سريع، ما يلبث أن ينقلب إلى خسارة محققة، لا تأكل فقط الربح، بل تقضي على رأس المال كذلك!

أتذكر البعض وقد حلف أيماناً مغلظة أن لا يعود إلى السوق مهما كان الأمر، وها هو اليوم يدخل برأسماله كله من جديد، ويتجه حصراً إلى أسهم شركات "الخشاش"، وكأنما لم يتعلم درساً قاسياً مما مضى! وأسهم "الخشاش" لمن لا يعرفها يا سادة: هي أسهم الشركات الخاسرة أو التي لم تحقق ربحاً حتى الآن، وتتميز بقلة عدد أسهمها الحرّة، مما يسهّل عملية التحكم والتلاعب بالسهم، كما أن رأسمال بعضها لا يزال يتآكل، بينما سهمها يصعد إلى السماء يوماً، ويضرب القاع يوماً آخر!

من جهة أخرى، تعد سوق الأسهم فرصة ذهبية لاستثمار الأموال؛ ولكن في الشركات الناجحة والمستقرة، ذات الأصول الحقيقية، والتي توزع أرباحاً سنوية، ويقوم على إدارتها مجلس إدارة ناجح وكفء، وليس كما شركات "الخشاش" التي لا تزال تخسر، ولا تزال مجالس إداراتها على رأسها!
لست بصدد إعطاء مشورة فنية، ولكن وضع البيض في سلة واحدة أمرٌ خطير، ومحاولة "الفهلوة" التي يحاول البعض اقتنصاها بشراء أسهم "الخشاش"، ثم ذرف الدموع حين مشاهدة السهم وهو يتقهقر لن تنفع أحداً، سوى مضاربي السوق الذين يفرحون كل الفرح مع كل هجوم "قطيعٍ" على أسهمهم الخاسرة..
عبدالرحمن السلطان

 


الجمعة، 16 أغسطس، 2013

"شوط بقرة"

يبدو أن أمثالنا الشعبية تثبت يوماً بعد يوم أنها ليست فقط تعبيراً صادقاً عن ماضينا، بل حتى عن واقعنا الحالي، فها هي جهود بعض المؤسسات الحكومية الخدمية تعمل كما لو كانت "شوط بقرة"!.. ولكن ماذا يعني ذلك؟ دعوني أشارككم هذه القصة الشعبية:

يحكى أن رجلاً من "نجد" أعجب ببقرة، فقام على تربيتها والاعتناء بها، وغرّه شكلها ووزنها، وصار يقدم لها أجود الأعلاف، بل حتى صار يقدم لها "عليق" الخيول، ليعدّها للمشاركة في سباق الخيل! ولما حانت ساعة الصفر وانطلق السباق، تقدمت البقرة وانطلقت بسرعة شديدة، ولكنها ما لبثت أن توقفت وفتحت فمها، حاول مالكها ضربها بخيزرانته، ودفعها للعودة إلى السباق، ولكن دون جدوى، فقد كان "شوط بقرة" وفقط، ركضت سريعاً ولكن لفترة قصيرة، وصار هذا المثل يعبر عمّن يهتم لأمر ما بشدة ولكن لمدة خاطفة.


وللأسف فإن هذا المثل البسيط يعبّر بصدقٍ عن واقع حماس وجهد بعض الجهات الخدمية، وخصوصاً المنشأة حديثاً، حيث ما إن تبدأ بالتفتيش ومراقبة سلعة ما؛ حتى تتوقف فجأة، وكأن شيئاً لم يحدث، وما تلبث أن تطلق سيل التبريرات والأعذار، رغم توافر الإمكانات المادية والبشرية، لكنه غياب التخطيط وسوء التنفيذ، أو كما يحدث حين تفيق جهة ما من سباتها، بعد أن تسلّط الصحافة المحلية الضوء على قضية تخصّها، والأمثلة كثيرة ومتعددة.

لقد تحول نشاط البعض إلى مجرد "شوط بقرة" موسمي، نسعد به قليلاً، ثم نفتقده سريعاً، رغم أن الأصل استمرار العمل، وعلى مستوى مقبول من الجودة، فهل نرى مؤسساتنا الخدمية وقد تحوّلت إلى "خيول سباق"، لا تتوقف عن المنافسة، والركض نحو المقدمة؟


عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17810


الخميس، 15 أغسطس، 2013

"لعدم التفرّغ"

جاء في الأثر أن "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وتلك حقيقة تؤكدها الشواهد اليومية، فلا يمكن لموظف حكومي أو أهلي أن يصبح غنيا فقط من وراء راتبه الشهري، بينما من يعمل في التجارة يستطيع دخول عالم الثراء، ولكن بشروط.
ولعل أهم شرط لنجاح المغامرة التجارية هو التفرّغ الحقيقي لممارسة النشاط، وليس إدارة المشروع بواسطة الهاتف الجوال، أوالزيارات الخاطفة!؛ لأن الغياب عن مشروعك يجعلك غير مدرك لتفاصيل العمل، وغير ملّم بدهاليز النشاط، كما أنه يفتح باب التلاعب والاختلاس، فالمال "السائب" يعلّم السرقة، مهما توافر من وسائل الرقابة والمتابعة، فكم من نشاط تجاري واعد، ومعتمد على دراسات جدوى واضحة ودقيقة، كان سبب الفشل الأساسي هو: "عدم التفرغ" لإدارته، وحل مشاكله، والتعرّف على تفاصيله.

وللأسف فإن الكثيرين يحلمون طويلا بالثراء، ويعتقدون أنه يتحقق بمجرد افتتاح المشروع، بينما العمل الحقيقي والصعب يبدأ بعيد الانطلاق، وأن من يصبر، ويقضي الساعات في عمله، وبين موظفيه وزبائنه، سوف يحصل على رصيد ضخم من الخبرة والتجربة، تساعده على تجاوز الصعاب، وفهم الاحتياجات المستقبلية والمتغيرة لنشاطه التجاري، ولعلي هنا استذكر المثل الشعبي القديم "اكسر رجلك في المحل"، والذي يلخّص العلاقة المفترضة بين صاحب المحل ومحله، وضرورة التفرّغ الحقيقي للعمل، وانظر حولك تجد أن أغلب رجال الأعمال المشاهير قد تفرغوا لأعمالهم مبكرا، ولم يكونوا يديرونها بواسطة "الريموت كنترول" كما يتمنى البعض، لذا لا تتعجب عزيزي من وجود الكثير من لوحات "التقبيل لعدم التفرغ"، فالحقيقة الدائمة أننا نريد الحصول على المال والثراء دون أن نبذل جهدا بسيطا في سبيل ذلك، وأول هذا الجهد هو التفرّغ يا سادة.
عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 15 أغسطس 2013م



الأربعاء، 14 أغسطس، 2013

قصة "لجنة"

ولدت قبل ثلاث سنوات بالتمام والكمال، ولله الحمد ما إن ظهرت على وجه الدنيا إلا ووكيل الوزارة يرأسني، ويقوم مدير إدارة مختص بمهام الأمانة العامة، فضلا عن كوني من اللجان المحظوظة في الوزارة بعضوية ممثلين من خارجها، مما أكسبني بعدا وطنيا مقارنة باللجان الأخرى الشقيقة.
كانت البدايات مشجعّة، وكنا على وشك إنهاء مهمتنا من الاجتماع الثالث فقط، لكن أغلب الأعضاء اتفقوا على ضرورة جمع مزيد من المعلومات، ودراسة خيارات أوسع، الأمر الذي سوف يزيد من رجاحة توصياتي، ويجعلها قابلة للتنفيذ، غير أن استمرار تلك العملية استغرق وقتا أطول مما توقعنا، مما جعلنا نلتفت وندرس مواضيع أخرى، لم تتخذ فيها أي إجراء!


ومما زاد الطين بلّة هو أنني بعد مرور سنة فقط، اضطررت لإنجاب لجان فرعية أخرى، تقوم بدراسة موضوعنا الأساسي، ولكن من جوانب فنية محددة، وكان قرارا حكيما، إذ تفرغ أعضائي لتجاذب أطراف الحديث العام ومناقشة المستجدات بشكل أوسع.
طبعا ما تزال اللجان تجتمع باستمرار وضمن جدولة واضحة، ويتم صرف مكافآت الأعضاء في وقتها دونما تأخير، فأهم شيء يا سادة هو ألا تتأخر حقوق الأعضاء، فهم يكدحون في تحضير مواد جدول الأعمال، ويتفانون في المناقشة والتعقيب، رغم أن البعض - وأكرر البعض - قد لا يحضر بعض الاجتماعات لسبب أو لآخر، ولكن رئيسي الموقر يصرّ على ضرورة إضافة أسمائهم لمحضر الاجتماع، حتى لا يحرموا بدل الحضور، بالتأكيد بعد موافقته الكريمة.
أيها السادة: قد أكون لجنة صغيرة في العمر، مقارنة بزميلاتي ممن تجاوزت أعمار بعضهن عقودا من الزمن، لكنني أدركت القصة مبكرا، وأن سنواتي سوف تطول دون نتيجة، وأن أبنائي من اللجان الفرعية سوف يتحولون في النهاية إلى لجان كاملة الأهلية، ولله الحمد والمنّة.
عبدالرحمن السلطان




الثلاثاء، 13 أغسطس، 2013

بلا أصدقاء!

أتعجب كثيراً من الذين يعيشون بلا أصدقاء! وهم للأسف في مجتمعنا كثر، بل يتزايدون يوماً بعد الآخر.. وبالتالي دعوني أكون أكثر وضوحاً: "أصبحت أشفق على من يعيش وحيداً".. تخيّل إنساناً يمضي في حياته هكذا دون صاحبٍ رشيد يحاوره، دون محبٍ صادق يفرح لنجاحه، أو يحزن لكبوته.
نعم الزوجة والعائلة عنصران أساسيان في حياة الإنسان، ولكنهما ليسا كل شيء، فالزوجة سكن وعشرة، لها ما لها، وعليها ما عليها، والأبناء نتاج جيل مختلف عن جيل والديهم، لذا فالإنسان بحاجة إلى رفيقٍ برتبة صديق، يقاربه في العمر، ويقبل حديثه، ويشاركه خبرته.

الصديق ليس مجرد إنسان تأنس لحديثه، أو شخص تضحك من تصرفاته، بل هو إضافة حقيقية للإنسان الفرد، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يحتاج إلى إشباع عاطفته، ضمن دوائر متعددة، أولها العائلة، ثم دائرة الأصدقاء، التي تكبر وتتسع، بناء على رغبة الإنسان ومدى تقبله للآخرين.

لكن الحذر كل الحذر من التساهل في ترقية رتبة البعض من مجرد زميل عمل أو رفيق سفر إلى صديق، فالصداقة أسمى وأنبل العلاقات بين البشر، حيث لا مصلحة مادية أو معنوية من تلك العلاقة، التي تفسد حالما تدخل المصلحة فيها، لذا يحرص الكثيرون على عدم الدخول في شركات مالية أو مشاريع تجارية مع أصدقائهم، ويعدونه مبدأ أساسياً في العلاقة، وفي الحقيقة تلكم قاعدة صحيحة، وغالب من كسرها وتعامل مالياً مع أصدقائه؛ إما أن يفقدهم أو أن يخسر ماله!
خلاصة الحديث: احرص على انتقاء أصدقائك، فهم مرآة حياتك، وهم من يساعدك على تجاوز مصاعبك، والأهم من ذلك: هم من يجعل لفرحتك معنى وقيمة.



عبدالرحمن السلطان


الأحد، 11 أغسطس، 2013

أساطير المشي

من السهل أن تعدد العقبات قبل أن تنجز مهمة ما، كما هو الحال في الرياضة الغائبة: "المشي"، فقائمة العراقيل التي تتفتق عنها أذهاننا متعددة ومنها: الطقس الحار، غياب وقت الفراغ، عدم تهيئة الطرق، وغير ذلك، لكن الملاحظ أن كثيراً ممن عقد العزم الصادق على المشي المنتظم؛ استطاع التغلب بسهولة على تلك الحواجز الوهمية، وأضحى المشي جزءاً أساسياً في برنامجه الأسبوعي أو اليومي.


فعذر الطقس الحار يمكن التغلب عليه بالمشي خلال الصباح الباكر أو قبل غروب الشمس، أو حتى المشي داخل المجمعات التجارية المغلقة، كما أن التحوّل التدريجي في تصميم شوارع مدننا نحو أن تكون صديقة للمشاة، ساهم في تسهيل المشي، أما أسطورة القول أن مشاغل الحياة تقف حجر عثرة أمام المشي المنتظم؛ فيكذبها انتظام عددٍ كبيرٍ من المسؤولين الكبار ورجال الأعمال في مشيٍ منتظمٍ يصل إلى خمس ساعات أسبوعاً، سواء في الحل أو في السفر!

خلال السنوات الماضية تحوّل المشي من مجرد ترفٍ رياضي إلى ضرورة صحية، يفرضها سوء نمط الحياة اليومية التي نعيش، من أعمال مكتبية، واعتمادٍ هائلٍ على التنقل بالسيارة، وإنجاز جلّ الأعمال بواسطة الأجهزة الإلكترونية، لكن الارتفاع المتصاعد للوعي بأهمية المشي يجعلنا أكثر تفاؤلاً بانتشار هذه العادة الحميدة بين شبابنا قَبل كهولنا، خصوصاً مع وجود تطبيقات الهواتف الذكية، والتي تساعدك على احتساب مسافة ومدة المشي، وكذلك تحتسب معدلك الأسبوعي والشهري بشكل إحصائي، الأمر الذي يدفع لمزيدٍ من المشي، أو على الأقل المحافظة على حدك الأدنى المسجل.

قدرتك على المشي نعمة من الله –عز وجل-، فلا تفرّط فيها وأنت قادرٌ عليها الآن، ذاك أن محاولة المشي متأخراً تجعله أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً!
عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17763

الرجل الخفاش

أتذكر في مسقط رأسي "القرينة" رجلا كهلا كان يقوم بإصلاح مكائن ضخ مياة الآبار، وهذا أمر متوقع وعادي في بلدة زراعية، لكن الأمر المثير هنا أنه كان كفيفا، وكان يصلح تلكم المعدات بناء على خبرته السابقة حينما كان مبصرا، لكن مهارته الجديدة كانت تحديد الخلل من صوت المكينة فقط!

هذه القدرة العجيبة تؤكد وجود منجم هائل من القدرات الكامنة لدى بني البشر، فها هو الأميركي "دانيال كيش Daniel Kish" الذي فقد كلتا عينيه وهو لم يتجاوز شهره الثالث عشر؛ يتجاوز إعاقته بنفسه، ويبتكر أسلوبا جديدا للتعامل مع واقعه الصعب، فمنذ صغره تعلّم إصدار طقطقة غريبة بلسانه، هدفها محاولة التعرف على ماهية محيطه، وخلال سنوات متتالية استطاع أن يبتكر طريقة متكاملة لتحديد المواقع بواسطة "رجع الصدى"، كما لو كان طائر "الخفاش".



والفكرة ببساطة أن يطقطق بلسانه، مما ينتج موجات صوتية، ليرتد رجع صدى هذه الموجات بعد اصطدامها بالأسطح المحيطة، فتلتقطها الأذن على شكل أصداء مختلفة الشدة، ليقوم الدماغ بمعالجتها، وتكوين صور متحركة للواقع المحيط به. هذه الممارسة ساعدت "دانيال" على الخروج إلى العالم، والتعامل مع الآخرين كما لو كان شخصا مبصرا، حتى أنه اليوم يقود دراجته الهوائية بسرعة فائقة، وسط مدينته المزدحمة، دون أن يصيبه حادث واحد، على رغم أن ذلك يستلزم منه الطقطقة بمعدل مرتين في الثانية الواحدة! حتى يستطيع إدراك تضاريس الطريق، ليمسي "الرجل الخفاش" كما يطلق عليه أصدقاؤه.


وبعد نجاحه الباهر مع نفسه؛ أسس منظمة خيرية تدعى: "اقتحام العالم للمكفوفين"، تعنى بتعليم وتدريب الآخرين على ممارسة الطقطقة، والتي دربت حتى الآن ألف طالبٍ كفيف، في 30 بلدا حول العالم.. صدق من قال: "العمى عمى البصيرة، وليس عمى الأبصار".

عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17752


السبت، 10 أغسطس، 2013

يسوقون أي مدينة!

لا أعتقد أن أحداً ما يجادل في أن "الأميركان" هم أباطرة التسويق، ذلك لأنهم يستطيعون تحويل "أي شيء" إلى منتجٍ قابل للبيع، كما أنهم مبدعون في إطالة العمر التسويقي للمنتج باستخدام وسائل تسويق مختلفة تتنوع وتتغير مع تطوّر المجتمع واختلاف الفئة المستهدفة.
لكن في اعتقادي يبرز أهم نجاحٍ تسويقي للأميركان في مجال السياحة، فلقد استطاعوا على مدى عقود طويلة بناء صناعة متكاملة ركنها الأساسي آلة تسويقية ضخمة، وعمادها الاستفادة القصوى من أي ميزة متوفرة في المدينة، حتى لو كانت تافهة، أو تهم فئة ضيقة من الجمهور.

ولك أن تلقي نظرة على أغلب المدن والبلدات الأميركية، حينها سوف تجد أن جميعها تتميز بشيء ما مختلف، فتلك مدينة يوجد فيها منزل سكنه أحد المشاهير، وتلك بلدة حدثت فيها معركة حربية، وأخرى تفخر بطبق تشتهر به، وحتى المدن التي لا يوجد فيها شيء من تلك المميزات؛ يتم ابتكار حدثٍ يميزها عن غيرها، كمهرجان للكراسي الخشبية المعقوفة، أو مهرجان للقطط الملونة، وهكذا دوليك، فالهدف واحد وواضح، جذب الجمهور بأي طريقة، وتسويق البلدة كمركز جذب سياحي، مما يعني تحريك اقتصادها نهاية الأمر، طبعاً يترافق هذا مع إبراز المزيج التسويقي في أبهر صوره، سواء على مستوى توفير المعلومات أو دعم الأنشطة اللوجستية بالمدينة.
الأمر الجميل هنا؛ أننا في المملكة مؤهلون للقيام بمثل ذلك وأكثر، فمساحة بلادنا واسعة وتحتوي على ثقافات متنوعة وفلكور متمايز؛ يجعل من السهولة تسويق كل مدينة أو بلدة بما تتميز به، حينها نستيطع أن نرتقي بمفهوم سياحتنا الداخلية من مجرد البحث عن متنزه هنا أو شاطئ هناك، إلى مستوى ثقافي واقتصادي أعلى، لكن يبقى السؤال الدائم: من يعلّق الجرس؟

عبدالرحمن السلطان

 


الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

البروفيسورة التي لم تخجل.. مرتين

القاعة مكتظة بالمئات من آباء وأمهات الأطفال المصابين بالتوحّد، والعديد من الدارسين والمهتمين، والمناسبة هي المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للتوحد في "بوسطن" عام 1981.. الضجيج يعلو المكان، وفجأة تقف "تمبل جراندن Temlpe Grandin " في مكانها، لتعارض حديث الخبير الذي كان يتحدث، ثم تكشف عن هوّيتها، وأنها مصابة بالتوحّد، مما جعل الجمهور ينصت لها بهدوء.

كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها شخص معروف عن توحّده أمام محفل واسع! لكنها كانت المرة الثانية التي لم تخجل "جراندن" فيها عن التعبير عن مكنونها، وبينما كان الجمهور يتوقع أنها شفيت من الحالة، اعتماداً على شجاعتها وتماسك حديثها؛ أكدت على أنها لا تزال تتعايش مع التوحّد، وأنها لم تتجاوز صعوباتها إلا بمساعدة والدتها، التي رفضت منذ البداية قبل أكثر من ثلاثين سنة أن تتحول فتاتها إلى مختلة عقلية، لا تتكلم، أو لا تتفاعل مع مجتمعها، فعملت بجدٍ وصبر على تحسين سلوكها، وتعليمها ليل نهار، حتى نطقت أول حروفها في سن الرابعة! ثم ختمت "تمبل" حديثها الجريء، بعد أن طلب منها الصعود على المنصة، بجملتها الشهيرة: "نعم أنا مختلفة، ولكنني لست أقل"! كانت تلك فرصة حقيقية أن يُستمع لمتحدث حقيقي عن مشاعره وآلامه، تقول "روث سي سولفيان"، إحدى مؤسسي جمعية التوحد الأميركية: "سُئلت "تمبل" العديد من الأسئلة: "لماذا يدور ابني كثيراً؟" "لماذا لا ينظر إلي؟" "لماذا يضع يديه على أذنه؟" لقد تحدثت من خلال تجربتها الخاصة وبصيرتها المثيرة للإعجاب، امتلأت عيون الكثيرين بالدموع"، وسرعان ما أضحت هذه الفتاة المتحدثة الأكثر رواجاً في مجتمع التوحّد.

كانت البدايات صعبة، ومؤلمة، مضايقات متنوعة لاحقتها خلال مرحلة الدراسة الثانوية، إذ كان زملاؤها يدعونها بـ"شريط التسجيل"، لأنها كانت تردد كل شيء مراراً وتكراراً، تقول عن تلك الذكريات: "قد يضحكني ذلك الآن، ولكنه كان أمراً مؤلماً في الماضي"، والسبب كان بالطبع عدم تفهم زملائها - والمجتمع كذلك - أن المصاب بالتوحّد قليلاً ما يتفاعل مع الكلمات، ولكنه موهوب بالتعامل مع الصور، وكل ما يحس، ولأسف لم يدرك هذه الحقائق سوى معلم "العلوم" في مدرستها، الذي استطاع أن ينتشلها من الانزواء بعيداً، وأن يتفّهم قدراتها الكامنة، ويطلق تفكيرها البصري، وخيالها العلمي.
في الخامسة عشرة من عمرها زارت "تمبل" لأول مرة خالتها في "أريزونا"، التي تعيش وسط مزرعة رعاة بقر، مما جعلها تقترب أكثر من الحيوانات، وأن تشاهد كيف كانت تساق قطعان الماشية إلى المجزرة، في ظروف سيئة ودونما رحمة، مما يجعل بعضها ينفق قبل الذبح! حينها أدركت أنها ليست الكائن الحي الوحيد الذي يصاب بالهلع، من الأصوات والروائح والأضواء. حاولت المساعدة دون جدوى، ثم حاولت البقاء في المزرعة، لكنها وبضغط من أمها انضمت لكلية "فرانكلين بيرس"، لتدرس علم النفس، ومرة أخرى وجهت الكثير من المضايقات، والأسوء عدم قدرتها على مواكبة الدراسة، وضعف تفاعلها الاجتماعي مع زملائها وزميلاتها، مما حدا بها أن تصنع بنفسها ما أطلقت عليه "جهاز العناق"، الذي يشابه الجهاز الميكانيكي الذي يحتجز البقرة قبل صعقها بالتيار الكهربائي، لكن إدارة السكن الجامعي قامت بالتحفظ عليه، نظراً لغرابته، لكن "تمبل" لم تسكت واعترضت على ذلك، وقامت بإعداد دراسة علمية على بعض زملائها تؤكد الأثر الاسترخائي للآلة، وكان لها استعادة آلتها من جديد.
أما المرة الأولى التي لم تخجل منها: فهي قولها على رؤوس الأشهاد: "أنها تفكر كما لو كانت بقرة!"، وذلك عندما بدأت تنشر أفكارها حول رؤيتها الجديدة لتصميم حظائر ومسارات الماشية، حينها واجهت عاصفة من الرفض، بسبب كونها امرأة، والتكلفة الهائلة لمقترحها، لكنها أصرّت على موقفها، وأضحت تبحث هنا، وتعمل هناك، ثم تنشر أفكارها في مجلة زراعية، حتى جاءتها الفرصة، حينما قابلت بالمصادفة مقاول حظائر، كان يزور المجلة، وكان أن قامت برسم المخططات بنفسها، بعد أن اعتذر الرسام عن إنجازها في الموعد المحدد، وانتهت منها خلال ليلة واحدة فقط!

كانت الفكرة تصميم مسارات معدنية منحنية، دون أية مؤثرات مزعجة، تهدف إلى الحد من توتر الحيونات قبل وصولها للمذبح، وكذلك تعديل مسار غسيل الماشية في الماء، وعلى الفور نجحت الفكرة، ووفّرت عدد الأيدي العاملة في المسارات، وقلّصت نفوق الحيوانات قبل ذبحها، وعزت نجاح فكرتها إلى فهمها لطبيعة وتصرف الحيوان، وكانت تقول دوماًَ: "إذا أردت أن تفكر كالحيوانات.. فلا تفكر بالكلمات"، وهكذا استطاعت امرأة واحدة أن تغير من واقع صناعة تتجاوز 70 مليار دولار!


اليوم تعمل "جراندين" بروفيسورة لعلم الحيوان في جامعة ولاية "كولورادو"، ومستشارة في سلوك الحيوانات لكبرى شركات الماشية، وتعتبر من مشاهير المدافعين عن حقوق مرضى التوحّد ليس أميركا فقط، بل حتى على المستوى الدولي، ولقد توجت هذه المسيرة بدخولها قائمة المئة الأكثر تأثيراً على العالم، حسب مجلة التايم لعام 2010، وأنتج فيلم سينمائي يحمل اسمها، والذي أنصح – بشدة - والدي أي طفل توحدي بمشاهدته.

ورغم رزنامة عملها المحجوزة لمدة عام قادم وأكثر، إلا أنها لا تزال تجد الوقت الكافي للمشاركة التطوعية في البحوث العلمية التي تجرى على المصابين بالتوحد، وتستمر في حشد الرأي العام لدعم أبحاث التوحد، ورفع مستوى الوعي بحقوق التوحديين وكيفية التعامل معهم، لكن رسالتها الأهم هي: أن التدخل المبكر لمعالجة التوحّد، بالإضافة إلى وجود معلمين مُدربين، يساعد على توجيه أطفال التوحّد نحو الحياة الطبيعية، ودمجهم في المجتمع، وهذا ما حدث لها بالطبع، بل الأهم من ذلك؛ تحقيق الاستفادة القصوى من مهارات التوحّديين، ذلك أنهم غالباً ما يكونون بصريين، وذي حساسية شديدة للضوء والروائح، حينها سوف يتحولون إلى إضافة حقيقية للمجتمع، تفوق بالتأكيد الكثير من الأشخاص الطبيعيين.

عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17709