السبت، 28 سبتمبر، 2013

إحصاءات سعودية مثيرة -2

نتابع في هذا المقال عرض بعض الإحصاءات المثيرة، التي خرجت بها دراسة د.صلاح المعيوف ود.محمد المهنا، من معهد الإدارة العامة بالرياض، خصوصاً أن المقالة الماضية أثارت كثيراً من النقاش، وكانت الأكثر مقروئية في الصحيفة.
لكن دعونا نتوقف عند النتيجة "الصادمة"؛ وهي: "كلما زاد المستوى التعليمي للموظف السعودي كلما ازداد "تزويغاً" في العمل"! حيث يتأخر السعودي حامل الشهادة الثانوية عن الدوام بمعدل 45 دقيقة، بينما يتأخر حامل الشهادة الجامعية بمعدل 59 دقيقة، أما حامل شهادة الماجستير أو الدكتوارة فيتأخر مدة 90 دقيقة! أي ضعف ما يتأخره حامل الثانوية العامة!
دعك من بداية الدوام، فالبعض قد يجادلك بأن الإنجاز هو الأهم، وأن التأخر ساعة أو ساعتين لا يهم ما دام العمل سوف ينجز بطريقة صحيحة، لكن دعني أخبرك أن أكثر من يخرج من الدوام هم حملة الماجستير والدكتوراة، فحاملوا درجات الدراسات العليا يخرجون بمعدل 249 دقيقة يومياً، أي أربع ساعات وتسع دقائق! بينما لا تتجاوز مدة خروج حامل الثانوية العامة ساعتين وخمسين دقيقة، وبالتالي إذا احتسبنا تأخر الساعة والنصف لصاحب التحصيل العلمي الأعلى وجمعناه مع معدل خروجه اليومي، يصبح المجموع خمس ساعات وتسع دقائق يومياً، ومع نصف ساعة –فقط- لصلاة الظهر، يصبح المجموع ست ساعات وبضع دقائق، وبالتالي فإن المتبقي أقل من ساعتين لإنجاز عمله المفترض.
بالطبع من السهل تبرير كل هذا "التسيب"، سواء بإلقاء اللوم على أنظمة الخدمة المدنية "الجامدة"، أو حتى غياب وسائل النقل العام! لكن الحقيقة المرة هنا أن من يفترض أن يكون هو القدوة أضحى الأقل التزاماً بالعمل وأنظمته، وفي ذلك حديث ذي شجون يقودنا لعرض مزيدٍ من الأرقام المفزعة في مقالات قادمة بمشيئة الله


عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

بين "داود" و"جالوت".. قراءة جديدة لمعركة غير متكافئة!


ما الذي يجمع بين النبي "داود" عليه السلام وقصة صراعه مع "جالوت" الجبار من جهة، والكاتب الإنجليزي/ الكندي مالكوم غلادويل "Malcolm Gladwell" من جهة أخرى؟ إنه ببساطة كتابٌ جديدٌ يصدر بعد أيام، أي في الأول من أكتوبر القادم، تحت عنوان اجتهدت في ترجمته: "داود وجالوت: المستضعفون، غير الأسوياء، وفن محاربة العمالقة".. بهذا الكتاب غريب العنوان يعود الكاتب المبدع "غلادويل" إلى ساحة النشر من جديد، بعد أكثر من أربع سنوات على إصدار آخر كتبه، رغم أنه يعتبر من المؤلفين الذين يبعيون كتبهم بأسمائهم قبل محتوى كتبهم، حيث سبق أن أصدر أربعة كتب، تصدرت كلها قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن ترجمتها إلى أغلب اللغات الحيّة، لكن أكثر ما يميز "غلادويل" هو انتماؤه إلى فريق تحرير المجلة الشهيرة "النيويوركر"، وقبلها مراسلاً للعلوم والأعمال في صحيفة "واشنطن بوست"، مما جعله يرتكز على ثقافة رصينة وإرثٍ مهني عميق.


كانت بذرة هذا الكتاب المثير مقالةً قصيرة للمؤلف، نشرت في عدد التاسع من مايو 2013 بمجلة "النيويوركر"، لكن ردود الفعل على المقالة؛ جعلته يعمل بعمقٍ على الفكرة الأساسية ويطوّرها، ويربطها بمزيدٍ من الشواهد التاريخية والأحداث المعاصرة، حتى خرجت في كتاب مستقل، من المتوقع أن يقفز إلى رأس قوائم الكتب الأكثر انتشاراً خلال أسابيع قليلة، خصوصاً وأن فكرته مختلفة، ذلك أنه يعيد قراءة التاريخ بطريقة جديدة، لكنه يدعمها برؤى حديثة ومقنعة من علم النفس.
تنطلق فكرة الكتاب من القدرة الكامنة لدى "المهمّشين" لكسر القواعد التي نعتقد أن الحياة تسير بها أمامنا، بينما واقع نواميس الحياة غير ذلك، ويتناول كل فصلٍ من الكتاب قصة شخصية محددة، شهيرة أو غير معروفة، ذكياً أو عبقرياً، يواجه تحدياً خارجياً صعباً، ويجبر على الاستجابة، مما يجعله أسير حيرة داخلية متضاربة، هل يجب عليه أن يتعامل معه بنفس الأساليب والقواعد المتداولة؟ أم يتبع حدسه؟ هل يقاتل بعزيمة؟ أم يستسلم ويتراجع؟ أو حتى يغفر لمن قاتله! وليس هناك من قصة رمزية تصلح كمنطلق للكتاب بأكمله سوى القصة الأسطورية التي حدثت قبل آلاف السنين على أرض فلسطين، حينما خاض راعي الأغنام الصبي "داود" قتالاً غير متكافئ مع الجبار العملاق "جالوت"، قبلها بدقائق وحينما تقابل الجيش الضخم للملك "جالوت" بالجيش الضعيف للملك "طالوت"، والذي كان قد تناقص – أيضاً - بعد حادثة شربهم من ماء النهر، هالهم ما شاهدوه من ضخامة جيش عدوهم، وشعروا أنهم أضعف منهم بمراحل مختلفة، ثم برز "جالوت" وهو مثقل بدروعه الحديدية وأسلحته الثلاثة، ثم طلب أحداً يبارزه، خاف جنود "طالوت" كلهم، وتلفّتوا حولهم وزاد خوفهم كونهم الأضعف في هذا الصراع الواضح نتيجته، ثم فجأة ظهر الصغير "داود"، ولم يكن يحمل سوى درعه الصغير، وبضع صخرات جمعها على الطريق، وكان المتوقع أن يهزم شر هزيمة، أو هذا ما كان يتوقعه الجميع، لكنه انتصر بشكل لا يصدق، وهو ما ورد في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) البقرة251.
يعزو الكاتب انتصار "داود" إلى أسباب كثيرة، ليس أهمها سوى أن هذا الصبي الصغير كان مجبراً على المواجهة، واتخذ قراره بضرورة الفوز، لأن الهزيمة تعني القبر مباشرة، فضلاً عن كونه كان مستعداً بدنياً، لكنه لا يمتلك أسلحة خصمه، فعمل على مقاتلته بأسلوب مختلف، حينما رمى الثلاث صخرات على رأسه، وكانت هي الضربة القاضية، كما تقول الإسرائيليات، هذا النجاح تعضده النتيجة التي سبق أن خرج بها الباحث السياسي "إيفان توفت" الذي قام بتحليل الحروب التي خاضتها البشرية خلال المئتي عام الماضية، ووجد أن الدول "العملاقة"، وهي الدول التي تتفوق بنسبة لا تقل عن عشر مرات على أعدائها، سواء في القوة العسكرية أو عدد السكان؛ انتصرت فقط في 71.5% من تلك الحروب على الدول "الضعيفة"، بينما كان من البديهي أن تنتصر كل دولة "قوية" على أي دولة "ضعيفة". 
لكن هذا الكتاب المتبحّر لا يتوقف فقط أمام هذه القصة، بل يستلهم ويناقش نفس الفكرة من أحداث معاصرة، كما حدث في اضطرابات "إيرلندا الشمالية"، وعقول علماء بحوث السرطان، وزعماء الحقوق المدنية، بل يتجاوز الحدود بتناول القتل، وارتفاع تكلفة الانتقام، وكل هذه الأمثلة وغيرها لتثبت أهمية وجمال أن يبذل الكثير من الوقت والجهد والحياة لينتشل الإنسان نفسه من المعاناة، وما يحيط بها من الشدائد، لينطلق نحو واقع يحلم به.
يكرر الكاتب فكرته ولكن بأشكال عديدة، فهو يؤمن كما ورد في كتبه السابقة، أن النبوغ والنجاح، وإن كان يعتمد على موهبة فطريّة؛ إلا أن الإنسان هو من يصنع مستقبله وحياته، وأنه قادر على قلب الموازين، فقط متى آمن بنفسه، وتعامل مع الأحداث بتعامل مختلف وصادق، كما تناول ذلك في كتابه الشهير "Outliner"، ويؤكد أنه متى قرر الإنسان العادي مواجهة "عملاق" أمامه، فإنه قادر على التغلب عليه، وغني عن القول إن المقصود بالعملاق هنا: هو كل شيء يصارعه الإنسان في حياته، مهما كان ضخماً أو صعباً في نظر الآخرين، سواء من تجبر والد متسلط، أو مدير قاتل للإبداع، أو حتى زوجة سليطة اللسان! كل ما عليك فقط – عزيزي - أن تحدد عدوك العملاق، وتبدأ بالتخطيط للقضاء عليه..


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 25 سبتمبر 2013م

السبت، 21 سبتمبر، 2013

إحصاءات سعودية مثيرة 1


دعونا من أحكامنا الانطباعية، ورؤيتنا الخاصة، فالأرقام كما يقال "لا تكذب"، ودعوني أشارككم نتائج دراسة علمية سعودية، درس 182 جهازاً حكومياً: ما بين وزارات، هيئات، رئاسات، إمارات مناطق، مؤسسات عامة، قام بإنجازها كل من د.صلاح المعيوف ود.محمد المهنا، من معهد الإدارة العامة بالرياض.
ولعلي هنا أستعرض فقط أهم النتائج المثيرة: 69% من الموظفين السعوديين يتغيبون دون عذر، 54% يتهربون من العمل، كما أشارت الدراسة إلى أن 47% من المسؤولين لا يتابعون "دوام" موظفيهم المباشرين، وأن 68% يخرجون خلال أوقات العمل ثم يعودون، 40% منهم يقضون ساعة واحدة خارجه، و33% يقضون ثلاث ساعات، أما البقية وهم 26% فيتجاوزون الثلاث ساعات! طبعاً هذا الهدر يومي وليس أسبوعيا! لكن الطريف في الأمر أن مجرد زواج الموظف السعودي يزيد من معدل "تزويغه" اليومي، من ساعتين وتسع عشرة دقيقة إذا كان أعزب، إلى ثلاث ساعات وخمس وثلاثين دقيقة بعد زواجه! حتى وإن لم يكن لديه أطفال!
أما على مستوى المناطق، فكشفت النتائج أن موظفي الأجهزة الحكومية في حائل هم الأكثر "تزويغاً" من العمل، بينما كان موظفو "الرياض" الأكثر تأخيراً، أما موظفو منطقة الحدود الشمالية فحققوا المركز الأول في التغيّب عن العمل!
الأدهى من ذلك كله؛ حتى لو بقي الموظف في مكان عمله، فإنه يخرج مبكراً، لأن 59% يخرجون قبل نهاية "الدوام" بساعة واحدة، و21% يخرجون خلال آخر ساعتين، و7% خلال آخر ثلاث ساعات، بينما يخرج 11% قبل ثلاث ساعات من انتهاء "الدوام"، أي قبل صلاة الظهر!
طبعاً كل ما سبق مجرد حسابٍ لدوام الموظف، وليس إنتاجيته خلال ساعات عمله المفترضة، وتلك أمورٌ لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.
عبدالرحمن السلطان
 

الأربعاء، 18 سبتمبر، 2013

"صيدلي ولي بصمة".. تجربة تستحق أن تروى

كان "علي الوابل" قد بدأ للتو تريّضه اليومي في ممشى طريق الملك عبدالله بالرياض، ولم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة مساءً، حين تلقى اتصالاً من شخصٍ لا يعرف سوى اسمه، والذي ما أن ألقى عليه السلام، حتى بادره بفكرة تأسيس مجموعة تطوّعية تنشط في مجال التعريف بدور الصيدلي وبتثقيف المجتمع دوائياً، وأنها سوف تقوم بكذا وكذا...
لم يترك "يوسف العمري" -الذي كان لا يزال طالباً- مجالاً لصديقه الجديد أن يقول شيئاً، غير أنه دعاه في نهاية اتصاله للاطلاع على صفحة "الفيسبوك" التي كان للتو أطلقها، وعده "علي" خيراً، وفي الليل زاد إقناعه بالفكرة، مما دعاه على الفور للكتابة في الصفحة، وأنه سوف يكون مشاركاً فعالاً في أي نشاطات تقرر، لكنه تفاجأ بأن تعليقه قد حذف خلال دقائق قليلة! مما جعله يستغرب ويرتاب في الأمر، غير أن اتصالاً سريعاً من "يوسف" جعله يدرك أن صاحبه الجديد يريده أن يكون شريكاً في التأسيس، وليس مجرد مشارك عابر! وهذا ما حدث بالفعل.



كانت الفكرة قد قدحت شرارتها قبل أيام قليلة، حيث قاد نقاشٌ صاخب بين مجموعة من المتدربين الصيادلة وكان منهم "يوسف" بالطبع؛ الجميع إلى الخروج بأن مهنة الصيدلة ودورها في المجتمع بحاجة ماسة إلى المزيد من العمل، مقارنة بالجهود المبذولة من قبل أبناء التخصصات الصحية الأخرى، فضلاً عن كون أغلب الجهود الصيدلانية التطوّعية غالباً ما كانت تظهر لفترات قصيرة ثم ما تلبث أن تتوقف، بسبب انشغال المشاركين وضعف الدعم وغياب التمويل.
وهكذا خرجت فكرة مجموعة تطوعية تقوم على أكتاف الصيادلة والصيدلانيات أنفسهم، وتعتمد في عملها على إبراز "بصمة" الصيدلي الحقيقية في حفظ الأرواح والأموال والأوقات، ومنذ بدايتها منتصف عام 2010، ومجموعة "صيدلي ولي بصمة" تعمل على إيجاد خطٍ مختلف، يكفل تميزها عن الغير، وتضمن لها الاستمرارية، وسط أمواج عالم التطوع الواسع الذي يضج بالأفكار دون الأعمال. وكان أن اعتمدت منذ البداية على تفعيل شراكات متنوعة مع الجمعيات والمؤسسات المهنية والخيرية، وبعض الجهات الصحية، مثل المستشفيات، لتساهم في استمرارية الفعاليات وتنوعها، ولاكتساب الخبرات والتجارب من تلك الجهات.

وهكذا انطلقت فعاليات المجموعة، والتي اعتمدت على إبداع أعضائها في كل شيء، بداية من إعداد المواد العلمية، مروراً بالتصميم والإعداد والطباعة، وانتهاء بتنفيذ الأجنحة التوعوية، مما جعلها تتبوأ موقع الصدارة بين كثير من المجموعات التطوعية، لكنها لم تحصر عملها فقط بطلاب وخريجي جامعة الملك سعود حيث تأسست، بل استقطبت خريجي كليات الصيدلة الأخرى بمدينة الرياض، ولم تكتف بذلك، بل خلال أشهر قليلة أضحى أعضاؤها من كافة صيادلة وطلاب الصيدلة من مختلف أنحاء المملكة، واليوم يقوم على إدارة المجموعة فريقٌ ضخم من الصيادلة والصيدلانيات الشباب ضمن لجان متعددة، من كافة مناطق المملكة، الأمر الذي امتد بالفعاليات إلى جدة، والمدينة المنورة، وجازان وغيرها.

لكن المجموعة لم تتوقف فقط أمام برامج التوعية والتواصل، بل اقتحمت ميدان تطوير مهنة الصيدلة نفسها، فدشنت برنامجاً طموحاً بالتعاون مع حاضنة "بادر" بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لعقد تجمع سنوي لمبدعي ومبتكري الصيدلة، وكان أن التأم شمل لقائها الأول "Pharmacy CSF" العام الماضي، حيث طرح المشاركون خلاصة أفكارهم التطويرية ومبتكراتهم العلمية في مجال الصيدلة، مع حضور لافت للنماذج الناجحة من الصيادلة السعوديين، ولقد حقق البرنامج في دورته الأولى نجاحاً باهراً، حيث حصلت الصيدلانية "أسماء الحربي" وهي إحدى متحدثات البرنامج، على جائزة المركز الأول للبحث العلمي لفئة الطلاب في مؤتمر الصيدلة والتقنية الحيوية في دبي DUPHAT، بينما حصل الصيدلي فرحان العنزي على المركز الثالث، والصيدلي خالد الزايدي على المركز الخامس في نفس الفئة، بعد منافسة شديدة من طلاب منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن هذا التجمع الفريد من نوعه تحوّل إلى منصة لإطلاق باقة متنوعة من المبادرات التطوعية الصيدلانية.


وهذا العام تعود فعالية "Pharmacy CSF II" من جديد، ولكن تحت عنوان أكثر جرأة:"واقع يتغيّر"، وهو ما يعبّر بصدق عما يهدف إليه جمهور الصيادلة والصيدلانيات الشباب حالياً، ولكن في إطار تجمع أوسع، يزخر مرة أخرى بصيادلة ذوي نجاحات مختلفة وشباب ذوي إبداع ملهم، ليكون المنتج النهائي مختلفاً تماماً عن أي شيء آخر، والحقيقة أنني على أحر من الجمر، نحو حضور الدورة الثانية للفعالية في مدينة الرياض مساء العشرين من سبتمر 2013م، على رغم أن تذاكر الحضور قد نفدت خلال أول عشرين دقيقة من طرحها في الإنترنت قبل أشهر! حيث إنني متأكد أنني سوف أبهر بالجديد والمثير من الصيادلة الشباب، وخصوصاً حديثي التخرج، أو ممن لا يزالون على مقاعد الدراسة.
من جهة أخرى، تجاوز طموح المجموعة حدود المملكة، فلم تكتف فقط بالتحفيز والمشاركة في بناء وإطلاق استراتيجية العمل التطوعي الصيدلي الخليجي، الذي أعلن في المؤتمر الصيدلي الخليجي مارس الماضي، بل انطلقت نحو المشاركة في الفعاليات الدولية، حيث شارك نائب رئيس لجنة العلاقات العامة بالمجموعة الصيدلي بندر المالكي وعضو لجنة العلاقات العامة الصيدلي عبدالمجيد العنزي مؤخراً في الاجتماع السنوي لاتحاد الصيادلة العالمي، الذي أقيم خلال خلال شهر رمضان الماضي في مدينة "أوترخت" الهولندية، مما يعد سبقاً جديداً يضاف لرصيد إنجازات هذه المجموعة الشابة، التي تنشط بجهود أعضائها فقط.

وبعين الرضا التي كانت تحلم وتأمل بالكثير، ينظر مؤسسا المجموعة "يوسف" و"علي" اليوم وقد تحولت فكرتهما العابرة إلى بيت خبرة تطوعية يشاد بها، لكنهما يأملان بأن تتطور المجموعة إلى جمعية متخصصة في التوعية الدوائية، لتستمر المسيرة بعدهما، وليثبتا للعالم أجمع أن "بصمة" الصيادلة والصيدلانيات تحتاج فقط الفرصة لتصبح مكسباً للجميع.

عبدالرحمن السلطان



السبت، 14 سبتمبر، 2013

"هل فكرتم في الحليب قبل "العلف"؟

يقول الإعلان الرسمي لوزارة المياه والكهرباء، إنه لإنتاج لتر واحد من الحليب فإن البقرة الواحدة تستهلك 500 لتر "نصف طن" من الماء!
يقول الإعلان الرسمي لوزارة المياه والكهرباء، إنه لإنتاج لتر واحد من الحليب فإن البقرة الواحدة تستهلك 500 لتر "نصف طن" من الماء! وأن تلك البقرة تستهلك خلال عمرها الإنتاجي ما يتجاوز حمولة 1500 صهريج ماء!، وتلك أرقام هائلة، فضلا عن كونها مفزعة في بلد صحراوي يعاني من تراجع مستمر لمنسوب المياه الجوفية.


المشكلة أن الإعلان التوعوي يلقي باللوم على المواطن البسيط، أو المزارع الذي يكسب قوت عياله عبر زراعة الأعلاف أو غيرها، متجاهلة أن الهدر الأكبر يقع على عاتق شركات الألبان الكبرى، التي لم تكتف بترويج منتجهاتها المدعومة من الدولة في المملكة، بل تقوم ببيعها في الدول المجاورة، خاصة دول الخليج العربي، وبأسعار رخصية تكاد تقارب الأسعار المحلية، أو قد يضاف عليها تكلفة بسيطة للشحن! وذلك أمر لا يستقيم عقلا، كون الدعم المتنوع الذي تقدمه الحكومة السعودية لشركات الألبان المحلية، يجب أن يذهب للمواطن السعودي فقط، وليس ليستفيد منه آخرون على حساب مخزوننا من المياه الجوفية أو حتى مقدراتنا المالية.
يجب على وزارة المياه والكهرباء أن تعمل على إصدار تشريع يمنع تصدير منتجات الألبان المحلية، خاصة السائلة منها كالحليب واللبن، وإذا لم تستطع ذلك، أن تعمد على الأقل إلى فرض رسوم تصدير باهظة، يستفاد منها في دعم برامج السدود الوطنية، وإيصال المياه العذبة إلى المناطق النائية، فضلا عن دعم أبحاث تطوير الأعلاف المحلية؛ لتكون أكثر جودة غذائية وأقل استهلاكا للمياه، أما أن تستمر الوزارة بإلقاء لومها على المواطن البسيط، فإنها لن تستطيع أبدا تخفيض هذا الهدر الهائل.

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 11 سبتمبر، 2013

"الطاقة الذرية والمتجددة".. حتى لا يعيد التاريخ نفسه!

نعم من الخطأ الحكم على تجربة جديدة بناءً على تجارب آخرى سابقة، لكن أن تسير في نفس اتجاه من سبقوك فأنت بالتأكيد سوف تصل إلى النتيجة ذاتها في النهاية، وهذا بالضبط ما يحدث حالياً في مدينة "الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة". حيث تسير آلية العمل "البطيئة" في هذه المدينة، التي نعوّل عليها كثيراً، بنفس الطريقة التي أنشئت فيها الهيئات والمؤسسات الحكومية شبه المستقلة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن قيامهما بدورين اثنين متضادين في آن واحد، وهي أن تكون جهة تنظيمية، لصناعات الطاقة بالمملكة، فضلاً عن كونها جهة تنفيذية لنفس الصناعات، كما هي الحال في بعض الدول، حيث أفصحت المدينة عن: نيّتها تأسيس شركات تدار بأسلوب تجاري، تهدف إلى امتلاك وإداراة المفاعلات الذرية ووسائل الطاقة البديلة الأخرى، ومنها "شركة الطاقة النووية القابضة" وأخرى لـ "الطاقة المتجددة". وفي ذلك "تعارض مصالح" واضحٌ جداً، الأمر الذي سوف يؤثر بشكل سلبي عن تنافسية سوق الطاقة بالمملكة، ويجعلنا نتساءل عن مدى جدّية تطبيق المعايير الصارمة لـ "الأمن والسلامة" في المفاعلات الذرية التابعة للمدينة، الأمر الذي يمكن حلّه بواسطة إنشاء هيئة رقابية مستقلة للطاقة الذرية.


الأسوأ من ذلك هو الوقوع في نفس الأخطاء السابقة للهيئات الحكومية المنشأة حديثاً، وأشهرها تأخير اعتماد "الهيكل الإداري" للمنشأة، وما يتبع ذلك من غياب سلم الرواتب والتعويضات، الأمر الذي يمكن التغاضي عنه خلال العام الأول من التأسيس، أما استمرار هذا الوضع الهلامي لسنوات قادمة، فسوف يؤدي بالضرورة إلى بروز الفروقات المادية غير المبررة بين منسوبي المدينة، ثم في نهاية الأمر، إلى التسرب الوظيفي للكفاءات الحقيقية، وليست الكفاءات المدعومة من الداخل، ناهيك عن تأخر إطلاق برنامج الابتعاث للتخصصات العلمية التي تحتاجها المدينة، خصوصاً مع ندرة المتخصصين من المواطنين في مجالات عمل المدينة، وهي بالمناسبة كثيرة ومتشعّبة، لذا فهي بحاجة إلى برنامج ضخم وطموح للابتعاث، مع التأكيد على أن تعقد المدينة اتفاقات مباشرة مع الجامعات المتميزة، بدلاً من إلقاء مهمة البناء العلمي للموظفين، على عاتقهم فقط، دون أي إرشاد علمي يحقق مصالح المدينة والوطن أولاً.

أما العائق الآخر فهو ترّكز المناصب القيادية في المدينة للأكاديميين، الذين يفتقد أغلبهم الخبرة الحقيقية، سواء في القطاع العام أو الخاص، لذا تنتقل نفس العقلية الإدارية "التنظيرّية" من الجامعة أو مراكز البحوث إلى مدينة "ديناميكية" تقوم بتنظيم وإدارة وتشغيل مصادر متنوعة من الطاقات البديلة، فتحدث فجوة تطبيقية تأخذ بالاتساع بين الخطط غير القابلة للتنفيذ، والواقع الحقيقي على الأرض. نعم نحن بحاجة إلى أكاديميين وعلماء في الشؤون العلمية والأبحاث في المدينة، ولكن ليس في المناصب القيادية التنفيذية، فتلك تحتاج خبرة عملية ومهارات إدارية لها أهلها.

كما أن العلاقة المضطربة بين "المدينة" و"أرامكو" السعودية، تعتبر إحدى التحديات الكبيرة التي تعترض مسيرة المدينة، حيث من المعلوم إن "أرامكو" في الوقت الحالي تتطلع لأدوار أكبر من صناعة النفط ومشتقاته، وخصوصاً في مجالات "الطاقة المستدامة"، وهو ما يتقاطع بشدة مع مهام ومسؤوليات المدينة. فضلاً عن استمرار "أرامكو" ووزارة البترول والثروة المعدنية في قيادة فريق "كفاءة الطاقة" على المستوى الوطني، وهو المركز الذي أنشئ في البداية تحت مظلة مدينة "الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية"، وأنجز العديد من الأدلة الإرشادية والدورات التدريبية، ولكن يفترض أن تتولى المدينة الإشراف على المركز الآن، كونها معنيّة بشؤون الطاقة، وخصوصاً ما يعمل على توفير "الهدر" في الطاقة المستهلكة حالياً، التي وصلت مؤخراً إلى أرقام فلكية.
من جهة أخرى يشير تأخر إقرار الخطة الوطنية للطاقة المتجددة بكافة أشكالها، إلى وجود العديد من الاعتراضات والملاحظات من جهات حكومية أخرى، تتقاطع مهامها مع عمل المدينة، رغم أن معالي رئيس المدينة سبق أن أعلن عن قرب إقرار الخطة منذ مدة تتجاوز العامين، ولكن يبدو أن فريق المدينة لم يقم بأي خطوة تجاه تلكم الملاحظات، وأهم تلك الخطوات هي زيارة تلك الجهات وفهم اعتراضاتهم، ومحاولة حلها أو إيجاد حلول وسط، خصوصاً أن عامل الوقت يضغط بتأخر إقرارها، وبالتالي سوف يؤثر على الجدول الزمني، لسد فجوة الطاقة بالمملكة، غير أن عدم إقرار الخطة لم يمنع المدينة من توقيع عدة عقود استشارية ضخمة مع مؤسسات دولية في مجال تطوير الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، لا سيما في إنتاج "الطاقة الكهربائية" و"تحلية المياة"، وتأهيل القوى البشرية في هذا المجال، دون إغفال تطوير تطبيقات "الطاقة الذرية" في "العلوم الزراعية" و"الصيدلانية" و"علوم الأرض" وغيرها.
إن استهلاك المملكة المتنامي والضخم لمشتقات النفط، الذي يتوقع أن يتجاوز 7 ملايين برميل نفط يومياً خلال السنوات القادمة، خصوصاً مع التوسع في إنتاج الطاقة الكهربائية، والخوف من نضوب النفط، يجعلنا نتوقع الكثير من مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، ولكن بعد أن تعيد صياغة أسلوبها الإداري الحالي، وأن تعتمد هيكلا إدراياً وسلماً وظيفياً جاذباً للكفاءات الوطنية، وأن ترّكز على استقطاب الكفاءات السعودية الشابة من ذوي الخبرة في القطاع الخاص، مع الحرص على البناء التراكمي للكوادر الفنية السعودية من أبناء المدينة، بواسطة التركيز على التعليم والابتكار والتدريب والبحث والتطوير، فنحن هنا نتحدث عن مفاعل ذري وليس متجر بقالة صغير.
عبدالرحمن السلطان





الاثنين، 9 سبتمبر، 2013

الوظيفة الذهبية

يخالط أصحابه من العاملين في القطاع الخاص؛ فيرى تراكم الخبرة وتسارع الترقي الوظيفي، ويقابل معلماً فيجادله بكون المعلمين يحققون أعلى معدل إجازات على المستوى الوطني، ثم يسهر مع أصدقائه من موظفي القطاعات الحكومية؛ فيغبطهم على راحة البال وقلة الإنتاجية وغياب المسؤولية! وهكذا دواليك، فصاحبنا لا يرى فقط سوى الجوانب المشرقة لكل وظيفة مهما كانت، أو لنقل مميزات كل وظيفة على الأخرى، دون أن يعلم أن لكل عملٍ إيجابياته الظاهرة، وسلبياته الباطنة.
فموظفو القطاع الخاص يعملون ليل نهار، ومستقبلهم الوظيفي دائماً على المحك، وقد ينتهي في أي لحظة تقصير أو سهو! أما المعلم فيومه يبدأ مبكراً قبل الجميع، ويتعامل يوماً مع جموع متناقضة من صغار السن، ليحرق زهرة شبابه في سبيل بناء جيلٍ جديد، أما الموظف الحكومي فيعاني الأمرين من بيروقراطية ضاربة، ومقابل مادي منخفض، لذا من الضروري أن يعرف الفرد ماذا يريد أن يفعل في حياته؟ وأي عملٍ يرغبه؟ فكل عملٍ مهما بدا رائعاً وبراقاً من الخارج؛ فإن هناك الكثير من العوائق والسلبيات التي تنتظرك على الطريق، وتلك سنة الحياة الدنيا، وجزء أساسي من "فاتورة" العمل اليومي، التي تؤكد أنه لا يوجد ما يطلق عليه الوظيفة الذهبية، حيث الراتب المرتفع، والمهام القليلة، والإجازات الطويلة، والتدريب الذي لا ينتهي، فضلاً عن النفوذ و"البرستيج"!
خلاصة الحديث: فتش عن عملٍ تحبه أنت، واجعله هوايةً قبل أن يكون مصدر رزق لك، حينها سوف تتحول السلبيات بالتدريج إلى إيجابيات، وتحقق دون أن تعلم أسطورة "الوظيفة الذهبية" التي يبحث عنها الجميع
يخالط أصحابه من العاملين في القطاع الخاص؛ فيرى تراكم الخبرة وتسارع الترقي الوظيفي، ويقابل معلماً فيجادله بكون المعلمين يحققون أعلى معدل إجازات على المستوى الوطني، ثم يسهر مع أصدقائه من موظفي القطاعات الحكومية؛ فيغبطهم على راحة البال وقلة الإنتاجية وغياب المسؤولية! وهكذا دواليك، فصاحبنا لا يرى فقط سوى الجوانب المشرقة لكل وظيفة مهما كانت، أو لنقل مميزات كل وظيفة على الأخرى، دون أن يعلم أن لكل عملٍ إيجابياته الظاهرة، وسلبياته الباطنة.



فموظفو القطاع الخاص يعملون ليل نهار، ومستقبلهم الوظيفي دائماً على المحك، وقد ينتهي في أي لحظة تقصير أو سهو! أما المعلم فيومه يبدأ مبكراً قبل الجميع، ويتعامل يوماً مع جموع متناقضة من صغار السن، ليحرق زهرة شبابه في سبيل بناء جيلٍ جديد، أما الموظف الحكومي فيعاني الأمرين من بيروقراطية ضاربة، ومقابل مادي منخفض، لذا من الضروري أن يعرف الفرد ماذا يريد أن يفعل في حياته؟ وأي عملٍ يرغبه؟ فكل عملٍ مهما بدا رائعاً وبراقاً من الخارج؛ فإن هناك الكثير من العوائق والسلبيات التي تنتظرك على الطريق، وتلك سنة الحياة الدنيا، وجزء أساسي من "فاتورة" العمل اليومي، التي تؤكد أنه لا يوجد ما يطلق عليه الوظيفة الذهبية، حيث الراتب المرتفع، والمهام القليلة، والإجازات الطويلة، والتدريب الذي لا ينتهي، فضلاً عن النفوذ و"البرستيج"!

خلاصة الحديث: فتش عن عملٍ تحبه أنت، واجعله هوايةً قبل أن يكون مصدر رزق لك، حينها سوف تتحول السلبيات بالتدريج إلى إيجابيات، وتحقق دون أن تعلم أسطورة "الوظيفة الذهبية" التي يبحث عنها الجميع

 عبدالرحمن السلطان


السبت، 7 سبتمبر، 2013

"آسفين يا ماجد"

"آسفين يا ماجد الدوسري".. فقد كنا نعتقد أن بيان وزارة الصحة عن وفاتك سوف يعلن عن محاسبة المقصرين، وإعادة صياغة إجراءات الإخلاء الطبي، ومحاولة ممارسة العدالة في قرارات العلاج في الخارج، لكننا للأسف كنا مخطئين، فلقد كان البيان من أوله إلى آخره محاولة لإلقاء اللوم عليك، لأنك على حد قول البيان لم تتجاوب مع خطتهم العلاجية، التي وضعت بعد تسعة أشهر من القرار! بينما كان من المفترض أن تخضع للعلاج هناك وليس هنا، في البرج الطبي بالدمام الذي رفض استقبالك في البداية.


للأسف، هذا البيان "المنزوع المشاعر" لم يتناول سبب تأخر الإخلاء الطبي أكثر من ثلاثة أشهر للرد على خطاب الهيئة الطبية العليا في وزارة الصحة، وللعلم هذه التواريخ موثّقة في هذا البيان الجاف! أكثر من 95 يوما وليلة! حتى يصل الرد بتعذر نقله "فنياً"، مع العلم أن الإخلاء الطبي قد استطاع قبل أسابيع قليلة فقط نقل المواطن "خالد شاعري" من جازان إلى الرياض، رغم أن وزنه يبلغ 610 كلجم، أي ضعفي وزن ماجد تقريباً! والبالغ 380 كلجم!


هذا البيان لم يعزّ عائلة الفقيد في أخينا "ماجد" إلا في السطر الآخير، وكأنما أضيفت كلمات التعزية فقط لذر الرماد في العيون.
شيء آخر أخي "ماجد"، يقول البيان في نهايته ـ وبعد كل شيء ـ إنّك توفيت لأن "هذه إرادة الله وقدره" هكذا فقط، وكأننا لا نؤمن بالأسباب كإيماننا بالقدر، وكأنما لم يقصر أحد ولم يهتم بك أحد، لأنه لا توجد لديك "واسطة" بصريح العبارة، حسبي هنا أن أضيف: "رحمك الله رحمة واسعة، وأبدلك سعادة تعيشها في الآخرة، كما كنت تتنمى ذلك في الدنيا".

عبدالرحمن السلطان

 


الأربعاء، 4 سبتمبر، 2013

ابنك أذكى منك.. وأنت أذكى من والديك!

تفوّق الأبناء في الفضاء الإلكتروني ليس سوى ظاهرة واحدة من مجموع ظواهر متلازمة تشير إلى أن الجيل الجديد أكثر ذكاءً من الجيل الذي يسبقه، الأمر الذي يؤكد استمرار صحة فرضيّة العالم النيوزلاندي "جميس فلين"
حاول "عصام" فك شفرة اللعبة الجديدة التي اشتراها لابنه ذي السبع سنوات لكنه لم يستطع، اجتهد في قراءة كتيب التعليمات، لكنه كان مختصراً جداً، كما لو كان دون فائدة، وبعد 30 دقيقة من المحاولات أعلن الأب: "حان وقت النوم"، لم يرضخ ابنه الصغير لهذا الأمر الذي قتل فرحة اللعبة؛ إلا بعد نظرة حادة من والده الشاب.
صباح اليوم التالي أفاق "عصام" على صوت ابنه وابنته الصغرى، وكانت المفاجأة أن الطفلين الصغيرين استطاعا ومن المحاولة الأولى تشغيل اللعبة بكل سهولة! هالت القصة والدهما الذي لم يتجاوز عامه الثالث والثلاثين، والذي يعتبر نفسه مدمن الألعاب الإلكترونية وخبيراً في الخيال العلمي.. لكن يبدو أن مقولة إن الأبناء يفوقون ذكاء والديهم أضحت حقيقة نشاهدها كل يوم في منازلنا.
وفي الواقع أن تفوّق الأبناء في الفضاء الإلكتروني ليس سوى ظاهرة واحدة من مجموع ظواهر متلازمة تشير إلى أن الجيل الجديد أكثر ذكاءً من الجيل الذي يسبقه، الأمر الذي يؤكد استمرار صحة فرضيّة العالم النيوزلاندي "جميس فلين"، الذي اكتشف قبل 30 عاماً ما أطلق عليه تأثير فلين Flynn Effect، والتي ملخصها أن معدل متوسط اختبارات الذكاء ما انفك يتزايد منذ ما يزيد عن 100 عام، أي منذ ابتكارها، ورغم أن معدل الزيادة لا يتجاوز ثلث النقطة لكل سنة، إلا أنك إذا احتسبته على مرّ عقود متتالية سوف تجده ارتفع بنسبة كبيرة، لذا فإن الشاهد هنا أن الأبناء بشكل عام أذكى من آبائهم، وأن الآباء أذكى من آبائهم، وهكذا دواليك.

بالطبع فإن اختبار نسبة الذكاء IQ كما هو معروف يحتوي على اختبارات متنوعة، تختلف باختلاف هدف الاختبار، لكنها جميعاً تشترك في قياس مجموعة من الكفاءات والمهارات، مثل: المفردات، الحساب، التركيز، والإدراك البصري، الاستدلال، المنطق، وغيرها. وتعتمد الفكرة الأساسية على قياس معدل ذكاء الفرد الواحد مقارنة إلى مستوى معدل مجموعة من الأفراد، حيث لوحظ من البداية أن منحى النتائج العامة يتخذ شكل الجرس، حيث تظهر نتائج قلة من الأفراد في الطرفين، وهم الحاصلون على معدلات متدنية جداً، أو مرتفعة جداً، بينما تقع نتائج الغالبية العظمى في الوسط، وهو ما يمثل معدل الذكاء المتوسط، حيث تتراوح نسبة من يحصل على درجات تتراوح ما بين 70-130 أكثر من 95% من مجمل المشاركين في الاختبار. لكن "فلين" لاحظ باطلاعه على الكثير من الدراسات والنتائج أن البعض قد حصل على نتيجة متوسطة في اختبار حديث، بينما كان حاصلاً على درجة مرتفعة في اختبار سابق، مما قاده إلى فرضيّة أن متوسط الذكاء في الجيل السابق أقل من الجيل الحالي، وباطلاعه على عدد من الدراسات المجمّعة؛ لاحظ ارتفاع المتوسط، حيث وصل الفارق إلى 14 نقطة، فقط ما بين العامين 1932 و1987، وإذا قمنا باستقراء النتيجة على مدى 100 عام فإننا نحصل على 30 نقطة، وهي بالمناسبة تعكس الفرق بين الشخص متوسط الذكاء والمتخلف عقلياً!
بالطبع هذا الارتفاع كان متوقعاً، نتيجة تحسن الظروف المعيشية لأغلب الأفراد، وخصوصاً في الجانبين التعليمي والصحي، لكن التساؤل الأهم هنا كيف يمكن تفسير هذا الارتفاع بطريقة علمية تساعد على استقراء المستقبل؟ وهل يعتبر هذا الارتفاع ذكاءً بحد ذاته، أم أن تغيّر بيئة المجتمع قد فرض مستوى ذكاء جديدا على الأشخاص، أم أن ارتفاع نسبة الالتحاق بالتعليم العام قد يكون هو السبب، وهو العامل الذي أدى إلى وجود عدد كبير من الآباء والأمهات ذوي التعليم المرتفع نسبياً، وأسهم ولو بشكل غير مباشر على مستوى ذكاء أبنائهم، دون إغفال أن تقلص عدد أفراد العائلة يزيد من تركيز الوالدين على أطفالهم. هذه التفسيرات قادت العلماء إلى محاولة دراسة الذكاء دون ربطه بالمفردات أو المعلومات الرياضية، وبالتالي الخروج من تأثير المدرسة والتعليم والعائلة، بواسطة ما يطلق عليه اختبار مصفوفات رافن Raven وهو اختبار يعتمد على ملاحظة مجموعة من الأشكال الهندسية ثم استكمالها، والجميل في هذا الاختبار أنه يمكن تطبيقه على أكثر من شعب وأكثر من جيل دون الخوف من تأثير تغيّر الأسئلة أو صياغتها، لكن المفاجأة التي خرج بها "فلين" هي أن نتائجه السابقة كانت صحيحة تماماً، فبعد دراسة نتائج 14 بلداً حول العالم، وجد أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الذكاء، كما هي الحال في اختبار الذكاء التقليدي!
غير أن العالم "فلين" لم يكتف بذلك، فعاد ودرس فقط جزئي المفردات والعلميات الحسابية في اختبارات الذكاء الكلاسكية، حينها وجد أن الزيادة المطردة في نسبة الذكاء لم تكن في هذين الجزءين، بل كانت في الأجزاء المنطقية الأخرى، وبالتالي يظهر هنا أن التعليم ليس هو العامل الأساسي المؤثر في زيادة النسبة! مما جعله يقترب من آراء بعض الباحثين الذين يجزمون بأن تعاظم استخدامنا للأجهزة الحديثة هو سبب ارتفاع معدل الذكاء، وخصوصاً لدى الأطفال واليافعين، ذلك أن التعامل اليومي مع الأجهزة الذكية يفرض نمطاً جديداً من الذكاء المنطقي، والذي يتحول مع مرور الوقت إلى ممارسة "روتينية" لأغلب الأشخاص، وبالتالي يجعل الأفراد أكثر قدرة على فهم وتحليل الأشكال الهندسية في مصفوفات "رافن".
السؤال الأهم هنا هل سوف تستمر نسبة الزيادة في معدل الذكاء أم سوف تتوقف عند حدٍ معين؟ البعض يقول بتبلد الذكاء البشري مع تعاظم دور الحواسب الآلية، أم أننا بحاجة لإعادة تعريف الذكاء من جديد؟ خصوصاً ونحن نزداد انغماساً وتداخلا مع التقنية على كافة المستويات؟ أسئلة كثيرة وإجابات مفتوحة، لكن الأمر الثابت الوحيد هنا هو أن الإنسان لا يزال أمامه الكثير ليكتشف المزيد عن نفسه.
عبدالرحمن السلطان




الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

نحن في المنظمات الدولية

نحن في المنظمات الدولية

تعد المنظمات والجمعيات الدولية المتنوعة جزء أساسياً من النظام الدولي, حيث تقوم تلك المنظمات بتنظيم وتشريع التعامل الدولي كلٌ في مجال تخصصه, لذا تحرص أغلب الدول وخصوصاً الدول الكبرى على المشاركة بقوة في إدارة تلك المنظمات, كون ذلك يساعدها على توجيها نحو ما يحقق مصالحها, دون إغفال الصراع المتواصل على استضافة المنظمات الدولية, لأن ذلك يسهم في تنمية الحركة الاقتصادية والسياحية في البلد المستضيف, ويزيد من عدد العاملين في المنظمة من أبناءها.

وللأسف لا تتناسب مشاركتنا كسعوديين في المنظمات الدولية مع الثقل السياسي والديني والثقافي للمملكة, خصوصًا مع وجود العديد من الطاقات السعودية الشابة والمؤهلة لشغر مثل تلك المناصب القيادية, ومشاركتنا الفعالة في مجالس إدارة قائمة لا تنتهي من تلك المنظمات والجمعيات, ولعل مراجعة سريعة لقائمة المنظمات المؤثرة على المشهد الدولي والإقليمي يفصح عن غيابٍ واسع لتواجدنا, سواء على مستوى قيادة المنظمات, أو مستوى الجهاز الإداري على مختلف درجاته!
نحن حالياً متواجدون بقوة في رابطة العالم الإسلامي, وفي المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة, وفي المجلس التنفيذي لمنظمة "اليونسكو", وعلى رأس صندوق "أوبك" للتنمية الدولية, ونوعاً ما في المنظمات الفرعية لجامعة الدول العربية, ومكتب منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط, لكن هذا التواجد يفتقد لوجود موظفين سعوديين, كما هو الحال مع الدول الآخرى المشاركة في عضوية تلك المنظمات.


ومؤخراً حقق ترشيح معالي الأستاذ إياد مدني لتولي منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الأسلامي إجماعاً اسلامياً قلّ نضيره, مما يؤكد أن ثقل المملكة قادرة على تحقيق حضور أكبر في المنظمات الدولية, فقط متى ما توفرت الإرادة والرغبة.

عبدالرحمن سلطان السلطان

نشر هذا المقال في عمودي بالصفحة الأخيرة في صحيفة الوطن السعودية

الاثنين، 2 سبتمبر، 2013

السعادة هنا

ما هي السعادة؟ 

أكاد أجزم أن الكثيرين قد تعرضوا لمثل هذا التساؤل الفلسفي المتكرر، وكانت الإجابات متنوعة بالطبع، بل كانت تختلف حسب الحالة الذهنية والبيئة المحيطة، لكن الهدف النهائي من فكرة السعادة يكاد يكون موحداً لدى أغلب البشر.

ارتباط السعادة بالبهجة والاستمتاع باللحظة، يؤكد اتصالها المباشر بالراحة النفسية الداخلية، والتي تعتبر الركن الأساسي لأي سعادة كانت، فالعطاء مثلاً، وإن كانت السعادة الناتجة عنه تتجاوز الشخص المعطي إلى من تلقى العطاء، إلا أن الراحة النفسية تبدأ من "نيّة" العطاء أولاً، وهكذا دواليك، فالشاهد هنا أن السعادة مفهوم لا يتحقق والإنسان يعيش وحيداً، لأنها شعور يستلزم وجود من نشاركه هذه المشاعر حتى نحس بها، وحتى يعم جوٌ من البهجة الصادقة للجميع، فتزداد السعادة لدينا أضعافاً مضاعفة.
السعادة ليست كنزاً مخبأ تحت الثرى، بل هي واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، لكن الحصول عليها شاق وصعب، ويحتاج الكثير من التضحيات، ليست المادية فقط، ولكنها تضحيات تتجاوز شهواتنا، إلى أن تصل إلى جوهر "الفؤاد"، وهو أن "تحب لغيرك ما تحب لنفسك"، حينها لن تأسى على ما فاتك، ولن تضيع وقتك في الحصول على ما سبقك به الآخرون، والشواهد كثيرة لمن جمع الملايين وحقق الشهرة؛ لكنه لم يذق طعماً حقيقياً للسعادة، وأقصد بذلك بهجة القلب الصادقة، وليس سعادة حب التملّك أو إطفاء الشهوات!
خلاصة الحديث: جوهر السعادة يبدأ في قلبك، ولكنك لن نستطيع الشعور بها دون أن تشرك الآخرين في ما تحب وما يسعدك، حينها سوف تتضاعف مصادر سعادتك، وتصبح أنت مصدراً لسعادة الآخرين كذلك

عبدالرحمن السلطان