الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

"خليفة".. لقد أتعبت من بعدك

قبل سنوات طويلة، كنت للتو أنهيت سنة العلوم الصحية، وبدأت الدراسة الفعلية في كلية الصيدلة، ورغم أن الجدول الدراسي كان معقولا، إلا أن يوم الاثنين ـ بالذات ـ كان مزعجا لي، إذ كنا نقضيه في كلية الطب، حيث محاضرات ومعامل مادتي "التشريح" وعلم "الأنسجة"، حيث صدمت من كمية المادة العلمية وتشعبها، وأيقنت أنني لن استطيع تجاوز المادة، لكنني بالصدفة اطلعت على مذكرة ضخمة للمادة، كانت واضحة ومرتبة ترتيبا رائعا، مما جعلني أقبل على المادة بعد أن كنت خائفا منها، والعجيب في الأمر أن هذه المذكرة التفصيلية كانت نتاج طالب واحد، هو الزميل "خليفة الذياب"، ذلك الرجل الذي تحوّلت قصة كفاحه المتواصلة إلى سلسلة من العمل الصادق لصالح الآخرين، دعني أقول لك يا "خليفة" لقد كنت سببا أساسيا في تجاوزي هذا المقرر ومقررات دراسية أخري.
لكن دعوني أعرفكم أكثر على قصة هذا الشاب العصامي، الذي بدأ الصيدلة من أدني دراجتها، أي "فني صيدلة"، إلى أن وصل مؤخرا إلى عضو هيئة تدريس في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية.




ولد "خليفة" في أسرة سعودية بسيطة، وكان ابنها الوحيد، حتى رزق بأختين، أكبرهما تصغره بثماني سنوات، كان يحلم أن يكون طبيبا، لكنه ما إنْ أنهى المرحلة الدراسية المتوسطة، حتى أدرك الوضع المالي الصعب لعائلته، فوالده يعمل بوظيفة بسيطة في وزارة الصحة، وراتبه بالكاد يكفي متطلبات الحياة، والأسوأ أن والده سوف يحال على التقاعد بعد سنوات قليلة، أي بالتحديد عندما يكون على مقاعد الدراسة الجامعية، ولكن بحكم عمل والده، فقد كان مطلعا على ما يطلق عليه بـ"المعاهد الصحية الثانوية"، التي كان يلتحق بها حملة الشهادة المتوسطة ـ حينئذ ـ لتخرجهم فنيين في المهن الصحية، كالصيدلة والأسنان والبصريات وغيرها. يقول "خليفة": "شرح لي والدي الصورة الكاملة، وعرض عليّ فكرة الانضمام للمعهد، ومنع حصول كارثة مادية للأسرة"، لكن هاجس الدراسة الجامعية كان ملحا"، وكان أن طرحه على والده، الذي سعى وسأل وتأكد أن خريجي المعهد في تخصص الصيدلة من الممكن أن يكملوا دراستهم في جامعة الملك سعود، للحصول على البكالوريوس، وبالفعل هذا ما حدث، حيث درس "خليفة" في المعهد الصحي بالرياض، وتخرج منه عام 1414، وليحقق الترتيب الأول على مستوى الرياض، والثاني على مستوى المملكة!.
وهكذا وبعد اكمال فترة التدريب تعيّن "خليفة" كمساعد صيدلي في مستشفى الأمير سلمان بالرياض، ثم بعد سنة من العمل حاول إكمال دراسته لكن إدارته المباشرة لم توافق، بيد أنه لم ييأس بل كرر المحاولة مرة أخرى بعد سنة، ووجد التجاوب من قسمه، لكن إدارة المستشفى لم توافق، حينها سخر الله ـ سبحانه وتعالى ـ له الزميل الصيدلي فهد المسعود ـ رحمه الله ـ الذي ساعده على الحصول على البعثة الداخلية.
وهكذا تحقق حلم "خليفة" الجامعي، ولكن بعد سنوات طويلة، فبدأ دراسته عام 1416، واستطاع تجاوز فترة اللغة الإنجليزية رغم صعوبتها، كون دراسته كانت باللغة العربية في المعهد الصحي، لكن العائق كان في الكيمياء والفيزياء اللتين كانتا لا تدرسان في المعهد أصلا!. استطاع تجاوز الفيزياء بصعوبة، لكنه رسب في الكيمياء.. نعم رسب لأول مرة في حياته، كانت كبوة كبيرة أثرت كثيرا على معدله التراكمي، غير أنها كانت دافعا لمزيد من الجد والاجتهاد وبدعاء والديه، استطاع أن يرفع معدله التراكمي إلى 4.44 من5 وأن يتخرج الأول على كلية الصيدلة عام 2001!.



بعد تخرجه وبمعدل مرتفع أضحت فرص إكمال الدراسات العليا تلوح في الأفق، لكن كونه الابن الوحيد للعائلة، ومعيلها الأساسي جعله يصرف النظر عن تلكم الفرص، وأن يبحث عن أخرى محلية، فعاد لمكان عمله الأول، غير أنه اصطدم بعدم تعديل وضعه الوظيفي! لذا اتجه إلى مستشفى الملك فيصل التخصص ومركز الأبحاث، والتحق بقسم تحضير المواد الصيدلانية المشعّة، وصدف أن كان برنامج الصيدلة السريرية يتلمس بداياته، وهو برنامج يعادل الماجستير المهنيّة، حاول الالتحاق لكن لم يكتب له التوفيق، حتى إنه بقي احتياطا لأي شخص ينسحب من البرنامج، الأمر الذي لم يحدث.
لم يتخل "خليفة" عن طموحه العلمي، فانتقل بعد عام إلى مستشفى الملك فهد للحرس الوطني أواخر العام 2002، وقدم من جديد على برنامج الصيدلة السريرية العام، حتى قُبل العام 2004، وقام خلال فترة التدريب بإنجاز دراسة علمية بالتعاون مع الدكتور يوسف العولة، حول الأسباب المؤدية للتنويم من خلال قسم الطوارئ نتيجة مشاكل متعلقة بالأدوية، حققت أصداء جيدة، وحصلت على المركز الثالث في يوم الطبيب الثامن بمدينة الملك عبدالعزيز الطبية، ونشرت في إحدى المجلات العلمية المحكمة، بعد تخرجه بعد عامين عاد إلى عمله كصيدلي، وتدرج في المناصب الإدارية والفنية، حتى أضحى مسؤولا عن التدريب والتطوير في الخدمات الصيدلية.
لكن عشقه للصيدلة جعله يترك المنصب الإداري، ويعود إلى العمل في قسم الصيدلة السريرية، وبالذات في وحدة زراعة الكبد، وبعد افتتاح كلية الصيدلة في جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية استقطب محاضرا بداية العام 2012، وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد، ففرص الابتعاث الخارجي متاحة لمن هم في المستوى العلمي لخليفة، لكن "خليفة" ما يزال يراعي ظروف أسرته، فاختار الدارسة المحلية في تخصص زراعة الأعضاء، إذ بدأ منذ شهر أكتوبر الماضي دراسته، تحت إشراف د.عبدالكريم البكيري.
ينشط حاليا الصيدلي العصامي "خليفة الذياب" @KhalifahAlThiab في توتير، ويقدم خلاصة علمه وتجربته المثيرة، وهو لا يعلم أن هناك أناسا كثيرين ـ قد لا يعرفهم ـ يدعون له بالتوفيق والنجاج، فهو لم يضح لأجل عائلته فقط، بل كان يقدم كل شيء للآخرين دون مقابل، وها هو يصل إلى أعلى المناصب، صحيح بجهده وعرقه، لكنني أعتقد أن تضحيته ومن ثم دعاء الوالدين هما السببان الحقيقيان وراء كل هذا.

عبدالرحمن السلطان


الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

فقط.. استمتع باللحظة

نعم استمتع باللحظة ذاتها، وكأنك لن تعيشها مرة أخرى, اللحظة مهما كانت بسيطة أو عابرة، فهي بالتأكيد لن تعود.
يخاف البعض أن يستمتع باللحظة السعيدة لعدة أسباب، أولها الخوف من نظرة الآخرين له، فلقد استقر في عقول البعض أن الفرح والاستمتاع مخالفٌ للشخصية الرزينة والمتوازنة، وهو اعتقادٌ غير دقيق، بل منافٍ للفطرة، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرح والسرور، وخصوصاً إذا كان في اللحظة المناسبة، وبالمستوى المعقول من الفرح، أما السبب الثاني فهو الخوف من المستقبل، والخوف ألا تتكرر مثل هذه اللحظة، وللأسف تتفوق عند هؤلاء مشاعر الخوف على مشاعر الفرح, فلا هو استمتع باللحظة، ولا هو استطاع التغيير من مستقبله!
صديقي.. اللحظات السعيدة ليست بالضرورة هي لحظات القفزات الكبيرة في حياتك، مثل الزواج أو الحصول على درجة علمية أو حتى الترقية في العمل أو نحوها، بل هي بسيطة ومتعددة كما هي الحياة بلحظاتها متنوعة... نعم استمتع بكوب قهوة أو قدح شاي، تلذذ بطبقٍ تتذوقه لأول مرة, قف واستنشق ذرات الهواء النقية، دون ضجيج أو مقاطعة، اقرأ في مجالٍ لا تعرفه، حاول تعلم هواية مختلفة, حينها سوف تجد أنك أعدت تعريف الحياة من جديد، بل وأنك أضحيت تقبل على “روتينك” اليومي بروح متجددة، واهتمامٍ يغبطك عليه الجميع.

عزيزي.. اخرج من قوقعة يومك نحو السعادة والفرح، شارك في اللحظات السعيدة للآخرين، لتحس بطعم إضافي للسعادة, ولتصبح لوجودك أهمية كبيرة لدى من يحبك ويهتم لأمرك, وثق تماماً أن كل هذه السعادة التي لا تكلفك ريالاً واحداً؛ سوف ترفع مستوى رضاك الداخلي في نهاية المطاف.. والآن حان وقت الاستمتاع بلحظة خاطفة من السعادة.. إلى اللقاء.

عبدالرحمن السلطان

.. الدوّارات القاتلة!

قبل أيام قليلة وقع حادث مروّع بالقرب من منزلي في مدينة الرياض، حيث اصطدم سائق متهور بسيارة أخرى تقل الشاب “عبدالملك الدحيم” وأربعا من أخواته وطفلين، في دوار تقاطع طريقي الملك عبدالعزيز وأنس بن مالك.
توفي “عبدالملك” على الفور، وكذلك أخواته الأربع، العائدون للتو من فريضة الحج، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته، بينما استطاع رجال الأمن الإمساك بسائق المركبة الأخرى، الذي ذكرت تقارير صحفية أنه كان في حالة “غير طبيعية”! 

وبقدر ما تألمت كثيرا لهذا المصاب الجلل لعائلة “الدحيم”، التي فقدت خمس أنفس مسلمة في لحظة واحدة، بقدر ما أعاد هذا الحادث الشنيع إلى الأذهان المخاطر الكبيرة للدوارات المرورية الموجودة في تقاطعات بعض طرقنا الرئيسة.
فالحقيقة التي يعرفها الجميع أننا كمجتمع سعودي لا نحسن التعامل مع هذه الدوارات، وأنها تثبت يوما بعد يوم فشلها الذريع، سواء من ناحية إنسايبة الحركة، أو المحافظة على أرواح الناس، وهذا هو الأهم، فالمعروف أن الأولية في “الدوار” ليست لمن داخل الدوار، كما هي الحال خارج المملكة، ولكنها غالبا للأكثر جرأة والأسرع دخولا، وفي ذلك خطر كبير على سلامة السائق والركاب كذلك.
وأعتقد جازما أن أمانات المدن وجهاز المرور أكثر إدراكا بمخاطر هذه “الدوارات القاتلة”، ويدل على ذلك سرعة إقفال بعضها، أو تحويلها إلى إشارات ضوئية في حالات أخرى، لذا فهي دعوة صادقة لأمانة مدينة الرياض أن تبدأ بإصلاح هذا الدوار أولا، وتحويله إلى إِشارة ضوئية على الأقل، ثم إعادة دراسة مدى مناسبة أسلوب الدوارات لمجتمعنا من عدمه، فقط حتى لا نفقد أرواحا بريئة أخرى، والله المستعان

عبدالرحمن السلطان

 

السبت، 19 أكتوبر، 2013

قصة الفتى الذي حطم نظارته

لم يكن يعلم "ياش قوبتا Yash Gupta" أن حصة تعلم "التيكواندو" هذه سوف تكلفه أسبوعاً قاتماً من حياته, فجأة تحطمت نظارته الطبية التي يعتمد عليها في كل شيء, حاول تجميع أجزائها لكنها كانت قد تحوّلت إلى حطام.

حاول الحصول على نظارة أخرى؛ لكنه أُبلغ أن ذلك سوف يستغرق أسبوعاً على الأقل, حينها أدرك كم كانت هذه النظارة مهمة لحياته, فبدونها لن يستطيع الحياة بصورة طبيعية كما كان يفعل, استمر على حالة التوقف القسري عن الحياة لمدة أسبوع حتى استلم نظارته الجديدة.
خلال هذا الأسبوع المرير أخذته أفكاره إلى الأطفال الذين يحتاجون إلى نظارات طبية لكنهم لا يستطيعون توفير قيمتها, بحث في شبكة الإنترنت فوجد عددهم يقدر باثني عشر مليون طفل! قرر أن يقوم بشيء تجاه هؤلاء, لأنه عرف أن هؤلاء لن يتعلموا أو يقوموا بأي شيء في حياتهم لأنهم لا يستطيعون الإبصار بشكل طبيعي.

يقول "ياش" إن أغلب أفراد أسرته يستعلمون النظارات الطبية, وذات مرة بحث في المنزل فوجد أكثر من عشرة أزواج من النظارات ملقاة دون فائدة, لذا وبعد هذه الحادثة بفترة قصيرة, قرر "ياشن" وبمساعدة والده تدشين مؤسسة خيرية أطلق عليها اسم "Sight learning", وهو للتو قد بلغ عامه الرابع عشر! وبدأ بجمع النظارات المستعملة من متاجر البصريات ومن المتبرعين, ثم تسليمها إلى الجمعيات الخيرية المتخصصة في مكافحة العمى وضعف البصر, حتى تصل إلى من يحتاجها حول العالم.

اليوم "ياش" يستعد للاتحاق بجامعته السنة القادمة؛ يفخر بإيصال 9500 زوجٍ من النظارات الطبية, تقدر قيمتها بأكثر من نصف مليون دولار أميركي لآلاف الأطفال, واستطاع أن يساهم بمستقبل أفضل ليس لهؤلاء الأطفال فقط, بل حتى لعوائلهم كذلك, والسبب مجرد نظرة مختلفة لنظارة متحطمة.

عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 18 أكتوبر، 2013

وتستمر حصة "التعبير" التلفزيونية!

"إخوة الإيمان... ما أعظم هذه الحشود.. إخوة الإيمان وينتقل المايكرفون إلى "فلان" من إذاعة وتلفزيون تلك الدول الإسلامية الشقيقة".. وهكذا تستمر التغطية المتكررة عاما بعد عام لأهم مناسبة إسلامية على الإطلاق.
وسنة بعد سنة يثبت تلفزيوننا السعودي أن توّفر الإمكانات لا يعني بالضرورة أن يتطور المنتج النهائي، ولا تعني بالضرورة أن يقدم شيء مبتكر ورائع، وقادر على الأقل لنقل الصورة الحقيقية لهذه الشعيرة، وليس فقط العمل على تجميل وتسويق جهود الجهات الحكومية الأخرى، بكثير من الكلمات الإنشائية التي لا يهتم بها أحد.


كنا قد تفاءلنا بتأسيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؛ ولكن يبدو أن الأمر سوف يستمر كما هو: كمية هائلة من برامج الحوارات، وهي بالمناسبة أسهل البرامج إنتاجاً وأكثرها تنفيراً للمشاهد، ثم حزمة من البرامج الدينية، التي تفتقر لأبسط وسائل التشويق والجذب، أما الأسوء فهي حصص "التعّبير" بين فواصل البرامج، وبالذات تغطية وقفة يوم عرفة، حيث يقوم المذيعون بالحديث والتعبير عن مشاعرهم بكلام وصفي وإنشائي بلا فائدة، فلا معلومات مفيدة ولا رسوم بيانية ولا شيء، مجرد كاميرات تتحرك هنا وهناك، ومجموعة من المذيعين تتناوب على تكرار نفس الحديث، دون أن تتحرك الكاميرا بين الحشود لنكتشف جوهر ركن الإسلام الأعظم.
قد يكون حديثنا هذا قاسياً على الأصدقاء في تلفزيوننا الوطني، وقد يكون ردهم جاهزاً أن الهيئة لم تؤسس إلا هذا العام، لكننا نعيد التأكيد على أن موسم الحج يأتي كل عام في نفس التوقيت، وليس حدثاً مفاجئاً، لكن الأمر ببساطة يحتاج كثيراً من العمل الجاد، والأفكار المبدعة، فالله وحده فقط يعلم كم يوجد في موسم الحج الواحد من قصص إنسانية تستحق أن تروى، وكم من التوعية المبتكرة يحتاجها ضيوف الرحمن، والله المستعان

عبدالرحمن السلطان





الخميس، 17 أكتوبر، 2013

حيلة بسيطة للسعادة

أحد الأصدقاء ممن كسبت صداقته خلال مرحلة الدراسة الجامعية، كان يقوم بحيلة بسيطة لنشر السعادة، لكنها كانت ذات أثر لا يصدق على كل من تمتد إليه، فقط كان يقوم كل يوم أو يومين باختيار أحد أصدقائه أو أقاربه ليرسل له في الصباح الباكر رسالة نصية، يقول فيها: "صباح الخير "فلان".. لقد وهبتك حبي لهذا اليوم الجميل"، هكذا مجرد رسالة مختصرة، لا تتجاور الخمسين حرفا، لكنها متخمة بمشاعر جياشة من الحب والتقدير.
والعجيب في الأمر أن هذه الرسائل كانت تفعل العجائب، فكل من وصلته هذه الرسالة، ترتفع معنوياته، ويزداد إيجابية، وينسى ما ينتظره من يوم عمل شاق، بل لا يكاد يمسي إلا وقد أمضى أحد أجمل أيامه! فقط بسبب هذه الكلمات التي كان إرسالها لا يكلف سوى 50 هللة، لكن استقبالها في الصباح كان كبسولة فعالة لتحسين مزاج الأصدقاء، وجعلهم أكثر سعادة وفرحا.

كان صديقي معتمدا على مبدأ أن عهد الصداقة الحقيقية تلزم الصديق أن يسعد صديقه، وأن نشر ثقافة السعادة سوف يعود عليه هو بالسعادة في نهاية الأمر، فضلا عن تحولك إلى عامل محفز لسعادة الآخرين يجعلك تعشيها لحظات أطول، مما ينعكس في النهاية على يومك ومستقبلك، ونظرتك للحياة.
للأسف، توقف صديقي منذ سنوات عن إرسال رسالة حبه الرائعة، لكنني ما زلت أنتظر منه تلك الرسالة بفارغ الصبر، إذ إن انتظار مرسول السعادة على الأقل يعد سعادة بحد ذاتها... والآن عزيزي القارئ.. هلا التقطت هاتفك الذكي وأرسلت رسالة "حب" لمن تحب، ولكن أرجوك اجعلها خاصة وحميمية.. وكل سعادة وأنت بخير، أنت ومن تحب.


عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 16 أكتوبر، 2013

أربع ساعات في "الشورى".. ولكن

كانت البداية مجرد اتصالٍ سريع من مكتب نائب رئيس تحرير "الوطن" بالرياض، ولكن ذلك الاتصال تبعته بعد أيام قليلة رسالة تأكيد نصية، ثم رسالة أخرى قبل الموعد بيومٍ واحد، حينها رفعت سقف توقعاتي بأننا سوف نحظى ببرنامج عمل مثمر، عطفاً على الأسلوب الاحترافي الذي لمسته قبل الزيارة.
كانت الدعوة موجهة من إدارة الإعلام والنشر بمجلس الشورى لعددٍ من كتاب الرأي بالصحف السعودية، ممن لهم اهتمام بنشاط مجلس الشورى، حيث سعدت بمرافقة زميلي في الصحيفة الكاتب الدكتور أسامة القحطاني، وكذلك الصحفي اللامع "تركي الصهيل"، بالإضافة إلى نخبة من الزملاء كتاب الرأي في الصحف الأخرى. كان الموعد صباح الأربعاء الثاني من أكتوبر 2013م، وما إن وصلنا مقر المجلس حتى كان في استقبالنا شباب العلاقات العامة بالمجلس، الذين كانوا قمةً في الكفاءة وحسن التعامل، وكلها دقائق قليلة حتى وصل معالي رئيس المجلس الشيخ الدكتور عبدالله آل الشيخ، الذي صحبنا في جولة سريعة إلى القاعة الرئيسية لاجتماعات المجلس، ثم التُقطت عددٌ من الصور التذكارية، تلاها انتقالنا إلى إحدى صالات اجتماعات لجان المجلس، رغم أننا كنا نعتقد أن اجتماعنا سوف يكون بأسلوب الطاولة المستديرة، الذي يساعد على سرعة النقاش وتداول الأفكار، لا أن ننتقل إلى قاعة مجهزة للاجتماعات الطويلة والتي يغلب عليها الطابع الخطابي، لكن هذا ليس كل شيء؛ إذ كنا نعتقد أن هذا الاجتماع سوف يخصص لمناقشة الاستراتيجية الإعلامية الجديدة للمجلس، بناءً على محاور النقاش التي سبق وأن أرسلت، ولكن ما حدث كان غير ذلك!


كانت البداية بكلمة ترحيبية خاطفة لمعالي رئيس المجلس، الذي تناول أهمية دور الإعلام بالتعريف بأدوار المجلس، وموقعه على خارطة تشريع وصياغة الأنظمة بالمملكة، لكن معاليه فجأةً غادر القاعة، دون إبداء أي سبب مقنع، على الرغم من أهمية الموضوع وحيويته على تحسين الصورة النمطية للمجلس، ومحاولة إيصال رسالته إلى عموم المواطنين، وضرورة أن يكون معاليه موجوداً في الاجتماع، لكن المشكلة الأخرى هنا أن النقاش الذي أداره معالي مساعد رئيس المجلس لم يلتزم بالمحاور المحددة سابقاً، بل فتح الباب واسعاً لمداخلات الحضور للحديث في كافة المحاور دون ترتيب، وللحق فلقد كان النظام الإلكتروني لترتيب وعرض المداخلات رائعاً جداً، لكن فتح الباب للمداخلات دون الالتزام بالمحاور والوقت؛ جعل الحوار ينحرف بسرعة من الاستراتيجية الإعلامية للمجلس إلى ملاحظات ورؤى الزملاء الكتّاب حول أداء المجلس وأعضائه الموقرين! مما جعل البعض يتحدث لمدة طويلة جداً بحديث إنشائي بعيدٍ عن هدف اللقاء، صحيح طرحت بعض الرؤى الإعلامية ولكنها كانت قليلة ولم تربط بالاستراتيجية، التي لم نسمع منها سوى منطلقاتها الأساسية، وهي منطلقات تنظيرية أكاديمية تفتقر إلى الفهم الواقعي للصورة الحالية للمجلس في الإعلام المحلي، ولدى المواطن البسيط، ذلك لأن مجلس الشورى يقوم بالكثير من المهام، وأنجز العديد من الأنظمة والتشريعات خلال الدورات الماضية، لكن للأسف هذا النشاط الكبير لم يصل صداه للمواطنين، الذين لا يزال كثير منهم غير مدرك لدور المجلس الحالي، فضلاً عن دور السادة الأعضاء، وبالذات أعضاء المجلس الجديد من النساء.
في هذا اللقاء طرح الزملاء الكتّاب رؤى وأفكاراً إعلامية جديرة بالدراسة والتطبيق، ومنها مداخلتي التي أكدت فيها على ضرورة البث المباشر للجلسات العادية للمجلس، حتى لو كانت طويلة وتحتوي على نقاشات فنية متخصصة، وعدم الاكتفاء بالرسالة الأسبوعية التي تعرض مقتطفات عارضة من نقاشات المجلس، وهي فرصة كبيرة لتوريث الخبرات وإشراك الفئات المهتمة في مداولات المجلس. وزاد زملاء آخرون باقتراح إمكانية إطلاق قناة تلفزيونية للمجلس، كما هي الحال بعض الدول، غير أن الهاجس الأساسي والذي سيطر على مداخلات البعض؛ هو الشح الشديد لمعلومات الأنظمة والتقارير التي يناقشها المجلس، على رغم أهمية توفيرها للباحثين والكتّاب، حتى يستطيعوا القيام بدورهم سواء بالتعليق أو الاقتراح، أو لفت النظر إلى نقص هنا أو خللٍ هناك، بدلاً من الاعتماد على التسريبات التي تعتمد على العلاقات الشخصية، وقد تكون نتيجتها معلومات ناقصة أو مشوّهة، كما طالب آخرون بأن تعقد الدائرة الإعلامية بالمجلس مؤتمراً دورياً لتقديم المعلومات الكاملة، والإجابة عن استفسارات المهتمين، دون إغفال تشجيع الأعضاء على التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، مما يزيد من إدراك المجتمع لمهام وواجبات عضو الشورى.
غير أن الأمر الجميل في هذه اللقاء عدم اقتصاره على الصحافة التقليدية، بل إن عدداً من المشاركين كانوا من الصحف الإلكترونية السعودية، الأمر الذي يجعلنا نتفاءل كثيراً نحو تفعيل وجود المجلس وأعضائه الكرام في قنوات التواصل الاجتماعي، مثل "تويتر" وغيره، الذي كان محور عتبٍ كبير من قبل المشاركين، إذ لا يوجد حالياً حضور حقيقي للمجلس وأعضائه في قنوات التواصل الاجتماعي، على رغم أنها أكثر استخداماً في المملكة، عطفاً على أن الشباب أقل من 40 سنة يمثلون أكثر من 82% من مجمل السعوديين والسعوديات!
على رغم أن هذا اللقاء الأول لم يلبِ تطلعاتنا نحو مشاركة أوسع في صياغة استراتيجية إعلامية جديدة للمجلس، ولم يحدد موعداً لمناقشة الاستراتيجية بشكلها النهائي قبل تطبيقها؛ إلا أن مجرد الدعوة تعتبر خطوة أولى في طريق دعم مشاركة أكبر في صنع قرار المجلس، وهو أمرٌ يزيدنا تفاؤلاً بمستقبل المجلس، وتفاؤلاً أوسع بمزيدٍ من الاقتراب من هموم المواطنين والمواطنات.

عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 15 أكتوبر، 2013

حديقة عامة ليست حكومية!

قد تكون "سنترال بارك" أشهر حديقة في "نيويورك"، لكنني حتماً أفضّل عليها حديقة Bryant، التي تقع بين الطريقين الخامس والسادس، وبين الشارعين الأربعين والثاني والأربعين، وهي وإن كانت صغيرة في حجمها إلا أن مستوى العناية بها؛ يجعلها مقصداً لقاطني المباني المجاورة، فضلاً عن سياح المدينة.


هذه الحديقة كانت هدية رجالات نيويورك لمدينتهم، خلال استضافتها المعرض الدولي التجاري عام 1853، بالإضافة إلى قصر نيويورك الكرستالي في مقدمتها، لكن هذه الحديقة ومع مرور الزمن واستمرار الإدارة الحكومية لها تراجع مستوها، وانهارت خدماتها العامة، وأمست مجرد أشجار متناثرة هنا، ونافورة لا تعمل هناك، الأمر الذي استدعى تحركاً مجتمعياً من أبناء الأحياء المجاورة، وكانت أن أنشئت "تعاونية حديقة بريانت" عام 1980، كمؤسسة اجتماعية غير ربحية، هدفها الأساسي إدارة شؤون الحديقة، وضمت التعاونية في بدايتها وجهاء من المجتمع "النيويوركي" كعائلة "روكفلر"، فضلاً عن أبناء محيطها.





قامت التعاونية بجمع الأموال وإعادة ترميم وبناء وتقسيم الحديقة من جديد، وعملت على إيجاد مصادر دخل دائمة للحديقة، مثل تأجير الأكشاش، واستضافة حفلات الزفاف، والبطولات الرياضية الصغيرة، مما مكن التعاونية من انتشال الحديقة من وضعها السابق، الذي وصل إلى الحضيض بتحولها إلى ملتقى لباعة المخدرات والدعارة نهاية السبعينات، إلى أن أضحت اليوم أجمل وأرقى حدائق نيويورك.
السؤال هنا، ونحن رأينا بعض صور التدمير لأشجار ونافورة حديقة الملك عبدالله، هل نستطيع تأسيس تعاونيات من أبناء المناطق المحيطة بتلكم الحدائق، يكون عملها الوحيد والأساسي إدارة شؤون حديقتهم وتطوير برامج جذبها، لأنه ثبت عقلاً وتجربة أن الموظفين الحكوميين غير قادرين على أداء أعمالهم البيروقراطية، فما بالك بإدارة أشجار معمرة، أو تنسيق زهور، وحتى التفكير بلا حدود!

عبدالرحمن السلطان

  

الأحد، 13 أكتوبر، 2013

كلاوس كرون"، 78 عاما

بعد تقاعده وممارسته العديد من الهوايات، حصل "كلاوس كرون Claus Krohn" على رخصة الطيران التجاري وهو في التاسعة والستين من عمره، ليس هذا هو المثير، لكن الأكثر إثارة هنا؛ أنه ما إن علم نيّة الخطوط الأسكندنافية إيقاف خدماتها ما بين مدينتي "مولد" و"تروندهايم" النرويجيتين؛ حتى قرر المغامرة وتأسيس خطوط تجارية تعمل على هذا الخط غير المربح!

كان قد بلغ 75 عاماً، لكنه بحسه التجاري، كونه عمل كرجل مبيعات منذ عام 1975، أدرك أنه هذه هي فرصة العمر، فقام على الفور بتأسيس شركة طيران منخفض التكاليف، أطلق عليها مسمى "Krohn Air" واستأجر طائرتين صغيرتين، وجمع طاقماً مكوناً من ستة أفراد، بالإضافة إليه عدد من شباب عائلته، ليطلق رحلاته خلال يوم الثالث من فبراير 2010، فقط بعد ثلاثة أيام من التوقف الفعلي للخطوط الأسكندنافية عن الخط، أي في 31 يناير من العام نفسه!.


والجميل في القصة أنه حدد مواقيت رحلاته بناء على دراسة ميدانية لزبائنه المتوقعين، على عكس خطوط الطيران التي تحدد مواعيدها اعتماداً على أسباب مختلفة، غالباً ما يكون الزبون آخرها، حيث حدد رحلة المغادرة الأولى في الصباح الباكر ثم العودة مباشرة، بالإضافة إلى رحلة مسائية لكلا الاتجاهين، وساعده على ذلك أن المسافة بين المدينتين كانت لا تتجاوز 200 كلم.
وها هو اليوم وبعد مرور ثلاث سنوات على تأسيس الشركة يضيف مدينة ثالثة إلى شبكة خطوطه، ورغم أنه يقترب من ربيعه الثمانين، إلا أن "كلاوس" العجور لا يزال يمارس هواية الطيران بطائرته الصغيرة "السيسنا"، حينما يكون الطقس ملائماً، ويقول: "إن الشعور بالحكم بالأجواء يزيده نشاطاً على نشاط".. رحم الله متقاعدينا وأعانهم على تقطيع وقتهم بالنوم والقيل والقال، وإزعاج الزوجات، والله المستعان.

عبدالرحمن السلطان

السبت، 12 أكتوبر، 2013

تاجر.. "ببلاش"!

يبدو أن الجميع يطمح في أن يصبح ثرياًّ يوماً ما، أو لنكن أكثر دقة: يحلم أن يصبح ثرياًّ بين ليلة وضحاها! هكذا فقط، دون أن يبذل جهداً حقيقياًّ، أو أن يضحّي بعلاقة هنا، أو هواية هناك. والحقيقة أن هذا الطموح مشروع، بل قد يكون في مرتبة الواجب، لأنه يؤدي بالإنسان إلى أن يعمل ويعمر الأرض، ويتحول إلى "منتج"، وليس مجرد "مستهلك"، يقضي وقته بين أحلام اليقظة، وبين واقعٍ لا يمكن أن يتحرر منه.

يجادل البعض أن مجرد الظفر بفكرة "خارقة للتوقعات"، تلبي احتياج فئات من المجتمع، تعد الخطوة الأولى على طريق النجاح، وبالتالي الثراء، وهذا حديث نظري يفتقر إلى الخبرة الحقيقية في عالم الأعمال، فالفكرة الرائعة، وقبل أن تحتاج إلى تمويل كافٍ؛ بحاجة إلى رؤية إدارية، ثم الأهم وهو العمل الحقيقي، والذي لا يكون إلا بالتفرغ لفكرتك، والعمل ليل نهار لتتحول إلى مشروع مؤسسي مستدام، وللأسف فإن كثيراً من الأفكار الرائعة لم تنجح فقط بسبب غياب تفرّغ المؤسسين لإنجاز أعمالهم، إذ يعتقد المبتكر أن مجرد التقاطه الفكرة هو جواز سفره نحو النجاح، وأنه سوف يصبح تاجراً هكذا "ببلاش"! ولعل نظرة سريعة للكثير من أفكار المبدعين على شبكة الإنترنت، تفصح عن قصص فشل متنوعة، لم يبق منها سوى مدونات ومواقع إنترنت غير مكتملة، بينما التنقيب في قصص نجاح رواد الأعمال الجدد من الشباب السعودي؛ تجد أن القاسم المشترك بين الجميع، ليس فقط الفكرة والشغف بها، لكنه "التفرّغ" الحقيقي للركض وراء شغفهم والسهر على إنجازه، مما جعلهم يتذوقون طعم النجاح سريعاً، بعد تجاوز المنغصات والعقبات، التي تتحول في نهاية الأمر إلى مجرد ذكريات.
خلاصة الحديث: صعود طريق النجاح والثراء ليس مستحيلاً، لكنه شاق وصعب، وأول خطوة تبدأ بها بعد الاستعانة بالله، هي "التفرّغ" والعمل الجاد يا صديقي.

عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

سمعة بـ75 دولارا فقط!

بالكاد جلس المدون السعودي "عبدالله الخريف" وصديقه إلى الطاولة التي حددتها فتاة استقبال المطعم، وما إن ناولتهما قائمة الطعام؛ إلا ومباشرهما الشاب يقف فوق رأسيهما.






منذ البداية مزّ شفتيه، وما إن سألهما من أين هما؟ حتى انقلب وجهه رأساً على عقب، وتركهما على الفور وهو يتمتم بكلمات غامضة، لكنها بكل تأكيد "شتيمة" و"سب" من العيار الثقيل، يقول "عبدالله" كنا نرى من بعيد المشرف يحاول أن يهدئ من روعه.
جاءهما "مباشرٌ" آخر، وبعد ضغطٍ شديدٍ منهما شرح لهما قصة زميله، يقول منذ حوالي شهرين جاء شاب سعودي وحجز طاولةً لسبعة أشخاص، وسأل عن مباشرهم، الذي كان صاحبنا، حينها سأله عن أكبر "بخشيش" حصل عليه من شخص واحد، أفاده "المباشر" أنه 75 دولاراً، فأكد له الشاب السعودي أنه سوف يحصل على مثلها الليلة؛ بمجرد أن يحسن من خدمته وضيوفه، وبالفعل عمل صاحبنا تلك الليلة بطاقةٍ مضاعفة، لدرجة أنه تجاهل الطاولات الأخرى، وقدم لهم أطباقاً وحلوى مجانية، وبقي ساهراً على راحتهم حتى دفع الشاب حسابه بالبطاقة الائتمانية، وقال إنه سوف يدفع له نقداً حين يركب سيارته، لأنه نسي محفظته هناك، وبالفعل ركبها وقدم "بخشيشاًَ" محترماً للبواب، لكنه وبكل دناءة ضحك بصوت عالٍ أمام "المباشر"، وانطلق بسيارته!
انهار صاحبنا، ولم يصدق أن أحداً عاقلاً يفعل هكذا، لم يفهم لم كل هذا الكذب، وأسلوب الهروب الحقير! صُدم من كل من هو "سعودي"، حتى صار المشرف يبعده عن أي زبون "سعودي".
اقترح صديق "عبدالله" عليه حلاً لترميم تصرفاتنا، وبعد جولات من الحوار اللطيف، قدما للمباشر اعتذاراً صريحاً، بالإضافة إلى 75 دولاراً التي كان مواطنهما وعده بها، لم يصدق المباشر نفسه، وقام على خدمتهما، مما جعلهما يدفعان له 25 دولاراً إضافية، ليكون مجموع "البخشيش" أكثر من مجموع حسابهما تلك الليلة!


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 9 أكتوبر 2013م

السبت، 5 أكتوبر، 2013

"بمبي".. هل تسمعني؟

أن تقدم فنا هابطا، فهذا في نهاية الأمر شأنك وحدك، لكن أن تهاجم خيارا اجتماعيا بواسطة نفس الخيار الاجتماعي الذي تنتقده، فذلك شيء لا يمكن استيعابه، سوى أنك تستهدف أكبر قدر من المشاهدة بأية وسيلة، ضاربا بالأخلاق والقيم التي تتبناهاعرض الحائط؛ أو أنك تدعي أنك تتبناها!
فمثلا كيف تعارض الموسيقى وأنت تستخدم الموسيقي في خطابك! أو أن تعارض اشتراك المرأة في التعليم، والمرأة تشاركك إنتاج برنامجك بطريقة فجّة! للأسف هذا ما يحدث في السلسلة الكوميدية "بمبي"، التي تعتمد أسلوب استفزاز المشاهد المحلي بأي طريقة، ومصادرة قيمه ومبادئه، وإبراز العنصر النسائي بطريقة لم يقم بها أي برنامج "يوتيوب" سعودي حتى الآن، مهما علا سقف نقده وجرأته، كما حدث في حلقة "الاختلاط في التعليم" أو "الحريم ساقوها" وغيرها، ويبدو أن فريق "بمبي" لم يدرك مدى هذا الاستفزاز، ففوجئ بالكم الهائل من التعليقات السلبية فاضطر لإغلاق التعليقات في الحلقات الأخيرة من السلسلة، رغم أن الميزة الأساسية في قنوات التواصل الاجتماعي هي التفاعلية وسرعة قياس ردة فعل الجمهور، لكن عوضا عن ذلك صار منتجو "بمبي" يركزون في أحاديثهم الصحفية على أن البرنامج خيالي وصادم! ومن المتوقع أن يثير الكثير من الملاحظات والنقد.



نعم "الكوميديا" تعتمد على المبالغة والخيال، ولكنها المبالغة ذات العلاقة بواقع المجتمع، مما يجعلها مقبولة اجتماعيا، وسريعة "الهضم"، لا أن تكون متناقضة في أسلوب طرحها، ومتعمدة على جذب الجمهور بواسطة "الموديلز" فقط، دون محتوى حقيقي، يعمل على تسليط الضوء على قضية مجتمعيه، قد تكون "الكوميديا" ببساطتها إحدى وسائل حلها.
خلاصة الحديث لفريق "بمبي" وغيرهم: إذا كان منزلك من زجاج، فلا ترم الناس بالحجر!.

عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 5 أكتوبر 2013م

الخميس، 3 أكتوبر، 2013

من دمر "كنيسة" بلدتي "القرينة"؟

هالني الموقف، ولم أصدق ما رأيته، نعم إنه الموقع بذاته، ولكنه بعد أن عانى الإهمال سنوات طويلة ها هو اليوم يدمّر بفعل فاعل! إنه أول مسجدٍ بني في منطقة نجد "وسط المملكة"، مسجد "قرآن"، أو مسجد بلدة "القرينة" مسقط رأسي، وهي البلدة العريقة التي تقع شمال غرب العاصمة الرياض، وتبعد عنها حوالى 70 كلم، هذا المسجد الذي يعتقد أنه بني على أنقاض أقدم كنيسة في "نجد".



إذ تشير المصادر التاريخية إلى إيغال بلدة "القرينة" في القدم، كما تدل على ذلك الكتابات "الثمودية" التي وجدت في وادي "مليح" في "القرينة"، فضلاً عن ذكرها المتواتر في كثيرٍ من المراجع والروايات التاريخية، كما في كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني، بل إنها وردت في قصيدة للشاعر الشهير "جرير"، حين قال:

كأن أحداجهم تحدى مقفية نخلٌ بملهم أو نخل بقرّانا
حيث قال عنها "السكري": إن ملهم وقرّان قريتان باليمامة، لبني سحيم بن مرّة بن الدؤل بن حنيفة، وكان "بني سحيم" يستوطنون وادي "قرآن"، ويدينون بالنصرانية، وكانت لهم كنسية، تقع على الجبل، وتطل على الوادي... من جهته، قال علامة الجزيرة العربية "حمد الجاسر": "ومن بني سحيم أهل قران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل "طلق بن علي"، و"علي بن شيبان" وغيرهما، وكانت النصرانية قد انتشرت بين بعض قبائل العرب فكان لدى بني سحيم كنيسة، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم أداوة فيها ماء، وأمر أن يهرق فيها لتطهيرها".
وأضاف علامة الجزيرة العربية أن المرء يشاهد في "القرينة فوق جانب الجبل الواقع جنوب الوادي المطل عليه آثار بناء مرتفع، يطلق عليه اسم "الكُنيَّسة" بالتصغير، وقد يكون آثار حصن من الحصون لصق بها الاسم، لإطلاقها على المكان الذي كانت تقع فيه الكنيسة لبعد المكان عن المدينة، وارتفاعه عن الوادي الذي ينتشر فيه السكان" ثم عاد علامة الجزيرة وأكد على أنها قد تكون "آثار دير قديم"، كما أشار إلى ذلك الشيخ عبدالله بن خميس في كتابه "معجم اليمامة"، وكذلك الدكتور صالح الوشمي -رحمه الله- في كتابه النفيس "ولاية اليمامة دراسة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية حتى القرن الثالث الهجري".
وهو ما ورد كذلك في سنن "النسائي" بحديث "قيس بن طلق"، عن أبيه "طلق بن علي"، الذي صححه الألباني، حينما خرجوا ووفدوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنية الإسلام والبيعة، إذ يقول "فبايعناه، وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا -والمقصود بالبيعة هنا هي المعبد أو الكنسية- فاستوهبنا من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في أداوة وأمرنا فقال: "اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجداً، فقلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف فقال: "مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيباً" فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالآذان، ثم يضيف يؤكد وجود الكنيسة، قال: "والراهب رجلٌ من طيء، فلما سمع الآذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد".
هذا الحديث ورد بصيغة مقاربة –أيضاً- في صحيح ابن حبان، أما عن تاريخ تأسيس المسجد على أنقاض الكنسية؛ فيشير محقق كتاب "ابن حبان" تعليقاً على "طلق": قال أبوحاتم رضي الله عنه" طلق كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سني الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله بالمدينة، وبالتالي فإن المسجد بني منذ السنة الأولى للهجرة، واستمرت الصلاة فيه حتى هجر أهل "قرآن" المكان، ورحلوا إلى البصرة، بعد زوال حكم "الاخيضريين" في منطقة "اليمامة"، أي عام 310هـ، كما قال "ابن سيرين" في كتابه.
من جهة أخرى، يؤكد المعمّرون من أبناء بلدتي -القرينة- أن آثار وحدود المسجد كانت واضحة قبل عقود ماضية، وأن "قرآن" بعد ما سكنت من جديد تحرّف اسمها إلى "القرينة"، ذلك في القرن الحادي عشر الهجري عندما وردت لأول مرة بمسمى "القرينة"، حينها تصاعب أهلها الصعود إلى المسجد، فنقلوا بعض حجارته، وبنوا فيها المسجد القديم في الوادي، ونسي الأول وأهمل، كما ورد في مجلة "القرينة" الصادرة عن لجنة التنمية الاجتماعية في "القرينة"، وهو ما كان يتحدث به جدي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عبدالله السلطان -رحمه الله-، الذي يروى مشاهدته للمسجد بحدود شبه واضحة، وخصوصاً مكان تغيير قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة.


للأسف هذا الموقع المهم جداً لم يلق اهتماماً عابراً من وكالة الآثار سابقاً في وزارة التربية والتعليم، ولا حتى من الهيئة العامة للسياحة والآثار حالياً، على رغم أنه موقعٌ أثري مهم، ويوثق حدثاً تاريخياً مفصلياً في تاريخنا، وهو دخول الإسلام للمنطقة الوسطى، وهو ما يتوافق مع ذكرى محزنةٍ كان جدي -رحمه الله- يرددها دوماً، وهي خيبة أمله حينما وجد بعض الكتابات الثمودية، ولكن للأسف لم يجد تجاوباً من أي جهة رسمية لدراستها وفك مغاليقها، وللأسف ها هو الموقع اليوم يتعرّض للتخريب بشدة على يد فئة مجهولة، والخوف الشديد من استمرار هذا الإهمال، حتى تضيع معالم الكنسية/المسجد، ويصبح من المستحيل إعادتها إلى سابق عهدها، فمتى نرى تحرّك "هيئة السياحة والآثار"، أو حتى علماء الآثار والمهتمين لحفظ الموقع وإعادة تأهيله، وربما تأسيس متحف مجاور يحكي قصته للأجيال القادمة، هذا ما أتمناه ويتمناه كل منتسب إلى هذه القرية العريقة.




عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

330

من المخجل أن نرصد في مجتمعنا حالات للعنصرية "المقيتة"، إذ يقسم البعض المجتمع إلى طبقتين اثنتين، إحداهما يطلق عليه بالقبيلي ويرمز له بالتيار الكهربائي الأقوى 220، بينما الطبقة الثانية هي "الخضيري"، وهي من لا ينتمي لقبيلة معروفة، ويرمز له بالتيار الكهربائي الأضعف 110 فولت!.
هكذا وبكل بساطة يصنَّف الإنسان دون تدخل منه، ودون النظر لكفاءته وإنجازاته، يصنف دون مراعاة لديننا الحنيف، الذي جاء بالمساوة بين البشر كلهم، فما بالك بشركاء الوطن!، لكن الإشكالية الكبرى أن الجميع يفصح عن إدراكه لهذا الخطأ، لكنهم لا يتخذون أي خطوة في طريق القضاء على هذه العنصرية المتوارثة، التي تجعل من البعض يقبل بزواج السعودي "القبيلي" من غير السعودية، على أن يتزوج من السعودية "الخضيرية"! 
وغني عن القول، إن الحديث في هذه القضية أمسى مستهلكا، خصوصا حين الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تنهى عن هذه الممارسة، غير أن مبادرة شبابية سعودية أحدثت تغيرا في المشهد، واعتمدت فكرتها على أن الفرد يجب أن يصنف على ما ينجز هو، وليس بناء لأي بيت يولد، وأطلقت على نفسها مسمى "أنا 330"، كناية عن مجموع التيارين: 220 و110، أي أننا جميعا سعوديون بغض النظر عن أصولنا التي - بالتأكيد - لم يكن لنا فيها أي دور، والجميل أن تلكم المبادرة التي بدأت بمجرد "وسم" على "توتير"، امتدت لتصبح شعارا لتعريف الآلاف في "توتير" وأنا واحد منهم، وسببا وجيها للنقاش، ومؤخرا قمصانا ترتدى، لتزيد الوعي المجتمعي تجاه هذه الآفة الخطيرة، فالشكر أولا لمن اقتنع بالفكرة، وليس فقط كتب وغرّد.

وفي النهاية، همسة خافتة لمن يكتب في تعريفه الشخصي في توتير أنه من 330، بينما كل تغريداته تنضح بالعنصرية والفخر.. قليلا من الحياء يا 220.


عبدالرحمن السلطان