السبت، 30 نوفمبر 2013

"جزيرة الأرانب"

صدق مَن قال إن اليابان بلاد العجائب والغرائب، ولكن حديثنا هذه المرة لن يتطرق إلى الإبداعات اليابانية في الإلكترونيات أو الصناعات الثقيلة
صدق مَن قال إن اليابان بلاد العجائب والغرائب، ولكن حديثنا هذه المرة لن يتطرق إلى الإبداعات اليابانية في الإلكترونيات أو الصناعات الثقيلة، وإنما إلى إحدى الجزر اليابانية المختلفة، التي استطاعت الاستفادة من ظاهرة غريبة لتتحول إلى وجهة سياحية، ومزارٍ تشد إليه الرحال.


إنها جزيرة "أكونوشيما Okunoshima" الصغيرة، التي تقع وسط بحر "سيتو" الداخلي، وبالذات جنوب شرق "هيروشيما" الشهيرة، التي سبق أن تعرضت للقنبلة النووية. هذه الجزيرة كانت قاعدة عسكرية لإنتاج الأسلحة الكيميائية والغازات السامة، لمدة ست عشرة سنة، أي منذ الحرب اليابانية الصينية وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، مما جعلها جزيرة غير مأهولة بالسكان حتى وقتنا الحاضر، ولكن لسبب ما جلبت أزواجٌ من الأرانب لهذه الجزيرة، يعتقد أنها أحضرت لدراسة آثار السموم بعد انتهاء الحرب وتوقف المصانع الكيميائية، ولسبب ما أخذت هذه الأرانب بالتكاثر بشكل متواصل، بينما هناك رواية أخرى تؤكد القضاء على جميع تلكم الأرانب التي خضعت للتجارب، وأن الأرانب الحالية إنما أحضرها مجموعة طلاب، كانوا في رحلة ميدانية للجزيرة عام 1971، حيث سرحوا ثمانية أرانب فقط، هي سبب ازدحام هذه الجزيرة الصغيرة اليوم بأكثر من 500 أرنب!




ولسنوات طويلة كانت الجزيرة مهملة ودون رعاية تذكر، حتى شاع خبر الأرانب، وأصبح اليابانيون يطلقون عليها اسم "أُساقيشيما"، أي جزيرة الأرانب باللغة اليابانية، وأضحت الرحلات تنظّم لزيارة الجزيرة وأرانبها، مما حدا بالسلطات المحلية أن تستفيد من الفرصة، وأن تعمل على إعادة تأهيلها، وتُؤسس متحفاً للغاز السام عام 1988م، بالإضافة إلى فندقٍ ومضمار "جولف" وغيرها من الخدمات المساندة، وأن تربطها بخط عبّارة بحرية منتظم.
واليوم وقد أمست الجزيرة واجهة سياحية معتبرة؛ أود تذكيرك بأن الجزيرة تمنع دخول الكلاب والقطط، خوفاً على الأرانب، بينما ترحب بإطعامها والاقتراب منها قدر الإمكان


عبدالرحمن السلطان


الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

الحياة.."كرنفال"!

في عام 2003 توفيت المغنية الأميركية من أصل كوبي "سيليا كروز  Celia Cruz "  في نيوجرسي، بعد صراعٍ مريرٍ مع سرطان الدماغ، لينقل جسدها إلى ميامي، حيث زارها أكثر من مئتي ألف من عشاق فنّها، وألقوا عليها النظرة الأخيرة قبل دفنها في نيويورك! فما الذي جعل هذه الجموع الضخمة تزور جسد فنانة عجوز؟ وتحتفي بها رغم انحسار الأضواء عنها في سنواتها الأخيرة، فضلاً عن أنها لم تكن بارعة الجمال في شبابها؟


يُعتقد أن سبب هذا الهوس الجارف هو مجرد رد الجميل لمجموع ما قدمته هذه المرأة من مشاعر إيجابية جياشة في مسيرتها الفنية، وبالذات أغنيتها الشهيرة باللغة الإسبانية "La Vida es un Carnaval" أو "الحياة كرنفال!"، إذ إن كلمات الأغنية البسيطة والمباشرة لامست شغاف قلوب محبي الإيقاعات اللاتينية، وأمست الأغنية الأولى لسنوات طويلة، لأن كلماتها ببساطة كانت وصفة مباشرةً للسعادة.


تقول كلمات الأغنية: "إلى كل من يعتقد أن الحياة غير عادلة، عليك أن تعرف أنها ليست كذلك، الحياة جميلة؛ لكنها تحتاج أن تعيشها، أي شخص يعتقد أنه وحيد وهذا شيء سيئ؛ عليك أن تعرف أنها ليست كذلك، في الحياة لا أحد وحيد، دوماً هناك أحد ما، آه.. لا حاجة للبكاء؛ فالحياة كرنفال، والأجمل أن تعيشها مغنياً...أوه.. لا حاجة للبكاء، الحياة كرنفال".. وتستمر كلمات الأغنية المفعمة بالحيوية والحب، كما لو كانت وصفة "سيليا" الأخيرة للسعادة كما يرى الكثيرون، ممن تعرفوا على موسيقى "السلسا" من خلالها!
لقد فعلت هذه الأغنية الكثير بشعوب ومحبي الثقافة اللاتينية، عندما أبدعتها "سيليا" لأول مرة عام 1998، لدرجة أن بعض النقاد كان يجزم أنه في حال خُيّرت شعوب القارة اللاتينية لاختيار نشيدٍ وطني يجمعها لاختارت هذه الأغنية! لما فيها من روحٍ صادقة وبهجة مفرحة، ولا عجب في ذلك، كون تلك الكلمات ما إن تلتقطها الأذن حتى تمسي جزءاً من وجدان كل مقبلٍ على الحياة، وإكسيراً لمن أدبرت في وجه.
فلماذا لا نحاول أن نعيد فهمنا للحياة؟ وأن ندرك أنها مجرد "كرنفال" متواصلٍ من البهجة والسعادة، فقط كل ما علينا فعله هو أن نحبها، وألا نعيشها وحدنا.


عبدالرحمن  السلطان



الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

هل نحن أفضل من الجميع؟ أم ماذا؟

نعم هذا ما يعتقده البعض منا؛ أننا نحن -السعوديين- أفضل، ليس فقط من كافة العرب والمسلمين، بل حتى من كافة شعوب الأرض! وأننا نستحق أن نكون دوماً على رأس القائمة، هكذا فقط دون أن تكون لنا أي إضافة حقيقية على المستوى العلمي أو الثقافي أو حتى على أي مستوى آخر!

لكن السؤال المهم هنا: ما الذي يجعلنا نعتقد بمثل هذا الاعتقاد الغريب؟ الذي أضحى متجذراً في وجدان البعض، فهو من يجب أن يُقدم في الصلاة ليؤم المسلمين، فقط لأنه سعودي، حتى لو وجد من هو أحفظ للقرآن وأكثر علماً شرعياً! وهو من يجب أن يكون المدير ورئيس الفريق لأي مهمة، مهما كانت متخصصة أو لا يعرف عنها شيئاً، دون اعتبار للكفاءة العلمية أو حتى الخبرات العملية! للأسف هذه الممارسة "العنصرية" منتشرة بشكل مزعج، وإن كانت ظاهرة للعلن لدى البعض، إلا أنها خافية ومستترة لدى آخرين، مما يجعلنا نعتقد أن هذه الفكرة تجذّرت في العقل الباطن لدينا نحن -السعوديين، ونحتاج الكثير من المصارحة الصادقة حتى نخرج من هذه القوقعة المزعجة.

في اعتقادي يعود السبب الرئيس لهذه الظاهرة إلى أسباب متعددة، أهمها غياب ثقافة المنافسة الشفافة، فحياتنا اليومية ما هي إلا سلسلة متواصلة من الحصول المباشر على الامتيازات، دون بذل أي جهد يذكر، فضلاً عن سيطرة ثقافة "الواسطة" التي نخرت عظام مجتمعنا، حتى بات الجيل القادم من الشباب لا يبذل جهداً في التعليم أو التدريب، لأنه يعرف أنه لن يعمل في أي موقع إلا بعد تحريك "الواسطة"، وأنه سوف يتقدم وظيفياً هناك فقط بسبب هذه "الواسطة" مرة أخرى، فلا غور أن أصبح شبابنا نسخاً متكررة من بعضها، دون أي تميّز أو إبداع، إلا من رحم ربي وصار الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
هذا الشاب الذي فقد الشعور بثقافة العمل؛ تجده أيضاً يُحقن بصورٍ أخرى تبقى في عقله الباطن، وأشهرها أننا أصحاب العقيدة الصافية الناصعة فقط دون سوانا من إخواننا المسلمين، والذين تجاوز عددهم المليار وبضع مئات من الملايين، فنحن أقرب إلى ربنا من غيرنا، ونحن الأطهر والأعلم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل نحن أحفاد الصحابة على حد قول أحدهم، وبالتالي فإنه لا يجوز له أن يقبل أي رأي أو اجتهاد فقهي لأي عالم ومتبحر في الدنيا إذا كان غير سعودي!
أما ثالثة الأثافي -وهي الصفة التي تزداد انتشاراً في المجتمع- يمكن تلخيصها في أن "المال كل شيء"، وأنني كشخص مهما كنت سوف أذل الآخرين بالقليل من مالي، وسوف أفعل ما أريد، كيفما أريد، في الوقت الذي أريد، دون أي اعتبار لأي أحد مهما كان، وما علم صاحبنا أن هناك من يفوقه مالاً فوق ماله وعلماً فوق علمه، وأن هناك أشياء لا تشترى بالمال، وهي بالمناسبة كثيرة وعصيّة الفهم على أصحابنا من ذوي الثروات "الوهمية"، فهو هنا وبثقافة ضحلة وأسلوب اجتماعي وضيع يعتقد أنه سوف يجعل الآخرين يأتمرون بأمره، فقط لأنه يملك من المال ما لا يمتلكون! وللأسف تواترت الكثير من مشاهد الإحراج وعدم الاحترام للآخرين فقط لأن هناك من شبابنا من يعتقد أنه بماله سوف يمتلك الناس ويستعبدهم.
الإشكالية الكبرى هنا؛ هي الوقوع في فخ التناقض الاجتماعي، فالجميع يؤكد لك إيمانه المطلق بتساوي البشر، وأن الله -سبحانه وتعالى- يفضّل بعضهم على بعض بناءً على التقوى، وأنه أمرٌ لا شأن له بالجنسية أو الطبقة الاجتماعية، ولا بقدر ما يملك الإنسان من مالٍ أو لأي عشيرة ينتمي لها، بينما تنظر إلى أفعالهم فتجدها متناقضة مع ما تقوله ألسنتهم، وكأن الحديث فقط لمجرد الاستهلاك الإعلامي وإطلاق الشعارات الفارغة، مما يجعل الكثيرين يبتعدون وهم لا يعلمون عن جوهر الإسلام الحنيف الذي جاء بمفهوم المساواة بين البشر، وهو ما توافق مع تجربة صغيرة قمت بها في حسابي بـ"تويتر"، حيث تساءلت عن أسباب اعتقادنا نحن السعوديين بأننا أفضل من الجميع؟ ورغم تباين استجابة المتابعين للتساؤل إلا أنه وبقدر ما اتفقت الأغلبية على وجود هذه الظاهرة ومدى أهميتها بقدر ما اختلف الجميع على شكل هذه الظاهرة، حيث أشار البعض إلى انتشارها في جيل الشباب فقط، بينما ألقى البعض باللوم على الخطاب الديني الذي يروج لفكرة أننا الأقرب للإسلام من غيرنا خصوصاً في خطب صلاة الجمعة، بينما أتهم آخرون وسائل الإعلام المحلية بدورها في "تأجيج" هذه الظاهرة وتجاهل أثرها السلبي على البناء الاجتماعي للمجتمع، وعلى صورتنا أمام الآخر.
أيها السادة قبل أن نبدأ بتفكيك هذه الظاهرة يجب علينا أولاً أن نعترف أننا جزءٌ بسيط من بني البشر، كما أكدت ذلك بعض الردود "التويترية"، وأن ندرك أن مقياس تقدير البشر يعتمد على ما نقدمه لإخوتنا في البشرية، ومقدار الإرث الذي سوف نتركه للأجيال القادمة، بحيث يكون أثرنا حقيقياً على مستوى الثقافة والعلوم والدين، وليس مجرد "هياط" فارغٍ أو ظواهر صوتية بلا أفعالٍ تؤكدها، دون إغفال الدور الكبير الذي يجب أن تلعبه المؤسستان الدينية والتربوية من غرسٍ مبكر لمفاهيم المساوة، وأن تعيد الوهج المفقود إلى روح المنافسة الغائبة عن شبابنا، بحيث يعتمد الكل على كفاءته وخبرته وإبداعه، وليس على عوامل عائلية أخرى، أما المهمة الأهم فتضطلع بها وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، فهي من يستطيع تسليط الضوء على الظاهرة ومحاربتها، وليكن بوسائل ابتكارية جديدة، كتضمين الرسائل الإعلامية في الدراما المحلية أو ضمن أحاديث نجوم المجتمع، ممن يتابعهم الشباب ويتأثر بهم، ليصبح تقييم الإنسان بناءً على كفاءته وجهده وليس بناءً على جنسيته أو علاقاته الاجتماعية؛ أسلوب حياة وممارسة يومية لدى الجميع، ونحن – بالتأكيد- أولهم.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 23 نوفمبر 2013

"بوب مارلي" سعوديا!

من كان يعتقد أن أسطورة الغناء "بوب مارلي Bob Marley" سوف يُسعود يوما ما؟ هذا بالفعل ما حدث قبل أسابيع قليلة، حينما فاجأ فريق "تلفاز 11" جمهور "اليوتيوب" بمقطع محلي مستلهم من إحدى المقطوعات الخالدة لأسطورة موسيقى "الريغي".

إذ قام الكوميدي الشاب "هشام فقيه" بإعادة تقديم أغنية "لا تبكي يا أمرة"، ولكن بعد سعودتها إلى "لا تقودي ياأمرة"!، وهي معالجة ساخرة للنقاش المتضخم حول قيادة المرأة للسيارة من عدمها في بلادنا، وبقدر ما كان المقطع ساخرا ومليئا بالاسقاطات الكوميدية عن الموضوع، بقدر ما حقق ناجحا باهرا على المستوى المحلي، بيد أنه فاجأ الجميع بسرعة وصوله إلى العالمية، حيث سجل عشرة ملايين مشاهدة خلال أيام قليلة، جلّها من المشاهد غير المحلي، فضلا عن ظهور الفيديو في وسائل الإعلام العالمية الكبرى.
ويعود سبب هذا النجاح بالطبع إلى عدة عوامل، ليس أولها مهارة وإبداع "هشام" وأصدقائه، أو موافقة بث العمل للحدث، بل يعود السبب الرئيسي إلى أصالة العمل نفسه، ومعالجته لقضية مغرقة في المحلية، معتمدا على أسطورة عالمية شهيرة، والمثير في الأمر أن الأغنية السعودية قدمت دون موسيقى مصاحبة، وبالاعتماد فقط على الأصوات البشرية، وكأنما يبعث برسالة مخفية عن خصوصيتنا، التي لم تترك أي شيء حتى الموسيقى.





لقد كانت شجاعةً تسجل لهشام وأصدقائه؛ لاقتحام هذا الموضوع الحساس، رغم توقعهم "النقد" الشديد، كما قال في مقابلة على شبكة CNN، غير أن "هشام" استدرك وأضاف "لأننا نمارس الكوميديا"، وهذا جوهر الفكرة الأساسية، فالكوميديا الحقيقية ليس سوى إعادة نظر في واقعنا، ولكن من وجهة نظر مختلفة، قد تجعلنا نضحك في البداية، لكننا في نهاية الأمر سوف نعيد التفكر في الموضوع من جديد.

عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2013

ليس "شخصيا" يا سيدي!

جمعني وإياه مجلس أحد الأصدقاء، وما إن عرف أنني كاتب في صحيفة الوطن، إلا وانطلق يكيل الاتهامات للصحفيين والكتاب، وأنهم يتتبعون كل زلة أوخطأ يقع فيه هذا المسؤول الحكومي الرفيع!
أدركت حينها أنني أجلس بالقرب من عقلية مسؤول "كلاسيكي"، ما يزال يؤمن أن أي نقد أو ملاحظة على الجهة التي يعمل بها، هو نقد شخصي موجه له، بينما الحقيقة غير ذلك تماما، فالمفترض أن يكون النقد موجها للجهة بذاتها، بغض النظر عن رأس هرمها أو قيادياتها الإدارية، فالأشخاص متغيرون بينما تلكم الجهات ثابتة ومستمرة.
ولكن للأسف، ما يزال كثير من المسؤولين الحكوميين يفترضون أن سهام النقد تستهدفهم شخصيا، لذا يحاولون في النهاية العمل على تلميع أنفسهم، وإظهار دورهم المحوري في تطوير الجهاز، دون أن يهتموا بالعمل الحقيقي، وهو حل تلك المشاكل وتجاوز العقبات التي يتداولها المنتقدون، والإيمان أن وجود عين ثالثة ـ وهي الإعلام ـ خير معين لأي مسؤول، مهما كان قادرا على تلمس احتياجات المستفيدين من خدمات جهازه، أو كان يعتقد أنه يعرف كل شيء عمن يشرف عليهم.
صحيح أن بعض النقد قد يكون هدفه تصفية حسابات شخصية، أو العمل على تشويه سمعة المسؤول، لكن الحل الوحيد لهذا الهجوم، هو تجاهل هذا التجريح الشخصي، والرد عليه في ميدان العمل الحقيقي، حينها يصبح المسؤول بلا حاجة للرد هنا أو التحدث هنا؛ لأن الإنجازات على أرض الواقع سوف تتكفل بذلك، والشواهد على ذلك كثيرة، فكم من مسؤولٍ حكومي لم يضع وقته في ملاحقة ما يكتب وما ينشر من نقد وتجريح، بل استغل وقته بالعمل على سد تلكم الفجوات، ومراجعتها بشكل منهجي مع أركان إدارته حتى لا تتكرر من جديد، مع إدراكه أن النقد لن ينتهي ولن يتوقف، ما دامت تلكم الإدارة تقدم خدماتها للجمهور.
خلاصة الحديث: عزيزي المسؤول اهتم بعملك، واستفد من عيون الإعلام في معالجة القصور والتقدم إلى الأمام، حينها سوف تسعد بتحول الإعلام وكتابه إلى سواعد مجانية لك!

عبدالرحمن السلطان

السبت، 16 نوفمبر 2013

نعم.. أنفقت كل مدخراتها!

خلال عمل "إيستلا بيوفروم" Estella Pyfrom كمستشارة في مقاطعة "بالم بييتش" بولاية "كاليفورنيا" الأميركية، لاحظت أن نسبة لا بأس بها من الطلاب لا يستطيعون استخدام الحاسب الآلي بعد المدرسة، ذلك أن الأزمة الاقتصادية جعلت الكثير من العائلات تتنازل عن توفير جهاز حاسب آلي منزلي مقابل الاحتياجات الأساسية الأخرى.

ولخبرتها السابقة خشيت أن يحجز هؤلاء الأطفال لأنفسهم في المستقبل مقعدا خلفيا مقارنة بأقرانهم ممن يبحرون عبر أجهزتهم المنزلية، ولأنها كانت مدركة لتلكؤ البيورقراطية الرسمية، وجدت أن عليها مسؤولية أخلاقية لأن تقوم بشيء حقيقي لصالح أبناء مقاطعتها الصغيرة.
لذا قامت بجمع مدخراتها المالية التي راكمتها على مدى سنوات طويلة، ودون تردد اشترت بها حافلة كبيرة، ثم "حشرت" داخلها 17 جهاز "كمبيوتر" متصل بالإنترنت، واتجهت بها نحو الأحياء الفقيرة، لتجعل الأجهزة قريبة من الصغار، كما لو كانت في منازلهم!


تؤكد "إيستلا" البالغة من العمر 76 عاما أن "الثورة الرقمية تقسم المجتمع"، وأن تلك الفجوة بين من يمتلكون مهارات التقنية والذين لا يمتلكونها تزداد اتساعا، وأنه يجب القيام بشيء ما تجاهها، اليوم تقوم "إيستلا" وأصدقاؤها من متطوعي المقاطعة بتنفيذ دروس حاسوبية منتظمة للأطفال، إضافة إلى دروس في الرياضيات والعلوم، وأي موضوع يرغبه الأهالي، وبالطبع فإن الحافلة تكون في معظم الأوقات مفتوحة لم يرغب التعلّم على الأجهزة، أو مجرد الإبحار في الإنترنت.
الإشكالية أن البعض هنا قد لا يقتنع إلا بالمشاريع الكبيرة والبراقة، التي غالبا لا تنتج شيئا على أرض الواقع، بينما هذه المبادرة الفردية، استطاعت تنفيذ 8000 ساعة تدريب وتعليم لأكثر من 500 طفل، فقط خلال عامين من انطلاق الحافلة
نعم إنها الأفعال الحقيقة من يتكلم.

عبدالرحمن السلطان

الخميس، 14 نوفمبر 2013

"أنزور" يكذب لأن الساحة فارغة!

ما الذي يجعل مخرجاً شهيراً مثل "نجدت إسماعيل أنزور" ينتج ويخرج فيلماً سينمائياً عن المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن –رحمه الله-؟ أقل ما يقال عنه أنه تعريفٌ غير أمين لهذا الزعيم العربي الفذ، وتوثيقٌ غير محايد لملحمة نشأة أهم وحدة عربية في التاريخ الحديث.


قبل أشهر قليلة بدأ المخرج السوري "أنزور" حملة دعائية ضخمة لفيلمه الجديد "ملك الرمال" King of the sands بلغت ذروتها بالعرض الأول للفيلم في مدينة "لندن"، عشيّة الذكرى الثانية عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكأنه يحاول الربط بين تلكم الأحداث الإرهابية والمملكة
هذا الفيلم يعتمد في قصته الأساسية على رواية مسيرة تأسيس المملكة، على يد الملك عبدالعزيز، مستلهماً خروجه من الكويت حتى دخول العاصمة الرياض، ثم توالي ضمّ مناطق المملكة تباعاً، كما يتناول الفيلم المكون الأساس لتأسيس هذه البلاد على العقيدة السلفيّة، فضلاًَ عن أن الفيلم يظهر مؤسس هذه البلاد بصورة لا نعرفها، وبأسلوب يحاول التأثير على حاضرنا بالنيل من عظمائنا! وغنّي عن القول إنه في سبيل انتشار أوسع، خصوصاً في العالم الغربي استقطب "أنزور" للعمل معه في هذا الفيلم نجوماً غير عرب، كالممثلين الإيطاليين "ماركو فوشي" و"فابيو تستي"، والممثل البريطاني "بيل فيلوز"، كما أنه اعتمد "الإنجليزية" لغة رئيسة للفيلم.


والحقيقة أن ظهور مثل هذا الفيلم يضطرنا للتوقف أمام مشهدين اثنين: الأول هو أن أسلوب الاعتماد على كوادر أدبية وفنية غير سعودية في شيء يخصنا لا يجدي نفعا والأولى التركيز على أبناء وبنات بلادنا من المبدعين، فـ"نجدت" هذا نهل مراتٍ عديدة من أموالنا، حينما أنتج وأخرج الأوبريت الأهم في المملكة "الجنادرية"، ليس مرة واحدة فقط، بل مرتين اثنتين متتاليتين! الأولى أوبريت "أنشودة العرب" للدكتور غازي القصيبي عام 1422هـ، والثانية أوبريت "خيول الفجر" للشاعر عبدالرحمن العشماوي عام 1423هـ! وكأنما لم يدرك حقيقة ما كان يعمل عليه، حيث عاد بعد سنوات قليلة ليشوه تاريخنا، الذي تغنى به ومجّده "هو" أكثر من مرة!!
بيد أنه لم يقف عند هذا الحد، بل إنه حاول الاسترزاق على مآسينا بشكل فجّ حينما أخرج مسلسلاً تلفزيونياً سطحياً بعنوان "الحور العين" عام 2005، عن التفجيرات الإرهابية الآثمة التي وقعت في مجمع المحيا بالرياض، هذا المسلسل الذي لم يحظ بمشاهدة تذكر، فشل في جذب الجمهور، لكنه نجح في ملء جيوب المنتج، ولعلي هنا أشير فقط إلى طرفة عن هذا المسلسل تفصح عن تفكير هذا المخرج الذي لا يعترف إلا بلغة المال، إذ لم يتجاوز عدد الممثلين السعوديين فيه عدد أصابع اليدين، بينما كان عدد الممثلين من أبناء جلدة المخرج أضعافاً مضاعفة، رغم أن أحداث المسلسل يفترض أن تقع في مدينة الرياض السعودية! ناهيك عن المعالجة السطحية لقضية معقدة.

أما المشهد الثاني هنا، وهو الأهم فهو أننا لا نزال مقصرين جداً في موضوع توثيق تاريخنا بشكل عصري، وأمجاد تأسيس وحدتنا الفريدة، ولا يمكننا أن نلقي باللوم على الآخرين بهذا التقصير المتواصل، إذ إن قصة تأسيس المملكة والمصاعب التي واجهت هؤلاء الرجال تعد عناصر جاذبة للإنتاج السينمائي، على مختلف الصعد، لما تحتويه من قصص وأحداث مليئة بالدراما والعبر، فمثلاً كل رجلٍ من الشجعان الأربعين الذين رافقوا المؤسس خلال مغامرة فتح الرياض يحمل قصة، ناهيك عن قصص ضمّ مناطق المملكة الأخرى، وقصة اكتشاف النفط، وقصة دخول التلفزيون، وغيرها من التحولات الكبرى بالمملكة، فضلاً عن القصص الإنسانية المتعددة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، ولأبنائه الملوك من بعده، ونحن إن لم نقم بواجبنا تجاه تلكم القصص المليئة بالأحداث؛ فسوف يستغل الآخرون هذا التقصير ويقومون هم بذلك، وحتما سوف تعرض الأحداث من وجهة نظرهم! صحيح أن دارة الملك عبدالعزيز وغيرها من الجامعات والمراكز البحثية قامت بجهودٍ تستحق التقدير، من خلال طباعة الكتب والتوثيق الشفهي لتاريخنا، ولكن يبقى للأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية أثرها الأكبر، والأسهل وصولاً وانتشاراً لدى العامة، خصوصاً جيل الشباب، داخل المملكة وخارجها.

لقد استطاع "نجدت أنزور" التسويق لفيلمه بوسائل شتى، لكنه اعتمد في الأساس على نهم الكثيرين وخصوصاً من غير السعوديين لمعرفة المزيد عن تفاصيل حياة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن –رحمه الله-، نظراً لندرة الأفلام الوثائقية والدرامية عن هذا الزعيم العربي، فضلاً عن إطلاقه الشائعات حول تدخلات من هنا وهناك، رغم أن البعض يكاد يجزم أن "أنزور" لا يزال يحاول مساومة المملكة قبل عرضه تجارياً، علّه يحصل على ملايين الدولارات قبل عرضه، إذ تشير التقديرات إلى أن الفيلم لن يستطيع تغطية تكاليف تصويره من مداخيل العروض السينمائية فقط، فهو يحاول أن يتكسب من تقصيرنا بطريقة تجعلني أعود بك عزيزي القارئ إلى سؤال عنوان المقال، لنصل إلى الإجابة؛ إنه بقدر ما أخطأ "نجدة أنزور" بالعرض غير المحايد لمرحلة مهمة من تاريخنا السعودي؛ بقدر ما كنا نحن السبب في فتح المجال له ولغيره ليتحدث ويقدم تاريخنا من وجهة نظره هو، بعد أن جعلنا الساحة فارغة له ولغيره، والله المستعان.

عبدالرحمن السلطان



الأحد، 10 نوفمبر 2013

أسرع طريقة لـ"الترزّز"

قد يعتقد الكثيرون أن أسرع وسيلة لـ"الترزّز" والبروز الإعلامي هي الحصول على شهادة عليا، والمشاركة في كل شاردة وواردة، في المحافل والصحف، ومؤخراً مواقع التواصل الاجتماعي! وهذا وإن كان أحد الأساليب الكلاسيكية لـ"الترزّز"؛ إلا أنه طريق طويل، وليس مضمون النتائج دائماً.
ولكن مؤخراً برزت ظاهرة جديدة في "الترزّز"، نتائجها شبه مضمونة ولا تكلّف شيئاً، بل بالعكس قد تعود بالفائدة المادية قبل المعنوية على صاحبنا "المترزّز"، دون أن ينال الوطن والمواطن منها قيد أنملة، وهي ظاهرة تأسيس الجمعيات "الصوتية"، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، سوى بضعة تصريحات "نارية" هنا وهناك، وقليلٍ من المطبوعات الدعائية.
والقصة تبدأ بمجرد أن تجمع معك عدداً من الشخصيات الوطنية المعروفة، لكنها مشغولة جداً، لدرجة أنها فقط تحضر معك اجتماع تأسيس الجمعية العمومية، بمشاركة مندوب الجهة الحكومية التي تتبع لها الجمعية، وتنتخبك رئيساَ لمجلس الإدارة، الذي بالطبع يتكون من أصحابك المقربين، لتبدأ على الفور مسيرة التصريحات "الفارغة" و"أحلام" المشاريع، ثم الأهم وهو جدولة زيارات ولقاءات مع الوزراء والمسؤولين، وبالطبع يكون "المشلح" هو الحاضر الأول، والنتيجة "ترزّز" ينفع هذا الشخص فقط، دون حل مشكلة واحدة في مجال نشاط الجمعية، التي يفترض أن تأسيسها كان بهدف سد فجوة ما.
ومع مرور الأيام والسنوات تتحول مهام إدارة تلك الجمعيات إلى مجرد جمع تبرعات من ذلك الوجيه وتلك الشركة، وصرفها على سفريات وانتدابات رئيس وأصدقاء رئيس الجمعية، وهكذا حتى يصل ذلك الشخص إلى هدفه من "الترزّز"، أو بقي رئيساَ لتلك الجمعية، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. فقط عزيزي القارئ حاول متابعة نشاط إحدى تلك الجمعيات "الوهمية" لمدة عام واحد، وسوف تصدم عندما تتأكد أنهم لا يفعلون أي شيء.. نعم لا يفعلون أي شيء!ّ

عبدالرحمن السلطان

السبت، 9 نوفمبر 2013

"هياط" مسؤول!

أمام فلاشات كاميرات التصوير وبحضور الصحافة شمّر أحد المسؤولين عن ساعديه، وأمسك عصا "المكنسة"، ليبدأ تنظيف جزء من محيط المنطقة المركزية للحرم المدني، بعد توقف عمال شركة النظافة عن أداء عملهم، نتيجة إيقاف عدد من زملائهم في حملة التفتيش الأخيرة.
لم يتوقف المشهد "الهياطي" هنا فقط، بل تجاوز ذلك بأن ألقى سعادته خطاباً "درامياً" ملهماً لموظفيه، جعلهم على حد قول الخبر الصحفي "يتفاعلون على الفور، ويبدؤون بالتنظيف وإزالة النفايات من المنطقة المركزية!"، وبالطبع فإن هذه المبادرة "الهياطية" لم يلتئم شملها إلا بعد مرور أيام متتالية على توقف عمال النظافة عن عملهم، وتراكم النفايات وانتشار روائحها، دون أن تقوم أمانة المنطقة بأي شيء لحل الإشكالية خلال الأيام الماضية، أو حتى تكليف متعهد آخر إلى أن يحّل المتعهد الحالي مشاكل عمالته، رغم أن اللوم الحقيقي يقع في البداية على جهاز الأمانة، فكيف توافق على إرساء مناقصة نظافة المدينة المنورة على شركة لديها عمالة غير نظامية، وكأنما تعينها على مخالفة نظام البلاد! فضلاً عن ضرورة وجود خطة بديلة لإدارة الأزمات، فأثر تراكم النفايات يتجاوز تشويه الذوق العام والروائح المزعجة؛ إلى أثرها السلبي على الصحة العامة

لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ ثم ماذا بعد هذه "الدراما"، هل سوف تقوم قيادات الأمانة بالتنظيف اليومي لساحات الحرم؟ أم أنها سوف تقوم بواجبها الحقيقي نحو حل المشكلة بالشكل الصحيح؟ هذا ما سوف نراه في الأيام القادمة.

عبدالرحمن السلطان

 


الجمعة، 8 نوفمبر 2013

ماراثون جامعة "نورة"

دعك من كل هذا النقاش المتضخّم حول ماراثون طالبات جامعة الأميرة نورة، ودعك من كل هذه الاستعدادات والترتيبات، فقط دعنا نلتفت إلى المأزق الأخلاقي لأسلوب بعض من عارض هذا الماراثون الرياضي.
فلقد ذهلت – كما كثيرون غيري - من أسلوب التشهير غير الأخلاقي الذي اتبعه البعض؛ فقط ليوصل رؤيته المعارضة لرياضة الفتيات، وهذا الرأي - وإن كان مخالفاً لنواميس الطبيعة - إلا أنه يبقى رأياً يجب أن نحترمه ونحترم صاحبه، لكن أن يعترض شخص ما على نشاط نسائي بحت داخل جامعة نسائية مغلقة فهذا أمرٌ لا يمكن فهمه، بل إنه في سبيل فكرته يقوم بنشر صور الفتيات وهن يسابقن في الماراثون، دون اعتبارٍ شرعي أو أخلاقي، وها هو ينتهلك خصوصية الفتيات السعوديات اللاتي يدافع عنهن، دون أن يرفّ له جفن أو أن تتحرك فيه مروءة! فكيف يعترض على "منكر شرعي" من وجهة نظره، بواسطة اقتراف "منكر" تصوير وعرض النساء الذي يرى هو حرمة نشر صورهن! فما بالك بفتيات كن يعتقدن أنهن مستأمنات على أنفسهن داخل أسوار الجامعة!

لذا فإنني أطالب معالي مديرة الجامعة بضرورة التحقيق السريع ومعرفة من قام بتصوير الفتيات ونشر صورهن دون علمهن أو موافقتهن، وإن كانت إحدى طالبات الجامعة هي من صوّر أو سرب الصور أن تلحق بها عقوبات مشددة حسب لائحة عقوبات الجامعة، حتى تكون عبرة لغيرها.
خلاصة الحديث: إن كنت ذا رأي مخالف؛ فلا تفسد وجهة نظرك بممارساتٍ غير أخلاقية، فأنت حينها لا تضعف رأيك فقط، بل تفقد احترام الآخرين لك.


عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

هم الاستثنائيون

ما الذي يجعل موسيقاراً شهيراً يحظى بحفيدٍ أكثر شهرةً منه؟ ما الذي يفسر انتشار المبدعين والمخترعين في عائلات دون أخرى؟ 
حتى وقت قريب كان علماء النفس الاجتماعي وخبراء الإدارة يعزون النجاح المهني والإبداع العلمي إلى المواهب الطبيعية والملكات الفكرية للفرد بذاته، أو بعبارة أخرى إلى الوراثة فقط! بينما يكاد أغلب العلماء في الوقت الحاضر يجمعون على أن الشخص الناجح هو مجموع أكثر من ذلك، بل هو نتاج البيئة المحيطة والتنشئة الاجتماعية أولا، وغيرها من العوامل الأخرى، كالاهتمام والتدريب، بل حتى التوقيت المناسب!
وحيث إن للنجاح درجات ومراحل، قد نختلف في تعريفها، أو حتى الاعتراف بأن شخصاً ما هو شخصٌ ناجح، نظراً لاختلاف معاييرنا، واختلافنا نحن في تعريفنا للنجاح، إلا أن هناك مستوى آخر من النجاح يكاد يكون ساطعاً كالشمس، لا تخطئه العيون ولا يستطيع تجاهله أحد؛ وهو أن يصل النجاح إلى مستوى "الشخص الاستثنائي"، وهو من يستطيع أن يجعل الجميع يعترف بنجاحه وإبداعه دون تردد.
والشخص "الاستثنائي" هنا هو المبدع الذي يتعاطى مع الأشياء بطريقة خارجة عن المألوف، سواءً كان عالماً أو فناناً أو رياضياً أو حتى رجل أعمال، كما غازي القصيبي في الأدب وسليمان الراجحي في عالم الأعمال، أو سامي الجابر في الرياضة. وهذا الاستثناء يعيدنا إلى المربع الأول من تساؤلنا: هل هي الوراثة، أم المهارة والموهبة فقط، أم إن هناك أشياء أخرى تجعلهم كذلك؟
لقد حاول كثيرون دراسة أنماط حياة الناجحين، وعلى رأسهم الاستثنائيون، وخرجوا بكثيرٍ من القواعد والأنماط. كما درس آخرون سماتهم الشخصية وخرجوا ببعض القواسم المشتركة. الأمر الأكيد الذي خرج به الجميع؛ هو أن التنشئة الأولى تلعب دوراً محورياً في توجيه "الاستثنائي"، فكون الشخص يعيش في كنف عائلة ميسورة سوف يحصل على حدٍ مناسب من التربية والتعليم، فما بالك إن عاش بين والدين متعلمين أو متذوقين للفنون أو ممارسين للرياضة؟ حتماً سوف يؤثر هذا الأمر على مستقبل حياته، ومدى اهتمامه بشيء ما دون الأشياء الأخرى. وهذا يقودنا للمثال الشهير عن خصائص أطول شجرة في الغابة، فهي بالتأكيد ليست بالضرورة الشجرة التي نبتت من أقوى بذرة أو أطول فسيلة، بل إن استمرارها في النمو دون منغصات ساهم في النهاية بكونها الشجرة الأطول، ذلك لأنه صدف غرسها في أخصب تربة، وحظيت بموقعٍ لا يحجب عنها ضوء الشمس، ولم تنقر ساقها الطيور، ولم يقطع حطّاب فروعها، وهو ما ينطبق على الاستثنائيين ومن ورائهم الناجحون، فهم ليسوا بالضرورة نتاج البذرة القوّية، ولكن أغلبهم بالتأكيد حظي بضوء الشمس والماء الوفير، كما حظي بالحماية من نقر الطيور وجور الحطابين
لكن الحقيقة الغائبة عن كثير من البشر؛ هي أن الجميع يمتلك موهبة ما كامنة، لكن الكثيرين لا يستطيعون تفعيلها، فضلاً عن إدراك وجودها لديهم أولاً، وهو الأمر الذي يتوافق مع أن الموهبة الفطرية تولد مع الإنسان، ولكنها تكون في طور الاستعداد والانطلاق، وهي فقط تحتاج إلى الرعاية والاهتمام، سواء من البيئة المحيطة، أو حتى من الشخص ذاته، حتى تظهر إلى العلن ويعترف بها الآخرون.. ولعل هذا ما تؤكده الدراسة الشهيرة التي أجراها عالم النفس السويدي "كيه أنديرز إريكسون K. Anders Ericsson " على طلاب أكاديمية الفنون في "برلين"، حيث قسم طلاب وطالبات عزف الكمان إلى ثلاث مجموعات، الأولى تضّم العازفين الاستثنائيين المبدعين، والثانية تضم العازفين ممن سيحترفون العزف في الفرق الموسيقية، أما المجموعة الثالثة فضمت من لن يحترف العزف، وسيكتفي بوظيفة معلم موسيقى في التعليم العام. وكان أن طلب من الجميع الإجابة على نفس السؤال: "على مدار مشوارك الفني، ومنذ أن أمسكت بالكمان، كم عدد الساعات التي أمضيتها في التدريب على العزف؟"

لاحظ "إريكسون" أن الجميع بدأ العزف مبكراً، أي في الخامسة من عمره، وبنفس القدر تقريباً، أي حوالي ساعتين إلى ثلاث أسبوعياً، لكن مع بلوغهم الثامنة بدأ التباين يظهر، إذ كان الاستثنائيون يتدربون ساعات أكثر من نظرائهم، فكانت 6 ساعات في التاسعة، ثم 8 ساعات في الثانية عشرة، حتى بلغت 30 ساعة وهم في العشرين من عمرهم، أي خلال منتصف دراستهم في الأكاديمية. وبعد احتساب عدد الساعات بشكل إجمالي، وجد أن العازفين "الاستثنائيين" حصلوا على عشرة آلاف ساعة تدريب، بينما حقق العازفون العاديون أقل من أربعة آلاف ساعة تدريب!

هذه الدراسة أكدت أن أياً من العازفين الاستثنائيين لم يحقق النبوغ والاستثناء اعتماداً على موهبته فقط، دون أن يستمر في التدريب لساعات طويلة، على مدى سنوات متتالية، وبالتالي فإن مَن تدرب بشكل أقل؛ حصل على عائد وشهرة أقل. كما أن الدراسة أكدت أنه بدون وجود موهبة أساسية فإن ساعات التدريب، حتى لو تضخمت لن تنتج مبدعاً واحداً كما الاستثنائيين! وبالتالي فإن حجر الزاوية الأساسي في النبوغ والإبداع هو الجد والاجتهاد، والتدريب المتواصل، والتركيز على بناء الموهبة وتطويرها.
ولعل قراءة سريعة لأحوال الاستثنائيين ممن وصل قمة مجاله، تجده ليس فقط يضاعف جهده وعمله، بل إنه يبذل جهداً استثنائياً يتجاوز ما يقوم به الناجحون في تخصصه، مما يجعلنا نزداد إيماناً بأهمية العمل والتركيز، كعامل أساسي في بناء الموهبة والوصول بها إلى قمة النجاح الاستثنائي،
لذا فإن طريق الموهبة الاستثنائية واضح المعالم، لكنه صعبٌ وشاق، ويحتاج قدراً هائلاً من الصبر والالتزام، لذا يندر وجود الاستثنائيين، ليس بسبب نقص المواهب، لكن بسبب الكسل، وعدم الرغبة بالاجتهاد والعمل، لذا إن أردت أن تكون أحد هؤلاء الاستثنائيين تذكر أن موهبتك هي مجرد الخطوة الأولى في طريقٍ ممتد، واجتهادك فقط هو من يحدد وصولك خط النهاية من عدمه.

عبدالرحمن السلطان




الاثنين، 4 نوفمبر 2013

مجرد "صابون"!

صديقي "أيمن" شاب عادي تماما، صحيح أنه حاصل على درجة الماجستير في الأعمال، ويشغل وظيفة مرموقة في إحدى الشركات العالمية في المملكة، إلا أنه دائما ما يبهرني بأفكاره البسيطة، التي تفصح عن روح تحب الخير للآخرين، وعن قلب إيجابي قلمّا تصادفه.
صديقي شاب وسطي، لا يمكن تصنيفه سوى أنه شاب من متوسط شباب هذا الوطن
قبل يومين ـ وفي خضم حديثنا عن ضرورة أن يكون لكل فرد شيء يقدمه لمجتمعه ووطنه ـ صمت "أيمن" طويلا، لكنه في النهاية آثر الحديث ومشاركة تجربته الرائعة.
يقول "أيمن": "الجميع يعرف الوضع السيئ الذي نراه في دورات مياه المساجد، إذ إن أغلبها ـ إن لم يكن كلها ـ لا يحتوي على صابون للنظافة"!.. يقول: "تأملت في ذلك الواقع.. وأحببت أن أفعل شيئا".
لم يقم "أيمن" بالترويج لفكرته، لم يشغل الناس بشيء لم يحدث حتى الآن، فقط أضحى يخصص مبلغا صغيرا من ماله حينما يزور "السوبر ماركت" للتبضّع المنزلي، بحيث يشتري عبوة أو عبوتين من الصابون السائل، ويقوم بوضعها في دورات مياه المسجد هكذا، ولك أن تتصور أثر مثل هذه المبادرة على رواد المسجد، والمحتاج فعلا لدورة المياه، فالصابون ليس مهما فقط للنظافة، بل لتوفير الماء كذلك.

الرائع في هذه المبادرة الشخصية، أنها جعلت "أيمن" يحرص على الصلاة كل فترة في مسجد مختلف؛ بهدف توفير عبوات الصابون السائل فيها، وجعلته يشعر أنه يقدم إضافة تحدث فرقا حقيقيا في مجتمعه المحيط، فضلا عن أجرها كصدقة جارية، في بيت من بيوت الله.
المبادرة بسيطة وتنفيذها أبسط، كل ما يحتاجه الأمر مجرد إدارة واهتمام، وقبلها روحٌ تحب الخير لنفسها ولمجتمعها، وتذكّر أنها مجرد عبوة "صابون".

عبدالرحمن السلطان

السبت، 2 نوفمبر 2013

إنهم يستمتعون بالكيمياء والفيزياء!

مفارقة عجيبة حدثت مؤخراً في ذائقة المشاهد الأميركي، وهو بالطبع ما ينعكس على الفور على اتجاهات المشاهد العالمي، فعلى الرغم من طغيان مسلسلات التشويق والإثارة، المعتمدة على ثنائية الجنس والعنف، ورواج المسلسلات الكوميدية "المحشورة" بالنكت الخفيفة و"القفشات" غير المتناسقة، إلا أن مسلسلين تلفزيونيين مختلفين استطاعا أن يلفتا النظر إليهما، رغم اعتماد حبكتهما على أساس علمي حقيقي، ولم يجمعهما سوى أن أحدهما يعتمد على نظريات الفيزياء! والآخر على نظريات الكيمياء!
الأول هو السلسلة الكوميدية "نظرية الانفجار الكبير" الذي يواصل موسمه السابع بنجاحٍ مثير، معتمداً على مفارقات نظريات الحقول الفيزيائية المختلفة، والآخر مسلسل درامي متخم بنظريات وتطبيقات الكيمياء، وهو "التحوّل السيئ Breaking Bad"، الذي جعل الكثيرين يعيدون النظر في موقفهم السلبي من الكيمياء، ويتعرفون أكثر على عالمها الساحر! وللحقيقة فلقد كنت أكثر اهتماماً بالمسلسل الثاني، نظراً لكوني صيدلانياً، والكيمياء مكوّن أساسي لأي صيدلي.


بالطبع تناول النقاد هذه الظاهرة من عدة جوانب، كان أهمها التأكيد على أن "المحتوى" القوي والأصلي هو سيد الموقف، وليس نظرية: "الجمهور عايز كدا"، وأنه سوف يجذب الجمهور متى ما توفرت حبكة قوية وأساس علمي متين للأحداث، بغض النظر عن عمق الأفكار المطروحة. الجانب الآخر هنا، والذي غفل عنه النقاد الغربيون، لأنهم يرونه تحصيل حاصل، هو أن جودة العملين كانت نتيجة منطقية لإسناد كل مهمة لأهلها، فكما أن هناك مؤلفين للعمل، كان هناك مستشارون علميون متخصصون، وهناك أخصائيو خدع سينمائية، وهلم جرا.
للأسف، لا أستطيع تذكّر مسلسل درامي عربي واحد اعتمد الخط العلمي لأحداثه، ناهيك عن وجود إشارة علمية هنا أو هناك، بل إن أقصى ما وصلنا كان مسابقات علمية، تحولت مؤخراً لمنافسات للغناء والرقص، والله المستعان.
  
عبدالرحمن السلطان