السبت، 28 ديسمبر 2013

ربع مليون كتاب!

في العاشرة من عمرها أصيبت "ماكنيزي بيراب Mackenzie Bearup" في ركبتها، كانت تلعب وترقص وفجأة سقطت، مما جعل ركبتها تتضخم وتتضرر بشدة، والأسوأ من ذلك إحساسها بألمٍ شديد، كما لو كانت هناك قنبلة داخل ركبتها.
زارت الكثير من الأطباء، وبعد جولات عديدة من التشخيص الخاطئ، حددت إصابتها بحالة "RSD" المعقدة، وهي متلازمة تصيب الأوعية الدموية وأعصاب المنطقة المتضررة، مما يجعلها تشعر بألمٍ لا يطاق متى ما حركت ركبتها قليلاً. اضطرت لملازمة المستشفى أولاً، ثم المنزل لعدة أشهر متتالية، في تلك الأثناء لم تكن الأجهزة اللوحية قد ظهرت بعد؛ فلم تجد "ماكنيزي" إلا أن تهرب من واقع ألمها بقراءة الكتب، وكانت تجربة ناجحة بكل المقاييس.


ولكن عندما أخبرها طبيبها المعالج عن وجود مجموعة أطفال من الذين تعرضوا للإساءة والاستغلال يعيشون بالقرب منها، وذلك في مركز رعاية حكومي يفتقر لوسائل الترفية، فكرت "ماكنيزي" في أن هؤلاء بحاجة إلى ما يجعلهم ينسون ذكريات الإساءة والاستغلال، ولم يكن هناك أفضل من الكتب المصورة لتقوم بذلك. انطلقت تجمع تبرعات الكتب من محيطها الصغير، ثم توسعت نحو جيرانها وأصدقائها، كانت في البداية تهدف إلى جمع 300 دولار لشراء بعض القصص والكتب، لكن سرعان ما تجاوزت التبرعات 3000 دولار! الأمر الذي حفزها لتطوير فكرتها لتتجاوز مدينتها، ثم ولاية جورجيا التي تقطن فيها، إلى عموم الولايات المتحدة. واليوم وبعد مرور ست سنوات على بدايتها، استطاعت هذه الفتاة -التي لم تنهِ دراستها الثانوية حتى الآن- تأسيس جمعيتها الخيرية وإيصال ربع مليون كتاب إلى المئات من المكتبات وغرف الانتظار وملاجئ الأطفال.
بالطبع لم تسمع "ماكنيزي" بمثلنا العربي الذي نحفظه جميعاً: "وخير جليسٍ في الزمان كتاب"؛ لكنها بالتأكيد حققت مفهومه ليس لها فقط، بل لعشرات الآلاف من الأطفال كذلك.

عبدالرحمن السلطان

 


الخميس، 26 ديسمبر 2013

إلى "مكافحة المخدرات": هل سمعتم بـ"بريكينق باد"؟

 هل يمكن أن نتصور أن عرضا تلفزيونيا عاما يقدم شرحا وافيا لآلية صنع المخدرات! بل ويتجاوز ذلك بالتعريف عن المصادر الأولية المتوفرة في السوق المحلي، والتي يمكن تحويلها إلى مخدرات ضارة، فقط بعد بضع عمليات كيميائية محددة! هذا بالفعل ما كان يحدث في المسلسل الأميركي الشهير: Breaking Bad أو "التحوّل السيئ".

خلال خمس سنوات استطاعت هذه القصة التلفزيونية الناجحة أن تلفت الأنظار إلى العالم السفلي لتصنيع وتوزيع وبيع المخدرات، ليس فقط على مستوى المطاردة اليومية بين رجال مكافحة المخدرات ورجال العصابات، وليس -أيضا- على مستوى الصراع بين العصابات المتنافسة، بل على المستوى العائلي البسيط لكل من يشارك في تجارة المخدرات، وهو ما قد يعد التناول الأول من نوعه بهذا الأسلوب المغرق في التفاصيل الدقيقة، بيد أنها كانت أساسية لكي يدرك الإنسان إلى أي درك أسفل يمكن أن يصل إليه كل من يغرق في وحل المخدرات.
فبطل القصة معلم الكيمياء "والتر وايت" رجل عادي من الطبقة المتوسطة، يكتشف إصابته بسرطان الرئة، وأنه بحاجة على الأقل إلى 737 ألف دولار أميركي فقط لمحاولة علاج السرطان ولتغطية احتياجات عائلته بعد وفاته، ليتخذ بعد ذلك قرارا مصيريا سوف يكلفه الكثير، وغني عن القول أنه سوف يندم عليه كثيراً؛ هذا القرار لم يكن سوى تحوله إلى صناعة المخدرات بالتعاون مع طالبٍ مدمن سبق أن درسه في الثانوية!
فمن الحلقة الأولى تنهمر مشاهد طرق ووسائل تصنيع مخدر Methamphetamine بقدرٍ من التفصيل المثير للانتباه، دون إغفال وسائل الحصول على المواد الخام الداخلة في التصنيع، وطرق شراء أجهزة وأوعية القياس والتكثيف والخلط والتكسير وغيرها، والحقيقة أن عددا من حلقات المسلسل مليئة بالمعلومات الصحيحة والدقيقة عن حقائق الكيمياء المجردة، وآلية صنع المخدرات. والعجيب أن وكالة مكافحة المخدرات الأميركية DEA ورغم أنها من أشد وكالات مكافحة المخدرات ضراوة في العالم، إلا أنها شاركت بقوة في تقديم المعلومات والاستشارات العلمية والفنية لمبتكر المسلسل وفريقه من الكتاب، وذلك إيمانا منهم أن مثل هذه المسلسلات الدرامية خير وسيلة لتوعية الأجيال الشابة بالأضرار المتعددة للمخدرات، فالجميع تقريباً يعرف أضرار المخدرات على الفرد بذاته، ولا أعتقد أن هناك شخصا ما يجادل في كون المخدرات أحد أهم أسباب تدمير أي أسرة كانت، فضلاً عن الحصول على معلومات حول آلية طرق تصنيعها التي لم تعد صعبة كما كانت، والفضل يعود إلى الانفجار المعلوماتي في شبكة الإنترنت، ولكن ما كان يعرضه فريق المسلسل بمحتواه المشوّق تجاوز ما يقدم في العادة من صورٍ نمطية عن المدمنين، وكذلك عن الأفراد المشاركين في صناعة المخدرات وتوزيعها، وهي الصورة التي لا تزال مسلسلاتنا الدرامية العربية تراوحها منذ عقود، فالحبكة القصصية معروفة، مجرد مدمن مخدرات شاب، يبحث عن المال، مشتت التفكير ومصاب بالصداع، وغالبا ما يكون رث الملابس، دون الخوض في التفاصيل اليومية، وهي التي تختلف كثيراً عما نراه في المسلسلات الغربية! بينما استطاعت هذه الدراما الأميركية أن تنقل بتجرد صوراً متنوعة لجميع الأطراف الداخلة، بداية من المصنع والموزع والبائع، مروراً بالمدمنين وعوائلهم، وانتهاء بمكافحي المخدرات وعوائلهم.


تقول "جيسي بولك" المختصة في سياسات مكافحة المخدرات: "مسلسل التحوّل السيئ استطاع نقل واقع الأشخاص المتورطين في تجارة المخدرات بشكل أفضل من أي سياسة مكافحة مخدرات"، والحقيقة أن المسلسل استطاع بأسلوب متقن نقل ما يطلق عليه خبراء محاربة المخدرات بـ"تأثير الصرصور" The Cockroach effect والذي غالباً ما يستخدم في وصف استهداف إدارات المكافحة لزعماء عصابات المخدرات، إذ يشير المصطلح حرفياً إلى القضاء المتواصل على هذه الآفات من البشر، وكيف أن الدوس على واحدٍ منها، سوف يشجع الصراصير الآخرى على الهرب والتبعثر؛ لكن أعداد الصراصير الناتجة عن ذلك سوف تتضاعف في طريقك! أما من الناحية المجازية فإن التأثير يشير إلى التكاثر السريع لمنظمات وعصابات المخدرات بعد كل مرة تستهدف أو تفكك إحدى العصابات، وكيف أنه يمكن لاثنتين أو أكثر من العصابات الجديدة أن تظهرا نتيجة غياب القيادة المركزية أو الصراع داخل العصابة الواحدة نفسها، ذلك أن استهداف الرجال المهمين في أي عصابة لا يعني بالضرورة أن عصابة أحدهم سوف تتوقف عن العمل بمجرد غيابه، لأن شخصاً ما سوف يقفز إلى كرسي الزعامة على الفور، أو أن العصابة ستنقسم إلى فصائل متناحرة، لكن الرسالة المهمة هنا في المسلسل: أن الجميع وبداية من "تاكو" رجل العصابة المحلية، إلى الرجل القوي "غوستافو فرينغ"، حتى معلم الكيمياء المتحوّل "والتر وايت" سوف يتجرعون سموم تقلب هذه التجارة وخطورتها، والجميع في النهاية إما أن يلقى القبض عليه، أو أن يقتل على يدي منافسين أو على يد رجال مكافحة المخدرات، لأنه ببساطة لا يستطيع أحدٌ ما ترك هذه التجارة بملء إرادته
هذا الهوس بالتفاصيل والقرب من الواقع؛ جعل هذه الدراما تنتشر بين الجماهير كما تنتشر النار في الهشيم، وأضحت حديث الناس اليومي، وجعلتهم أكثر إدراكا لعالم المخدرات الخفي، وكل من يدور في فلكها، لدرجة أن مجتمعا إلكترونيا متكاملاً ظهر بواسطة متطوعين شباب، في منصة "ويكيا" Wikia للمجتمعات الإلكترونية المفتوحة، واحتوت حتى الآن على ما يزيد على 745 مقالة، وأكثر من 2600 صورة، والمئات من المقاطع المرئية، ومنتدى للنقاش، ومعلومات عن الشخصيات والممثلين، والكثير من المعلومات. وغني عن القول أن هذا المجتمع الإلكتروني التفاعلي قاد إلى مزيد من التعرف على مخاطر المخدرات وأضرارها على كافة المستويات، وبالذات للشباب دون سن الثلاثين، ممن ينفرون –عادة- من البرامج التوعوية التقليدية، فضلاً عن تسجيل تقارير صحفية عن اعتماد بعض عيادات علاج الإدمان في مدينة "ألباكركي" Albuquerque أسلوب مشاهد المسلسل في خطتها العلاجية، بهدف زيادة التزام المدمن بالعلاج وفترة النقاهة، وهي بالمناسبة المدينة التي صور بها المسلسل، وترزح تحت نسبة مرتفعة من المدمنين مقارنة بمدن أميركية أخرى.

من نافلة القول أنه يقع على عاتق كلٍ من المديرية العامة لمكافحة المخدرات واللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات مسؤولية أخلاقية متواصلة تجاه رفع مستوى الوعي بأخطار المخدرات وأضرارها، ليس فقط على المدمنين وعوائلهم؛ بل حتى على كل من يقترب من تجارة المخدرات، فهي التي يجب أن تستلهم نجاح هذه الدراما الأميركية الجريئة، التي اقتربت من موضوع المخدرات دون حواجز أو تحفظات، مما جعل المشاهد يقبل عليها بشكل فاق جميع التوقعات، وتعمل على تحفيز المنتجين للعودة نحو إنتاج دراما محلية تعتمد قصتها الأساسية على قصة حقيقية حدثت في مجتمعنا السعودي، وليست مجرد قصة خيالية دون معنى على أرض الواقع. وأكاد أجزم أن هناك الكثير من القصص والمآسي لا تزال تئن بين جدران السجون والإصلاحيات المحلية، فقط كل ما يحتاجه الأمر مجرد الإيمان بأهمية الدراما ودورها المحوري في حربنا المتواصلة على المخدرات ومشتقاتها. كفانا الله وإياكم شرور المخدرات، وحفظ الله شبابنا من كل متربصٍ وحاقد.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 21 ديسمبر 2013

هل يجوز أن أقرأ "حوجن" يا شيخ؟

تُتداول هذه الأيام رسالة "واتساب" مثيرة للاهتمام، تحذر من قراءة رواية "حوجن"، التي صدرت حديثا للكاتب السعودي "إبراهيم عباس".
تقول هذه الرسالة: إن أحد "المشايخ الثقات" قرأ رواية "حوجن" كاملة من الجلدة إلى الجلدة، أي أنه كفانا عناء القراءة، وقرر عنا ما يلي: أن الكتاب فيه دعوة مبطنة للسحر والشعوذة! ـ بالطبع لم يكتشفها إلا صاحبنا الثقة ـ وأن اللهجة المحلية قد دمجت باللغة الفصحى لتكون قريبة من المجتمع السعودي، وهذه إيجابية تُسجل للرواية وليس عليها!، ثم يكمل صاحبنا ببهتانٍ عظيم على مؤلف الرواية فيقول: "إن التفاصيل التي يذكرها الكاتب لا يعرفها إلا شخص مختلط بالشياطين ومردتهم!"، ولا أعرف كيف عرف صاحبنا "الثقة" ذلك إذا لم يكن واحدا من هؤلاء! أما أروع تحذير ضمن هذه الخزعبلات، فهي تقرير أن من يستمر في نداء شيطان ما باسمه؛ فإن هذا الشيطان يتلبسه! وهنا لا تعليق لدي.

أيها الأصدقاء: رواية "حوجن" مجرد رواية خيالية لعلاقة حب بين الفتاة الإنسية "سوسن" والجني "حوجن" المسالم، بعد انتقال عائلتها إلى منزل يسكنه "حوجن" ووالدته وجده، والرواية تناقش موضوع الحب الأزلي بأسلوب مختلف ومعالجة مشوّقة.
للأسف، تعرضت الرواية ومؤلفها الشاب لموجة هجوم غير مبرر، من قبل كثيرين لم يحاولوا قراءة الرواية، فقط للتأكد من صحة هذه الادعاءات، غير أن الرد المقنع على مثل هؤلاء جاء مؤخرا من الشيخ "عبدالله التميمي" رئيس شعبة مكافحة السحر والشعوذة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمدينة الدمام، الذي أكد في بيان إعلامي عدم صحة هذه الادعاءات، وأن الرواية لا تعلّم السحر، بل إنها تحذر منه!
عزيزي: لا تؤجر عقلك للآخرين، ودع الحكم لك أنت وحدك، فأنت من يحدد ماذا تقرأ وليس غيرك.


عبدالرحمن السلطان


الجمعة، 20 ديسمبر 2013

المعرفة المجانية! "رواق"

قد يكون من المبكر الحكم على منصة إلكترونية جديدة لم تكمل شهرين منذ إطلاقها؛ ولكن يبدو أن "الكتاب باين من عنوانه" كما يقول المثل الشعبي الشهير، وخصوصا عندما تقترن الفكرة المتفردة بالمنتج النهائي المتقن.
"رواق" www.rwaq.org هي منصة عربية للتعليم المفتوح، تهدف إلى نشر المعرفة بواسطة تقديم مواد أكاديمية مجانية في شتى التخصصات، كما لو كنت "كورسيرا" الإنجليزية؛ ولكن هذه المرة بلغة عربية أصيلة، ومن إبداع كفاءات معرفية عربية، لديها الرغبة الصادقة لمشاركة جمهورها العربي معارفها وخبراتها، وهذا ما تقوم به "رواق"، كما لو كانت رواقا معرفيا حقيقيا يحتار الزائر: أيُ كنوزه يختار.


هذا المنتج المبهر من إبداع السعوديين: "فؤاد الفرحان" و"سامي الحصين"، اللذين رغم اختلاف اتجاهاتهما استطاعا توحيد جهودهما، والاستفادة من خبرتهما ليس في المجال التقني فقط، ولكن في سد ثغرة كبيرة في محتوى الإنترنت العربي، بعد أن هرول الجميع إلى وسائط الاتصال الاجتماعي وتركوا المحتوى الحقيقي خلفهم.


الميزة الأساسية لمنصة "رواق" قدرتها على إشباع نهم الجميع لاكتشاف المعرفة، مهما كانت درجاتهم العلمية أو انشغالهم الحياتي، فكل ما يحتاجه الأمر مجرد اختيار المادة، ثم متابعة المحاضرات أسبوعيا، إضافة إلى التفاعل مع المحاضرين وزملاء الدراسة في أي وقت يناسب الباحث عن المعرفة، واللطيف في الأمر أن كل ذلك دون مقابل مادي! بل إن مبتكرَي المنصة يخططان في المستقبل على منح شهادات إكمال "رسمية" لبعض المواد، وذلك بعد تجاوز الدارس اختبارا نهائيا ومتطلبات أخرى.
أيها القارئ: بعد أن تتجول في المنصة ومحتواها العلمي، وقائمة محاضريها المتميزين، وتصميمها الرائع، لا يسعك إلا أن تتذكر حديث رسول الأمة صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".. وهذا ما يحدث فعلا في "رواق".


عبدالرحمن السلطان



الخميس، 19 ديسمبر 2013

فكر بلغة جسدك أولا

يكاد يجمع الخبراء أن سبب كثير من الخلافات بين الأزواج والأصدقاء مرده سبب تافه، لا علاقة له بمستوى العلاقة، أو حتى بقراراتنا، وما هو إلا فجوة ما تحدث في طبيعة الاتصال بين الطرفين.
أما الأسوأ من ذلك، فهو عدم إداركنا أن الاتصال غير اللفظي يلعب دورا أكثر مما نتوقع، إذ أشارت إحدى الدراسات الفرنسية إلى أن 93% من الاتصالات المباشرة بين الأفراد تكون غير لفظية، حيث تمثل منها 55% حركة الجسم، كالنظرات وحركات اليد وغيرها، و38% نبرة الصوت، وبالتالي فإن ما يتبقى للاتصال اللفطي لا يتجاوز 7%، وهي النسبة التي نعتمد عليها بشكل أساس في إيصال رسائلنا إلى من نحب!.

فكم من خلاف كبير، كانت شرارته فهما خاطئا لموقف غير مقصود أو حركة جسد عابرة، بل إن مجرد إبداء عدم اهتمامنا بحديث الطرف الآخر قد يفهم خطأ، على الرغم من كوننا لا نقصد ذلك، فيبدأ الطرف الآخر بتفسير كل شيء بناء على هذا الموقف، وينسج الخيالات والأفكار، ثم يتخذ قرارا "عاطفيا"، قد يندم عليه كلا الطرفين، رغم أن الحل بسيط، وهو الاتصال المباشر، وطرح الحقائق والوقائع على الطاولة، والحديث بصدق ومباشرة، والحرص على ملاءمة لغة الجسد لما يصدر عن ألسنتنا. هنا فقط لن تجد الطرف الآخر يتفهم موقفك بسرعة، بل على العكس قد تجده يبادر إلى الاعتذار ومحاولة إيجاد المخارج لهذا الموقف، فقط لأنك بادرت واتصلت به.
خلاصة الحديث: قبل أن تتحدث، فكر بلغة جسدك، وحاول أن تكون متوافقة بما تريد إيصاله، حينها تستطيع أن تقول، إنك قمت بدورك المفترض في العملية الاتصالية، والبقية يتحملها الطرف الآخر.


عبدالرحمن السلطان



الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

والحل.. "عموميات"!

من الطبيعي أن يتضايق الإنسان من ازدحام شوارع العاصمة، ومن الطبيعي أن يفصح عن تذمره من تأخر بعض الخدمات الحكومية هنا أو هناك، لكن المزعج هنا أن يحاول البعض أن يتكسب من وراء هذا النقد؛ بطرح حلولٍ مبهمة وأفكارٍ عامة، أقل ما يمكن أن توصف به أنها "عموميات" ضائعة، بلا فائدة تذكر!
وللأسف فإن هذا الأسلوب في طرح الحلول لم يعد حكراً على ثلّة من كتاب الرأي بالصحف، أو الضيوف الدائمين في القنوات الفضائية، بل تجاوزهم إلى رواد الاستراحات، وبالذات من العاطلين أو المتذمرين من كل شيء. فكل ما يحتاجه الأمر مجرد الحديث عن القضية بشيء من السلبية المغلّفة بهجوم غير مبرر على منظومة التعليم، وعلى أسلوب حياتنا اليومية، وعلى كل شيء تقريباً، وكأن صاحبنا ليس واحداً منا! ثم يتبع ذلك سرد حلٍ بسيطٍ غير جديدٍ للمشكلة، يكاد يكون عنواناً لأحد حلولها من فرط اختصاره، كمن يقول إن حل مشكلة الازدحام هي بتوفير "النقل العام"! هكذا دون أي تفاصيل أو معلومات، ويزيد الطين بلّة بمحاولة المقارنة العارضة بأي شيء، ورغم أن المقارنة أسلوب فعالٌ في التطوير وابتكار الحلول، إلا أن ضرورة وجود قواسم مشتركة بين طرفي المقارنة يعتبر أحد أهم خصائصها.
طرح الحلول يستلزم إدراكاً واسعاً للتفاصيل، وفهماً للعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على أي مشكلة دون إغفال أن بعض المشاكل قد تكون مجرد عوارض جانبية لمشاكل أخرى كامنة متى ما حلّت القضية الأساسية؛ انتهت عوارضها الجانبية.
خلاصة الحديث: من حقك أن تطرح رؤيتك لحل أي مشكلة مهما كانت معقدة أو بعيدة عن دائرة تخصصك، ولكن بعد أن تكون مدركاً لجوانبها ومستوعباً للظروف المؤثرة عليها، حينها حتماً سوف تطرح شيئاً مفيداً، وبالتأكيد بعيداً عن العموميات.
عبدالرحمن السلطان

السبت، 14 ديسمبر 2013

أكثر من مجرد صورة

في أكتوبر الماضي، كنت مستقلا قطار أنفاق نيويورك، ولم يكن أمامي إلا مطالعة صحيفة "مترو" المجانية، قلّبت صفحات الجريدة دون اهتمام، بيد أنني توقفت أمام مجموعة صور شخصية مبهرة فُردت على صفحات متتالية، لم تكن سوى قطرةٍ من بحر صور مدونة "Humans of New York" أو"بشر نيويورك".



كانت هذه الصور من إبداع الشاب "براندون ستانتون"، الذي بعد أن فقد عمله في شيكاغو لم يتوقف عن ملاحقة حلمه في التصوير الضوئي، فهاجر إلى نيويورك ولمعت في ذهنه فكرة التعرف على شتات هذه المدينة المتنوعة بواسطة تصوير الناس في طرقاتها، ثم تطورت الفكرة إلى إنشاء مدونة تحتوي على صور قاطني أحياء محددة من المدينة، لكنه بعد فترة من الزمن وجد أنه أضحى يلتقط الصور عشوائيا، كما لو كان يجمع تعدادا سكانيا للمدينة، ولكن بواسطة الصور!

وصار عمل "براندون" اليومي أن يحمل "كاميرته" ويتجول في المدينة، ليتقط صورا مختلفة لأناس عاديين، ولم يتقصر الأمر على ذلك؛ بل كان يضيف بضعة كلمات من وحي الصورة، سواء كانت وصفا لبطل الصورة، أو إجابة منها على سؤال سريع يتعلق بتاريخها أو عملها الحالي، أو أي تساؤل يخطر في باله، يقول "براندون": "إنني أصور ما يجعلي سعيدا.. الأمر الذي تحول ليصبح مصدر سعادة للآخرين"، والحقيقة أنه استطاع جمع تشكيلة رائعة من صور جميلة، معبرة، ومفرحة، تعكس روح تنوع مدينة "نيويورك"، الأمر الذي جعل المدونة تمتد إلى كتاب ضخم، وحساب "إنستغرام" يتبعه ما يزيد عن ثلاثمئة ألف متابع حاليا.
والآن عزيزي: حاول أن تدخل المدونة، وتستمتع بالصور والشرح المرافق، حينها سوف تكتشف كم هي الحياة واسعة، وكم هذه الصور المتنوعة؛ هي في الحقيقة أكثر من كونها مجرد صور شخصية وفقط.


عبدالرحمن السلطان


الخميس، 12 ديسمبر 2013

معلم الكيمياء الذي تحول إلى تاجر مخدرات!

لم يلقِ "والتر وايت" معلم الكيمياء بالاً لعدم تجاوب طلابه معه في أول حصة بالعام الدراسي، فعالم الكيمياء العجائبي لم يكن ليثير طلاب إحدى ثانويات مدينة "ألباكركي" وسط ولاية "نيومكسكيو" جنوب أميركا، كما هي الحال منذ أن انضم هذا الرجل المسالم إلى سلك التعليم قبل سنوات طويلة، تاركاً وراءه عالماً كبيراً من الفرص في قطاع الأعمال.

لكن "والتر" ودون سابق إنذار يصاب بنوبة سعالٍ شديدة، ينقل على إثرها إلى المستشفى، ليفاجأ أنه مصاب بسرطان الرئة، هكذا بعد أن أفنى زهرة شبابه في التعليم، وتنازل عن الكثير؛ يصاب بمرضٍ عضال سوف يقضي عليه خلال أشهر قليلة، وهو وإن كان يعيش في منزلٍ يمتلكه؛ إلا أنه لم يسدد رهنه حتى الآن، كما أنه يعول ابنه البكر المصاب بإعاقة دائمة، بالإضافة إلى انتظاره مع زوجته مولودا خلال أشهر قليلة، وياللهول ها هي التكلفة الباهظة للعلاج تضاف إلى قائمة هموم "والتر".
لم يخبر معلم الكيمياء عائلته عن إصابته بالسرطان في بداية الأمر، فلقد كان يعيش بين هاجس الإنكار وبين همّ مستقبل العائلة بعد وفاته، فراتب التقاعد لن يكفيهم أي شيء، وعمله المسائي المرهق في مغسلة السيارات لن يضيف أي شيء. أظلمت الدنيا في وجهه، ولم يعد يرى أي فائدة من إضاعة المال في علاج نفسه، عوضاً عن حفظ المال لعائلته من بعده، ولكنه وخلال مرافقته عديله "زوج أخت زوجته" في إحدى مهمات القبض على مروجي المخدرات؛ لمعت في ذهنة فكرة "جهنمية" غير متوقعة، وذلك حينما شاهد أحد طلابه القدامي يفرّ هاربا من العدالة.
في البداية لم يوافق "جيسي بنكمان" الطالب الفاشل على أن يعمل في صناعة المخدرات مع معلمه السابق، لكنه عندما أدرك كم من المال سوف يجنيه مع السيد "وايت"؛ قفز على الفور إلى المركب، وكان أن تولى معلم الكيمياء تحويل أدوية احتقان الأنف إلى مخدر "الميث" أو "الميثأمفيتامين Methamphetamine" ، بينما تولى "جيسي" عملية التوزيع والبيع، وبدأت رحلة لا تصدق من الأحداث والمآسي. ورغم أن الاثنين استطاعا الخروج من بعض المآزق العارضة، إلا أن زيادة الكمية التي كان "يطبخها" السيد "وايت" كما كان يحب أن يسمي عملية التصنيع؛ استلزمت عليهما التعامل مع رجال العصابات، بسبب جهلهما طريقة وأسلوب بيع وتوزيع المخدرات على نطاقٍ واسع، لتزداد الأحداث سخونة وتتطور مجريات القصة بشكل دراماتيكي.

ما سبق هي الحبكة الأساسية للمسلسل الأميركي الدرامي "Breaking Bad" أو "التحوّل السيئ"، وهو المسلسل الذي لم تذع منه في الموسم الأول سوى ثماني حلقات عام 2008م، لكن النجاح الساحق للمسلسل جعله يستمر لمدة خمسة مواسم متتالية، بمجموع 62 حلقة! جميعها متخمة بالأحداث المتلاحقة، تخطف الألباب وتبقي المتابعين على أحر من الجمر لمشاهدة الحلقة التالية. لقد تحوّلت قصة المسلسل إلى ظاهرة كونية خلال خمس سنوات فقط، حتى إن الحلقة الأخيرة التي عرضت سبتمبر الماضي شاهدها أكثر من عشرة ملايين مشاهد! وهو رقم لم تصل إليه المسلسلات الدرامية منذ زمن طويل.


هناك العديد من الأسباب وراء هذا النجاح الكاسح لهذه القصة، بالطبع بعد إغفال الجهد الكبير في الكتابة والتوثيق، وهو ما سوف أفرد له مقالاً كاملاً للحديث عن كواليس وآليات كتابة مثل هذا المسلسل المختلف، ناهيك عن الفريق المميز من الممثلين، الذين لم يكونوا من نجوم الصف الأول، ولم يكونوا من ذوي الطلات الجميلة، مما جعل المشاهد العادي يحس بقرب المسلسل من أحداث يومه الطبيعي، لكن أهم سبب يكاد يكون الجاذب الأساسي للمشاه هو التناول الصادق والقريب من الواقع لرحلة إنسان ترك المسالمة والوداعة وراء ظهره، كما هي حال الكثيرين من عامة الناس، وأضحى يزداد شراسة وعنفاً يوماً بعد يوم. بالطبع هذا التحوّل يتطور بالتدرج يوماً بعد يوم، رغم وجود نوعٍ من التعاطف معه، ولكن بعد أن يكون المشاهد قد بلع طعم ما يطلق عليه "المفارقة الدرامية Dramatic Irony" في المسلسل، إذ إن بطل القصة يعيش حياتين متناقضتين، فهو رب أسرة يهتم بأدق تفاصيل عائلته، وهو في العالم الآخر مصنّع وتاجر مخدرات، وبالطبع فإن عائلته وبالذات زوجته لا تعرف ذلك! وهو ما يجعل المشاهد أكثر التصاقاً بالشاشة لمعرفة متى سوف يكتشف بالجرم المشهود.. متى سوف يخطئ في شيء بسيط ويهدم كل شيء.. أو السؤال الأكثر إثارة: هل هناك أحدٌ ما يتبعه؟ وهي نفس "الثيمة" الفنية التي لا تزال بعض الأفلام الشهيرة تقتات عليها منذ عقود طويلة، كما في سلسلة "سوبرمان" أو "باتمان"، ولا عجب أن تحقق مثل هذه "الثيمات" النجاح المتواصل، فهي ما يجذب الجمهور ويحقق بهجته اللحظية.
غير أن مبتكر المسلسل، وهو الكاتب الأميركي "فينس غيليغان Vince Gilligan" أضاف بعدا تشويقياً آخر للقصة، حينما جعل أحد أهم أقارب البطل يعمل مفتشا في وكالة مكافحة المخدرات DEA، وهو زوج أخت زوجته! وبالتالي رفع سقف المفارقة الدرامية، إلى مستوى خطيرٍ من التشويق والإثارة! شيء آخر ساعد على نجاح القصة، وهو اعتمادها على الحقائق المجردة لعلم الكيمياء، وقدرتها العجيبة على فعل أي شيء دون أن ندرك ذلك، فمنذ المشهد الأول استعرض "والتر" مهارته الكيميائية من خلال تغير ألوان المواد واللهب فقط بمجرد تغيير بعض العناصر، وهي بالمناسبة متوافرة بشكل لا يصدق في حياتنا اليومية، فضلاً عن عرض طريقة صناعة المخدرات من الأدوية بشكل عام دون الدخول في التفاصيل، أو حتى تشغيل كهرباء السيارة بعد تعطلها، فقط عندما صنع معلم الكيمياء بطارية كهربائية اعتماداً على المواد المتوافرة معه، وهو في وسط صحراء قاحلة! وغيرها من المشاهد التي أجبرت الكثيرين على البحث في الإنترنت عن مدى صدقية هذه التفاعلات من عدمها، وثبت أن جميعها صحيح، لأن مبتكر القصة اعتمد على أستاذة للكيمياء العضوية في جامعة "أوكلاهوما" هي الدكتورة "دونا نليسون" في مراجعة النص والأحداث من الناحية العلمية.

يكاد المسلسل يختصر قصته في أن طمع الإنسان ليس له حدود، حتى وإن انطلق من أهداف خيّرة، إلا أن النفس البشرية سوف تعمل على جمع مزيدٍ من المال والنفوذ، مهما كلفها الأمر من خسائر وأرواح، وللأسف فإنها قد تخسر "كل شيء" مقابل "شيء"؛ لا ينفع بلا عائلة، أو بلا حياة نحياها.

عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 9 ديسمبر 2013

أن تكون بلا موقف!

هل يجب عليك عزيزي القارىء أن تتخذ موقفاً محدداً من كل شيء؟ أو دعني أعد صياغة السؤال من جديد: هل يمكن أن نكون بلا موقف محدد تجاه قضية معينة؟ أم إنه يجب علينا أن نتخذ موقفاً صارماً تجاه كل شيء؟ وأعني بذلك كل شيء في حياتنا.. بداية من قضية تأخير صلاة العشاء، مروراً بصعوبة الحصول على العاملات المنزليات، وانتهاءً بتغريدة عابرة لفنانة مغمورة!
نعم من المتوقع أن يكون لك موقف واضح من القضايا المهمة في حياتك، ومن الطبيعي أن يكون موقفك هذا مستقلاً، ونابعاً من قناعاتك الشخصية وإيمانك الداخلي، لكنه من غير الطبيعي أن يكون موقفك هذا نتاجاً عن مؤثرات خارجية أو مجرد رجع صدى لشخصية شهيرة تتأثر بها، فالله -سبحانه وتعالي- كرّمنا بأن منحنا عقلاً به نفكر، وفؤاداً به نعقل، فلمَ نتوقف عن استخدام عقولنا لصالح آخرين قد يستغلون هذا الاتكال لتحقيق مصالح دنيوية بعد أن نتحوّل إلى بيادق في معركة لا تخصنا أبداً؟
أما بخصوص القضايا الأخرى، والتي معظمها قد لا يتقاطع مع حياتك، ولا حتى اهتماماتك؛ فلماذا تضيّع وقتك وجهدك في اتخاذ مواقف معينة تجاهها كما يفعل الكثيرون؟ وأنت قد تغيّر رأيك نحوها بكل سهولة دون أن تعلم، والأسوأ من ذلك أنك قد تندم على تلك المواقف يوماً ما، فكم تقطعت عرى علاقات صداقة متينة بسبب تبني رأيٍ لا يسمن ولا يغني من جوع؟ وكم هدمت بيوتٌ آمنة؛ فقط بسبب إبداء الرأي نحو قضية هامشية لم تكن ذات علاقة بأيٍ من الطرفين!

خلاصة الحديث: "كبّر دماغك" وأشغل نفسك في ما يهمك ويدخل في دائرة تأثيرك؛ تغنم حياتك وتحتفظ بأصدقائك وأحبائك. 
عبدالرحمن السلطان

  

الجمعة، 6 ديسمبر 2013

"بس ولو"!

هل تعرف ما أكثر جملة تؤدي لإحباط الشاب المتحمّس؟ وهل تعرف ما أكثر جملة تتكرر لدى المدراء السلطويين؟ نعم الإجابة واحدة، وهي الجملة الشهيرة: "بس ولو".
هذه الجملة التي غالباً ما تطرح نهاية أي نقاش حاد بين طرفين غير متكافئين، وخصوصاً في حالة قدرة الطرف الضعيف على طرح فكرة جديدة، أو إثبات رأيٍ مختلف، حينها يستخدم الطرف القوى نفوذه وسلطته بإنهاء النقاش رغماً عن أنف الطرف الآخر، وهو وإن كان يقر بوجاهة الفكرة، إلا أنه لسبب ما لن يقوم بتنفيذها، هكذا وبكل بساطة يدمر فكرته، ويجعلها مجرد كلامٍ بلا معنى أو أثر.

والمشكلة الكبرى أن التعرض المتكرر لمثل هذه النهايات "القاتلة" يؤدى –بلا شك- إلى خنق روح الإبداع، وطرد ملكة التفكير من عقول الشباب، فيتحول الشاب المبادر مع مرور الزمن إلى نسخة أخرى ممن ينهون أحاديثهم بهذه الجملة "القاتلة"، ويتواصل مسلسل اغتيال الإبداع وهو لا يزال مضغة غضة.
ولعل سبب إدمان البعض على هذه الجملة المزعجة يعود إلى خوفه الشديد من المستقبل، وخوفه من أن هذه الفكرة الجديدة قد تكون وبالاً عليه وعلى من ابتكرها! ورغم أن هذا الخوف مشروع؛ لكن التمادي فيه يجعلنا أسرى لماضٍ لن يعود، والأسوأ من ذلك أنه يعمل مع مرور الزمن على تصحّر ميدان الإبداع، واقتلاع روح المغامرة في شبابنا.
لذا وقبل أن نطلب من الآخرين تجاوز هذه المقولة؛ يجب علينا أن نتجاوزها في أنفسنا أولاً، ثم في دائرة اهتمامنا من أقارب وأصدقاء، فنحن وللأسف مستخدمون مستمرون لمثل هذه الجملة وإن اختلفت الكلمات، والآن وكأني بالبعض وهو يقرأ هذا المقال رغم اقتناعه بما ورد أعلاه، يقول: صح.. "بس ولو"!..
  عبدالرحمن السلطان


الاثنين، 2 ديسمبر 2013

"هبة".. قول وفعل

عندما اعتلت "هبة" المنصة لم أكن قد سمعت بها، ولكنها وخلال أول دقيقة من عرضها استطاعت أن تجذب اهتمام الجميع، لقصة فتاة سعودية استطاعت أن تغيّر من واقعها العادي؛ فمن مجرد صيدلانية تعمل في مستشفى بالقرب من منزلها إلى أن أضحت حالياً تشغل منصب وكيل ثاني كلية صيدلة بالمملكة!
تفصح "هبة الدوسري" عن أول أسرارها من الجملة الأولى: أنها لم تكن تعلم بوجود كلية صيدلة من الأساس، إذ إنها بعد زواجها المبكر في جدة وانتقالها لمقر عمل زوجها في الرياض، ذهبت لتسجل في جامعة الملك سعود حيث وجدت تخصصاً جديداً وهو اللغات الأوروبية والترجمة، واختارته فورا دون أن تخبر زوجها أو أهلها، خوفاً من رفضهم لأنها كانت خريجة القسم العلمي وبتفوق! فضلاً عن وصية والدها لزوجها أن تلتحق بكلية الطب، لكن زوجها فور اكتشافه اختيارها ذهب بنفسه وغيّر التخصص إلى الصيدلة! لعلمه برفضها المطلق للطب، وإغلاق باب التسجيل في طب الأسنان.
لم تحب "هبة" دراستها الجامعية، وكانت دائماً ما تمني نفسها بالتحويل نهاية كل فصل دراسي، حتى فوجئت بالتخرّج بعد سنوات، لتقوم باختيار وظيفتها عشوائياً دون اهتمام، حيث عملت صيدلانية في مستشفى قريب من بيتها! تقول "هبة": "تجربتي الوظيفية الأولى كانت بائسة للغاية.. كنت عالقة في حياة مملة ومليئة بصراعات إدارية استنزفت جهدي وطاقتي"، والأسوأ من ذلك أنها شعرت بالفراغ ولم تكن هذه فكرتها عن الحياة الوظيفية، لذا قررت أن تحدث تغييراً في حياتها يجعلها أكثر إنتاجية والأهم أكثر سعادة. وهكذا التحقت ببرنامج الماجستير في قسم الصيدلانيات بجامعة الملك سعود، وكان اختيارها للتخصص نابعاً من ملاحظاتها لاختلاف التفاعلات الجانبية للأدوية حسب صيغتها الصيدلانية. في مرحلة الماجستير التقت هبة بمشرفتها العلمية الدكتورة "أمل الكامل" "التي أعادت تشكيلي من جديد"، على حد قولها، حيث كانت "هبة" في بداية البرنامج متعجّلة وغير صبورة، وسريعة التذمر والشعور باليأس حال مواجهة العقبات، لكن مشرفتها كانت تقابل كل هذا بالصبر والحلم، والتأكيد على أن أهم مبادئ البحث العلمي هي التجربة وإعادتها بكل أناة وصبر، الأمر الذي جعل "هبة" تتيقن أن هدفها في الحياة سوف يكون البحث العلمي.
بعد حصولها على الماجستير عام 2005 استقطبت للعمل في مدينة الملك فهد الطبية؛ كرئيسة لصيدلية مستشفى الأطفال، مما كان له الأثر البالغ بشحذ قدراتها الإدارية والقيادية، ولكن لظروف عمل زوجها وانتقاله إلى جدة جاءت فرصة لم تكن بالحسبان، حيث التحقت بالعمل كمحاضرة في قسم الصيدلانيات والصيدلة الصناعية بكلية الصيدلة في جامعة الملك عبدالعزيز، وتزامن التحاقها بإعلان تأسيس ثلاثة مراكز رئيسية لتقنية النانو بالمملكة، أحدها في جدة، مما جعلها تقدم على القرار الأصعب في حياتها؛ وهو الابتعاث الخارجي للحصول على الدكتوراة في تخصص "النانو"، حيث حصلت على القبول من جامعة "استراثكلايد" بجلاسكو في بريطانيا.

قرار الدراسة في الخارج لم يكن سهلاً، فلقد كانت "هبة" زوجةً وأماً لثلاثة أطفال، كان قراراً صعباً اتخذته بعد تفكير طويل حول سهولة تأقلمها بعيدا عن الوطن مع أطفالها، لكنها عاهدت نفسها على أمرين اثنين: الأول أن تلتزم بهدفها مهما كانت الصعوبات، والثاني التفاؤل ونبذ الإحباط، وبدأت بإنهاء متطلبات اللغة قبل سفرها حتى لا تضيّع أي وقت.
لم تكن البدايات مشجعة، بل تعسّرت بالكثير من العوائق والتحديات، أولها تزامن وصولها مع دخول فصل الربيع، الذي يأتي في "جلاسكو" متخفياً في صورة شتاء ثلجي أبيض مصحوباً برياح وأمطار متواصلة! ورغم هذا الشتاء الذي لم تتعود عليه "هبة" وأطفالها؛ إلا أنه تحوّل مع مرور الزمن إلى أروع فصول السنة التي تحبها! أما عقبتها الثانية وهي الأصعب فلقد كانت تنتظرها عند مشرفتها على الدكتوراة، حين التقتها أول مرة، وناقشتها في موضوع البحث والذي كان مختلفاً كلياً عن مقترحها، ثم أخذتها في جولة لتعرفها على طبيعة العمل وأعضاء الفريق البحثي، وفي نهاية اللقاء سألتها المشرفة: "هل لديكِ أي استفسار؟" أخبرتها "هبة" أنها مرتبطة بأسرتها وأنها تريد الانتهاء من الدكتوراة في ثلاث سنوات كحدٍ أقصى! نظرت إليها المشرفة مطولاً وبصمت، ثم قالت "حسناً ثلاث سنوات فقط هي كل ما لديكِ.. وهذا يعتمد عليك أنتِ وحدك".. وهكذا سجلتا تاريخ الانتهاء وصار أمام "هبة" هدفٌ شبه مستحيل للانتهاء خلال ثلاث سنوات فقط!


مشروعها البحثي كان مختلفاً عما درسته مسبقاً، كان يتضمن التعامل مع الخلايا السرطانية المختلفة، وتجربة أنواع محددة من الصيغ الجينية غير الفيروسية باستخدام تقنية النانو، كانت تجربة معقدة وجديدة، كانت غالباً ما تعود إلى بيتها وقد جاوزت الساعة العاشرة مساءً، انغمست بشدة في أبحاثها وتأقلمت مع أسلوب عمل الفريق البحثي الذي كان يضم جنسيات مختلفة من الباحثين. كما اكتشفت طبيعة المجتمع البريطاني خلال تلك الفترة كونها تؤمن أن الثراء المعرفي لا يتحقق فقط بالانفتاح على العلوم والآداب والحضارات، ولكن أيضا بالتعايش الإنساني مع الناس باختلاف مشاربهم.
في بداية عامها الثاني تجمعت لديها نتائج جيدة من بحثها، فشاركت في المؤتمر السعودي الدولي للطلاب الدارسين في بريطانيا، والذي أقيم بجامعة "سري"، وفازت بالمركز الثالث كأفضل ملصق علمي في المحور الصحي، بعدها بأسبوعين أقيمت مسابقة يوم البحث العلمي لأقسام العلوم الطبية والصيدلة والكيمياء التحليلية؛ وفازت –مرة أخرى- بجائزة أفضل ملصق علمي لطلبة السنة الثانية من الدكتوراة، مما شجعها على الاستمرار في حضور المؤتمرات العلمية ليس في بريطانيا فقط، بل إنها في بداية السنة الثالثة شاركت في أميركا بالمؤتمر العلمي السابع والثلاثين لجمعية CRS، مما لفت أنظار المحررة العلمية لمجلة الجمعية والتي نشرت بحث "هبة" على غلافها الرئيس، ثم توّجت جهودها بفوزها بجائزة التميز البحثي لطلبة الدكتوراة في جامعتها، وبتكريمٍ من عميد الكلية كذلك، وذلك بعد نشرها لأبحاثها في مجلات علمية عالية التأثير.

اجتهدت "هبة" وسهرت الليل واهتمت بعائلتها الصغيرة حتى في أدق التفاصيل، والأهم من ذلك كله؛ أنها حققت هدفها الصعب وحصلت على درجة الدكتوراة في الوقت الذي حددته لنفسها لتكرم أثناء حفل التخرج عام2011 من جامعتها، وتُذكر بصورة منفردة كطالبة سعودية ضمن إنجازات جامعة "استراثكلايد" في إشارة إلى الجوائز العديدة التي حصلت عليها. بعد عودتها للممكة عينت أستاذاً مساعداً في الصيدلانيات، لكن طموحها لم يتوقف عند ذلك فهي تعمل حالياً على تجهيز معمل متقدم وتكوين فريقٍ من الباحثين، لاستكمال أبحاثها عن البدائل الآمنة والفعالة للصيغ التقليدية الصيدلانية، وها هي بعد فترة وجيزة تكلف بالعمل وكيلة لكلية الصيدلة بجامعة الملك عبدالعزيز، ما منحها الفرصة للاهتمام بتنمية وتطوير القدرات والكفاءات المحلية الواعدة من الفتيات السعوديات، وأن تشارك في خدمة المجتمع بشكل أوسع.
حين نتأمل حياة "هبة" الآن، نجدها مفعمة بالحيوية في عملها وبين طالباتها، وندرك أن صناعة النجاح ممكنة متى ما توافرت الإرادة والعزيمة، ومتى ما توفر لهذه الفتاة السعودية زوجٌ مؤمن بقدرات زوجته، فكل الشكر لزوجها "فهد اليامي"، الذي جعلها تختار الصيدلة، وضحى بالكثير خلال فترة ابتعاثها وابتعادها عن الوطن.. نعم إنها "هبة" قولاً وفعلاً.


عبدالرحمن السلطان