الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

قلعة من الكراتين

من الممكن أن تثير الاهتمام بقضية مهمة عبر تكثيف حضورها في وسائل الإعلام، بيد أن هذا الأمر مكلف ولا يلبث أن يتلاشى خلال فترة وجيزة، لكن ماذا لو أثرت اهتمام الرأي العام بتلك القضية بواسطة فكرة مجنونة؛ تجذب الجمهور وتسعد المشاركين، وتبقى أثرا إيجابيا في الجميع؟



هذا ما قامت به جمعية السرطان الأميركية، التي اختبرت منذ تأسيسها قبل أكثر من 100 سنة أشكالاً متعددة من وسائل لفت الاهتمام بقضيتها وتشجيع التبرعات، وكان خرجت بأن أفضل طريقة لجذب جمهورها المستهدف هي إبداع قصة غير تقليدية، تثير انتباه شريحة أو أكثر من المجتمع، وتثير شهية وسائل الإعلام لتغطيتها، وإحدى أجمل الأفكار التي نفذتها العام الماضي كان تحدي بناء أكبر قلعة من "الكراتين" أو الورق المقوى! وذلك في مدينة "نابرفيل" بولاية "إلينوي".

إذ استضافت ثانوية "وادي نوكوا" 50 متطوعا يتقدمهم خريجها السابق الكوميديان الشاب "بليك قريقسبي"، وذلك لتكديس أكثر من 3254 كرتوناً فوق بعضها البعض! وكسر الرقم العالمي السابق ببناء أعلى قلعة من الورق المقوى، وهو ما تحقق إذ وصل ارتفاع القلعة إلى 115 قدماً! حسب موسوعة "جينس" للأرقام القياسية.




الرائع في الأمر أن جميع عائدات الفعالية من إعلانات ورسوم اشتراك وتبرعات ذهبت مباشرة لحساب جمعية السرطان الأميركية، ولك أن تتصور أن قيمة الإعلان على "الكرتون" الواحد بلغت 100 دولار، وبعضها وصل إلى 500 دولار! دون إغفال تحقيق هدف توعية المجتمع بأخطار السرطان ومعاناة مصابيه، وقضاء وقت ممتع للمشاركين وإسعاد متابعي الحدث على أرض الواقع أو خلف شاشات التلفزيون، وبالنهاية لم يبق أحد بالمدينة أو الولاية لم يسمع عن هذه المبادرة، وبالجمعية التي تقف وراءها.
دعونا نخرج من أفكار الإعلانات المباشرة التي تستجدي التبرع بالعزف على عاطفة المتبرع، لنحقق المتعة والمشاركة والتعاطف في آن واحد، كما فعلت قلعة "الكراتين". 


عبدالرحمن السلطان




الخميس، 25 ديسمبر، 2014

حتى في كازينوهات القمار!

لم أكن أصدق ما كان يعرضه مسلسل الإثارة الأميركي Vegas عن التقنيات المستخدمة في رقابة "كازينوهات" القمار في مدينة "لاس فيجاس"، لكنني وبعد أن وقفت بنفسي على شيء منها، أكاد أن أؤكد أن كثيراً من تلكم التقنيات صحيح 100%!



الأسبوع قبل الماضي كنت في "لاس فيجاس"، وكان أن قمت برفقة عدد من الزملاء بزيارة لإدارة الأمن والمراقبة في أحد "كازينوهات" وسط "لاس فيجاس"، وليست تلك الفنادق الضخمة التي تقع على شارع "ستريب" الشهير، وهذا الفندق وإن كان صغيراً مقارنة بتلك الفنادق هائلة الحجم إلا أنه يعد كبيراً بما فيه الكفاية لأن يكون مؤسسة ضخمة تحتاج إلى نظام رقابة ومراقبة صارم.
كانت البداية بجولة سريعة على مرافق الفندق المختلفة، وخصوصاً صالات القمار الضخمة، والتي ما إن تشاهد روادها حتى تحمد الله على نعمة الإسلام، الذي يحرّم بشدة ممارسة الميسر وما يتفرع منها، التي وإن كانت تسرق المال، إلا أنها - كذلك - تسرق الوقت وتسرق أيضاً الحياة الهائنة لمن يقع في براثنها، بالطبع تحدث "مدير الأمن والمراقبة" عن مرافق الفندق، وعن أهمية أن تكون صالات القمار في المنتصف، وأن تكون أول ما يقع عليه النزيل خلال دخوله وخروجه من الفندق، وأن تكون طاولات وأجهزة القمار مرتبة على شكل لولبي، مما يجعل النزيل يقضي أكثر وقت ممكن بين ممراتها الملتوية، مع ملاحظة أن تكسى أرضية الصالة بالسجاد، وذلك لامتصاص الأصوات وروائح التبغ!
المهم هنا وهو ما لفت نظري؛ هو تطبيق نظريات "تقييم المخاطر" بشكل علمي على مرافق "الكازينو"، إذ تمت دراسة الوضع الراهن، وتحديد أكثر المواقع خطورة سواء على مستوى الأمن أو مستوى الحفاظ على مكاسب الكازينو - وهو الأهم -؛ فملئت أركان الفندق بمئات الكاميرات الصغيرة، التي توثّق كل حركة وهمسة، إذ توجد على الأقل ثلاث كاميرات في الموقع الواحد، تسجل كل شيء من مختلف الزوايا. المثير هنا أن "مدير الأمن والمراقبة" أشار إلى أن مخاوفهم تتجه في البداية إلى "موزعي الورق" فهم الأكثر تلاعبا وسرقة لأموال الكازينو! ثم للمقامرين أنفسهم، خصوصاً في الألعاب التي تعتمد على العدّ وليس على الحظ فقط، إذ يقوم موظفو شاشات الرقابة - والتي تقع في مبنى منفصل عن الفندق - بالعمل على الملاحظة الدقيقة لكل شاردة وواردة على الطاولة، وبالذات حين عدّ الأوراق المالية وتوزيع "الفيش"! لأن الموزع يستطيع بخفة يده وذكائه أن يسرق شيئاً من الأموال أو "الفيش" على الطاولة، أو أن يتآمر مع المقامر نفسه، بأن يضع المقامر رهانه على رقم ما مثلاً، ويقوم الموزع بإكسابه المال دون أن يكون قد حالفه الحظ أصلاً! وغيرها من الحيل والألاعيب التي لا تنتهي أبداً، هذا الأمر قاد أكبر كازينوهات "لاس فيجاس" لمحاولة تجاوز هذه المخاطر بطريقة علمية مبتكرة، فكان أن قامت شبكة الفنادق ببناء قاعدة معلومات هائلة بأسماء وصور وعناوين أخطر المقامرين، ممن قد يسببون المتاعب للكازينوهات، سواء عبر الحيل والألاعيب، أو عبر التواطؤ مع الموزع، المثير في الأمر أن هذا النظام يستطيع التعرّف على هوية الشخص عبر قراءة تفاصيل وجهه والتأكد من عدم وجوده في هذه القائمة السوداء.



ولضمان أن تكون القائمة فعالة ابتكرت الفنادق فكرة "بطاقات العضوية"، والتي تمنحها لمن يسجل بياناته الشخصية في الفندق، كالاسم والصورة والعنوان وكافة المعلومات الديموغرافية، ثم يقوم المقامر بتحويل أمواله إلى البطاقة، ويتنقل بها بين طاولات الصالة، الأمر الذي يخفف من حالات السرقة و"النشل"، ويشجّع المقامر على المزيد من المقامرة نظراً لأنه لا يحس بملمس الأموال التي يفقدها، والأهم من ذلك أنه يساعد إدارة "الكازينو" على دراسة اتجاهات وميول رواده، مما يمكنهم من تطوير الخدمات وإعادة توزيعها بما يتلاءم مع اتجاهات المقامرين، بالإضافة إلى الاستفادة منها للتعرف على هويات المخالفين بكل سهولة، ولتشجيع المقامرين على تسجيل بياناتهم وإصدار البطاقة، تقوم بعض الفنادق بإضافة رصيد مجاني عند التسجيل قد يصل إلى إضافة 20% إلى رصيد البطاقة!
علم تحليل وتقييم المخاطر Risk Assessment علم كبير وواسع، إلا أننا للأسف لم نحاول مجرد الاقتراب منه، رغم فوائده الجمة وضرورة استخدامه، خصوصاً لدى القطاعات الخدمية الحساسة، ولك أن تتصور أن الغرب قد تجاوز تطبيق هذا المفهوم في الإدارات الحكومية والمشاريع التجارية ليصل إلى كازينوهات القمار!
فالمسألة ليست مجرد وجود شبكة هائلة من الكاميرات، وقدرة على التحليل والمراقبة، لكنها عملية قياس وتقييم للمخاطر المحتملة والذي يتجاوز مفهوم الكوارث الطبيعية كالحرائق والزلازل مثلا؛ً ليركز على المخاطر المحتملة في النشاط نفسه أو في مجموع العوامل المؤثرة على النشاط، وتطوير استراتيجيات لإدارة والتحكم بتلكم المخاطر مهما كانت، من خلال رسم السيناريوهات المختلفة وآليات التعامل السريع معها، والعمل على تجنبها أو على الأقل التخفيف من وقعها. فهل نطمح يوماً ما أن نجد إدارة المخاطر وقد أضحت جزءاً أصيلاً من كل كيان إداري لدينا؟ أم سنبقى في دائرة التنظير والحديث عن التجارب الدولية الناجحة فقط!

عبدالرحمن السلطان




الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

أصدقاء من طرف واحد

يشتكي البعض من تساقط الأصدقاء وسرعة ابتعادهم، والعجيب أنهم يلقون باللوم على هؤلاء الأصدقاء فقط، فهم من لا يقدر العشرة، وهم سبب انقطاع العلاقة وفتورها، بينما قد يكون هو نفسه السبب الرئيس لهذا الانقطاع وتلك الجفوة!
فالصداقة -أيها الأعزاء- علاقة تبادلية متواصلة، تقوم على مبدأ تقبّل الطرف الآخر والاستمتاع برفقته، واحترام أفكاره وقراراته، وفهم اتجاهاته وتفضلاته، ومساعدته عند الحاجة، لكن قمة الانتهازية والأنانية تظهر عندما نتوقع من أصدقائنا كل ما سبق، بينما نحن لا نحقق أي شيء من تلكم التوقعات تجاههم، فهم من يجب أن يستمع لنا دون توقف، وهم من يجب عليه إبداء روح التعاطف، وربما تقديم شيء من الدعم والمساندة! هكذا دون أن نفكر للحظة واحد بلعب الدور نفسه تجاهم! ولو لمرة واحدة، فلا غرو أن وجدنا أنفسنا هكذا دون أصدقاء.

ولك أن تتصور أننا بهذا النهج الأناني نسرّع من عملية فقد الأصدقاء على الرغم من قلتهم أصلاً، فالحقيقة الدامغة أن الفرد لا يستطيع سوى المحافظة على صديقين مقربين أو ثلاثة فقط، بينما قد يصل عدد أصدقائه العموم إلى مئة وخمسين كحد أقصى! الإشكالية هنا أن وسائل الاتصال الاجتماعي أضحت تعطي دلالة غير صحيحة عن مؤشر صداقاتك! فليس كل من نقر "بإعجاب" أو "روتت" لك تغريدة أصبح صديقاً مقرباً منك، فأغلب هؤلاء يبقون أصدقاء افتراضيين إلا من استطعت جذبه لعالمك الحقيقي.
نحن بحاجة ماسة لصداقة حقيقية، صداقة كالمرآة، لأن ذلك الصديق هو من سوف يصدقك القول والفعل، فإن غاب ذلك الصديق فاعلم أنك لن تستطيع التعرّف على نفسك وعلى مواطن ضعفك لوحدك، وتذكر دوماً أنه لا يوجد إنسان واحد قادر على العيش وحده.. مهما كانت قوة شخصيته أو عبقرية عقله. ولكن تذكر -أيضاَ- أنه لا يمكن توثيق عرى صداقة ما من طرف واحد.

عبدالرحمن السلطان




السبت، 20 ديسمبر، 2014

"يمكن أحتاجه"..

خلال دراستي الجامعية كنت أجمع كل ما تقع عليه يدي من ملخصات ومذكرات بحجة الاستفادة اللاحقة منها، حتى تجمع لدي بعد التخرج أكثر من ستة صناديق ثقيلة
واليوم وبعد مرور عقد من السنوات ويزيد، وبعد أن تنقلت تلك الصناديق معي إلى أربعة منازل متتالية؛ اكتشفت أنني لم أرجع إلى تلك الصناديق سوى مرات متقطعة! حتى اضطرتني زوجتى للتخلص منها في حاوية الورق
هذا الهوس بجمع كل شيء يتجاوز مجرد الاحتفاظ بوثيقة هنا وكتاب نادر هناك، إلى جمع كل شيء "يمكن نحتاجه"! فيبدأ الأمر بالإبقاء على جهاز إلكتروني متعطل، ثم بقايا أدوات السباكة وقطع الحديد والخردوات، حتى يصل الأمر ذروته ببناء مستودع ملحق بالمنزل لتخزين تلكم الأشياء غير المفيدة أصلا.



قبل سنوات أصدرت "باربرا همفيل" كتابها الشهير: "ترويض النمر الورقي". تناولت فيه معضلة تراكم الأوراق دون أن نمتلك الشجاعة الكافية للتخلص منها، وأشارت إلى أننا دوما نشعر أننا سنحتاج تلك الورقة مرة أخرى، دون أن نعلم أننا لن نرجع إليها أبدا، أو أننا لن نستطيع إيجادها بعد أن تتراكم عليها أوراق أخرى، لذا ابتكرت "همفيل" قانونا يساعدنا على تجاوز التردد من اتخاذ قرار التخلص من ورقة أو قطعة ما، كما هي حالة "محفظة" الكثيرين، التي تتضخم كل يوم بالقصاصات والبطاقات التي لا نفع لها سوى تحقيقها الأمان النفسي، أننا قد نحتاجها يوما ما!
ببساطة تقول "همفيل": إن الورقة التي تمضي سنة كاملة دون أن تعود إليها لا تستحق أن تحتفظ بها! بالطبع مع استثناء الوثائق الرسمية. كما أن هذا القانون من الممكن تطبيقه على أي شيء آخر، أليس من الأفضل أن نتخلص منها؟ أو نهديها لمن يحتاجها، أو على الأقل نبيعها بأي قيمة لنحقق مكسبا ماديا ثم فراغا إضافية لحياتنا، والأهم نحقق انتصارا نفسيا على "يمكن أحتاجه".


عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 19 ديسمبر، 2014

أيهما أكبر: عمرك "الزمني" أم "الحيوي"؟

قبل سنوات كنت أسخر من فكرة "أزمة منتصف العمر"، ولكنني مع تقدمي في العمر واقترابي من الأربعين بدأت الإحساس بالخوف من هذه السن
المثير في الأمر أنني الأسبوع الماضي وحينما أفرجت عن مخاوفي تلك مع صديقي "خالد" الذي يماثلني في العمر ويشاركني نفس المهنة؛ تعجبت من ردة فعله الساخرة إذ قال: "أنت يا صاحبي قد تصل إلى الأربعين خلال سنوات قليلة، لكنني أنا لن أصل، كون عمري البيولوجي ما يزال دون الثلاثين يا صاح"!
"
ماذا.. دون ثلاثين فقط! كيف ذلك؟".. تبسم صاحبي بخبث، وأشار إلى نقاش طويل وعريض يدور منذ زمن طويل في الأوساط العلمية حول مفهوم عمر الإنسان، ومدى قدرته الدقيقة على تحديد تقدمه الزمني ثم شيخوخته، إذ لا يزال حساب تقدم الإنسان بعدد السنوات الفعلية التي يعيشها هو المفهوم الغالب، أي "العمر الزمني"، الذي يبدأ حسابه من يوم الولادة حتى سكرات الموت، بينما واقع الحياة يؤكد أن تقدم العمر وزيادته ليس له علاقة مباشرة بالتغيرات الجسمانية والصحية للإنسان، أي أنك بإمكانك أن تجد شخصين لهما نفس العمر؛ بينما وضعهما الصحي غير متماثل، كما تجد كهلا في نهاية الخمسينات من عمره؛ تراه يقفز كما لو كان لم يتجاوز عشرينات عمره قبل أيام! أو حينما تسمع عن ثلاثيني ودون أصيب بجلطة أو سكتة قلبية! وهكذا دواليك إذ يبدو الكثيرون أكبر من أعمارهم الزمنية وآخرون أقل منها بكثير




لذا خرج العلماء بضرورة وجود وسيلة أكثر دقة لمعرفة العمر الحقيقي لتقدم الإنسان، وهو أضحى يطلق عليه بـ"العمر الحيوي Biological age، الذي عرفته المجلة العلمية المحكّمة "علم الشيخوخة التجريبية" قبل سبعة عشر عاما بأنه: "مجموعة مؤشرات حيوية تتنبأ بمستوى القدرات الوظيفية للسن المتأخرة" بشكل أفضل من طريقة احتساب العمر الزمني".
تعتمد طريقة احتساب العمر الحيوي على الإجابة الدقيقة عن مجموعة من المؤشرات التي تبدأ بتسجيل عمرك الزمني! ثم نوع الجنس ـ ذلك أن اختلاف الجنس يقلل من العمر المتوقع للحياة حينما تكون رجلا ـ ثم العرق والطول والوزن وبالتالي حجم كتلة الجسم، وهل هي زيادة وزن أم سمنة مفرطة؟ ثم عدد مرات ممارسة الرياضة – التي تقلل من عمرك الحيوي لأنها تحسن من مؤشراتك الحيوية بطبيعة الحال ـ ثم مستوى الضغط النفسي الذي تعيشه في حياتك، ثم مستوى التعليم ـ الذي كلما زاد انخفض معدل عمرك الحيوي!ـ ثم معدل نسبة الكوليسترول والدهون الضارة وهل يتجاوز المستوى الطبيعي أم لا؟ وبعد ذلك معدل ضغط الدم ومدى قربه أو بعده من معدل 120 على 80، ثم عدد السجائر المدخنة في حال أنك مدخن، ثم تاريخ أمراض القلب، والرئة، والجهاز الهضمي لديك، ثم أعمار الوالدين حين وفاتهما، ثم عدد مرات قيامك بفحص طبي شامل، ثم تاريخ مرض السكري لديك ولدى عائلتك، وأسئلة أخرى عن نمط الغذاء اليومي، وهل تتناول وجبة الإفطار أم لا، ثم عن الالتزام بالوجبات الغذائية ومحتوها من العناصر الغذائية حسب الهرم الغذائي الصحي، ثم نسبة استهلاك الخمور أو المخدرات ـ لا سمح الله ـ ثم مستوى إحساسك بالسعادة، والتاريخ العائلي للإصابة بالاكتئاب، عدد مرات الاسترخاء، ثم الزواج الذي يقلل من العمر الحيوي في حال كنت ما تزال متزوجا، ثم الرضا الوظيفي، ووجود أصدقاء مقربين من عدمه، عدد الكليومترات التي تقودها بالسيارة سنويا، الذي يؤثر في النهاية على مستوى سعادتك ومفاصلك كذلك!
كل هذه المؤشرات يتم احتسابها بواسطة تحديد نسبة وزن محددة لكل سؤال، وبالتالي تستطيع تحدد العمر الحيوي بكل سهولة، وبالطبع وفي ظل وجود عدد متنوع لاختبارات قياس العمر الحيوي، فإن نتائجها تختلف من نموذج إلى آخر، ويسأل بعضها عن نوع وكمية المشروبات اليومية، نسبة التعرض لأشعة الشمس، عدد ساعات النوم وغيرها، لكنها جميعا تعتمد نفس الأسلوب والمبدأ، الذي يؤكد أنه رغم لعب العوامل الوراثية دورا كبير في التقدم العمري لكل إنسان، وإصابته ببعض الأمراض دون سواه من القرناء، إلا أن أسلوب حياتنا وظروفنا البيئة تؤثر بشكل أكبر على تقدمنا في العمر، وفي بعض الحالات تقليص الزمن المتوقع للوفاة!
فمثلا في الاختبار السابق يفترض في الذي يعيش في بحر الثلاثين أن يكون أصغر من عمره الزمني بخمس إلى عشر سنوات، إما إذا كان في الأربعينات فالصحي أن يكون أصغر من عمره بعشر إلى عشرين سنة، وهكذا تزداد الفجوة إلى أن تكون أكثر من خمس عشرة سنة في حال كان في الخمسينات من عمره
بالطبع توسّع الأمر خلال السنوات الأخيرة، وأضحى لدينا ما يطلق عليه بالعمر "النفسي"، وآخر بالعمر "الاجتماعي"، وكلاهما يعتمدان على قياس الحالتين النفسية والاجتماعية للإنسان، سواء من ناحية "الثقة بالنفس" أو "الكفاءة الذاتية"، وعلى قياس مدى تفاعل الإنسان مع محددات مجتمعه، ومدى ملائمة سلوكه وعادات حياته مع عمره الزمني!
الجميل في الأمر، أنه يمكنك أن تعود بعقارب زمنك الحيوي إلى الوراء! بواسطة العمل على تحسين أسلوب حياتك، وبالطبع تغيير النظام الغذائي، وإضافة التمارين الرياضية إلى جدول يومك، واتباع طرق التنفس الصحيحة، مع ضرورة تحسين حياتك النفسية عبر تجاوز الهموم اليومية وعدم التوقف أمامها.
المهم هنا أن أعمل بكل هذه النصائح بدلا من الحديث عنها، علّي أتغلب على صديقي "خالد" ولأصغره ببضع سنوات، ولأسخر منه عندما يصل إلى الأربعين وأنا لم أصل!

عبدالرحمن السلطان




الجمعة، 12 ديسمبر، 2014

القطة العابسة

قبل أشهر لاحظت انتشار قناني قهوة مثلّجة تحمل صورة قطة عابسة في عدد من متاجر التموين الأميركية، لم أهتم لهذا المنتج الذي اتخذ هذه الصورة الغربية شعاراً له، بيد أن تزايد انتشار صورة هذه القطة في كل مكان جعلني أهتم بقصتها، ثم بقصة صاحبتها الفتاة الأميركية التي تحولت بين عشية وضحاها إلى مليونيرة جديدة!
القصة وبكل بساطة بدأت قبل حوالي سنتين حينما أصيبت قطة الفتاة الأميركية باداثا بوندسين Tabatha Bundesen بداء التقزّم، مما جعلها تبدو كما لو كانت غاضبة وحزينة طوال الوقت، لم تتخل "باداثا" عن قطتها وأحبتها كأي فتاة أميركية عادية، لأنها كانت تعلم "أنها مميزة" على حد تعبيرها، ولكن بعد بلوغ القطة ستة أشهر، قام "براين" بتصوير قطة أخته، وحمّلها على شبكة التواصل الاجتماعي Reddit، حيث حققت على الفور عشرات الآلاف من نقرات الإعجاب، وهو ما اعتبر رقماً هائلاً في مثل هذه الشبكة الاجتماعية غير الشهيرة، لم يصدق "براين" ما حدث لتلك الصورة، فسجل مقطعا مرئيا قصيرا للقطة العبوسة وبثه على منصة الاتصال الاجتماعي الأكبر: "اليوتيوب" ليحصد أرقام مشاهدة هائلة، تجازوت الـ17 مليونا في إحصائية حديثة.



وهكذا بدأ الاهتمام يتزايد بهذه القطة ذات الملامح المختلفة، لتصبح القطة وصاحبتها ضيفتين دائمتين في البرامج التلفزيونية الرائجة، مثل "صباح الخير أميركا"، "أميركان أيدول"، وكذلك معظم الصحف على مستوى ولاية أريزونا أو على المستوى الوطني، وخلال أسابيع قليلة انهالت على "باداثا" الكثير من عروض الرعاية والمشاركات التجارية، مما حدا بها إلى أن تسجل القطة ومظهرها كملكية فكرية، وأن تترك عملها كساقية في أحد المطاعم، لأن وبكل بساطة أرادت أن تتفرغ لرعاية شؤون "قطتها" التي صارت تدر عليها الأموال من كل حدب وصوب!




لم تكن تعلم تلك الفتاة أن مصدر ثروتها يعيش بالقرب منها، وأن تلك القطة الصغيرة التي تقززت في البداية من مظهرها هي من سوف يغير حياتها وحياة عائلتها إلى الأبد، فكم من شخصٍ ينام يومياً على منجم ذهب تحته، دون أن يدرك أنه يضيع وقته في الركض هنا والبحث هناك، دون أن يلتف لحظة واحدة لما لديه ولمن حوله، علّه يفكر بشيء مختلف، شيء يجذب الانتباه من الجميع ويحوله إلى علامة تجارية كما حدث مع هذه الهرّة.
خلال أشهر قليلة أسست "باداثا" مع أخيها صفحة رسمية للقطة العابسة في "الفيس بوك"، وسجلت مليون نقرة إعجاب خلال أيام قليلة! ثم ظهرت "القطة" على الصفحة الأولى للصحيفة الأميركية الرزينة "وول ستريت جورنال"! لتتحول إلى ظاهرة أميركية تكبر يوماً بعد يوم، وبالطبع أضحت القطة فرصة لا تعوض لترويج الكثير من المنتجات المختلفة، فظهرت ملابس وقبعات متنوعة تحمل صورها، ثم صدر كتاب يوثق رحلتها، والجميل في الأمر أن الفتاة تعاقدت مع مدير أعمال متخصص في تسويق "القطط"! وهو "بين لاشيس"، الذي يدير أعمال "قطة لوحة المفاتيح" تلك القطة التي تستطيع العزف على البيانو، وقطط أخرى أقل شهرة بالطبع من قطتنا العابسة، واستطاع بمهاراته التفاوضية مضاعفة العقود وتنويعها، فظهرت القهوة المثلجة التي تحدثت عنها في بداية المقال، وكذلك أنواع مختلفة من الحلوى وأطعمة الأطفال، وأصبح الظهور التلفزيوني بمقابل مرتفع، وصارت "القطة" وصاحبتها ضيفتين دائمتين على الكثير من المؤتمرات الشبابية ولقاءات ريادة الأعمال.
تشير بعض التقارير الصحفية غير المؤكدة إلى أن ثروة الفتاة - التي لم تحتفل بربيعها الثلاثين حتى الآن - قد ناهزت المئة مليون دولار! وهذا رقم ضخم تحقق بسهولة خلال أقل من سنة واحدة، والرقم مرشح أن يتضاعف نظراً لتزايد أعداد المعلنين وطالبي الرعاية، لدرجة أنها حددت مؤخراً ظهورا يومياً للقطة لا يتجاوز الساعتين فقط! خوفاً أن ترهق قطتها التي تبض لها الذهب، قطتها تلك التي جعلتها تفخر بكونها سبباً لنشر البهجة والفرحة في قلوب الكثير من الناس، رغم أنها مجرد قطة مختلفة!
بالطبع لم تكتشف "باداثا" كنز قطتها إلا بعد نشر أخيها الصورة دون تخطيط مسبق على شبكة الإنترنت، وهكذا هي كثير من قصص الثراء والنجاح، بيد أن السؤال هنا: هل نبقى ننتظر تلك المصادفة أن تحدث؟ أم نجتهد في البحث والمحاولة لنفتش عن قصتنا، فقد تكون قريبة منا دون أن نعلم أو نهتم! هذا سؤال لن يستطيع الجواب عنه سوى أنا وأنت.


عبدالرحمن السلطان


الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

رسائل الوزراء الجدد

يوم أمس صدرت أوامر ملكية بتعيين ثمانية وزراء دفعة واحدة. جميعهم يتسنم حقيبة وزارية لأول مرة! دون أي تدوير وزاري شكلي كما يحدث في كثير من الدول، وفي هذا وغيره عدة رسائل.
الأولى: أن مصلحة الوطن تأتي أولا، فالملاحظ أن جميع المعينين يحملون سيرة عملية مشرفة، وحققوا نجاحات معتبرة في أماكن مسؤولياتهم السابقة، فمنهم من تولى إدارة جامعة، ومنهم من تولى مسؤولية مؤسسة حكومية، وهكذا دواليك
ليؤكد هنا خادم الحرمين الشريفين أن نجاح ابن هذا البلد من الممكن أن يتواصل في موقع آخر، بعد أن يكون قدم أفضل ما لديه في موقعه السابق.
الثانية: الخروج من قوقعة التخصص الأكاديمي، والتركيز على النجاح المهني والإداري، فوزير الإعلام الجديد لا يحمل الدرجة الجامعية في الإعلام، كما أن رفيقه وزير الصحة الجديد ليس طبيبا أو صيدلانيا، وهنا مكن النجاح المتوقع، فليس بالضرورة أن يكون صاحب التخصص الفني ناجحا في إدارة مؤسسته، بل قد يكون من الأفضل أن يقود الدفة الإداري المحنك غير المتخصص؛ كي لا يقع في فخ التفاصيل الفنية، والأسوأ من ذلك مجاملة رفقاء المهنة!.
الثالثة وهي الأهم: أن مسيرة التنمية مستمرة نحو الأمام، وأن التغيير والتطوير نحو الأفضل هو ديدن هذه البلاد الفتية، بيد أن الأهم هنا أن يلتفت معالي الوزارء الجدد إلى ما يحتاجه المواطن بشكل حقيقي، وأن ينزلوا إلى الميدان للتعرف على الواقع دون تجميل أو "تزويق" من مديري مكاتبهم أو وكلاء وزارتهم، ممن عفى على بعضهم الزمن وأكل، وعدم تجاهل ما تم إنجازه مسبقا من مشاريع وخطط، مع ضرورة أن تحدد مقاييس محددة للأداء KPI منذ البداية، ليستطيع الوزير قياس إنتاجيته ومدى تحقيقه للأهداف بكل سهولة
بقي أن نقول للوزراء الجدد: لقد نلتم ثقة ولي الأمر ـ حفظه الله ـ فلتنالوا ثقة أبنائه. و.. "الميدان يا حميدان".


عبدالرحمن السلطان



الأحد، 7 ديسمبر، 2014

الحاجة أم "الثروة"؟

هذا صحيح، فالمثل الدارج يقول: "الحاجة أمّ الاختراع"، ولكن ماذا لو حولنا هذا الاختراع المبني على حاجة فعلية إلى مصدر "ثروة" لا تصدق، بالطبع هذه الفكرة لم تخامر فكر الشاب البريطاني "نايك دالوازيو" الذي لم يكن يهدف إلا إلى تحسين طريقة مراجعة دروسه!
كل ما في الأمر أن "نايك" قبل ثلاث سنوات وحينما كان في المرحلة المتوسطة كان يراجع مادة "التاريخ"، وكان يتصفح الشبكة العنكبوتية لمراجعة بعض المعلومات دون نتيجة تذكر، فخطرت في باله فكرة تلخيص الصفحات التي يزورها في بضعة أسطر، بهدف تحديد ما إذا كانت الصفحة تحتوي على موضوع بحثه أم لا.





وعلى الفور بدأ برمجة برنامج يحلّل نصوص الصفحات ويلخصها في عشرات الكلمات، وكان أن أطلق عليه : Trimit، وهي كلمة من أصل إنجليزي تعني "التقليم"، ثم أطلق البرنامج لينجح بشكل باهر، مما شجّع عدداً من المستثمرين على الدخول معه، وتمويل مبرمجين إضافيين لتطوير برنامجه وجعله أكثر دقة، حتى أعيد إطلاقه بعد عام واحد باسم جديد : Summly، بالطبع تضاعف النجاح وحقق البرنامج نصف مليون تحميل خلال فترة قصيرة! بعد ذلك بأشهر قرر محرك البحث العملاق "ياهو" شراء البرنامج من مبتكره الشاب، ولك أن تتخيل أنه باعه بـ30 مليون دولار، أي 112 مليون ريال!
دائماً ما يؤكد "نايك" أن تحقيقه لهذه الثروة ما كان ليحدث لولا حاجته الماسة إلى حل مشكلة أرقته، بالطبع ترافق ذلك مع استعداده الذهني ومهاراته الحاسوبية، كونه تلقى أول "كومبيوتر" من والده وهو في العاشرة من عمره، وسبق أن أطلق لعبة إلكترونية لتمرين عضلات الأصابع، بيد أنه يؤكد أن ثروته القادمة سوف تكون بالتأكيد نتاج حله لمشكلة أخرى تواجهه.
السؤال: ماذا عنا نحن؟ هل سنقتفي أثره ونعمل على حل مشاكلنا وتحويلها إلى مصدر ثروة ونجاح؟ أم نتعايش معها دون أي فائدة؟


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

"الواتس أب".. سعوديا

قد لا أضيف شيئاً عندما أشير إلى أن وسائل الاتصال الحديثة قد أحدثت تغيراً هائلاً في منظومة الاتصال على مستوياته كافة، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي أو حتى الجماهيري، وغني عن القول إن هذه التأثيرات تجاوزت عملية الاتصال نفسها لتؤثر بشكل حقيقي على شبكة العلاقات الاجتماعية لأفراد المجتمع نفسه.
ومن أهم التطبيقات التي شاع استخدامها خلال السنوات القليلة الماضية تطبيق "الواتس أب" WhatsApp، وهو برنامج تراسل فوري بين أجهزة الهواتف الذكية، يمكّن المستخدمين من تبادل إرسال واستقبال النصوص والصور والرسائل الصوتية مجاناً وبشكل فوري، والأجمل من ذلك أنه يتزامن بشكل تلقائي مع جهات الاتصال في الهاتف الذكي، لذلك لا يتطلب البرنامج إضافة الأسماء إليه، مما يجعله سهل الاستخدام للشرائح والأعمار كافة، بالطبع حقق التطبيق منذ إطلاقه عام 2009 نجاحات متتالية في أنحاء العالم كافة، حتى ناهز مجموع رسائله اليومية أكثر من 27 مليار رسالة!




هنا في المملكة انتشر استخدام "الواتس أب" بشكل متسارع، حتى لا تكاد تجد هاتفاً ذكياً دون أن يكون التطبيق موجوداً ومفعلاً، وبالطبع هذا الاستخدام المتعاظم أدى إلى أن يكون لـ"الواتس" تأثير أوسع على منظومة الاتصال الاجتماعي بالمملكة، الأمر الذي أثبته علمياً الزميل الإعلامي "عيسى المستنير" - الحاصل على الماجستير من جامعة موناش الأسترالية بمرتبة الشرف الأولى، ومؤسس ورئيس جمعية الإعلاميين السعوديين في أستراليا - الذي أكد في بحث علمي حديث على الآثار الإيجابية لتطبيق "الواتس أب" على العلاقات الاجتماعية في السعودية
كنت التقيت الزميل "المستنير" الأسبوع الماضي في أبها على هامش فعاليات المؤتمر الدولي للإعلام والإشاعة، حيث قدم عرضاً متكاملاً لدراسته حول آثار "الواتس أب" على العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة الصغيرة والأسرة الممتدة وبين الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، إذ استخدم طريقتين من طرق البحث للتوصل للنتائج وذلك بعمل استبيان إلكتروني على شبكة الإنترنت، شارك به قرابة 500 مشارك ومشاركة من عدد كبير من المدن السعودية! بالإضافة إلى مقابلات بحثية عميقة مع عددٍ من مستخدمي "الواتس".
وخرجت الدراسة بأن "الواتس" هو التطبيق الأول الذي يجمع أفراد العائلة الصغيرة والممتدة في بيئة افتراضية واحدة في الوقت الحاضر، وأن كثيراً من مستخدمي التطبيق وجدوا فيه البيئة الاجتماعية الإلكترونية المناسبة لتبادل أخبار العائلة والأقارب ومناقشة القضايا المهمة وحتى ترتيب الرحلات والمناسبات بين أفراد العائلة، وكذلك لتبادل الأخبار وأنواع المعلومات كافة، كالفقهية والاجتماعية والتربوية.
توصلت الدراسة كذلك إلى أن "الواتس أب" ساعد النساء بالذات وسكان المدن الكبيرة على تجاوز حاجز المكان، فأعطى المرأة السعودية فرصة التواصل مع أقاربها وقريباتها بشكل يومي، مما يقوي العلاقة ويزيل حاجز الكلفة بين الأقارب ويقوي من صلة الرحم، على حد تعبير الدراسة، والأهم من ذلك أن هذا التطبيق ساعد على تجاوز حاجز الزمن، فرسائله تعطي الوقت الكافي للحوار بين أفراد الأسرة الواحدة أو الأسرة الممتدة، مما أسهم بإعطاء الفرد وقتاً أطول للتفكير في الرد المناسب بدل الرد المتسرع حينما تكون المحادثة وجهاً لوجه
ومن الجوانب التي كشفتها الدراسة أن "الواتس أب" سهّل عملية التواصل بين جيل الآباء والأمهات من جهة وبين جيل الشباب والشابات من جهة أخرى، فأضحى "الواتس" بيئة مناسبة لتعبير الشباب عن آرائهم الاجتماعية والأسرية والفكرية بحرية أكبر، الأمر الذي ساعد على خلق جوٍّ من التواصل الإيجابي بين أفراد الأسرة. لكن نتائج الدراسة من جهة أخرى أظهرت أن التواصل الكتابي والنصي من خلال "الواتس" وغيره من التطبيقات الاجتماعية أضعف من عملية التواصل المباشر وجهاً لوجه، ذلك أن النص يعتبر مادة جافة تفتقد لتعابير الوجه ونبرة الصوت وحركات الجسد، بيد أن مستخدمي "الواتس" استعاضوا عن تلك الإشارات بالوجوه التعبيرية والفيديوهات والرسائل الصوتية!
المثير في الأمر أنه رغم تزايد مخاوف الثغرات الأمنية في "الواتس" إلا أن سهولة وانتشار التطبيق ساعدا على مزيدٍ من الانتشار للتطبيق هنا بالمملكة وحول العالم، مما يجعلنا نؤكد على ضرورة إجراء مزيدٍ من الدراسات والأبحاث حول التطبيق وآثاره على المجتمع، كما هذه الدراسة الغنية التي تحوي الكثير من النتائج والأرقام التي لا يمكن اختزالها في مقال واحد، والحقيقة أنني لا أذيع سراً حينما أفشي أن الزميل "عيسى" سوف يصدرها في كتاب مستقل قريباً، ونحن أحوج ما نكون لمثل هذه اللبنات التي تسد ثغرة في طريقنا نحو التعرف على أنفسنا وعلى علاقاتنا الاجتماعية بشكل أكبر.


عبدالرحمن السلطان


الخميس، 4 ديسمبر، 2014

من الصفر كل مرة!

أكاد أجزم أننا نحن العرب نختلف عن شعوب المعمورة كافة في صفات وممارسات مختلفة، بعضها قد يكون حسنا، وبعضها الآخر غير ذلك، ولكن إحدى تلك الممارسات قد تكون السبب في تأخر تنميتنا وتراجع كل شيء، ألا وهي العمل على البدء من الصفر في كل شيء!
فما إن يتسنم أحد ما مركز القيادة في أي موقع مهما كبر أو صغر، حتى يبدأ بالعمل والتطوير،وكأنه لم يكن هناك أحد ما قبله، وللأسف تتضخم هذه الممارسة بواسطة جموع المصفقين والمباركين من المنتفعين من هذا المسؤول الجديد، بالطبع قد يكون المسؤول الجديد يحمل أفكارا جديدة، ورؤية قد تكون أفضل من سابقه، ولكن العودة إلى الصفر مهما كانت تحمل مبشرات وآمال أفضل فإنها حتما إهدار للوقت والجهد والمال، وللأسف فالبعض وبعد أن يبدد المال العام في إعادة اختراع العجلة، تجده يعود بالوضع إلى سابق عهده وكأنه لم يحدث شيء، والأسوأ من ذلك عندما تُحدث الأفكار الجديدة تقهقرا إلى الخلف لا يمكن إصلاحه بسهولة.
يعتقد البعض أن مجرد استكمال ما بدأه السلف تجعله يبدو وكأنما لم يفعل شيئا أمام الجمهور، بينما الأصل في الإنجاز هو الاستمرار وتراكمية الخبرات، وهو بالطبع الأمر الذي لا يمكن أن يحدث عندما تتبدل الأفكار والخطط بمجرد تغيّر الأشخاص. فكم من وزارة تغيرت رؤيتها الاستراتيجية فقط عندما تغير رأس هرمها، وكم من إدارة اختطت خطا مختلفا لأن مسؤولها الأول لا يريد أن يبدو وكأنما هو نسخة من مسؤولها السابق.
كل هذه الممارسات تجعل التفكير في الخطط طويلة الأمد مجرد عبث وإضاعة للوقت؛ ذلك لأن المسؤول لن يستمر في كرسيه الوثير حتى يحقق أهدافه الاسترايجية تلك، والغالب الأعم أن من سيخلفه سيقلب ظهر المجن لمن سبقه، فهل نكتفي فقط بالأهداف قصيرة الأمد؟ ونتغافل عما سواها، فقط لأننا لن نجد من يكملها بعد صاحبها الأول؟ أعتقد أن هذا الخيار قد يكون الأفضل والأسلم في ظل شيوع هذه الممارسة "الصفرية". على الأقل نضمن تنفيذ شيء من الوعود والآمال، والله المستعان.


عبدالرحمن السلطان



الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2014

"20 لغة وزيادة!

الحديث عن إتقان لغات عدة في آن واحد كثير ومتكرر، ولا يخلو من الأساطير غير الموثقة كالقول مثلا: إن الكاردينال "ميزوفانتي" المتوفى قبل 140 عاما كان يتقن 39 لغة! أو الزعم أن النيوزيلندي الراحل "هاورد ويليمز" تحدث بـ58 لغة! بيد أن مراهقا أميركيا استطاع أخيرا وبصدق لفت النظر إلى لسانه العجيب.
من فترة قصيرة استهل "تيموثي دونر" ذو الـ17 ربيعا طريقه بتعلّم لغة هنا ولغة هناك، ليكتشف أنه يبرع بسهولة في كل لغة يقتحم مجاهلها، حتى استطاع التحدث والكتابة بعشرين لغة! وللتأكيد على ذلك قام بتسجيل مقطع فيديو يتحدث بتلك اللغات على التوالي، ليحقق أكثر من 3 ملايين مشاهدة




واللغات هي: الإنجليزية، الفرنسية، الهوسا "النيجر" والولوف "السنغال" والروسية، والألمانية، واليديشية "إحدى لغات يهود أوروبا" والعبرية، والعربية، والباشتو "قبائل البشتون بأفغانستان" والفارسية، والصينية، والإيطالية، والتركية، والإندونيسية، وخوزا "إحدى لغات جنوب أفريقيا" والسواحلية "القرن الأفريقي"، والهندية، وأجيبو "الهنود الحمر".
المثير في الأمر أن بعض تلك اللغات لم يتعلمها إلا عبر بضعة كتب أو أصدقاء عابرين، على عكس اللغة العربية التي احتاج إتقانها للانضمام إلى صف دراسي لتعلمها، لكن الأكثر إثارة هنا؛ تأكيده على أن سرعة تعلمه لأي لغة جديدة تزداد كلما تعلم لغة أخرى، وكأنما خلايا ذهنه تزداد لياقة، وهو ما يتوافق مع الدراسات العلمية التي تؤكد أن تعلم أكثر من لغة يزيد من القدرات العقلية والمهارات المنطقية، إضافة إلى أن تضاعف رصيد الذخيرة اللغوية يساعد على سرعة تقبل قوالب نحوية وإطارات لغوية جديدة. فضلا عن أبواب المعرفة الضخمة التي تفتح أمامك ما إن تتقن لغة جديدة.
وأنت صديقي، هل فكرت يوما أن تقتحم مجاهل لغة مختلفة؟ لتفتح لعقلك دروبا جديدة، ولتكتشف ثقافات لن تدركها ما لم تنطق بلسانها. جرب لتعيش استمتاع "تيموثي"، الذي يتعلم الآن لغته الحادية والعشرين!


عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

مكافحة الإشاعات في أبها

أن ينجح قسم أكاديمي لم يتجاوز ربيعه الثاني بتنظيم حدث علمي واسع النطاق فهذه إشاعة، أما ينجح قسم الإعلام بجامعة الملك خالد في أبها بتنظيم مؤتمر دولي جامع فهذه حقيقة أدركها الجيمع.
اختتم مؤخراً وبرعاية كريمة من سمو أمير منطقة عسير المؤتمر الدولي للإعلام والإشاعة، الذي كان اختيار موضوعه الرئيس سبقاً يسجل لمنظمي المؤتمر وهم جامعة الملك خالد، الذين لم يكتفوا بذلك، بل استطاعوا تقديم عملٍ احترافي مميز أشاد به الجميع، واستطاعوا عقد 12 جلسة عمل ونقاشٍ على مدار ثلاثة أيام متتالية، قدمتها مجموعة منتقاة من علماء ومهتمين وإعلامين من أنحاء العالم كافة، وفي الحقيقة أنني منذ زمنٍ طويلٍ لم أحضر مؤتمراً علمياً بمثل هذا العمق العلمي والبعد المهني، والسبب يعود - في تقديري - إلى التخطيط المبكر، الذي بدأ منذ أكثر من عام، وبالذات من اللجنة العلمية التي يرأسها الأستاذ الدكتور علي بن شويل القرني، وشهادتي فيه مجروحة كونه أستاذي ومشرفي خلال رسالة الماجستير في الإعلام، والتي أدين له فيها - بعد الله - بالفضل الكبير، وها هو القدر يقودني إليه بعد سنوات لتقديم ورقة علمية في مؤتمر أفخر أن أستاذي هو المحرك الرئيس وراء كل هذا.




لقد استطاع منظمو المؤتمر من شباب قسم الإعلام توفير جوٍّ علمي خلال أيام المؤتمر، مما مكّن الحضور الذي جاء من أنحاء المملكة كافة للمشاركة والتفاعل، فالبرنامج العلمي استطاع تغطية الموضوع الرئيس من الزوايا كافة، فالبداية كانت مع التأصيل الشرعي للإشاعة، ثم تناول مفاهيم وتعريفات الإشاعة وعلاقتها بالمفهوم الأوسع للاتصال، وبشبكة الإنترنت، ثم كيفية مواجهة الإشاعة، وبالذات خلال الأزمات المختلفة، بعد ذلك تناول المؤتمر ترويج وانتشار الإشاعات، وتأثيرها على المجتمع، ثم انتقل البرنامج العلمي إلى مستوى أكثر تخصصاً وعمقا بدارسة الإشاعة والتلفزيون، ثم اللاعب الجديد: "شبكات التواصل الاجتماعي"، ولم ينس منظمو المؤتمر استطافة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية لتقديم تجاربهم في رصد وتحليل ومكافحة الإشاعة، والحقيقة أن تلك الجلسة التي ناهزت ثلاث ساعات واستضافت ثماني جهات حكومية كانت من أكثر الجلسات ثراءً وتنوعاً خلال أيام المؤتمر الثلاثة، كونها كانت جلسة عرضت تجارب حقيقية من أرض الواقع، بكل عثراتها وبكل نجاحاتها.
هذا النجاح الكبير للمؤتمر في عاصمة السياحة السعودية يقودنا إلى سياحة المؤتمرات المفقودة في المملكة، فمن المزعج أن نجد أن أكثرية حضور غالبية المؤتمرات في منطقة الخليج بالذات هم من المملكة، متحدثين وحضوراً، بل إنني أتذكر العام الماضي أنني حضرت مؤتمراً صيدلانياًّ في دبي كان عدد السعوديين المحاضرين فيه أكثر من النصف، بينما لم يكن هناك محاضر واحد من الدولة المستضيفة نفسها! وهذا بالطبع ينطبق على كثير من المؤتمرات والمنتديات الآخرى.
وعوداً إلى مؤتمرنا في أبها، فلقد حضر كثير من أوارق العمل المتنوعة والثريّة، كتلك الورقة التي قدمها الدكتور "رحمة غزالي" من كلية الاتصال بمملكة ماليزيا، عن الإشاعات التي ظهرت جراء حادثة سقوط الطائرة الماليزية قبل أشهر، والتي بالمناسبة شارك في إعدادها المبتعث السعودي عبدالله علي العسيري، أو تلك الدراسة التي أجريت في ثلاث دول عربية: السعودية، مصر والمغرب عن تحديات الإشاعة خلال الأزمات الصحية العالمية، والدراسة الرصينة عن أنظمة مكافحة الإشاعات في الإنترنت، والأخرى عن دور صحافة المواطن في نشر الإشاعات وخصوصاً السياسية منها، والحقيقة أن الرائع في الأمر أن كثيراً من أوراق العمل ركزت بشكل أساسي على دراسة قنوات الإعلام الجديد، وبالذات وسائط الاتصال الاجتماعي، فهي من يقود الشائعة في يومنا الحاضر، بل قدمت إحصاءات وأرقام تؤكد ضرورة التحرك المنهجي في مكافحة مصادر الإشاعات، وضرورة توفير المعلومة الصادقة الشفافة كخط هجوم أول للقضاء على الإشاعات في مهدها.
لقد نجح المؤتمر في جمع نخبة من المهتمين واستطاع تقديم منتج علمي مميز، بيد أن الأهم هنا أن تعمل اللجنة العلمية على توثيق مخرجات المؤتمر في كتاب يحوي النصوص الكاملة للدراسات وأوراق العمل، ونشرها كذلك عبر الموقع الإلكتروني للجامعة، وذلك توثيقاً لهذا العمل الجبار ومساندة لجهود مكافحة الإشاعات، والأهم من ذلك تأسيس لجنة تنفيذية لمتابعة تنفيذ توصيات المؤتمر، وعدم تركها حبراً على الورق.
جميع من حضر المؤتمر يتطلع بشوق للدورة الثانية من المؤتمر، حينها نستطيع القول إن قسم الإعلام بجامعة الملك خالد استطاع تجاوز الصفوف، واستطاع أن يحجز موقعه في المقدمة. إلى ذلك الحين تذكر صديقي أن الشائعة تبدأ في مكان قصي هناك، لكنك أنت بحسك النقدي ووعيك تستطيع إيقافها بكل سهولة، فقط لا تؤجر عقلك ووعيك للآخرين.

عبدالرحمن السلطان





الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

يثرثرون ويكسبون الملايين

لك أن تتصور أن الكوميديانة الأميركية "ألين دي جينيريس" تحصل على 45 مليون دولار أميركي - أي ما يتجاوز 168 مليون ريال - سنوياً فقط لتظهر في ثرثرة يومية! هكذا تطل على جمهور التلفزيون لتمرح وتضحك، وفوق ذلك تحصل على المال الوفير!



منذ نشأة التلفزيون في الغرب وهو يعتبر جهاز الترفيه الأول للمجتمع، ومع تطور المجتمع وتطرّف النزعة الفردية نشأت الحاجة لوجود برامج ثرثرة نهارية، تملأ وقت البث بما يجذب الجمهور منخفض ومتوسط التعليم ويحقق إشباعه الاجتماعي تجاه التعرّف على تفاصيل وأسرار النجوم ومشاهير الأحداث، والأهم من ذلك تسطيح قضايا المجتمع، وتحويلها إلى سيرك يومي لا ينتهي من الإثارة والتشويق
والبداية كانت مبكرة ببرامج الثرثرة المسائية، مثل "عرض الليلة" الذي بثت الحلقة الأولى منه 27 سبتمبر 1954، أي منذ أيام "الأبيض والأسود"، ولا يزال يبث يومياًّ حتى الآن، وتعاقب عليه ستة مقدمين فقط! إذ إن البرنامج ومع مرور الزمن يرتبط بقوة مع شخصية مقدمه الرئيسي، ولا يمكن فصل أسلوب البرنامج عن أسلوب مقدمه، الذي يضيف شيئاً من لمسته ورؤيته على كافة فقرات البرنامج، وهكذا تطورت فكرة برامج الثرثرة، وأضحت تنحو نحو أن تكون ذات إطار كوميدي شامل، فالمهم هو إسعاد المشاهد، ورسم البسمة على شفتيه قبل أن يأوي إلى فراشه، وهكذا ظهرت برامج أخرى كبرنامج "العرض المتأخر مع ديفيد ليترمان" على شبكة CBS و"كونان أوبراين" على TBS، و"جيمي كامييل" على ABC و"النداء الآخير مع كارسون دالي" على NBC، وغيرها من البرامج الشهيرة في بريطانيا والبرازيل وفرنسا وكندا، جميعها تشترك في كونها شبه يومية وتعتمد على التعليق الساخر على أحداث اليوم أو الأسبوع، مع بضعة مشاهد فكاهية، واستضافت نجوم المجتمع من فنانين ورياضيين ومشاهير في لقاءات ساخرة وخاطفة.






هذا الهوس ببرامج الثرثرة المسائية قاد إلى بروز صناعة متكاملة تطورت إلى ظهور برامج ثرثرة نهارية، تكاد تعتمد على خلطة تلفزيونية أخرى، وهي التركيز على القضايا الاجتماعية والعاطفية أكثر، كون أكثر جمهور برامج الثرثرة النهارية هو من النساء، لذا كان النجاح من حليف المقدمات من الإناث على عكس برامج الثرثرة المسائية التي تكاد ذكورية تماماً، وبالطبع دائماً ما يتبادر للذهن النجاح الأسطوري لأوبرا وينفري، التي تمكّنت من الاستمرار ببرنامجها لمدة 22 موسماً متواصلاً، وأوقفت برنامجها في عز نجاحه وانتشاره، وها هي "إلين" تكمل مسيرة مواطنتها وتدخل السنة الثانية عشرة لها، بل إن جمهورها يزداد شوقاً لعرض الحلقة رقم 2000 العام المقبل، كونها أضافت شيئاً جديداً على برامج الثرثرة النهارية؛ وهي المسحة الكوميدية، التي كانت حصراً على البرامج المسائية، بالطبع اعتماداً على خلفيتها الفنية ومهاراتها الكوميدية.
وفي الحقيقة فإن البعض يعتقد أن هذه البرامج من أسهل البرامج إعداداً وتنفيذا عطفاً على اعتمادها بشكل كبير على الاستضافات، ومن الدارج لدينا أن الحوارات هي أسهل البرامج تنفيذا، كونها لا تحتاج سوى مذيع وضيف وكاميرا! بينما الأمر مختلف هناك، وهو ما يفسر عدم نجاح كثير من أفكار برامج الثرثرة العربية سواء المسائية منها أو النهارية، كونها تستخف بمثل هذه المتطلبات، ولا تعمل على الصرف عليها بشكل سخي كما يجب، ناهيك عن مواكبتها للمستجدات بشكل يجعلها أسرع من وسائط الاتصال الاجتماعي نفسها، فمثلاً ظهرت قبل أسبوع تقريباً صورة لشابٍ وسيم يدعى "أليكس" في أحد المتاجر الشهيرة، وعلى الفور انتشرت صورة الشاب في تويتر، وزاد عدد متابعيه من 120 فردا إلى نصف مليون متابع خلال ساعات قليلة وتحّول إلى قصة متداولة على نطاق واسع، وعلى الفور تلقفه فريق إنتاج برنامج "إلين" وتمت دعوة الشاب "أليكس" من ولايته "تكساس" إلى "كاليفورنيا" حيث يصور البرنامج، فقط ليظهر في أقل من خمس دقائق خاطفة، ولكنها كانت كفيلة بجذب الملايين لمشاهدة الحلقة أثناء بثها، أو عبر قناتها على "اليوتيوب"، وهذه القصة تتكرر بشكل يومي في البرامج، مما يجعله متجدداً وغير مملٍّ للجمهور، فكل حلقة مختلفة تماماً بمحتواها عن الحلقة السابقة، بالإضافة إلى العمل على ابتكار فقرات موسمية تكون مرتبطة بأعياد متنوعة أو بأحداث لا بد من التفاعل معه، وكذلك العمل على التفاعل الحقيقي مع الجمهور، فبعض البرامج تعرض تغريدات طريفة للجمهور المشارك في التصوير، وبعضها يبحث عن الصور الغربية في حسابات "فيس بوك" جمهوره كما تفعل "إلين" في بعض الحلقات.





بالتأكيد إن هدف برامج الثرثرة بكافة أنواعها واختلاف أشكالها هو رسم البسمة وإشاعة جو من البهجة لدى المشاهد، وهو - للأسف - لم يتحقق في برامج الثرثرة العربية خصوصاً السعودية، التي أضحى أغلبها يدور في فلك المشاكل الاجتماعية وتقصير الجهات الحكومية، وهذا وإن كان مهماً إلا أن هذه ليست برامج ثرثرة كما يصنفها البعض، أو كما يفعل البعض خصوصاً في برامج الثرثرة المصرية، التي تحول بعضها الآخر إلى مسرح تهريجي، وإلقاء نكت وطرائف دون حسيب أو رقيب، وفي الحقيقة لا أعرف سبباً يمنع القنوات العربية الكبرى من التفكير في برامج مشابهة ولكن بقالب محلي، من المؤكد أنها سوف تنجح، كونها سوف تشبع احتياجاً لدى الجمهور، لكن السؤال هل سوف يثق مسؤولو القنوات العربية في مثل هذا النوع من البرامج أم لا؟ كون إنتاجها يكلف كثيراً جداً مقارنة بالبرامج الأخرى، لا أعتقد أنني أمتلك الجواب، ولكن الذي أعرفه أنه حتى ظهور برنامج عربي منافس سوف يستمر الجمهور بمشاهدة تلكم البرامج الأجنبية، وسوف تستمر تلك البرامج برسم الابتسامة على شفاه المشاهدين العرب.

عبدالرحمن السلطان