الاثنين، 6 يناير، 2014

بماذا يفكر الأذكياء العشرة؟

بماذا يفكر الأذكياء من حولنا؟ سؤالٌ واسع دأبت المجلة الأميركية: Popular Science -أو "العلوم الشعبية" بالترجمة الحرفية - على الإجابة عنه منذ أحد عشر عاماً، إذ يقوم فريق تحرير المجلة سنوياً باختيار عشرة علماء أذكياء من الشباب حول العالم، بناءً على معايير محددة، وذلك لتسليط الضوء على أعمالهم، والأهم أن تستشرف مستقبل كوكبنا من خلال أفكارهم وبحوثهم العلمية

في هذا العام اختارت المجلة عشرة علماء شباب، وللمصادفة أغلبهم يعمل في جامعات أو مراكز بحث أميركية، على الرغم من اختلاف خلفياتهم وأعراقهم، ما عدا واحداً يعمل في معهد أبحاث فرنسي! سوف نحاول في هذا المقال الإشارة إلى أهم أفكار هذه الصفوة على شكل نقاط سريعة:

أولهم "نيكولا فونتين" من معهد أبحاث "بيل" الفرنسي، والذي يحمل هاجس توسّع خدمات شبكة الإنترنت، وتضاعف اعتماد البشرية عليها، بشكل يجعله يتوقع أن تتوقف شبكة الإنترنت عن خدماتها يوماً ما، لذا يعمل "نيكولا" على تطوير طريقة مبتكرة لتجنب "اختناق بيانات الشبكة" على حد تعبيره، إذ ابتكر نوعاً جديداً من المضاعف Multiplexer، يضاعف حزم المدخلات في الألياف البصرية الناقلة للبيانات، الأمر الذي يوفر ممرات إضافية تزيد من سعة الإنترنت، ويجنبنا كابوس توقفها في نهاية الأمر.

أما عالم المناخ "سكوت كوليس" فيعيش هاجساً مختلفاً يدور في فلك حفظ البشرية من التقلّبات الجوّية، إذ إنه سخّر خبراته المتنوعة، لمحاولة الاستفادة القصوى من بيانات السحب، وذلك لإضافة مزيدٍ من الدقة في توقعات المناخ، وهو اليوم يعمل على مشروع كبير تموله وزارة الطاقة الأميركية لبناء شبكة "رادر" ضخمة، يجمع بيانات سحابية من جميع أنحاء العالم، ورغم أن بيانات "الرادر" لم تكتمل بعد؛ إلا أن "كوليس" يكاد يجزم أن نتائجها سوف تأخذنا إلى الجيل القادم من التوقعات المناخية.

أما عالمة المناخ الأخرى على القائمة فهي "هيذر كنوتسون" من معهد "كاليفورنيا التقني"، التي لم تكتف بقراءة طقس كوكبنا الأرض؛ ولكنها انطلقت لدراسة وفهم طقس الكواكب الأخرى. حيث تعمل "هيذر" على تحليل مدى سطوع الأشعة تحت الحمراء من تلكم الكواكب، وبالذات خارج المجموعة الشمسية، ذلك أنه كلما كانت الأشعة أكثر إشراقاً صار الكوكب أكثر سخونة والعكس صحيح، الأمر يساعدها على بناء خارطة درجات حرارة طويلة الأمد لتلك الكواكب، وكذلك تحديد المواقع الساخنة والأخرى الباردة، وكذلك سرعة واتجاه الرياح، وهدفها في النهاية الوصول إلى الكوكب الأكثر قرباً من طقس كوكبنا الأرض

ولكن دعونا نعود إلى كوكبنا، إلى "مايا بريتبارت" عالم الأحياء الدقيقة البيئة في جامعة جنوب فلوريدا؛ التي تؤمن أنه يمكن اختصار الآليات الطويلة للتعرّف على خريطة مورثات "الفيروسات" من خلال دراسة وتحليل "لتر" واحدٍ من مياة البحر، والذي يحتوي على ما يزيد على 10 مليارات فيروس! والعمل على فصل وتركيب المورثات كما لو كانت تعمل على جمع أحجية ترفيهية! وها هي تسجل فرعاً علمياً جديداً يطلق عليه "Metagenomics" أي "أخذ العينات" وترتيب تسلسل المورثات من البيئة مباشرة، وليس من فيروس مفرد.

وبالانتقال إلى علوم الهندسة، نجد "بيدرو ريس" الباحث في معهد ماسيتسيتوش التقني، الذي منذ يومه الأول في الهندسة أضحى أسيراً للمواد غير المستقرة، والتي يحبذ عدم استخدامها هندسياً لصعوبة التعامل معها، لكنه كان يرى تلك المواد فرصة لاكتشاف نقاط قوة كامنة في المواد الليّنة ونحوها، واليوم يعمل "ريس" على تطوير المبادئ الأساسية لميكانيكا حياتنا اليومية، واستطاع مؤخراً إنتاج قضبان "جرافين" نانوية، تعد أقل المواد سماكة وأشدها قوة!

وكما هي حال قائمة الأذكياء هؤلاء؛ لم يضع "فينغ تشانغ" الوقت، فخلال مرحلة الدراسات العليا لاحظ ارتفاع تكلفة أدوات ربط الجينات الجديدة في الخلايا الحية، فضلاً عن استغراقها وقتاً طويلاً ووجود كثير من حقوق الملكية الفكرية، وكان غير راضٍ عن ذلك، فعمل مثل أي مغامر متحمّس على تطوير أدوات جديدة بنفسه وبالتعاون مع علماء آخرين عبر المصادر المفتوحة، مما مكنه من ابتكار أدوات جديدة أسرع وأقل تكلفة، وها هو اليوم يعمل على استخدام تقنياته الجديدة على دراسة علم وراثة "التوحّد" و"انفصام الشخصية"، ويقول بالفعل إنه قام بإدخال "جينات" مرتبطة ببعضها في حيوانات التجارب الحية لمراقبة آثارها، وكل ما بقي الآن هو العمل وملاحظة النتائج.

أما "ديفيد شميل" عالم الأحياء الهوائية في معهد "فرجينيا" التقني، فيؤمن أن ملاحقة "الأحياء الدقيقة" تتجاوز اليابسة إلى الطائرات بدون طيار، وذلك لمساعدتنا على منع انتقال الأمراض عبر القارات والمحيطات، بل وحتى التنبؤ بحركة مسببات الأمراض النباتية، والتي يمكن أن تساعد المزارعين على حماية محاصيلهم بشكل استباقي. حالياً يعتقد "ديفيد" أن السحب تحتوي على مخزون طويل الأمد من البكتريا والفطريات التي تطايرت إليها، مما يجعلها مصدراً مهماً لدراسة هذه التأثيرات، وهو ما يعمل عليه الآن.

وإلى "راجين راج" من جامعة "بنسلفينيا"، الذي يعمل منذ سنوات على دراسة الحمض النووي، حيث من المعلوم أن جميع خلايا الجسم لها نفس الحمض النووي، ولكن طريقة التعبير ثم ترتيب القواعد النتيروجينية تحدد ما إذا كانت الخلية ستصبح خلية عصبية أو عضلية قلبية. إذ استطاع "راجين" بمعاونة زملائه ابتكار تقنية جديدة لتتبع هذا التعبير الجيبي وآثاره، كما لو كانت تقف وسط سوق بقالة مليئة بالبضائع والمواد، وباستخدام هذه التقنية وجد "راجين" أن الخلايا المتطابقة وراثياً لا تنسخ نفس الجينات بنفس المعدل، والكثير من التفاصيل التي تساعد علماء الأحياء - حالياً - على رؤية ما يحدث بالفعل في الخلايا.

أما "جاستين كابوز" من معهد جامعة "نيويورك"، فيعمل حالياً على ابتكار أسلوبٍ جديد لتخزين وتواصل الحواسب الشخصية بدلاً عن "الحوسبة السحابية"، حيث تعتمد الفكرة الحالية على وصل أجهزة المستخدمين بمراكز بيانات مركزية قوية، ولكن سحابة "جاستين" أقل مركزية وأسهل بكثير، وتعتمد فكرتها على اتصال كل جهاز مستخدم بجهاز مستخدم آخر في شبكة غير مركزية، وبالتالي تتيح استخدام حجم تخزين أقل بطريقة آمنة ومعزولة! لقد استطاع "جاستين" جذب عشرين ألف مستخدم لشبكته الجديدة، والتي أطلق عليها اسم "سياتل"، وهو يعمل الآن على تطوير تقنيته لتشمل الهواتف الذكية وغيرها.

ذكيتنا الأخيرة هي: المهندسة الكيميائية "أندريا أرماني" من جامعة جنوب كاليفورنيا التي بدلاً من أن تستخدم الأجهزة والأدوات في البحث العلمي؛ تعمل هي على إعادة اختراع الأدوات نفسها، حيث ابتكرت "أندريا" أجهزة استشعار ساعدت على تسريع اكتشافات علمية متنوعة، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في الكشف عن الأسلحة البيولوجية، أو حتى النشاط الإشعاعي! لكن طموحها لم ينته، بل لا تزال تعمل على أدوات وأجهزة أكثر تقدماً، وخاصة في ما يطلق عليه بـ"المستشعرات البصرية"، التي تصل إلى أي مكان، ويفترض أن لا تتأثر بدرجات الحرارة القصوى سواءً الحارة أو الباردة، الأمر الذي يفتح الباب الواسع لمزيد من الاكتشافات العلمية في مجالات كثيرة جداً.

أفكارٌ رائعة وطموحٌ لا يتوقف، رغم كل هذه المآسي التي تحدث في كوكبنا من حروب ونزاعات، لكن الرائع في الأمر أن أفكار هؤلاء العباقرة لو تحقق معظمها، أو على الأقل بعضها؛ لأضحى كوكبنا أكثر أمناً وأسهل عيشاً، وبالطبع أكثر ذكاءً.


عبدالرحمن السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق