الخميس، 6 فبراير، 2014

الأطباء ليسوا "دكاترة"!

غني عن القول: إن هوسنا بالألقاب تجاوز حدود المعقول، ليصبح الحصول على اللقب هدفاً بحدِ ذاته، فالبعض تفتق ذهنه عن الحصول على شهادات وهمية لا تستحق حبرها الذي طبعت به؛ فقط لكي يحظى بلقب "دكتور"، لأنه يؤمن أن من يحصل عليها سوف يُقدَّم في المجالس والمنتديات، وبالتالي تفتح له أبواب الفرص الواسعة!
لكن هناك فئة أخرى في المجتمع لا تزال تتمسك بلقبٍ زائفٍ وغير صحيح، يستخدم للترويج والتسويق أمام الجمهور البسيط، هؤلاء هم الزملاء الأطباء، ممن لا يتنازلون عن مناداتهم بلقب "دكتور"، مع أن الغالب الأعم من جمهور الأطباء لم يحصلوا على شهادة "الدكتوراه في الفلسفة PhD" في أي علم، ناهيك عن درجة الماجستير! إذ إن الطبيب يتخرج من الجامعة حاملاً درجة البكالوريوس في الطب والجراحة "MBBS"، ليصبح طبيباً مقيماً، ثم ينضم إلى أحد البرامج التدريبية أو ما يطلق عليها بالزمالات ليحصل على التخصص العام، ثم بعد ذلك على التخصص الدقيق، ليصبح في النهاية استشارياً في فرع طبي دقيق، الأمر الذي جعل البعض يعتقد أن الحصول على درجة "الاستشاري" يؤهله لمعادلة شهادة "دكتوراه الفلسفة" في أي علم! وللأسف هذا ما تقوم به حالياً الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مخالفة كبيرة للمعايير العلمية المعتبرة، وذلك بمعادلة شهادة تدريبية بشهادة أكاديمية تختلف عنها كل الاختلاف، ولكن هذا التعجب يختفي حين نعلم أن أغلب القائمين على قيادة هيئة التخصصات الصحية من الأعزاء الأطباء، ومن المعلوم أن الأطباء يتميزون بروح "النقابة المهنية" المرتفعة، ولعله تجدر الإشارة هنا إلى أن لقب "دكتور" يعود في أصله إلى المفرد اللاتينية "doctoris"، أي "معلم"، وقد منح لأول مرة في جامعة "بولونيا" لمن حصل على الدكتوراه في القانون وليس في الطب.



ومما يؤكد أن الممارسة الحالية غير صحيحة واقع مسميات الممارسين الصحيين في القطاعات العسكرية في المملكة؛ حيث لا يعلو هناك شيء فوق النظام، إذ يأتي مسمى الطبيب الرسمي بعد الرتبة العسكرية، فنجد فلاناً: "عقيد طبيب"، والآخر "رائد طبيب"، كما هي الحال في التخصصات الأخرى داخل المنظومة العسكرية من صيادلة ومهندسين وغيرهم، بينما لا يحمل مسمى "دكتور" سوى الحاصل على شهادة الدكتوراه، والحقيقة أن الهوس بالألقاب أضحى ظاهرة تتجاوز الأفراد إلى المحيطين بهم، فمن واقع تجربة شخصية؛ كثيراً ما أواجه خلال عملي المهني حرص البعض على إضافة لقب "دكتور" أمام اسمي على الرغم من كوني حاصلاً على الماجستير فقط! وذلك لأنهم يعتقدون أن حديثك وعملك معهم لن يحظى بالاحترام ما لم يسبق اسمك لقب "دكتور"!
ويعود سبب هذه الممارسة الخاطئة إلى بداية نشأة الجامعات السعودية قبل عقود قليلة، إذ كان من الصعب استقطاب الأطباء السعوديين للعمل في كليات الطب والمستشفيات الجامعية، حيث كانت الجامعات السعودية - ولا تزال - تشترط للتعيين على "أستاذ مساعد" الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة معترف بها، فقامت وزارة التعليم العالي بالتجاوز عن ذلك؛ باعتبار الحصول على برنامج الزمالة يعادل دكتوراه الفلسفة في التخصصات الأخرى! واستمر هذا التجاوز حتى وقتنا الحاضر، بيد أن هذا التجاوز - الذي استمر حتى وقتنا الحاضر- شجّع الكثيرين على عدم مواصلة الدراسة العليا الأكاديمية، كونه سوف يحصل على المسمى دون بذل الجهد الأكاديمي المعتبر، بل تجاوز الأمر إلى إيمان خريجي كليات الطب بالمملكة استحقاقهم مسمى "دكتور" كتحصيل حاصل بعد حصولهم على الشهادة الجامعية فقط، في استثناء غريب لجميع التخصصات الصحية وغير الصحية!
وبالطبع هنا لا بد من الإشارة إلى أن هيكلة برامج الزمالات تختلف بشكل جذري عن المسار البحثي أو الأكاديمي في الدراسات العليا كالماجستير أو الدكتوراه، فهي برنامج تدريبي محدد، يعتمد على التدريب خلال العمل واختبارات فصلية ومهام مكتبية، وبالتالي فهي درجة مهنيّة وليست أكاديمية! ومن المثير ملاحظة أن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تعلن كل عام عن أرقام خريجي البرامج التدريبية التي تشرف عليها، سواء من أطباء أو صيادلة، وتشير إلى أنهم حصلوا على شهادات الزمالة المعادلة لشهادة الدكتوراه! وهذا غير صحيح كما تقدم.
أيها السادة القصة لم تنته بعد؛ فالأسوأ من ذلك هو إقدام بعض الأطباء - وخصوصاً في المستشفيات الخاصة - ممن لم يعمل ساعة واحدة في أي مؤسسة أكاديمية ليضع أمام اسمه لقب "أستاذ دكتور" أي "بروفيسور"! وذلك بهدف جذب المرضى لعيادته، فأي تدليس وكذب أكبر من هذا، وكيف يقابل ربه وقد كذب مرتين أمام مرضاه؟ فهو أولاً ليس دكتوراً والثانية ليس بروفيسوراً! لكن اللوم هنا يتجاوز الطبيب نفسه إلى هيئة التخصصات الصحية ومديريات الشؤون الصحية بالمناطق التي تسمح بمثل هذه التجاوزات، التي تؤثر في النهاية على سمعة وأخلاقيات مهنة سامية، كمهنة الطب.
أيها السادة قد يجادل بعض الزملاء الأطباء أن بعض الجامعات قد تمنح شهادة بكالوريوس الطب بمسمى "M.D" أي دكتور طبيب، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها تبقى درجة جامعية مقاربة لجميع التخصصات الصحية الأخرى كالصيدلة والتمريض وغيرها، وأنها درجة جامعية منحت بعد الانتهاء من ساعات دراسية وتدريبية محددة، وليست بحوثاً أكاديمية كما في درجات الدراسات العليا، كما يدحضها وجود درجة علمية مزدوجة يطلق عليها "M.D.Ph.D"، كما هي الحال في جامعة "ييل" الشهيرة أو جامعة بنسلفانيا الأميركيتين، تدمج التعليم الطبي المهني بالبحث الأكاديمي الأصيل في مدة دراسية أطول، لكنني - في الحقيقة - أتعجب من هروب زملائي وأصدقائي الأطباء من مسماهم الأصلي، والذي يجب أن يفتخروا به، فالطبيب له احترامه وتقديره بالمجتمع وضمن الفريق الصحي، ولن يكتسب احترامه من مسمى لا يستحقه، بل من إخلاصه في عمله وخدمة مجتمعه، فالطبيب طبيب والصيدلي صيدلي والمهندس مهندس، والكل له إضافة حقيقية في ميدان العمل والبناء، شرط أن نبدأ بالصدق في مسمياتنا أولاً.

عبدالرحمن السلطان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق