الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

البروفيسورة التي لم تخجل.. مرتين

القاعة مكتظة بالمئات من آباء وأمهات الأطفال المصابين بالتوحّد، والعديد من الدارسين والمهتمين، والمناسبة هي المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للتوحد في "بوسطن" عام 1981.. الضجيج يعلو المكان، وفجأة تقف "تمبل جراندن Temlpe Grandin " في مكانها، لتعارض حديث الخبير الذي كان يتحدث، ثم تكشف عن هوّيتها، وأنها مصابة بالتوحّد، مما جعل الجمهور ينصت لها بهدوء.

كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها شخص معروف عن توحّده أمام محفل واسع! لكنها كانت المرة الثانية التي لم تخجل "جراندن" فيها عن التعبير عن مكنونها، وبينما كان الجمهور يتوقع أنها شفيت من الحالة، اعتماداً على شجاعتها وتماسك حديثها؛ أكدت على أنها لا تزال تتعايش مع التوحّد، وأنها لم تتجاوز صعوباتها إلا بمساعدة والدتها، التي رفضت منذ البداية قبل أكثر من ثلاثين سنة أن تتحول فتاتها إلى مختلة عقلية، لا تتكلم، أو لا تتفاعل مع مجتمعها، فعملت بجدٍ وصبر على تحسين سلوكها، وتعليمها ليل نهار، حتى نطقت أول حروفها في سن الرابعة! ثم ختمت "تمبل" حديثها الجريء، بعد أن طلب منها الصعود على المنصة، بجملتها الشهيرة: "نعم أنا مختلفة، ولكنني لست أقل"! كانت تلك فرصة حقيقية أن يُستمع لمتحدث حقيقي عن مشاعره وآلامه، تقول "روث سي سولفيان"، إحدى مؤسسي جمعية التوحد الأميركية: "سُئلت "تمبل" العديد من الأسئلة: "لماذا يدور ابني كثيراً؟" "لماذا لا ينظر إلي؟" "لماذا يضع يديه على أذنه؟" لقد تحدثت من خلال تجربتها الخاصة وبصيرتها المثيرة للإعجاب، امتلأت عيون الكثيرين بالدموع"، وسرعان ما أضحت هذه الفتاة المتحدثة الأكثر رواجاً في مجتمع التوحّد.

كانت البدايات صعبة، ومؤلمة، مضايقات متنوعة لاحقتها خلال مرحلة الدراسة الثانوية، إذ كان زملاؤها يدعونها بـ"شريط التسجيل"، لأنها كانت تردد كل شيء مراراً وتكراراً، تقول عن تلك الذكريات: "قد يضحكني ذلك الآن، ولكنه كان أمراً مؤلماً في الماضي"، والسبب كان بالطبع عدم تفهم زملائها - والمجتمع كذلك - أن المصاب بالتوحّد قليلاً ما يتفاعل مع الكلمات، ولكنه موهوب بالتعامل مع الصور، وكل ما يحس، ولأسف لم يدرك هذه الحقائق سوى معلم "العلوم" في مدرستها، الذي استطاع أن ينتشلها من الانزواء بعيداً، وأن يتفّهم قدراتها الكامنة، ويطلق تفكيرها البصري، وخيالها العلمي.
في الخامسة عشرة من عمرها زارت "تمبل" لأول مرة خالتها في "أريزونا"، التي تعيش وسط مزرعة رعاة بقر، مما جعلها تقترب أكثر من الحيوانات، وأن تشاهد كيف كانت تساق قطعان الماشية إلى المجزرة، في ظروف سيئة ودونما رحمة، مما يجعل بعضها ينفق قبل الذبح! حينها أدركت أنها ليست الكائن الحي الوحيد الذي يصاب بالهلع، من الأصوات والروائح والأضواء. حاولت المساعدة دون جدوى، ثم حاولت البقاء في المزرعة، لكنها وبضغط من أمها انضمت لكلية "فرانكلين بيرس"، لتدرس علم النفس، ومرة أخرى وجهت الكثير من المضايقات، والأسوء عدم قدرتها على مواكبة الدراسة، وضعف تفاعلها الاجتماعي مع زملائها وزميلاتها، مما حدا بها أن تصنع بنفسها ما أطلقت عليه "جهاز العناق"، الذي يشابه الجهاز الميكانيكي الذي يحتجز البقرة قبل صعقها بالتيار الكهربائي، لكن إدارة السكن الجامعي قامت بالتحفظ عليه، نظراً لغرابته، لكن "تمبل" لم تسكت واعترضت على ذلك، وقامت بإعداد دراسة علمية على بعض زملائها تؤكد الأثر الاسترخائي للآلة، وكان لها استعادة آلتها من جديد.
أما المرة الأولى التي لم تخجل منها: فهي قولها على رؤوس الأشهاد: "أنها تفكر كما لو كانت بقرة!"، وذلك عندما بدأت تنشر أفكارها حول رؤيتها الجديدة لتصميم حظائر ومسارات الماشية، حينها واجهت عاصفة من الرفض، بسبب كونها امرأة، والتكلفة الهائلة لمقترحها، لكنها أصرّت على موقفها، وأضحت تبحث هنا، وتعمل هناك، ثم تنشر أفكارها في مجلة زراعية، حتى جاءتها الفرصة، حينما قابلت بالمصادفة مقاول حظائر، كان يزور المجلة، وكان أن قامت برسم المخططات بنفسها، بعد أن اعتذر الرسام عن إنجازها في الموعد المحدد، وانتهت منها خلال ليلة واحدة فقط!

كانت الفكرة تصميم مسارات معدنية منحنية، دون أية مؤثرات مزعجة، تهدف إلى الحد من توتر الحيونات قبل وصولها للمذبح، وكذلك تعديل مسار غسيل الماشية في الماء، وعلى الفور نجحت الفكرة، ووفّرت عدد الأيدي العاملة في المسارات، وقلّصت نفوق الحيوانات قبل ذبحها، وعزت نجاح فكرتها إلى فهمها لطبيعة وتصرف الحيوان، وكانت تقول دوماًَ: "إذا أردت أن تفكر كالحيوانات.. فلا تفكر بالكلمات"، وهكذا استطاعت امرأة واحدة أن تغير من واقع صناعة تتجاوز 70 مليار دولار!


اليوم تعمل "جراندين" بروفيسورة لعلم الحيوان في جامعة ولاية "كولورادو"، ومستشارة في سلوك الحيوانات لكبرى شركات الماشية، وتعتبر من مشاهير المدافعين عن حقوق مرضى التوحّد ليس أميركا فقط، بل حتى على المستوى الدولي، ولقد توجت هذه المسيرة بدخولها قائمة المئة الأكثر تأثيراً على العالم، حسب مجلة التايم لعام 2010، وأنتج فيلم سينمائي يحمل اسمها، والذي أنصح – بشدة - والدي أي طفل توحدي بمشاهدته.

ورغم رزنامة عملها المحجوزة لمدة عام قادم وأكثر، إلا أنها لا تزال تجد الوقت الكافي للمشاركة التطوعية في البحوث العلمية التي تجرى على المصابين بالتوحد، وتستمر في حشد الرأي العام لدعم أبحاث التوحد، ورفع مستوى الوعي بحقوق التوحديين وكيفية التعامل معهم، لكن رسالتها الأهم هي: أن التدخل المبكر لمعالجة التوحّد، بالإضافة إلى وجود معلمين مُدربين، يساعد على توجيه أطفال التوحّد نحو الحياة الطبيعية، ودمجهم في المجتمع، وهذا ما حدث لها بالطبع، بل الأهم من ذلك؛ تحقيق الاستفادة القصوى من مهارات التوحّديين، ذلك أنهم غالباً ما يكونون بصريين، وذي حساسية شديدة للضوء والروائح، حينها سوف يتحولون إلى إضافة حقيقية للمجتمع، تفوق بالتأكيد الكثير من الأشخاص الطبيعيين.

عبدالرحمن السلطان

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=17709



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق