الاثنين، 31 مارس، 2014

أين تذهب هذا المساء؟

لم أقرر بعد أين سوف تكون أمسيتى هذه الليلة، فأنا حائر بين حضور مسرحية محلية مستلهمة من روائع الأدب العالمي في شارع المسارح شرق الرياض، أو حجز مقعد في العرض الأول لفيلم عالمي سوف يدشن عرضه الأول هنا في الرياض؟ الأمر الأكيد أنني سوف أتجه بعد ذلك إلى مقاه وسط العاصمة، تتميز بعراقة تصميمها ولذة ما تقدمه من مشروبات!.
بالطبع كل ما سبق لا يعدو كونه مجرد حلم يقظة، لا يتكرر كثيرا، ورغم أنه مغرق في الخيال، إلا أنه يعد إحدى الوسائل الناجحة في تزجية الوقت والتفكير بإيجابية؛ لأن نهاية هذه الأمسية ـ وأي أمسية شبابية بالطبع ـ سوف تكون مجرد لقاء مع الأصدقاء في أحد "الكوفيات" وشرب الشاي ثم القهوة ثم الشاهي، وهكذا دواليك، حتى يحين وقت العشاء، لنعيد تكرر "موال": أي مطعم نضيع ليلتنا فيه؟ وكأنما اقتصرت ترفيهتنا في العاصمة وكافة مدننا السعودية على "الأكل" فقط، الذي جعل استثمار المطاعم يتحول إلى أحد أهم المشاريع شبه الناجحة في المملكة؛ لأن الغالبية الأعم من شبابنا وهم الأغلبية الساحقة من سكان المملكة، أضحت تذهب إلى المطاعم ليس جوعا أو رغبةً في الطعام؛ بقدر ما أنه الترفيه الوحيد المتاح للجميع!.
لا أعتقد أنني أضيف جديدا بأننا ما نزال نفتقد وسائل الترفيه الحقيقي في مدننا، رغم أن وسائل الترفيه هذه معروفة واضحة، ولا يختلف عليها عاقلان، وهي الوجهات التي يتسابق عليها كثير من سياحنا، وبالذات حين السفر إلى الدول المجاورة، ونحن بالتأكيد هنا لا نتحدث عن المهرجانات السياحية المحلية، التي تكرر نفسها منذ سنوات، بل عن قنوات الترفيه اليومية لسكان المدينة أنفسهم، وهي إن ابتدأت بالمطاعم والمقاهي؛ إلا أنها تحتاج إلى أشياء أخرى كثيرة، كما دور السينما مثلا، الغائبة دون مبرر مقبول عن مجتمعنا، وهنا مفارقة عجيبة، إذ نمتلك نحن السعوديين أجهزة استقبال فضائية، تستقبل كل ما هب ودب من قنوات العالم، وتعرض الأفلام وكل شيء دون رقيب أو حسيب، بينما نحن اليوم نخاف من وجود دور للسينما مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام، يكون إخضاع مصنفاتها للنظام والذوق العام بكل سهولة، كما كان يحدث سابقا مع أفلام الفيديو العربية والأجنبية، دون إغفال أن النسبة السكانية الكبيرة للشباب وتوافقها مع القوة الشرائية العالية؛ سوف تساعد بكل سهولة على بناء وتسارع تطور صناعة سينمائية قوية بالمملكة، والسينما كما هو معروف أحد أهم أوعية بناء الثقافة والصورة الذهنية للمجتمعات.
أليس من المخجل أن يسجل حضور السعوديين والسعوديات في دور السينما في الدول المجاورة أرقاما تتجاوز بكثير مواطني تلك الدول؟! وكأنما أضحت مشاهدة فيلم سينمائي هدفا سياحيا بحد ذاته! فمتى تتخذ وزارة الثقافة والإعلام هذا القرار الحيوي؟ وتصبح السينما جزءا من ثقافة يومنا، ومتنفسا لشبابنا؟ 

أما السؤال الأكثر إيلاما، فهو تقهقر المسرح السعودي، الذي شهد انتعاشا مبشرا قبل عقود مضت، ثم تراجع بشكل مخيف، ولم يبق منه إلا عروض موسمية ركيكة برعاية أمانات المدن الكبرى، وبالطبع فأغلبها عروض خاوية وخالية من المضمون والإبداع، لا تؤسس لصناعة مسرح يجذب الجمهور وينشط الحركة الفنية، فهل الحلم برصيف من المسارح يبهج مدينة يتجاوز عدد سكانها الـ6 ملايين أمر مستحيل أم ماذا؟
أيها الأعزاء، المسرح فرصة مباشرة لطرح الآراء ومقاربة الأفكار والاطلاع على الآداب العالمية، والأهم من ذلك قضاء وقت رائع ولطيف لأفراد العائلة كافة، فلماذا نحرم أنفسنا من هكذا ترفيه بريء وراق؟
هذا الفقر الترفيهي بجوانبه المتعددة تجاوز العروض المدفوعة الثمن سواء في السينما أو المسرح، ووصل حتى المطاعم، فالواقع الحالي يحضر على المطاعم أن تقدم فقرات ترفيهية داخل أسوارها، فلا يمكن لمطعم شعبي مثلا أن يقدم رقصات شعبية داخل مطعمه، ولا يمكن لمطعم آخر أن يستضيف شابا مبدعا لتقديم عرض كوميدي، أو وصلات من العزف الجماعي أو المنفرد، أو الغناء أو حتى تقليد المشاهير، بل لا يجرؤ أحد ما أن ينصب ميكروفنا وجهاز تسجيل موسيقي وسط صالة مطعم ما؛ ليفتح الباب للمشاركات الغنائية الحية لرواد مطعمه! أو ما يطلق عليه بـ"الكاروكي karaoke"، إذ يستعرض الهواة من الجمهور مهاراتهم الغنائية، وسط تشجع أصدقائهم من رواد المطعم، وبالطبع كل هذا سوف يثير جوا من السعادة والحبور للحضور، ويجعل زيارة المطعم تتجاوز مجرد ملء المعدة بكل ما لذ وطاب إلى ذكريات جميلة من المتعة والفائدة والطعام كذلك
للأسف أضحى البعض يربط ما بين متعة الشباب وما بين البحث عن المتعة غير البريئة، كالمراقص والخمارات وغيرها, بينما نحن للأسف ندفع ببعض شبابنا نحو تلكم البؤر الفاسدة دون أن نعلم، حينما نمنع عنهم هنا الترفيه البريء المقنن، فتجدهم في كل فرصة سانحة يحزمون أمتعتهم ويسافرون إلى الجوار؛ بحثا عن المتعة البرئية في البداية فقط، لكن الشاب ومع تكرار السفر قد يتشجع ويخطو خطوة نحو تلك البؤر، حينها نكون نحن السبب في وضعهم على جادة الطريق السيئ! والسبب الأساس مجرد الحرمان من المتع البسيطة والبريئة.
نعم أيها السادة.. نحن الشباب بحاجة ماسة إلى وجود قنوات متعددة ومتنوعة لقضاء وقت ممتع ولطيف مع أصدقائنا ومع عوائلنا.. نريد دور سينما، مسارح، أندية كوميديا، معارض فنية، ساحات رياضية مفتوحة، حلبات "تفحيط"، مطاعم متفاعلة مع محيطها، وغير ذلك، أو ليست تلك أمالا بسيطة؟ ويمكن تنفيذها بكل سهولة؟ بل إن أثرها يجاوز البعد الاجتماعي المهم إلى كونها إضافة حقيقة إلى الاقتصاد الوطني، وذلك بحفظها للأموال والأوقات داخل البلاد، وفتح مزيد من المشاريع وفرص العمل لبنات وأبناء البلاد، أم إن بقاء الشباب على قارعة الطريق أضحى مطلبا للبعض، لا أعتقد ذلك رغم أن كل الشواهد تدل على ذلك.. كلنا أمل أن يعلق أحد ما الجرس يوما ما... حينها سوف نكتشف أن كل ما سبق كان مجرد أوهام من الخوف لم يكن لها أي داع أو سبب.

عبدالرحمن السلطان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق