الجمعة، 30 مايو 2014

"شنجن".. بلا رقيب ولا حسيب

هل يمكن أن يسافر سائح سعودي واحد إلى أوروبا ليعيش هناك مشرداً بلا مأوى، أو على الأقل عالةً على النظام الاجتماعي هناك؟ الجواب بالطبع "لا"، ولكن يبدو أن قنصليات دول مجموعة "الشنجن" تصمّ آذانها عن هذا الجواب البديهي!
منذ سنوات ومعاناة السعوديين مع إصدار تأشيرات دخول دول مجموعة "الشنجن" الأوروبية تزداد تعقيداً، فبعد الانتهاء من مأساة طوابير الشمس في حي السفارات قبل سنوات؛ انتقلنا إلى غلظة وصلف مكتب التأشيرات الموحد، وكأنما السعودي يستجدي تأشيرة هجرة أو عمل، وليست تأشيرة سياحة أو "بزنس" تعود بالنفع الهائل على مواطني تلك الدول.

تبدأ المأساة من قائمة الطلبات غير المنطقية، وأولها ضرورة وجود تذكرة سفر تشمل الذهاب والعودة، وهو شرط لا يضمن عدم بقاء أي شخص بعد سفره، دون إغفال تشجيع إصدار التذاكر والحجوزات الوهمية، وطلب بوليصة تأمين طبي لا يستفاد منها أبداً، ثم الدخول في معمعة تأخر المواعيد، والأدهى من ذلك طول مدة إجراءات منح التأشيرة، والتي قد تصل إلى 3 أسابيع، مع أنها تمنح في دول الخليج خلال أقل من 4 أيام عمل! والمشكلة هنا أنك لا يمكن أن تتنبأ بالمدة الزمنية التي يمكن أن تمنح لك، وكأنما هي سر عسكري أو لعبة حظ يستمتعون بها، على العكس من التأشيرتين الأميركية والبريطانية المحددتين بما تطلب أنت، وليس ما يحدد لك حسب مزاج الموظف! ثم هل ينطبق على مراكز الخدمة الموحدة الحالية نظام العمل والعمال، فأغلب العاملين فيها من البواب إلى المدير غير سعوديين، ناهيك عن سيطرة جنسية آسيوية واحدة على كل شيء، مع بضع فتيات سعوديات وظفن فقط لذر الرماد في العيون.
السؤال هنا أين وزارة الخارجية من كل هذا؟ وهل يرضيها ما يحدث من ابتزاز وتأخير ومتاجرة بنا؟ أم أنها سوف تقف متفرجة!

عبدالرحمن السلطان

الأحد، 25 مايو 2014

حقا.. هل نريد أن نصبح أكثر ذكاء؟!

من المستحيل أن تجد أحداً ما لا يطمح أن يكون أكثر ذكاء، حتى لو كان هذا الشخص عبقرياً، أو حتى على الأقل ذكياً حسب معايير قياس الذكاء IQ. وهي الأمنية التي دأب مختلف العلماء المتقدمين والمتأخرين على العمل من أجل تحقيقها بشتى الطرق والأفكار؛ مما جعل العلوم العصبية تصنف مؤخراً ضمن أكثر العلوم الطبيعية تقدماً خلال السنوات الأخيرة الماضية، وساعد على ذلك ظهور نتائج مشجعة تؤكد إمكانية زيادة سرعة وقدرة دماغ الإنسان بشكل علمي ومنهجي محدد.

ولكن يبرز هنا سؤال فلسفي محيّر: هل نحن على استعداد تام لتحمل تبعات هذا الذكاء الإضافي؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن أن نعيش في عالمٍ الجميع فيه أذكياء؟ أو في عالم أسوأ من ذلك حينما يصبح الذكاء ميزة إضافية وعلامة اجتماعية يستطيع الحصول عليها فقط من يقدر على دفع تكلفتها! قد يبدو الوقت متأخراً للإجابة عن أسئلة كهذه، ذلك أن المجتمع المتحضر اتخذ قراره بالفعل بتقبل ثم تبني الآليات الحديثة لصقل ذكائنا عبر الوسائل الصناعية! أو تلك التي يطلق عليها بعض العلماء: "Cosmetic Neurology"، وكأنما هي إضافات جديدة إلى جهازنا العصبي المتقدم أصلاً، مثل ما يقوم به بعض طلاب المدارس والجامعات من تناول الأدوية والمكملات التي تزيد من شدة تركيز الجهاز العصبي، أو بعض أفراد المجتمع الذين يعتمدون في ظهورهم الطبيعي أمام الآخرين على مختلف أنواع الأدوية المضادة للاكتئاب وغيرها، بينما رجال الأعمال يعيشون حياتهم على الأدوية المعالجة للقلق والضغط النفسي، هذا لمن يختصر طريقه عبر المستحضرات الصيدلانية، بينما البعض الآخر قد يعتمد خيارات أخرى أكثر سلامة وبساطة؛ تقدمها كتب "تحسين الذات" التي تغص بها المكتبات، وتعرض آخر استراتيجيات العلوم العصبية لمساعدة الجمهور على التفكير السريع والحاد، دون إغفال الجيل الجديد من أجهزة الهواتف المتنقلة، التي أصبحت تسمى بالذكيّة، وتتزايد أهميتها يوماً بعد يوم في حياتنا، بالإضافة إلى المارد الأهم: شبكة الإنترنت، التي لا يمكن أن نتصور - جميعاً- أن نعيش يوماً ذكياً واحداً بدونها!
بالطبع ما سبق يدخل ضمن الإكسسورات العصبية، التي ترتبط بمدى قدرتنا على الاستفادة منها بشكل أو بآخر، ولكن ماذا لو أضحت هذه الإكسسورات جزءاً حقيقياً من أجسادنا! وهو بالمناسبة أحدث ما توصل إليه العلم في طرق تعزيز الذكاء الفردي، إحدى تلكم الوسائل هي: "التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة TDCS"، الذي يتم عبر وصل قطب كهربائي سالب على فروة الرأس يقوم بتوصيل "أمبيرات" كهربائية ضئيلة، هذه الشحنات القليلة تؤدي إلى تعديلات تدريجية في كهرباء أغشية الخلايا العصبية القريبة من القطب الكهربائي، مما ينتج تغيرات قابلة للقياس في الذاكرة، والمهارات اللغوية، والمزاج، والوظائف الحركية، والمجالات المعرفية الأخرى. المشكلة هنا أن العلماء لا يزالون غير متأكدين من قدرة هذه الطريقة على إحداث تغيّر عصبي طويل الأمد، لأنها لا تزال أسيرة التأثير قصيرة الأمد، بينما المثير في الأمر أن استطلاعاً علمياً على شبكة الإنترنت شمل عدداً كبيراً من الشباب؛ أكد فيه 87% منهم رغبتهم في الخضوع للتحفيز الكهربائي عبر قشرة الدماغ إذا كان سوف يعزز من قدراتهم الشخصية سواء في الدراسة أو العمل! شرط توفر قدر أدنى من الأمان.

السؤال هنا وعلى الرغم من تحفظات بعض علماء الأعصاب والدماغ على مدى فعالية وأمان مثل هذه الآليات المبتكرة؛ هل يجب علينا أن نرحب بمثل هذه الفرص الجديدة لنصبح نسخة محسّنة من ذواتنا أكثر ذكاء وأسرع بديهة وأفضل في كل شيء؟ أم أن مسار قطار العلم ماضٍ في طريقه ولا يمكن أن يوقفه أحد، كما يحدث حالياً في التطور المتسارع في تقنيات الاستنساخ أو تطبيقات شفرات الحمض النووي، بيد أن المخاوف الحقيقية التي يمكن أن تنتج مع تطور مثل هذه التقنيات وما يعمل عليه بصمت في مراكز البحوث السرية بالدول المتقدمة هو الخوف من قصرها في البداية على فئة دون أخرى، خصوصاً ذوي النفوذ والمال، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء طبقتين اثنتين من البشر في مجتمع واحد، أحدهما ذكي خارق، والثاني متوسط الذكاء، مما ينذر بتكون صراع اجتماعي/ ثقافي في المجتمع ولو بعد حين، والأخطر من ذلك أن تستعمل مثل هذه التقنيات لتكون سلاح موجة جديدة من الاستعمار، حينما تتحول شعوب الأرض إلى فئتين لا ثالث لهما، وهو ما عبّرت عنه روايات "الخيال العلمي" منذ زمن طويل.
لكن الأكثر إثارة هنا؛ هو حديث العلماء عن الخوف من تطوّر استخدام هذه القدرات ليس فقط في تطوير الذكاء البشري، بل تحولها إلى وسيلة للسيطرة على العقول، من خلال التلاعب بالشحنات الكهربائية للدماغ، مما قد يسمح للمتلاعب من إعادة "تشبيك" شبكة كهربائية جديدة في دماغ الإنسان، وبالتالي القدرة على تغيير مبادئه ومعتقداته وخبراته المعرفية، ويجعل الطريق سالكة للسيطرة عليه وتوجيهه نحو مصالح محددة! مما يطرح معضلة اجتماعية عن مدى "أخلاقية" هذا التلاعب العقلي في حالة كان التأثير إيجابياً، كما في حالة تعزيز مهارات الفهم والاستنتاج لدى طلاب المدراس، أو حتى مهارات القتال والمناورة لدى قوات حفظ الأمن، فماذا عن الجانب السلبي من خلال زرع قيم ومبادىء جديدة على مجتمع ما، أو محاولة فرض تقبل لواقع حالي أو مستقبلي على أفراد لا يؤمنون به!
ولكن وبعيداً عن كل هذا النقاش والتجاذبات الأخلاقية؛ لنعد إلى واقعنا هنا في العالم العربي ونحن نرى العالم من حولنا يتطور ويتقدم، والكل يعمل جهده لحجز موقعه المتقدم ضمن ركب سباق الذكاء، بينما نحن ننتظر ونتفرج دون أدنى اهتمام! وكأنما لسنا من سكان هذا الكوكب، ولكن يبدو أننا رضينا -وبكل قناعة وهدوء- أن نكون من شعوب النوع الثاني منذ الآن، والله المستعان.

عبدالرحمن السلطان



السبت، 24 مايو 2014

مبنى هيئة الصحفيين للبيع!

قبل عشر سنوات مضت، وبالتحديد عام 1425، وافق خادم الحرمين الشريفين على منح هيئة الصحفيين السعوديين أرضاً لمقرها، وذلك في موقع حيوي من حي الصحافة شمال العاصمة، بمساحة إجمالية تتجاوز خمسة آلاف متر مربع.

كانت آمال مختلف أجيال الصحفيين السعوديين قبل عقد من الزمان مرتفعة والأفكار متعددة، حينها تبرعت جهات إعلامية وشخصيات اعتبارية بما يتجاوز 17 مليون ريال، وتولّت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض التصميم والإشراف على بناء المقر، الذي أنجز خلال فترة قصيرة، لكن المأمول شيء والواقع شيء آخر!


فالهيئة "السلحفائية" تحوّرت مع مرور الأيام إلى مجرد مكتب وفاكس وسكرتارية، وأضحت مجرد مبنى مهجور لا تدب فيه الحياة إلا مرة أو مرتين في السنة الواحدة، وليتفرغ أعضاء مجلس الإدارة العتيد لعزف لحن بكائية ضعف الميزانية وشح إيراداتها، نظراً لقلة التبرعات ومحدوية اشتراكات الأعضاء، وبالطبع لا يمكن إلقاء اللوم على الأعضاء ممن دفع اشتراك سنة أو سنتين ليجد كل ما يقدم مجرد "بطاقة" لا تسمن ولا تغني من جوع، وندوة سنوية فارغة!
لكن دعونا من حديث البكائيات هذا، ولنفكر باقتراح بسيط قد يساعد "هيئة الصحفيين السعوديين" على النهوض بأدوارها المفترضة، وهو بيع مقر الهيئة الحالي؛ نظراَ لأنه وبتصميمه الحالي وغياب الميزانية التشغيلية غير مستغل بكفاءة، بالإضافة للاستفادة من فرصة ارتفاع سعر المتر المربع في المنطقة، فالموقع يطل على طريق الملك فهد، وبالإمكان بيعه بما لا يقل عن 120 مليون ريال وأكثر، لتجمع الأموال في صندوق وقفي، يدُر ما لا يقل عن 10 ملايين ريال سنوياً، مما يمكّن الهيئة من استئجار موقع مميز آخر، والصرف بسخاء على الدورات التدريبية وورش العمل، والأهم التفرغ لهدفها الأساسي وهو الدفاع عن منسوبي السلطة الرابعة وحماية حقوقهم... مجرد اقتراح فهل من مستجيب؟

عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 23 مايو 2014

200 ريال

دائما ما نتحدث عن حقوق الفرد، لكننا نتغافل عن واجباته، وكأنما هي ترف، لنا الحق في القيام بها متى ما شئنا، ولنا الحق في تجاهلها متى ما شئنا كذلك!، والحقيقة أن هذا مفهوم ناقص للمواطنة أولا، وللإنسانية ثانيا.
لكن الشاب الصيدلي "ياسر الحاقان"، ليس من هذا النوع الأناني المنتشر في مجتمعنا، فرغم كفاحه المهني المتواصل حتى وصوله إلى منصب مرموق في إحدى شركات الأدوية العالمية؛ إلا أنه لم ينس واجباته نحو مجتمعه، تلكم الواجبات التي تتجاوز التزامه الطوعي بالنظام، ومساندته أي شخص يحتاج إلى المساعدة، بل تجاوز المفهوم بالتفكير في شيء مبتكر ومستدام.
إذ اتخذ "ياسر" قراره المبادر بتخصيص مبلغ 200 ريال شهريا لتقديم خدمة ما إلى مجتمعه المحيط، والتركيز في ذلك على الجوانب التي لا تلقى اهتماما من الناس، لكنها ذات تأثير كبير على المجتمع، فمثلا كان يختار مصلى مهجورا ليدفع تكاليف تنظيفه وتوفير مواد التنظيف، أو يعمل على ردم حفرة في طريق عام، بل وحتى شراء قفازات قطنية لتوزيعها على العمال خلال فصل الشتاء، والكثير من الأفكار والمبادرات، التي تجعل الإنسان يشعر بقيامه بدور حقيقي في تحسين بيئة مجتمعه، دون أن يكلفه الكثير، والأهم أنها تجعله سببا في رسم الابتسامة على وجوه الآخرين.

واليوم، رغم إنجازه قائمة طويلة من الأفكار، مايزال "ياسر" يعتقد أنه لم يحقق الكثير!، ولكنه من جهة أخرى راض لأنه "أضحى يفكر دوما في شيء جديد يعمل على تقديمه"، على حد قوله
فالمئتي ريال الشهرية بحاجة إلى رصيف متهدم تصلحه، أو إلى جدار مشوّه يعاد دهانه، أو إلى أي شيء آخر يستطيع من خلاله تحويل هذا المبلغ القليل، ولكن الدائم إلى إضافة ذات قيمه إلى مجتمعه، والحقيقة أننا نحن في مجتمعنا بحاجة إلى مئتي "ياسر" وأكثر... أليس كذلك؟


عبدالرحمن السلطان



الأحد، 18 مايو 2014

جامعات.. بلا طعم ولا لون

ما الذي يفرق بين الجامعة الأم – جامعة الملك سعود- وبين جامعة "المجمعة" الناشئة؟ ما الذي يمكن تمييزه بين جامعة الملك عبدالعزيز – أول جامعة أهلية بالمملكة- وبين جامعة "طيبة" المولدة من رحمها؟ بالطبع لا شيء يذكر سوى احتواء الجامعات الكبرى على تخصصات أوسع، بحكم قدم تلكم الجامعات واتساع مساحتها، لكن السؤال الأهم هل هناك اختلاف في مستوى التعليم، أو على الأقل في المخرجات من الطلاب والطالبات؟ سؤال أعتقد أن الغالب الأعم في جوابه سيقر بتقارب المستوى والمخرجات، نظرا لأن المدخلات وظروف التدريس متشابهة بين الجميع بشكل واضح، وكأنما يدرس الجميع في جامعة واحدة!

في الغرب وعندما يقرر خريج الثانوية العامة دراسة تخصص ما فإنه يقرن هذه الرغبة بجامعة محددة أو على الأقل قائمة من الجامعات البارزة في هذا التخصص، فمن يرغب بالقانون فإن جامعة "هارفرد" هي وجهته، أما من يرغب بالعلوم الطبية فجون هوبكنز هي الهدف، أما من يفكر بعلم النفس فعليه بجامعة "ستافورد"، وهلم جرا في مختلف التخصصات، سواء كانت صحية أو علمية أو حتى إنسانية، بينما لا يمكن تطبيق هذه الفكرة على جامعات المملكة! لأنها ببساطة تقدم نفس البضاعة وبنفس المحتوى كذلك.

للأسف جنى التوقف القسري لقطار التعليم العالي حتى قبل عقد من الزمان الكثير على مستوى الجامعات، وحولها مع مرور الزمن إلى نسخ متشابهة من بعضها! وبالذات من الجامعات الأولى كجامعة الملك سعود والملك عبدالعزيز، ذلك أن النظام الحالي ومن خلال مجلس التعليم العالي لا يحفز أو على الأقل لا يشجع على التركيز على تخصصات محددة، بحيث تستطيع الجامعة الواحدة بناء الخبرات وتطوير القدرات، والأهم تحسين مميزاتها التنافسية في هذا التخصص، كما يحدث حاليا في جامعتين اثنتين في المملكة، وبالمناسبة كلاهما خرجا من رحم غير وزارة التعليم العالي، وهما جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، التي أنشأتها ولا تزال تديرها الشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، حيث توجد ميزة نسبية في الجامعة وهي ارتباطها بمستشفيات الحرس الوطني في الرياض وجدة والأحساء، واستفادتها الكاملة من الكوادر الصحية الممارسة في هيئة تدريسها، أما الجامعة الأخرى فهي جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، التي أنشأتها ولا تزال تديرها شركة أرامكو السعودية، بحيث تركز الجامعة على مجموعة تخصصات علمية محددة، يجعلها ذات ميزة تنافسية واضحة.
أما حينما تعود للجامعات السعودية الأخرى، وخصوصا الحكومية التي تكاثرت خلال السنوات الأخيرة بشكل سريع؛ فإنك تجد التشابه وتطابق البرامج هما القاسم المشترك، فكم من كلية صيدلة في المملكة تدرس نفس المنهج الدراسي بالضبط، وكم من كلية هندسة بتخصصاتها الدقيقة قامت بنسخ خطط دراسية لجامعات سعودية أخرى بالقلم والمسطرة، وكأنما توقف قطار الإبداع، بل إنك لتكاد تجد أغلب الأقسام والتخصصات بذات الاسم والمحتوى، دون محاولة تطوير أو إضافة شيء متميز، حتى لو كان مرتبطا بالبيئة المحلية لمجتمع الجامعة، وللأسف كان هناك توجه قديم بحصر تخصصات محددة في جامعات محددة ولكن يبدو أنه توقف، كما حدث بتأسيس كلية الطب البيطري في الأحساء أو كلية علوم البحار في جدة، ولكن العبرة بالمحتوى والتميز العلمي وليس فقط بحصر تأسيس تلكم التخصصات في جامعات محددة، فضلا عن محاولة توحيد الدرجات العلمية الممنوحة من قبل الجامعات السعودية، فما الذي يمنع من فتح باب التفكير وابتكار تخصصات جديدة، بحيث يمكن الجامعة من الاستفادة من خبرات أعضاء هيئة تدريسها ومن احتياجات مجتمعها المحيط، فضلا عن تحولها إلى قبلة الدارسين والباحثين في هذا التخصص الجديد، مما يمنحها ميزة إضافية، سوف تكون بلا شك إضافة معتبرة للجامعة نفسها ومجتمعها المحيط كذلك.
أما المشكلة الأكبر فهي غياب قوائم ترتيب الكليات والتخصصات في الجامعات السعودية Ranking، رغم توافر بيانات يمكن من خلالها قياس قوة المخرجات ومهنيتها، فمثلا في مجال التخصصات الصحية يمكن قياس قوة المخرجات بنسبة نجاح خريجي كلية محددة في اختبار معادلة الشهادة الجامعية في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وبالذات في تخصصات الصيدلة والطب البشري وطب الأسنان والعلوم الطبية المساعدة والتمريض، وكذلك باختبارات الهيئة السعودية للمهندسين لتخصصات الهندسة والعمارة والتخطيط، وكذلك الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين لتخصصات المحاسبة والمالية، والتخصصات الإنسانية بواسطة اختبارات قياس الكفاءة في التربية والتعليم، وهلم جرا لأغلب التخصصات الأخرى، مما يجعل خريج الثانوية العامة ومن ورائه والداه قادرين على تحديد الوجهة الأفضل للدراسة، عطفا على نتائج خريجي تلكم الجامعة، بالطبع مع إضافة المعايير الأخرى كنسبة عدد أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، ونسبة البحوث المقتبسة في المجلات العلمية، وغيرها من معايير القياس المتنوعة، فمتى يأتي اليوم الذي نشاهد فيه نتائج اختبارات مزاولة المهنة، لنستطيع من خلالها معرفة الكليات المتقدمة من تكلم التي تخرج مجرد أرقام إضافية لسوق العمل، دون أي اهتمام بالجودة. والمهنية، ولعلي أتذكر قبل سنوات حينما أصدرت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هذه الأرقام مرة واحدة، ولكنها تراجعت بعد اعتراض إحدى الجامعات الناشئة، التي لم ينجح أحد من خريجيها في امتحان مزاولة المهنة

الجامعات أيها السادة ليست مجرد فصل دراسي وأستاذ يحمل شهادة الدكتوراه في تخصص محدد، بل هي شعلة الثقافة الحقيقية في كل مجتمع متحضر، وهي من يقود أي مجتمع –وبالذات الدول النامية- إلى خطواته القادمة، ذلك أن الجامعة وبأبحاثها المبتكرة وتخصصاتها الجديدة هي من يرسم طريق المستقبل لأي مجتمع، فمتى يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه الجامعات السعودية وقد تحولت إلى مؤسسات مستقلة؟ قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، ودون أن تكون مجرد رجع صدى لجامعة أخرى أو مجرد إعادة رديئة لتجربة أخرى في جامعة شقيقة، فالجامعة أكبر من أن تكون مجرد مدرسة ثانوية تدرس نفس المنهج الذي يدرس في الثانويات الأخرى ولا تقدم شيئا مختلفا عن الآخرين.. ملخص الحديث: نريد جامعات سعودية مختلفة، نريد كل جامعة بطعم ولون مختلفين..


عبدالرحمن السلطان


السبت، 17 مايو 2014

جديد "لاس فيقاس"

هل تحتاج عاصمة اللهو والمتعة "لاس فيقاس" مزيدا من الفنادق وصالات القمار لجذب أفوج جديدة من السياح؟ أم تحتاج مسارح إضافية تضاف إلى عشرات صالاتها الضخمة؟ أم مزيدا من المجمعات التجارية المبهرة؟ 

بالطبع هذه الأسئلة لم ترد على بال مستثمري المدينة، بل كان السؤال: ما هو المشروع الذي يجب تنفيذه لجذب جمهور جديد؟ أو على الأقل يضيف موقع جذب سياحي إضافي لزوار المدينة ذائعة الصيت حول العالم، وهكذا ولدت فكرة بناء عجلة "لاس فيقاس"، وهي عبارة عن دولاب هواء ضخم، يمكن راكبيه من مشاهدة معالم المدينة أثناء دوران الكبائن على محور الدولاب، بالطبع لم تكن الفكرة جديدة؛ فلقد سبقتها مدن كثيرة منذ عام 1893 في "شيكاجو"، وحتى "عين لندن" التي كانت متربعة على عرش أعلى عجلات العالم، قبل أن تزيحها عجلة "سنغافورة" قبل أعوام قليلة.
بيد أن "لاس فيقاس" وهي الشهيرة باحتوائها على الأكبر من كل شيء؛ استطاعت وبسهولة أن تجعل عجلتها الأضخم حتى الساعة، وذلك بارتفاعها 550 قدما عن سطح الأرض، وهكذا حققت المدينة ومن ورائها مستثمروها المغامرون، قصب السبق مرة أخرى، حينما افتتحت العجلة للجمهور مجانا نهاية شهر مارس الماضي! والمثير في الأمر أن ازدحام شارع "ستريب" الشهير بالفنادق والمطاعم وكل شيء، لم يتح موقعا للعجلة سوى ساحة خلفية، لكن حجمها الضخم جعلها تتجاوز مأزق الموقع، فارتفاعها الشاهق مكن ركابها الـ1200 شخص في الدورة الواحدة من مشاهدة مريحة لكافة معالم المدينة.. فندق جزيرة الكنز، نافورة البلاجيو، وغيرهما كثير.


قد لا تكون "لاس فيقاس" بحاجة لمزيد من الدعاية والتسويق، ولعلها لا تحتاج مزيدا من السياح، لكن الهوس المتواصل بالنجاح والبقاء على القمة؛ هو ما يجعلك تتفوق ليس على المنافسين فقط، بل وعلى نفسك كذلك، ولا عزاء للنائمين.


عبدالرحمن السلطان



الأحد، 11 مايو 2014

محروم!

قد يتبادر إلى الذهن أن المحروم هو من فقد أحد والديه، أو من يعيش تحت خط الفقر؛ بينما المحرومون كُثر، وأكثرهم استحقاقاً للمساعدة والشفقة من كان هو سبب حرمانه لنفسه عن سبق إصرار وترصد!
حديثي اليوم أصدقائي عمن حَرم نفسه من متعة أن تكون له هواية شخصية، وجعل من حياته مجرد يوم عمل لا يكاد ينتهي؛ حتى يبدأ اليوم الذي يليه، وغفل عن نعمة سعة الوقت التي تسمح لنا بممارسة أشياء نحبها ونستمتع بها؛ أي ممارسة "الهوايات" بلغة أخرى.
أيها الأصدقاء: الهواية ليست محصورة بالشباب وغير المتزوجين والعاطلين عن العمل!، وليست مجرد وسيلة لقتل وقت الفراغ فيما تحب وما ينفع فقط، بل هي أفضل مواجهة لضغوط الحياة، وأنجع ترياقٍ للقلق، كما أنها فرصة واسعة لتعلّم أشياء جديدة تسعد بها، ذلك لأن الهوايات تتعدد وتتنوع، فمنها: الفكرية الذهنية كالقراءة والكتابة، ومنها الفنية المهنية، كالتصوير الضوئي والتمثيل المسرحي، وقد تكون حسية حركية كأنواع الرياضات المختلفة والتطوّع لخدمة المجتمع. كما أنها أفضل ما يكسر روتين يومك الرتيب، وهي ما يشعل جذوة فكرك إذا توقف، لأنك وبممارستها تمنح دماغك وقت راحة مستقطع عن التفكير المتواصل، مما يجعل ذهنك يعود أكثر إبصاراً وابتكاراً.
ثم لم لا تفكر بالهواية كما لو كانت فرصة لتحقيق مزيد من الدخل! فكثير من الهوايات تحولت مع مرور الزمن إلى مصدر رزق للهاوي، فضلاً عن كونها مدخلاً لتوسيع دائرة أصدقائك، وصدقني أن أفضل الأصدقاء هم من كانت هواياتهم متوافقة، ولكن تذكر أن تختار أنت بنفسك هوايتك، ولا تخجل مما تنتخبه، فأنت من سوف يستمتع وليس الآخرون.
وبعد؛ فالهواية راحة نفسية، وأفق جديد، ومعرفة أوسع.. ألم أقل لكم.. إنه محروم من عاش بلا هواية.. أليس كذلك؟


عبدالرحمن السلطان

السبت، 10 مايو 2014

سر الرقم A113

أفلام الرسوم الكرتونية ليست للأطفال فقط، بل هي أسلوب جاذب لطرح القصص والقضايا، بيد أنها تتفوق على الأساليب الفنية الأخرى لأنها فضاء بلا حدود، فريشة الرسام يمكنها إضافة أجنحة طيران للبطل، وريشة أخرى تستطيع بناء قصر باذخ من الذهب والياقوت دون الحاجة إلى قرش واحد، فضلا عن الاستغناء عن "دوبلير" المشاهد الخطرة!
لكن يبدو أن الرسوم المتحركة قد أضافت لنفسها وظيفة جديدة؛ وهي الامتنان والتقدير!، وهذا ما اكتشفه مهووسو الرسوم المتحركة خلال السنوات الماضية، بملاحظة وجود رقم يتكرر في كثير من الأفلام الكرتونية الشهيرة؛ وهو الرقم A113! الذي يظهر تارة على باب غرفة أو مبنى، وتارة أخرى على لوحة سيارة أو قطار، بل وحتى على أذن فأر!


هذا الرقم يرمز إلى الفصل الدراسي الذي جمع شمل رواد صناعة "الأنمياشين" الأميركية، وذلك في معهد كاليفورنيا للفنون، حينما اتفق الطلاب فيما بينهم على فكرة جنونية، تحولت إلى حقيقة منذ عام 1975، وهي أن يقوم كل منهم سواء كان مؤلفا أو منتجا أو مخرجا بوضع رقم فصلهم الدراسي بين جنبات فيلمه الكرتوني، وهذا ما حدث بالفعل في 13 فيلما كرتونيا شهيرا من 14 فيلما أنتجته رائدة أفلام الرسوم المتحركة شركة "بيكسار"، مثل "قصة لعبة"، و"البحث عن نيمو"، بل تجاوز الأمر إلى أكثر من 45 فيلما كرتونيا ومسلسلا كوميديا وبضعة أفلام سينمائية كذلك، كل ذلك لمجرد الوفاء للفصل الذي جمع هؤلاء المبدعين، وأساتذتهم الذين أناروا طريقهم.



المهم هنا: إن كنت من محبي الرسوم المتحركة فلا تزال لديك فرصة تحدي البحث عن A113 في الفيلم الرسومي "شركة المرعبين"، وهو الوحيد من أفلام "بيكسار" الذي لم يتكشف أحد حتى الآن الرمز فيه. حاول.. فقد تكون أنت سعيد الحظ، وتكتشفه منزويا في مشهد لم يسبقك إليه أحد.

عبدالرحمن السلطان

السبت، 3 مايو 2014

تعرف "سعيد الوهابي"؟

ما الذي يجعل كاتباً شاباً يكسب كل هذا الاهتمام؟ وما الذي يجعل مقالاته تتداول سريعاً؟ بالرغم من طرقه لمواضيع أشبعت بكثير من النقاش، هذا ما يحدث بالفعل مع مقالات الزميل الكاتب "سعيد الوهابي"، الذي تنقّل بسبب إيقافاته المتكررة بين عدة صحف سعودية؛ حتى استقر به المقام بالكتابة في صحيفة إلكترونية.


بالتأكيد فاسم عائلة الزميل الكاتب "سعيد" ليست له علاقة من قريب أو بعيد باتجاهه الفكري، أو حتى أسلوبه الكتابي، لكن المثير في الأمر أن استمراره باستخدام أسلوب "نظرية مخالفة التوقعات  EVT يحقق النجاح كل مرة، ويؤكد أننا مجتمع تسُهل استثارته بأدنى كلمة أو حركة، والسبب بكل بساطة أننا لا نتوقع أن يخرج علينا أحد منا بشيء مختلف عما عهدنا عليه آباءنا الأولين! وزاد "سعيد" الطين بلّة بدمجه السلس للمعلومة الغريبة مع الوقائع الحقيقية، مما مكنه من القفز إلى استنتاجات أكثر غرابة، لكنها - وهنا الأهم - تثير مزيداً من الأسئلة!

ولعل الرائع في ردود الفعل على بعض مقالات "سعيد" هو إصرار البعض على تعرية نفسه أمام المجتمع، حينما يركز هؤلاء على تفصيل هنا أو مثال هناك، مع ترك الفكرة الأساسية دون أن يتقرب منها، كما حدث في مقالته الشهيرة عن قبح الفتيات السعوديات، أو تلكم عن المقارنة التنموية بين "شقراء" و"صامطة"، حينما تفرغ هؤلاء لمناقشة القشور دون اللب، بل الأسوأ من ذلك حينما أفصح البعض عن نفس عنصري مقيت!
يجادل كثيرون بكون مقالات "سعيد" انطباعية أو حتى سخيفة! بينما يؤكد الإقبال على قراءتها وتداولها مدى قربها من المجتمع، ومدى حاجتنا لمن يستثير فكرنا، ويجعلنا نبحث ونتحدث ونتجادل أيضاً، عوضاً عن أن نستمر بالتفكير جميعاً باتجاه واحد، وهو بالمناسبة الاتهام الأساسي للوهابية وليس لسعيد الوهابي!
عبدالرحمن السلطان