الجمعة، 11 يوليو، 2014

قبل أن نفكر بأرامكو!

قبل أيام كلف خادم الحرمين الشريفين شركة النفط السعودية "أرامكو" بتنفيذ الأحد عشر استاداً رياضياً جديداً, التي أمر الملك –حفظه الله- ببنائها في كافة مناطق المملكة الإدارية ما عدا المنطقتين الوسطى والغربية, وذلك بعد نجاح شركة "أرامكو" قبل أسابيع في بناء استاد "الجوهرة" في مدينة الملك عبدالله بالرياض وبجدة, خلال مدة قياسية وبمعايير عالمية.



وبقدر ما يزيد هذا التكليف من إعجابنا بشركة "أرامكو" وفريقها الاحترافي المميز؛ بقدر ما يجعلنا نعيد النظر في الوضع الحالي لكافة الجهات الحكومية الأخرى, والتي تراجعت كفاءتها وإنتاجيتها إلى درجة أن يُعهد بأعمالها الأساسية إلى جهات أخرى, كما حدث عندما عُهد إلى "أرامكو" بناء "الجوهرة", بينما من المفترض أن تقوم بذلك الرئاسة العامة لرعاية الشباب, والتي بالمناسبة لا تزال غارقة في مشروع زيادة الطاقة الاستيعابية لملعب الأمير عبدالله الفيصل في جدة, منذ سنوات دون تقدم ملحوظ! أو عندما عُهد لأرامكو ببناء ثم تشغيل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية, بدلاً عن وزارة التعليم العالي, وغيرها كثيرٌ من الأمثلة المتعددة.
البعض قد يعيد صياغة السؤال إلى: هل يعود السبب الرئيسي لنجاحات "أرامكو" الحالية إلى قدرات "أرامكو" نفسها؟ أم إلى تراجع وتقهقر مستوى الجهات الحكومية دون المستوى المأمول؟ خصوصاً مع وجود كثيرٍ من القيود والشروط التي تقيد حركتها, مما يجعلها أسيرة أنظمة عتيقة ولوائح معقدة في آن واحد, الأمر الذي يؤدي إلى أن يصبح إنجاز المشروع بالشكل المفترض أمراً مستحيلاً على أرض الواقع, والقصص على ذلك متعددة, ولعل أشهرها ما حدث من ارتفاع في تكلفة مواد البناء والعمالة كذلك, مما أدى إلى توقف كثير من المشاريع الحكومية, لأن المقاولين لم يستطيعوا ببساطة استكمالها مع ارتفاع التكلفة, ولم تقم وزارة المالية بحل هذه القضية إلا بعد سنوات متتالية من المطالبات المتكررة في وسائل الإعلام, الأمر الذي أدى إلى تأخير إنجاز كثير من المشاريع عن موعدها المفترض, أو عدم إنجازها أصلاً!
يكاد يجزم كثير من كبار مسؤولي القطاع الحكومي أن القيود المعقدة المفروضة ضمن العقود الحكومية, وغياب المرونة في الترسيات واختيار المقاول الأرخص بدلاً من المقاول المناسب هو السبب الأساسي في تدني جودة المنتج النهائي للمنافسات الحكومية المتنوعة, بالإضافة إلى القيود الأخرى في التوظيف والاستقطاب والمرونة المالية للمؤسسة نفسها, كذلك غياب المميزات والحوافز ضمن بيئة العمل الحكومية, مقارنة بشركة "أرامكو" نفسها, حيث الرواتب المرتفعة نسبياً, والمميزات المختلفة, والتأمين الطبي, وتوفير خيارات السكن وغيرها, مما يجعل المنتسب إلى الشركة حريصاً بنفسه على نجاح أعمالها بشكل يفوق التوقعات, مع حرصه على الاستمرار دون الالتفات إلى ضغط العمل المتواصل وطول ساعات الدوام الرسمي مقارنة بالعمل الحكومي التقليدي, رغم أن "أرامكو" تقوم بما تقوم به الجهات الحكومية الأخرى في مجال تنفيذ المشاريع, فهي تختار استشارياً مناسباً لتصميم المشروع, واستشارياً ذا خبرة لإعداد كراسة المواصفات والشروط, واستشارياً معتمداً للمتابعة والاستلام, ثم يرسى المشروع على مقاول مؤهل رئيسي واحد أو على عدة مقاولين في آن واحد, لكن الفرق الأساسي في "أرامكو" هو الحرص على تأهيل المنافسين قبل الدخول في المناقصة, وعدم اعتماد معيار السعر فقط في المفاضلة بين المتنافسين, دون إغفال تأهيل وتدريب فريقٍ متميزٍ من الموظفين القادر على التنفيذ والمراجعة والتدقيق والاعتماد.
هذه الملاحظات على القطاع الحكومي التقليدي جعلت تأسيس الهيئات الحكومية المستقلة هو الخيار المتبع في السنوات الأخيرة, وذلك هروباً من قيود أنظمة "الخدمة المدينة" فيما يخص استقطاب الكفاءات المميزة, ودفع المخصصات المرتفعة لمنسوبي تلك الهيئات, والقدرة على توفير التأمين الطبي لمنسوبيها وغيرها, غير أن الأهم هنا هو المرونة المالية للهيئات المستقلة, مما يجعلها أكثر قدرة على بناء هيكلها وإنجاز اختصاصاتها مقارنة بالأجهزة الحكومية الأخرى, ولكن الواقع الحالي يفصح عن شيء آخر تماماً, فقد استطاع الكثير من الهيئات بناء هيكل وظيفي رائع على الورق واستطاعت استقطاب الكثير من الكوادر الوطنية المميزة, بينما لم تستطع الالتزام بالمطلوب منها, وذلك لأسباب متعددة, منها ترابطها الوثيق مع جهات حكومية أخرى غير متعاونة, أو على الأقل غير قادرة على التعاون, بالإضافة إلى تردد الكثير من الهيئات في الدخول في مشاريع وطنية ضخمة خوفاً من الإخفاق أو من قيود أنظمة الرقابة المالية, التي بدأت تزحف من جديد نحو الهيئات الحكومية! لتتحول بعض الهيئات مع مرور الزمن إلى وزارات ولكن بمبان فخمة ورواتب مرتفعة فقط!
خيار تكليف شركة "أرامكو" بالمشاريع الحكومية هو حل مرحلي ناجح, لكن الأنجع لنا على المدى الطويل, هو أن يتصدى معهد الإدارة العامة بمستشاريه المتميزين لدراسة الواقع الحقيقي للجهات الحكومية المختلفة, وتحديد مكان الخلل والقصور التي يشترك فيها الجميع, ثم العمل على تجاوزها بحلول وطنية شاملة, وليس بحلول المخصصات "المليارية", مع استهداف رفع مستوى كفاءة الجهات الحكومية المختلفة إلى مستوى كفاءة "أرامكو", حينئذ سوف يصبح لدينا عشرات النسخ من "أرامكو" وليس "أرامكو" واحدة فقط!


عبدالرحمن السلطان

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق