الجمعة، 31 أكتوبر 2014

"تعليم العلوم".. إلى "الشارع" در!

قبل لحظات من بداية محاضرته العلمية، كان "David Price ديفيد برايس" يرتدي حلّة رائعة، ويتجاذب أطراف الحديث بكل هدوء ورويّة، لكننا وما إن دخلنا قاعة المحاضرة حتى وجدنا شخصاً آخر هناك! فمن حلّة راقية إلى قميص أحمر مهلل، وإلى سروال قصير يكشف عن ركبتيه، والأغرب من كل هذا قبعة عجيبة يعتمرها كما لو كان وسط غابة مطيرة!




كان موضوع محاضرة "ديفيد" ورفيقه "إيدي قولدستين" - من متحف "دينفر" للطبيعة والعلوم - مشوقاً للغاية، فلقد كانا سيتحدثان حول ممارسة "Busking" أو ما يمكن أن يطلق عليه بأداء الشوارع، وهو ما يقوم بتقديمه شخص أو مجموعة أشخاص أمام الجمهور الحي في شارع دون ترتيب مسبق أو تذاكر مشاهدة، ولكن في حقيقة الأمر حديثهما كان متمحوراً حول "أداء الشوارع العلمي"، أي الاستفادة من الحقائق العلمية بإنتاج عروض أداء جاذبة للجمهور، تسعد الحضور وتكسبه إدراكاً أفضل للحقائق العلمية المعتبرة.

غني عن القول إن الكثيرين قد لاحظ أن العروض الحية في الشوارع، تكاد تكون ممارسة طبيعية في الشرق والغرب، بينما تكاد تكون نادرة الوجود في منطقة الخليج العربي، وهي وإن كانت في الشرق معتمدة على المهارات الفردية أو على استخدام الحيوانات في جذب الجمهور، إلا أنها في الغرب تعتمد كثيراً على الإبهار والقدرة على جذب الجمهور واستمالته، ثم تحفيزه على التبرع ببضعة دراهم إكراميةً لفريق الأداء، وهذا في الحقيقة هو المقياس النهائي لنجاح أي عرض، مهما كان بسيطاً أو معقداً.



كانت المحاضرة ضمن فعاليات المؤتمر الأخير للجمعية الأميركية للمراكز العلمية، الذي اختتم أعماله قبل أيام في مدينة "رالي" بولاية نورث كارولاينا الأميركية، الذي يهدف لترويج تعليم العلوم عبر تبسيطها، ومحاولة إيصالها إلى الجميع باستخدام وسائل متعددة، كالمراكز العلمية والمتاحف والأفلام والمهرجانات والمطبوعات ووسائل الاتصال الاجتماعي وغيرها كثير، لكن أحد أهم الوسائل التي تساعد على إيصال الأفكار العلمية بسهولة ودون ممانعة هي العروض المفتوحة، التي تكون مباشرة ما بين المؤدي والمشاهد، والتي يمكن قياس مدى نجاحها بقدرتها على جمع أكبر قدر ممكن من الجمهور خلال دقائق قصيرة. وهنا يشير "ديفيد" إلى أن "البوسكينق" العلمي هو "استخدام حيل علمية بسيطة لإثارة اهتمام وإشراك مجموعة صغيرة كانت تسير في طريق أو تتسكع في مكان ما"، وبالتالي جعل هذه المجموعة تتوقف لتشاهد وتتفاعل مع العرض، والجميل في الأمر أن الحيل العلمّية يمكن الاستفادة منها في غالبية أساليب أداء الشوارع، كما هو الحال مثلاً مع الموسيقيين، الذين من الممكن أن يستخدموا بعض الحيل لجذب الجمهور وجعله يتوقف لمشاهدة الأداء والاستماع لتلكم الموسيقى الصادرة بطريقة غريبة، مثل استخدام أنواع مختلفة من الحجارة لإصدار أصوات متخلفة، أو غيرها من الحيل التي تثير أسئلة جديدة لدى المشاهدين، ويفترض في المؤدي أن يقدم الإجابات بطريقة واضحة وسهلة، أو على الأقل يشير إلى مصادر الحصول على المعلومات الشافية، وهكذا دواليك في عروض الفلكلور وخفة اليد والرسم ومسرح العرائس وغيرها.
يحمل "ديفيد" همّ "فنون الشوارع العلمية" منذ سنوات طويلة، ورغم أنه لا يزال يقدم عروضه المفتوحة؛ إلا أنه أضحى متفرغاً للعمل على تطوير مهارات الفنانين الشباب في مؤسسته " "science made simple أو "العلم وجد بسيطاً" كما يحب أن يصدح دائماً، عبر صقل مهاراتهم العلمية وتجويد مهارات الاتصال كذلك، فما الفائدة من عرض مبهر دون القدرة على التواصل الفعّال مع الجمهور؟ وللتدليل على ذلك قام بعرض بعض حيله الفيزيائية والرياضية، بأسلوب جاف منفّر، ثم بأسلوب فكاهي لطيف، وبالتأكيد فإن الأسلوب الآخير زاد من نسبة تقبل الحضور لأفكاره، خصوصاً حينما وزّع على الجميع بالوناً، وطلب من الحضور نفخه ثم الجلوس عليه، ولك أن تتصور انفجار بعض البالونات قبل أن يجلس عليها البعض! أو إصدارها أصواتاً مضحكة، طبعاً بسبب وزنهم الزائد وهكذا، 
أيها الأصدقاء.. ألا نستحق أن يفسح المجال لشبابنا المبدع أن يكشف عن بعض مهاراته وإبداعاته لجمهور حي؟، لا أن يجعلها حبيسة جدران "الاستراحة"، أو خلف شاشة هاتف ذكي! فالمؤكد أن فتح المجال لمثل هذه الطاقات سوف يعود بالنفع على الجميع، الشاب المبدع أولاً، الشارع أو المكان المستضيف، والأهم أن يجعل الجمهور يعيش لحظات مليئة بالمتعة والفائدة، وليس كما الساعات الطويلة التي يقضيها البعض في أروقة الأسواق أو أرصفة الشوارع، دون لحظة دهشة واحدة، ودون فكرة جديدة تثير تساؤلاً مختلفاً.


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 24 أكتوبر 2014

"ألبرت أينشتاين" بلحمه وشحمه!

نعم هذا صحيح، قابلت قبل أيام عالم الفيزياء الشهير والحاصل على جائزة نوبل "ألبرت أينشتاين"، رغم مرور 59 عاماً على وفاته! دعوني أخبركم أنه كان حاضر البديهة، سريع الإجابة كما عرف عنه، بل إن شعره الأبيض لا يزال متناثراً كما لو أن صعقة كهربائية أصابته قبل ثوان!



بالطبع لم يكن صاحبنا سوى الأميركي "مارك سبيقيل" الذي يكسب قوة يومه بأن يؤدي دور العالم "ألبرت أينشتاين" في عروض علمية متنقلة أمام طلاب المدارس وزوار المراكز العلمية في الولايات المتحدة الأميركية، يتبادل معهم أطراف الحديث، يمازحهم، يلتقط صوراً معهم، والأهم من ذلك - وهذا بيت القصيد - يتناقش معهم حول حقائق الفيزياء الأساسية، دون إغفال شرحه الخفيف والمسلي لنظرية "النسبية"، التي قادت "أينشتاين" للحصول على جائزة "نوبل" في الفيزياء عام 1921، وكانت فتحاً غيّر من مفاهيم كثيرة، وأجاب عن أسئلة أكثر.
استمتعت كثيراً بحديثي مع "أينشتاين" المزيف، الذي أشار إلى صلة قرابة تربطني به! كون "أينشتاين" يهودياً، واليهود هم أبناء عمومة العرب، على حد تعبيره، بالطبع لا بد أن نستذكر هنا أن "أينشتاين" اليهودي لم يكن صهيونيا، كونه رفض بشدة عرضاً من المؤتمر الصهيوني بأن يتولى رئاسة دولة إسرائيل، اعتراضاً منه على طرد أهل فلسطين الأصليين من بلادهم. بيد أن لم أستطع رفض دعوته لحضور عرضٍ مفتوحٍ عن "النسبية"، خصوصاً وأنني ما أزال أحمل أسئلة متعددة حول الإطار النظري للنظرية.




بدأ عرضه بالسؤال عن من يعرف شيئاً عن كلمة "relative" باللغة الإنجليزية؟ والتي تعني معاني متعددة، ثم السخرية من حصر البعض معناها بالأقارب فقط! ثم انطلق يتحدث عن بداية تفكيره بمفهوم النظرية حينما كان في ألمانيا وسويسرا قبل هجرته إلى الولايات المتحدة، لكنه لا يكتفي بالحديث و"الإسقاطات" الطريفة، بل يبدأ بدفع كرسي يرافقه أينما ذهب، حتى يتوقف الكرسي لوحده، ثم يدفعه ولكنه لا يتحرك نظراً لوجود قوى أخرى تمنعه من الحركة، وهكذا يتواصل حديثه بشرح العلاقة بين المكان والزمان والكتلة، وأن نظريته قد غيّرت من مفهوم الزمان من كونه ثانياً ومحدداً؛ إلى كونه بعداً آخر غير مكاني، وجعلت الزمان والمكان شيئاً واحداً، والأهم جعلت مفهوم الوقت يتوقف على سرعة الأجسام، مما أدى إلى أن يصبح تقلص وتمدد الزمن منطلقاً لفهمٍ أكثر دقة للكون. ثم ختم عرضه بأغنية طريفة بعنوان "ادفع ، اسحب"، وكأنما يلخص نظريةً عظيمة غيّرت وجه العلوم في بضع كلمات مضحكة! لكن الأكثر هو ما حدث بعد العرض؛ حينما بدأ بتلقي الأسئلة من الجمهور والتي توقعتها أسئلة تقليدية لن تخرج عن أسلوبه في العرض أو أسئلة شخصية عن حياة "أينشتاين" نفسه، لكنني ذهلت من كون جيع الأسئلة كانت علمية، بل إن بعضها كان عميقاً جداً، كالسؤال عن الفرق بين "نسبية" "أينشتاين" و"نسبية" "نيوتن"! وآخر عن سبب عدم تقدم سن من يسافر في الفضاء بسرعة تفوق سرعة الضوء على عكس من يبقى على وجه الأرض! وآخر عن قدرة نظرية "النسبية" تفسير ظاهرة الثقوب السوداء! وهلم جرا، والعجيب أن "أينشتاين" المزيف استطاع وبسهولة الإجابة عن جميع تلك الأسئلة، بل وقدم إجابات واضحة وشافية، الأمر الذي يؤكد اطلاعه المتواصل على فروع الفيزياء المختلفة ومستجداتها.
ما الفائدة من حفظ نظريات العلوم الأساسية كالفيزياء والكيمياء دون فهمها؟ أو على الأقل دون إدراك نطاق عملها، وهو ما نعمل عليه ليل نهار في منظومة تعليمنا العام، التي لا تزال - حتى بعد تطوير كتب المناهج - معتمدة على أسلوب التلقين والحفظ، دون التجرؤ ولو لمرة واحدة أن تجعل كل هذا معتمداً على تجربة التعليم الذاتي والملموس، كما هو حال هذا العرض التفاعلي، الذي يقول عن فلسفته مؤسسه: "إنها تقوم على أن الطالب يتعلم بشكل أفضل عندما يكون في جوٍ مرح، كما أن العلوم يكون استيعابها أسهل عندما تعرض حيّة على الهواء". هذا بالطبع يقودنا إلى أن يكون الطالب هو من يبحث عن المعلومة ويدرك نطاقها، بعد ذلك سوف يصبح قادراً على الحصول على أي معلومات أخرى، فكل ما يحتاج الأمر الآن إلى مجرد اتصال نشط إلى شبكة الإنترنت، وبعده سوف يتكفل محرك البحث بالإجابة عن أي معلومة تريد، لكن الفرق – بالتأكيد – يكمن بأن من يكون مدركاً لفكرة النظرية، ومستوعباً لنطاق علمها يجعله متفوقاً بدرجاتٍ أكثر عمن سواه.
يقول "ألبرت أينشتاين" - بالطبع النسخة المزيفة منه - إنه يلتقي كل يوم أسئلة مثيرة للاهتمام، من فتية وفتيات لم يفهموا نظرية "النسبية" إلا من خلال عرضه الترفيهي، لكنهم وبعد إدراك خطوطها العريضة ينطلقون إلى آفاق أوسع، ولا يخجلون من طرح أسئلتهم وتساؤلاتهم التي تتجاوز ما يتوقعه منهم، وهم بالتأكيد يؤكدون يوماً بعد يوم أن العقل البشري لا يزال قادراً على الوصول إلى آفاقٍ أوسع مما نتصور، وأنه قادرٌ على طرح أسئلة أشمل، فقط كل ما يحتاجه الأمر هو أن نجعل تلك العلوم مشوّقة ومسلّية، والأهم أن نجعل الطريق سالكة أمامهم

عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 17 أكتوبر 2014

"سكند لايف".. حياة أولى أم ثانية؟

"بالأمس اشتريت أرضاً بعشرين ألف دولار "لنديني"؛ في ضاحية راقية من ضواحي "سكند لايف Second Life", بل إنني أخطط لاستثمار هذه الأرض البكر ببناء مجمع تجاري مختلف! ولدي الكثير من الخطط والأفكار", هكذا استمر صديقي –المهووس بالتقنية- بالحديث عن تفاصيل حياته اليومية هناك. لم أصب بالدهشة أو الاستغراب, لأنه لم يكن يتكلم عن عالم رقمي غير محسوس, بل عن حقيقة افتراضية في طريقها القريب إلى أن تتحول إلى واقع ملموس!





"الحياة الثانية" عالم افتراضي على شبكة الإنترنت يحاكي واقع حياتنا اليومية, ولكن عبر شاشة الحاسب الآلي, والتي عبر أبعادها الثلاثة تستطيع أن تبني عالماً خاصاً بك أنت, تستطيع أن تصمّم شخصيتك الافتراضية, أو ما يطلق عليه بلغتهم: "Avatar", بما تتمنى أنت, وباللون والطول والشعر الذي تحب! وبها تعيش وتتفاعل مع محيطك على أرض الحياة الثانية أو "The Land", وكأنما تعيش على أرضٍ حقيقية, فيها تبني وتهدم, وبها تبيع وتشتري, بل تتزوج وتنجب, وقد تطلّق شريكة حياتك كذلك! هناك تقابل من تشاء, وتخالط من ترغب, وقت ما تشاء, دون أي رقابة أو حدود, هناك تنطلق بمشروعك الفني أو التجاري دون وثائق أو شروط, هناك تعيش حياةً كما تريد أنت لا كما يفرض عليك واقعك أو مجتمعك, وهذا ببساطة سر إقبال هذا الجمهور المتضاعف من المسجلين حول العالم, والذي تؤكد إحصاءات مؤسسي "الحياة الثانية" أن عدد مدمينها الفاعلين حالياً قد تجاوز ستمئة ألف شخص, من بين واحدٍ وعشرين مليون حساب أنشئ خلال السنوات الماضية.
هذا التوسع في "الحياة الثانية" وتطورها إلى محاكاةٍ مثيرة لواقع الحياة, جعلها هدفاً للكثير من المؤسسات المتنوعة ذات الأهداف المختلفة, فالشركات التجاربة الكبرى لها تواجد تسويقي متواصل, وحتى الجامعات والمعاهد العلمية وبعض المؤسسات الحكومية, الأمر الذي حدا بمملكة السويد أن افتتحت سفارة لها في "الحياة الثانية"! دون إغفال تحقيق البعض ثروات مفاجئة من وراء تقديم خدمات لمشتركيها, كما هو الحال مع مصممة الأزياء "فيرونيكا براون" التي كسبت عشرات آلاف الدولارات من تصميم أزياء "أفتار" شخوص الحياة. خصوصاً مع توسع النتائج الاقتصادية لهذه المنظومة التي حققت عام 2013 نسبة نمو 11% في الناتج السنوي لها, لكن المعلومة الصادمة هنا: هي أن قيمة التعاملات المالية في "الحياة الثانية" خلال العشر سنوات الماضية قد تجاوز 3 مليارات دولار أميركي! بمعدل 1.2 مليون عملية يومياً, من بيع وشراء مواد افتراضية أو حتى مواد وخدمات من الواقع الحقيقي بواسطة متاجر افتراضية في "الحياة الثانية", ولك أن تتصور أن اقتصادنا السعودي غائب تماماً عن كل هذا!
المثير في الأمر أن مؤسسها الأميركي "فيلب روزدال" كان يهدف في البداية إلى تأسيس شركة مختصة بملحقات أجهزة الحاسب الآلي عام 1999 التي تستخدم لتجسيد العوالم الافتراضية, لكن يبدو أن الفكرة لم تنجح بالشكل المأمول؛ فتحول الأمر إلى ابتكار وتطوير تطبيق "عالم ليندين Linden World", تلكم المنصة الإلكترونية التي تتيح للمستخدمين فرصة التفاعل مع مستخدمين آخرين بواسطة شخصيات افتراضية, وحياة كما لو كانت واقعاً يلمس, وهكذا انطلقت تلكم "الحياة الثانية", وبدأت بالتوسع تدريجياً, وجذب الجمهور وتقديم أسلوب ترفيهي مختلف عما يقدم عبر شبكة الإنترنت, كما في ألعاب الفيديو التفاعلية على سبيل المثال.



بالطبع هذا الإدمان يعيد طرح السؤال المتكرر عن مدى قدرة مثل هذه المنظومات الافتراضية على الهروب بنا من واقعنا الحالي إلى عالمٍ افتراضي جميل وبراق, خصوصاً أن الشركة ومؤسسها يؤكدان أن "الحياة الثانية" ليست لعبة تنافس أو فخر كما هي الحال في الألعاب الآخرى, لأنه لا مجال فيها للمسابقة أو للحروب, إنما هي محاكاة رقمية للواقع اليومي, لذا فإن السؤال ليس عن إمكانية إدمان الكثيرين عليها, فهذا واقعٌ من الضروري أن تتعايش معه, لكن المعضلة الحقيقة هنا هي ما يراه الخبراء من تحوّل إدمان إضاعة الوقت في الممارسات العادية؛ إلى قضائه في الساحات الخلفية للحياة الثانية, التي تحوّلت إلى قنوات موازية -غير مراقبة- لنشر الرذيلة والممارسات غير السويّة, سواء على مستوى العلاقات غير الشرعية, أو حتى عرض الصور أو مقاطع الفيديو المحظورة دولياً, مما حدا بأحد المشايخ إلى إصدار فتوى بتحريم التسجيل والمشاركة فيها, بيد أن الأمر لم يقف عد حد العروض الفضائحية على جزر "الحياة الثانية" أو تقديم الاستشارات الضارة؛ إذ أشارت إحدى التحقيقات الصحفية مؤخراً إلى تحولها إلى ساحة للترويج لأفكار الجماعات الإرهابية المتطرفة, التي تحاول الاستفادة من جو الحرية المطلقة هناك, ومن الاستعداد النفسي لمدمني "الحياة الثانية" للاستماع, ثم التأثر بتوجهات مثل هذه الجماعات, وللأسف الانضمام إليها في نهاية الأمر.




وجود "الحياة الثانية" وتزايد انتشارها وتوالد الأفكار المشابهة لها؛ يجعل من الضرورة أن نركز التفكير في التعرف على جمهورها واستشراف مستقبلها, وأن نتوقف عن النظر إليها بشيء من الفوقية وعدم الاهتمام, وأن يكون لنا فيها موطئ قدمٍ معتبر, بالإضافة إلى أن نكون لاعبين أساسيين لا مجرد ضيوف عابرين, ويزداد الأمر أهميةً: توسعها المتواصل, وتداخلها مع وسائط الاتصال الاجتماعي, والتي وإن كانت هي "الحياة الثانية" اليوم؛ فهي بلا شك الحياة الأولى في قادم الأيام.


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 10 أكتوبر 2014

في "نوليتا".. المكتبات غير!

الجميع يعرف أننا نوجه تراجعاً هائلاً في معدلات قراءة الكتب، وهي المعدلات المنخفضة أصلاً! فما بالك اليوم بعد دخول الهواتف الذكية على الخط، وقدرتها على إشغال حاملها لفترات زمنية قد لا تنتهي، ولكن يبقى للكتاب عبق دائم، وفوائد لا يمكن إحصاؤها، وغنائم لا يقدرها إلا من تذوقها، وعاش في نعيمها مرات ومرات عديدة.
لكن ألا يستحق مجتمعنا أن نفكر بمبادرات جريئة؟ تحاول تقريب أفراده من الكتب وملامسة الورق، كما فعلت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض حينما تشجعت ووضعت ركناً لقراءة الكتب في مطار الملك خالد الدولي، وسمحت للمسافرين باختيار ما يعجبهم، ثم قراءته حتى موعد إقلاع طائراتهم، والرائع في الأمر أن التجربة نجحت بتفوق، وكثير من المسافرين يطالب الآن بالعمل على تنويع القائمة وزيادة عدد الكتب المتاحة.
لكن ماذا لو خرجنا إلى المجتمع، وحاولنا جذبه نحو الكتب بطريق سهلة وبسيطة، بدلاً من الاختباء خلف طاولة الاستعارة، وانتظار الجمهور أن يقود سيارته، ويوقفها في المواقف المخصصة، ثم يدخل المكتبة ويتجول في أرجائها الضخمة، حتى يصل إلى مرحلة التسجيل والاستعارة، وبالطبع كل هذا يستهلك وقتاً طويلاً لا يملكه الكثيرون، دون إغفال أنه جهدٌ قد لا يشجع الآخرين على محاولة القراءة فضلاً عن الذهاب إلى مكتبة أصلاً!
هذا ما حدث فعلاً في الحي النيويوركي الصغير "نوليتا Nolita" الذي يقع في الجزء السفلي من حي شبة جزيرة منهاتن، حيث لاحظت من فترة خلال مروري بالحي وجود خزانات صفراء مقلوبة رأساً على عقب في بعض شوارع الحي الصغير، لم أعرها الانتباه في بداية الأمر، حتى تغلّبت عليّ الشهوة البشرية بحب الاطلاع والتعرّف على الأشياء، واقتربت من أحدها، حيث تعجبت من وجود بضعة ثقوب في جدار الخزان تساعد على إلقاء نظرة خاطفة داخله، والذي اكتشفت من خلالها وبعد النظرة الأولى أن تلك الخزانات لا تحوي شيئاً سوى الكتب! نعم خزانات ماء عتيقة تحولت هكذا إلى مكتبة متناهية الصغر لاستعارة الكتب.






لم يكن مكتوب عليها سوى "مكتبة مجانية صغيرة" ومن الداخل رفٌ واحد من الكتب، مقسم إلى قمسين اثنين؛ الأول للكتب المعدة للاستعارة والآخر للكتب المعادة، هنا بدأت بالبحث عن هذه المكتبات الصغيرة، والتي بدأت بالانتشار في مدينة نيويورك، وبأشكال مختلفة مثيرة للاهتمام! فوجدت أنه هذه المبادرة "اللطيفة" جاءت نتيجة شراكة "الرابطة المعمارية للنيويورك" و"مهرجان أصوات عبر العالم" بهدف العمل على إحياء الروح الإنسانية للحي السكني، والاقتراب بالكتاب نحو السكان قدر الإمكان، إذ وبعد الإعلان عن المسابقة المعمارية وشروطها الاجتماعية عام 2013، تأهل للنهائيات عشرة مصممين معمارين، وكان من أجملها فكرة التصميم الذي تقدم به مكتب "ستديو تانك" وهو أحد الأستديوهات المعمارية النيويوركية الشهيرة، واختير حي "نوليتا" لتنفيذ الفكرة بعد موافقة مؤسسات المجتمع في الحي، ثم تبرعت مدرسة القديس باترك القديمة في الحي نفسه لاستضافة ورشة العمل.



يقول المصمم "مارسيلو إرتورتيقاي": إنه استطاع بفكرة إعادة تأهيل خزانات المياة القديمة إلى مكتبات صغيرة؛ استطاع الخروج بوظيفة جديدة لهذه الخزانات عديمة الفائدة حالياً، والتي كثيرٌ منها حالياً يقبع دون فائدة على أسطح البنايات القديمة في الحي، بيد أن الأجمل في الفكرة - أيضاَ -: أنه بدخول المهتم وسط هذا الخزان سوف ينعزل نوعاً ما عن محيطه ليستطيع الاطلاع السريع على الكتب المعروضة، واختيار ما يناسبه منها.





بالطبع الفكرة رائعة وسهلة، مما جعلها تتطور وتتوسع في المدينة وخارجها، والفضل يعود في ذلك لوجود عددٍ من المهتمين بإعادة روح الثقافة وأنسنة شوارع المدينة من جديد، ومنها المنظمة غير الربحية: Little Free Library "المكتبة المجانية الصغيرة"، التي أسسها "تود بول" في "ويسكونسن" إكراماً لذكرى والدته المحبة للكتب والقراءة، ولكن الحديث عن هذه المنظمة الرائعة يحتاج مقالاً مستقلاً، لكونها فكرة مهلمة وذات أثر واضح ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، بل على مستوى دول كثيرة حول العالم، ولكن ماذا لو استطعنا تطوير تلك الفكرة وتحويرها لتناسب مجتمعنا؟ خصوصاً مع الموجة القادمة لمشاريع قطارات النقل العام في المدن الكبرى: الرياض، جدة، والدمام، ماذا لو أوجدنا مثل هذه المكتبات الصغيرة في محطات الانتظار المتعددة؟ الصغيرة منها والكبيرة، واتحنا الفرصة للمهتم بأن يستعير كتاباً في محطة الانطلاق ليعيده في محطة الوصول وهكذا دوليك، أما لمن فقد الأمل في الكتاب الورقي، فمن الممكن أن نتيح تحميلاً مجانياً لكتب إلكترونية مختارة يقرؤها الراكب خلال رحلة في القطار، من خلال قراءة جهاز الهاتف لرمز شريطي "Bar Code" مجاني يتغير كل فترة محددة، دون إغفال خطوط الحافلات كذلك.
أيها الأصدقاء أفكار تحفيز القراءة كثيرة، ووسائل تنفيذها غير مكلفة؛ بقي أن نبادر ونتخذ القرار.


عبدالرحمن السلطان



الأحد، 5 أكتوبر 2014

"لسعات" متعمدة!

أتذكر دهشتي أثناء دراستي للصيدلة قبل سنوات طويلة، حين كان أساتذتي الكرام يستشهدون بمواقف علماء وباحثين وهبوا أنفسهم للعلم، وخاطروا بحياتهم أو حياة أحبائهم فقط في سبيل تقدم البشرية! كما فعل العالم الإنجليزي "أدوار جينز"، الذي جرب لقاح الجدري على فلذة كبده!
بالطبع كان الاستشهاد يأتي في إطار تحفيزنا نحو بذل مزيد من الجهد والاهتمام، حتى لو استلزم الأمر أن نضحي بما نحب، ولكن يبدو أن أحد العلماء الشباب في وقتنا الحاضر قد أخذته الحماسة لشيء أوسع من ذلك، فها هو طالب الدكتوراه "مايكل سميث" في جامعة "كورنيل"؛ يهب جسمه لتقدم العلم كما يقول! وذلك عبر تلقي خمس لسعات من النحل يوميا، والهدف من ذلك هو دراسة وتحديد أكثر مناطق الجسم تألما من لسعات النحل!



أمرٌ غريب وهمّة أغرب، ولكن صاحبنا يقول: "إنه لم يجد أفضل وأكثر دقة من نفسه"، بحيث يستطيع تحديد أكثر المناطق إيلاماً في الجسم من لسعات النحلة، وقد خرج صاحبنا بعد لسعات متعددة وفي أماكن لا تخطر بالبال بقائمة طويلة؛ تبدأ أشدها إيلاما في "المنخر"، ثم "الشفة العلوية"، وتتناقص حتى تصل طرف الأصبع الوسطى، والأقل إيلاما: البطن!




والحقيقة أنني لا أدعو هنا علماءنا الشباب لاستلهام نموذج "مايكل"، لا من ناحية موضوع بحثه أو أسلوب تجربته، ولكنني أطمح أن تعود همتنا في البحث العلمي لما كان عليه علماؤنا المسلمون الأوائل، ممن ابتدعوا "المنهج التجريبي" في العلوم، ومنه أطلقوا إبداعاتهم وابتكارتهم التي بقيت بعدهم لقرون عديدة، وأضحت هي الأساس العلمي لكثير من المخترعات الحالية.
أصدقائي.. نحن - فقط - بحاجة لحمل همّ "العلم" بشكل أكبر، وأن يكون علماؤنا الشباب مستعدين للتضحية بالغالي والثمين فقط لصالح "العلم"، فهل نحن فاعلون؟


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 3 أكتوبر 2014

موسم الحج.. "أنثروبولجيا" وأكثر

حججت - ولله الحمد - أكثر من مرة، ولكن تبقى الحجة الأولى هي الأكثر بقاء في ذاكرتي، وإليها أعود بمخيلتي وأستذكر تلك اللحظات الجميلة.. كنت في عامي الجامعي الثاني، وذهبت في رحلة إيمانية مع زملائي في الكلية، وللحق لن أنسى تلك الرحلة العظيمة.
غني عن القول إن الحج موسم استثنائي بامتياز، ففيه تجتمع أعراق وألوان مختلفة من كافة أنحاء المعمورة، كلها تحمل ذات الهم، وكلها تتوجه إلى الخالق وحده عز وجل، هذا التلاحق السنوي يفرز موسما ثقافياًّ مختلفاً، يزداد تنوعاً وغنى كل سنة وكل موسم، غير أننا ورغم جميع الجهود العظيمة المبذولة في خدمة ضيوف الرحمن، وكل هذه التغطية الإعلامية المتواصلة؛ إلا أننا نغفل عن توثيق هذا الموسم من الناحية الأنثروبولجية، وهنا مربط الفرس، فالكل يصل إلى المشاعر المقدسة وهو يحمل خلفية ثقافية مختلفة، ليمارس طقوساً دينية محددة، ولكن ضمن اختلافات مذهبية متنوعة، بل قد تكون هناك اختلافات طفيفة بين أصحاب المذهب الواحد إذا كانوا ينتمون إلى دول مختلفة
لذا يصبح من الضروري العمل على دراسة هذه الممارسات وتوثيقها بشكل علمي ومنهجي، بل والعودة إلى الوراء ودراسة الثقافة المرتبطة بالحج والحجاج، وليس فقط الاكتفاء بالممارسات الحالية، والتي بدأت تقترب من بعضها البعض، نظراً لتغيّر المعالم الجغرافية للمشاعر المقدسة، وترابط وسائل الاتصال.




فالحج قديما كان رحلة لا تنسى في حياة أي فرد، وفي مسيرة أي عائلة، لذا تجد كثيراً من الثقافات تحتفل بالحج وبقافلة الحج قبل خروجها من بلدتها، ولكلٍّ طقوس وعادات مختلفة، بل وغريبة! بداية من عقد العزم على الحج، مروراً بتحضير المستلزمات، وانتهاءً بكتابة الوصيّة وترتيب أمور العائلة قبل الخروج إلى الحج، فهو بالطبع لا يعلم أنه سوف يعود بالتأكيد إلى أهله وبلده بعد هذه الرحلة الصعبة والشاقة، عطفاً على كثرة قطاع الطرق، وبعد المسافة، ومشقة الطريق.
بالطبع وثّق الكثيرون رحلاتهم إلى الحج، بيد أن أغلب ذلك التوثيق كان على شكل مقالات عابرة أو كتب معقدة أو بضع صور متفرقة، دون الغوص في العمق الأنثربيولجي للممارسات البشرية، غير أفضل توثيق مميز وغني بالصور والمعلومات كانت رحلة "أستوديو مصر" إلى الحج عام 1357 الموافق 1938، والتي كانت مرافقة لرحلة الرئيس المصري السابق محمد نجيب للحج، والذي استقبله جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله -، وخلال هذا الفيلم التوثيقي - الذي تقارب مدته ساعة كاملة - توثيقٌ تلفزيوني نادر لأقدم كلمات الملك المؤسس والتي وجهها للحجاج، إذ تبدأ رحلة "أستديو مصر" بتحميل كامل معداته على سفينة "كوثر" المصرية التي كانت مغادرة إلى المشاعر المقدسة، ثم وصولها إلى ميناء جدة، ثم الانتقال بواسطة بعض السيارات والكثير من الإبل إلى مكة المكرمة، ثم صور متحركة ونادرة للحرم المكي ومقامات المذاهب المتعددة، دون إغفال تصوير الحجر الأسود وطواف الملك عبدالعزيز حول الكعبة، ورجال الشرطة بملابس الإحرام! ثم الانتقال إلى مشعر "عرفة"، ثم إلى "منى" ونحر الهدى ورمي الجمار، ثم طواف الإفاضة، ثم حفل الاستقبال الملكي للجيش أمام الملك عبدالعزيز بحضور ضيوف الدولة، والذي تكوّن من استعراض عسكري بموسيقى عسكرية وبعرضة نجدية! ثم يوثق الفيلم سفر كثير من الحجاج إلى المدينة المنورة، كما هي عادة غالبيتهم في وقتنا الحاضر، لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعريج على المساجد السبعة وزيارة مقبرة البقيع. والحقيقة أنني أعتقد أن أرشيف "أستديو مصر" قد يحتوي على الكثير من المشاهد الخام التي لم تظهر في الفيلم المنشور، والتي يمكن الاستفادة منها، ودراستها من جديد للخروج بالكثير من المعلومات والحقائق عن تلك الفترة.
ألا يستحق تاريخ الحج وأنثروبولجيته أن يكون المحور الرئيس لإحدى ندوات الحج الكبرى، التي تنظمها وزارة الحج كل عام، فهو موضوع مهم وحيوي لم يأخذ حقه من الاهتمام، وقد يكون فرصةً لمراجعة ما مضى ودراسة عادات الحجاج من مختلف بقاع الأرض، بما يعود بالفائدة والنفع على المواسم القادمة للحج. إنها دعوة صادقة لعلماء الاجتماع والمختصين والمهتمين نحو التوجه لمزيدٍ من الدراسة المعمقة لعادات وتقاليد الشعوب قبل أداء ركن الحج وبعده، فالمجال واسعٌ وكبير، وبالتأكيد فإنه مليء بالمعلومات الغربية والعادات الأكثر غرابة! والله المستعان.


عبدالرحمن السلطان