الجمعة، 3 أكتوبر 2014

موسم الحج.. "أنثروبولجيا" وأكثر

حججت - ولله الحمد - أكثر من مرة، ولكن تبقى الحجة الأولى هي الأكثر بقاء في ذاكرتي، وإليها أعود بمخيلتي وأستذكر تلك اللحظات الجميلة.. كنت في عامي الجامعي الثاني، وذهبت في رحلة إيمانية مع زملائي في الكلية، وللحق لن أنسى تلك الرحلة العظيمة.
غني عن القول إن الحج موسم استثنائي بامتياز، ففيه تجتمع أعراق وألوان مختلفة من كافة أنحاء المعمورة، كلها تحمل ذات الهم، وكلها تتوجه إلى الخالق وحده عز وجل، هذا التلاحق السنوي يفرز موسما ثقافياًّ مختلفاً، يزداد تنوعاً وغنى كل سنة وكل موسم، غير أننا ورغم جميع الجهود العظيمة المبذولة في خدمة ضيوف الرحمن، وكل هذه التغطية الإعلامية المتواصلة؛ إلا أننا نغفل عن توثيق هذا الموسم من الناحية الأنثروبولجية، وهنا مربط الفرس، فالكل يصل إلى المشاعر المقدسة وهو يحمل خلفية ثقافية مختلفة، ليمارس طقوساً دينية محددة، ولكن ضمن اختلافات مذهبية متنوعة، بل قد تكون هناك اختلافات طفيفة بين أصحاب المذهب الواحد إذا كانوا ينتمون إلى دول مختلفة
لذا يصبح من الضروري العمل على دراسة هذه الممارسات وتوثيقها بشكل علمي ومنهجي، بل والعودة إلى الوراء ودراسة الثقافة المرتبطة بالحج والحجاج، وليس فقط الاكتفاء بالممارسات الحالية، والتي بدأت تقترب من بعضها البعض، نظراً لتغيّر المعالم الجغرافية للمشاعر المقدسة، وترابط وسائل الاتصال.




فالحج قديما كان رحلة لا تنسى في حياة أي فرد، وفي مسيرة أي عائلة، لذا تجد كثيراً من الثقافات تحتفل بالحج وبقافلة الحج قبل خروجها من بلدتها، ولكلٍّ طقوس وعادات مختلفة، بل وغريبة! بداية من عقد العزم على الحج، مروراً بتحضير المستلزمات، وانتهاءً بكتابة الوصيّة وترتيب أمور العائلة قبل الخروج إلى الحج، فهو بالطبع لا يعلم أنه سوف يعود بالتأكيد إلى أهله وبلده بعد هذه الرحلة الصعبة والشاقة، عطفاً على كثرة قطاع الطرق، وبعد المسافة، ومشقة الطريق.
بالطبع وثّق الكثيرون رحلاتهم إلى الحج، بيد أن أغلب ذلك التوثيق كان على شكل مقالات عابرة أو كتب معقدة أو بضع صور متفرقة، دون الغوص في العمق الأنثربيولجي للممارسات البشرية، غير أفضل توثيق مميز وغني بالصور والمعلومات كانت رحلة "أستوديو مصر" إلى الحج عام 1357 الموافق 1938، والتي كانت مرافقة لرحلة الرئيس المصري السابق محمد نجيب للحج، والذي استقبله جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله -، وخلال هذا الفيلم التوثيقي - الذي تقارب مدته ساعة كاملة - توثيقٌ تلفزيوني نادر لأقدم كلمات الملك المؤسس والتي وجهها للحجاج، إذ تبدأ رحلة "أستديو مصر" بتحميل كامل معداته على سفينة "كوثر" المصرية التي كانت مغادرة إلى المشاعر المقدسة، ثم وصولها إلى ميناء جدة، ثم الانتقال بواسطة بعض السيارات والكثير من الإبل إلى مكة المكرمة، ثم صور متحركة ونادرة للحرم المكي ومقامات المذاهب المتعددة، دون إغفال تصوير الحجر الأسود وطواف الملك عبدالعزيز حول الكعبة، ورجال الشرطة بملابس الإحرام! ثم الانتقال إلى مشعر "عرفة"، ثم إلى "منى" ونحر الهدى ورمي الجمار، ثم طواف الإفاضة، ثم حفل الاستقبال الملكي للجيش أمام الملك عبدالعزيز بحضور ضيوف الدولة، والذي تكوّن من استعراض عسكري بموسيقى عسكرية وبعرضة نجدية! ثم يوثق الفيلم سفر كثير من الحجاج إلى المدينة المنورة، كما هي عادة غالبيتهم في وقتنا الحاضر، لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعريج على المساجد السبعة وزيارة مقبرة البقيع. والحقيقة أنني أعتقد أن أرشيف "أستديو مصر" قد يحتوي على الكثير من المشاهد الخام التي لم تظهر في الفيلم المنشور، والتي يمكن الاستفادة منها، ودراستها من جديد للخروج بالكثير من المعلومات والحقائق عن تلك الفترة.
ألا يستحق تاريخ الحج وأنثروبولجيته أن يكون المحور الرئيس لإحدى ندوات الحج الكبرى، التي تنظمها وزارة الحج كل عام، فهو موضوع مهم وحيوي لم يأخذ حقه من الاهتمام، وقد يكون فرصةً لمراجعة ما مضى ودراسة عادات الحجاج من مختلف بقاع الأرض، بما يعود بالفائدة والنفع على المواسم القادمة للحج. إنها دعوة صادقة لعلماء الاجتماع والمختصين والمهتمين نحو التوجه لمزيدٍ من الدراسة المعمقة لعادات وتقاليد الشعوب قبل أداء ركن الحج وبعده، فالمجال واسعٌ وكبير، وبالتأكيد فإنه مليء بالمعلومات الغربية والعادات الأكثر غرابة! والله المستعان.


عبدالرحمن السلطان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق