الجمعة، 24 أكتوبر، 2014

"ألبرت أينشتاين" بلحمه وشحمه!

نعم هذا صحيح، قابلت قبل أيام عالم الفيزياء الشهير والحاصل على جائزة نوبل "ألبرت أينشتاين"، رغم مرور 59 عاماً على وفاته! دعوني أخبركم أنه كان حاضر البديهة، سريع الإجابة كما عرف عنه، بل إن شعره الأبيض لا يزال متناثراً كما لو أن صعقة كهربائية أصابته قبل ثوان!



بالطبع لم يكن صاحبنا سوى الأميركي "مارك سبيقيل" الذي يكسب قوة يومه بأن يؤدي دور العالم "ألبرت أينشتاين" في عروض علمية متنقلة أمام طلاب المدارس وزوار المراكز العلمية في الولايات المتحدة الأميركية، يتبادل معهم أطراف الحديث، يمازحهم، يلتقط صوراً معهم، والأهم من ذلك - وهذا بيت القصيد - يتناقش معهم حول حقائق الفيزياء الأساسية، دون إغفال شرحه الخفيف والمسلي لنظرية "النسبية"، التي قادت "أينشتاين" للحصول على جائزة "نوبل" في الفيزياء عام 1921، وكانت فتحاً غيّر من مفاهيم كثيرة، وأجاب عن أسئلة أكثر.
استمتعت كثيراً بحديثي مع "أينشتاين" المزيف، الذي أشار إلى صلة قرابة تربطني به! كون "أينشتاين" يهودياً، واليهود هم أبناء عمومة العرب، على حد تعبيره، بالطبع لا بد أن نستذكر هنا أن "أينشتاين" اليهودي لم يكن صهيونيا، كونه رفض بشدة عرضاً من المؤتمر الصهيوني بأن يتولى رئاسة دولة إسرائيل، اعتراضاً منه على طرد أهل فلسطين الأصليين من بلادهم. بيد أن لم أستطع رفض دعوته لحضور عرضٍ مفتوحٍ عن "النسبية"، خصوصاً وأنني ما أزال أحمل أسئلة متعددة حول الإطار النظري للنظرية.




بدأ عرضه بالسؤال عن من يعرف شيئاً عن كلمة "relative" باللغة الإنجليزية؟ والتي تعني معاني متعددة، ثم السخرية من حصر البعض معناها بالأقارب فقط! ثم انطلق يتحدث عن بداية تفكيره بمفهوم النظرية حينما كان في ألمانيا وسويسرا قبل هجرته إلى الولايات المتحدة، لكنه لا يكتفي بالحديث و"الإسقاطات" الطريفة، بل يبدأ بدفع كرسي يرافقه أينما ذهب، حتى يتوقف الكرسي لوحده، ثم يدفعه ولكنه لا يتحرك نظراً لوجود قوى أخرى تمنعه من الحركة، وهكذا يتواصل حديثه بشرح العلاقة بين المكان والزمان والكتلة، وأن نظريته قد غيّرت من مفهوم الزمان من كونه ثانياً ومحدداً؛ إلى كونه بعداً آخر غير مكاني، وجعلت الزمان والمكان شيئاً واحداً، والأهم جعلت مفهوم الوقت يتوقف على سرعة الأجسام، مما أدى إلى أن يصبح تقلص وتمدد الزمن منطلقاً لفهمٍ أكثر دقة للكون. ثم ختم عرضه بأغنية طريفة بعنوان "ادفع ، اسحب"، وكأنما يلخص نظريةً عظيمة غيّرت وجه العلوم في بضع كلمات مضحكة! لكن الأكثر هو ما حدث بعد العرض؛ حينما بدأ بتلقي الأسئلة من الجمهور والتي توقعتها أسئلة تقليدية لن تخرج عن أسلوبه في العرض أو أسئلة شخصية عن حياة "أينشتاين" نفسه، لكنني ذهلت من كون جيع الأسئلة كانت علمية، بل إن بعضها كان عميقاً جداً، كالسؤال عن الفرق بين "نسبية" "أينشتاين" و"نسبية" "نيوتن"! وآخر عن سبب عدم تقدم سن من يسافر في الفضاء بسرعة تفوق سرعة الضوء على عكس من يبقى على وجه الأرض! وآخر عن قدرة نظرية "النسبية" تفسير ظاهرة الثقوب السوداء! وهلم جرا، والعجيب أن "أينشتاين" المزيف استطاع وبسهولة الإجابة عن جميع تلك الأسئلة، بل وقدم إجابات واضحة وشافية، الأمر الذي يؤكد اطلاعه المتواصل على فروع الفيزياء المختلفة ومستجداتها.
ما الفائدة من حفظ نظريات العلوم الأساسية كالفيزياء والكيمياء دون فهمها؟ أو على الأقل دون إدراك نطاق عملها، وهو ما نعمل عليه ليل نهار في منظومة تعليمنا العام، التي لا تزال - حتى بعد تطوير كتب المناهج - معتمدة على أسلوب التلقين والحفظ، دون التجرؤ ولو لمرة واحدة أن تجعل كل هذا معتمداً على تجربة التعليم الذاتي والملموس، كما هو حال هذا العرض التفاعلي، الذي يقول عن فلسفته مؤسسه: "إنها تقوم على أن الطالب يتعلم بشكل أفضل عندما يكون في جوٍ مرح، كما أن العلوم يكون استيعابها أسهل عندما تعرض حيّة على الهواء". هذا بالطبع يقودنا إلى أن يكون الطالب هو من يبحث عن المعلومة ويدرك نطاقها، بعد ذلك سوف يصبح قادراً على الحصول على أي معلومات أخرى، فكل ما يحتاج الأمر الآن إلى مجرد اتصال نشط إلى شبكة الإنترنت، وبعده سوف يتكفل محرك البحث بالإجابة عن أي معلومة تريد، لكن الفرق – بالتأكيد – يكمن بأن من يكون مدركاً لفكرة النظرية، ومستوعباً لنطاق علمها يجعله متفوقاً بدرجاتٍ أكثر عمن سواه.
يقول "ألبرت أينشتاين" - بالطبع النسخة المزيفة منه - إنه يلتقي كل يوم أسئلة مثيرة للاهتمام، من فتية وفتيات لم يفهموا نظرية "النسبية" إلا من خلال عرضه الترفيهي، لكنهم وبعد إدراك خطوطها العريضة ينطلقون إلى آفاق أوسع، ولا يخجلون من طرح أسئلتهم وتساؤلاتهم التي تتجاوز ما يتوقعه منهم، وهم بالتأكيد يؤكدون يوماً بعد يوم أن العقل البشري لا يزال قادراً على الوصول إلى آفاقٍ أوسع مما نتصور، وأنه قادرٌ على طرح أسئلة أشمل، فقط كل ما يحتاجه الأمر هو أن نجعل تلك العلوم مشوّقة ومسلّية، والأهم أن نجعل الطريق سالكة أمامهم

عبدالرحمن السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق