الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

عن مجلة ورقية ناجحة أحدثكم..

 يكاد يكون استقر لدى الجميع أن الصحافة الورقية في طريقها إلى الاندثار، وأنها سوف تتلاشى خلال سنوات قليلة، هذا بالنسبة للصحف الورقية اليومية، أما المجلات فهي الأكثر تعرضاً لمفارقة الحياة، وبالطبع هذا ما يبدو أنه يحدث في الغرب، حيث للقراءة والاطلاع نصيب من ثقافة المجتمع، فما بالك في مجتمعاتنا التي تضع القراءة والاطلاع في آخر اهتماماتها!
بالطبع حدث تراجع مستمر في توزيع الصحف والمجلات حول العالم، وذلك بسبب الثورة الرقمية، وانتشار الهواتف الذكية، لكن ماذا لو فكر أحد ما في إصدار مجلة جديدة وسط كل هذا التراجع والخوف من المستقبل؟ الكثير يكاد يجزم أن المشروع فاشل ولن يكتب له النجاح؛ بيد أن ما حدث كان عكس ذلك تماما!
إنها مجلة "Monocle" الشهرية، التي لم تصدر إلا عام 2007، الذي يعتبر بالتأكيد تاريخ صدور متأخر مقارنة بالكم الهائل من المجلات العامة والمتخصصة الصادر باللغة الإنجليزية، ولكنها الفكرة الجديدة والمراهنة على جودة المحتوى الأصلي الذي لن تجده في أي مكان آخر! والغريب في الأمر أن المجلة أضحت تحقق النجاح المتوالي، رغم حجمها الكبير وسعرها الغالي مقارنة بالمجلات الأخرى، لكن ما هي أسرار هذا النجاح؟ الذي من الممكن نقله وبكل سهولة إلى صحافتنا المحلية، وخصوصاً مجلاتنا الدورية، التي أضحت تتساقط واحدة تلو الأخرى.






بدأت قصة التفكير في مجلة رجالية عامة بمفهوم جديد ومختلف، من الصحفي الكندي "تاليور برول"، صاحب الخبرة الطويلة في الصحافة والعلاقات العامة، الذي كان مؤمناً بأنه لا يزال يوجد متسع لمجلة جديدة باللغة الإنجليزية، تطبع دولياً دون طبعات محلية، وتستهدف جمهورا محددا، وهم جمهور المسافرين الدائمين عبر العالم، ممن يهتمون باكتشاف أفضل الممارسات، والتعرف على قصص النجاح والمبادرة في كل شيء، من إدارة المدن الضخمة، مرورا بصناعات المعرفة وخطوط الموضة الرجالية، حتى العمارة البسيطة، مع الاهتمام الدقيق بالتفاصيل المعلوماتية الصغيرة، وتطوير هوية فنية دولية للمجلة، وبالطبع كان اختيار الاسم ذا دلالة رمزية مميزة، فـ"المونوكل" تعني نظارة عين واحدة، وكأنما المجلة تعتبر نفسها عيناً إضافية لك! غير أن الحقيقة أنها أكبر من ذلك، فهي وجبة بصرية ومعلوماتية لا تستطيع مطالعتها والانتهاء من قراءتها إلا بعد ساعات طويلة!
عند صدورها قبل سبع سنوات؛ توقع كثير من النقاد أن يكون مصيرها كمصير الكثير من المطبوعات الجديدة التي لا تستطيع تجاوز سنتها الأولى بنجاح، ولكنها وبهويتها العالمية استطاعت الظفر بفئة محددة من الجمهور في بلدان متعددة، فئة لم تكن تجد ما يلبي احتياجها، فالمجلات العالمية الشهيرة؛ إما أن تكون مصطبغة بصورة محلية، كما هو حال المجلات الأوروبية، أو أن تكون جادة بشكل يفوق التوقع، كما هو حال مجلات النخب الأميركية، لذا وجدت هذه المجلة موطئ قدم لها بكل سهولة، حتى وصفها أحد النقاد بأنها: "مجلة أنيقة لجمهور رواد الأعمال الشباب".
كان الهدف العمل على تقديم مادة صحفية دسمة ولكن بخطوط وقالب فني بسيط، فكافة الصور والرسومات خاصة بالمجلة، وجميع المواد أصلية ومكثفة، وكانت الرؤية تعتمد على تطوير علاقة القراء بمجلتهم، وتحويلها ليس فقط إلى منصة إعلامية لجمهورها، بل حتى ربطها بتوفير ما يحتاجه جمهورها من صفوة المجتمع، من ملابس تحاكي خطوط الموضة، وإكسسوارات ومعدات سفر، بل وحتى تدشين مقاهٍ تحمل علامتها التجارية، حتى وصلت قيمة المجلة إلى 70 مليون جنية إسترليني (أكثر من 420 مليون ريال سعودي) وهي التي انطلقت بثلاثة ملايين فقط، دون إغفال وجود موقع إلكتروني يطرح مقتطفات من مواد المجلة بشكل مجاني، ولكن بعد توالي نجاح المجلة وانتشارها حول العالم، بدأ ناشر المجلة بإعداد وتقديم برنامج إذاعي يحمل اسم المجلة، ليتطور الأمر بعد سنوات معدودة إلى إذاعة تبث 24 ساعة يوماً على شبكة الإنترنت، من مقرها في لندن، تقدم برامج يومية وأسبوعية مباشرة، تعتمد في مادتها الأساسية على مواد المجلة وملحقاتها، بل وتحويل بعضها إلى مواد صحفية في وقت لاحق، مع تقديم موسيقى تناسب نوعية جمهور المجلة من كثيري السفر والمتطلعين لمزيد من الثقافة وآخر المستجدات على مستوى المبادرات، الأفكار، الطعام والشراب، العمارة، خطوط الموضة، ونحوها، بالطبع كل هذا أدى إلى أن يكون حجم المجلة كبيراً جداً بمقاييس المجلات، فلك أن تتصور أن عدد الشهر الماضي من المجلة بلغت عدد صفحاته 316 صفحة، واحتوى ملحقين خارجيين اثنين، الأول بحجم "التابلويد" عن السياحة في سويسرا، والآخر بحجم المجلة عن أوكلاند ونيوزيلندا، وغيرها من الملاحق الصغيرة! مع ملاحظة أن نسبة الإعلان على صفحات المجلة تجاوزت نسبة 22% من مجموع الصفحات، وهي نسبة مرتفعة في الوضع الحالي الذي تمر به الصحافة الورقية، ناهيك عن أن أغلب –إن لم يكن كل- الإعلانات كانت لعلامات تجارية فاخرة ومشاريع شهيرة، كل هذا ولا يزال البعض يصر أن الصحافة الورقية سوف تنقرض!



الأفكار في جعبة فريق مجلة "مونوكل" كثيرة ومتعددة، أقلها إطلاق سلسلة برامج تلفزيونية بالشراكة مع قنوات فضائية شهيرة وغيرها من المبادرات الجديدة، ذلك أن رئيس تحرير المجلة وفريقها يؤمنون بأن المستقبل سوف يكون للوسيلة الإعلامية التي تتداخل مع الوسائل الإعلامية الأخرى، فالفكرة ليست مجرد موقع إلكتروني وحساب "تويتر" فقط كما هو حال أغلب المجلات الورقية، بل يجب أن يؤمن فريق الوسيلة مهما كان نوعها وشكلها النهائي، بأن نجاحها يكمن في الشراكة والتداخل مع كافة الوسائل الإعلامية الأخرى، والآن أدعوك عزيزي للاطلاع على أحد أعداد مجلة "مونوكل" لتعرف عن صدق جودة وحرفية الصحافة الورقية حينما تمارس بمهنية وإبداع مختلف.

عبدالرحمن السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق