الأحد، 7 سبتمبر 2014

دع عنك الطب والهندسة!

هل يمكن أن يكون دخل نجار ما، أعلى من دخل مهن اشتهرت بكونها الأكثر دخلاً والأعلى احتراماً؟ هذا ما يحدث ببساطة في واقع الحياة. بينما لا يزال جمهور الآباء والأمهات يحفزون أبناءهم ليلاً ونهاراً ليلتحقوا بكليات الطب والهندسة وغيرهما، أملاً أن ينضم ابنهم لقوائم المهنيين، وبالتالي يضمن لنفسه دخلاً مرتفعاً ومكانة محترمة، بينما الواقع النهائي مختلف عن ذلك تماماً!
قد تضمن دراسة مثل تلك التخصصات العلمية وظيفة مرموقة ودخلاً معقولاً، ولكنها بالتأكيد ليست الأكثر دخلاً؛ إذا ما قارنتها بالجهد المبذول في الدراسة، ومدتها الطويلة، ثم الدخول في منافسة مفتوحة مع زملاء المهنة، ثم الاستمرار في التعليم والتدريب المستمر الذي قد يمتد لسنوات طويلة بعد التخرج، ثم ماذا؟ قد يكون الراتب الشهري أعلى من غيره، ولكن إذا ما قمت بقسمة الراتب الشهري على عدد ساعات العمل، فحتماً سوف يكون أقل من غيره بكثير، ناهيك عن المسؤوليات الكبيرة والضغط النفسي، الذي تجعل من المستحيل على الموظف نفسه التمتع بهذا الدخل المرتفع.





المثير في الأمر هنا هو ما نشره مؤخراً موقع "كورا Quora" الإلكتروني، وهو أحد مصادر المعلومات المعتمدة على إجابات جمهور واسع، حيث كان السؤال عن الوظائف التي يعتقد أنها ليست مصدراً للرواتب المرتفعة، ولكنها في حقيقة الأمر مصدر "مجهول" للدخل الضخم، فمثلاً يعتقد الغالبية أن النجار لا يحصل على أجر مرتفع، بينما يحصل نجار يعمل في مسرح "كارنيجي" النيويوركي على 300 ألف دولار! وهو أكثر بقليل مما يحققه نجار عادي يعمل في بناء البيوت الشخصية، بينما بلغ أقل راتب لخبيرة أعمدة مسارح أكثر من 400 ألف دولار، وهو ما يوازي راتب مدير شركة متوسطة الحجم. ويستمر الموقع بسرد الوظائف التي تحصل على أجور مرتفعة، فمن بينها "ناظر مصعد موقع بناء"، وهو الشخص المسؤول عن تشغيل المصعد الخارجي في موقع ناطحة سحاب، الذي يحصل على راتب يتجاوز جميع مشرفي ومديري المشروع الميدانيين، كما هي الحال في مشاريع ناطحات سحاب نيويورك، ذلك أن ناظر المصعد يتجاوز في عمله مفهوم ضغط زر تحريك المصعد بين طوابق البناء، إلى مسؤولية الحفاظ على سلامة الركاب والمواد، وهو أمر تتداخل فيه عوامل كثيرة تجعله مستحقاً لمئات الآلاف من الدولارات كل عام!
الإشكالية هنا هو استمرار الاعتقاد الشعبي أن الحصول على دخل مرتفع مرتبط بالعمل في الوظائف والمهن الشهيرة، والذي لا يعرفه كثيرون أن ممرضة في وحدات العناية المركزة قد تتقاضى راتباً يفوق طبيباً أخصائياً، أو أن فني صيانة معالجة مياة المصانع قد يتقاضى راتباً يتجاوز بمراحل راتب من يشرفه عليه! وهكذا دواليك، بل بالعكس تزداد أهمية الوظيفة ويرتفع دخلها متى ما ابتعد عنها الطامحون، ولك أن تتصور ندرة من يعمل في مختبرات تطوير الأدوية مثلاً، فالكثرة الغالبة من الصيادلة يتجهون للعمل إما في المستشفيات أو شركات الأدوية، بينما القلة النادرة تتجه للعمل في مختبرات تطوير الأدوية في المصانع أو مراكز الأبحاث، لذا يصبح الطلب كبيراً على هؤلاء مقارنة بزملائهم ممن اختاروا العمل التقليدي، وعلى هذا فقس كل مناحي العمل في الحياة، وهو نفس السبب الذي يجعل سباكاً أو كهربائياً مبتدئاً يحقق دخلاً يفوق بمراحل ما يحققه الموظف المتوسط، وبالطبع تزداد أهمية هؤلاء من الحرفيين في المجتمعات التي يستنكف أبناؤها عن العمل في مثل هذه الأعمال، كما هي الحال هنا في المملكة.
للأسف يتنازل الكثير من الشباب عن حقهم الطبيعي في اختيار طريقهم المهني، فهو إما يخضع لرغبة والديه أو يتأثر بالرائج في المجتمع، أو حتى يقلد أصدقاءه ببساطة، ليتحول في نهاية الأمر إلى مجرد رقم لا يقدم ولا يؤخر، لا يعمل بشغف ولا يحقق أحلام حياته، فكم من شابٍ لم تكن الدراسة الجامعية مطلب حياته، بل كان يتمنى أن يعمل بيديه، سواء في روشة أو منجرة أو نحوهما، ولكنها نظرة المجتمع هي من جعلته يجبر نفسه على الدراسة ثم العمل في وظيفة مكتبية لا يحبها! لكن الجانب الإيجابي هنا، هو أن الحل بسيط، كما أنه ليس مرتبطاً بعمر معين! ولكنه يتطلب شجاعة كبيرة، ذلك أن الكثير منا يعمل في وظيفة لا يحبها، فقط لأنها تدر عليه دخلاً يحفظ استقرار حياته وحياة أسرته، بينما لو انتقل ليعمل ما يحب، مهما كان نوع ذلك العمل، فسوف ينطلق إلى آفاق أوسع ويحقق نجاحا يزيد من ثقته في نفسه، والأهم من ذلك سوف يحقق دخلاً أعلى مما كان يحققه سابقاً، والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة، والقاسم الوحيد بينها أن يعمل الإنسان في ما يحب، دون أن يهتم بما يراه الناس.. فقط تشجع وافعل ما تريده أنت.

عبدالرحمن السلطان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق