الجمعة، 31 يناير، 2014

ظلم "ساند" من "التأمينات الاجتماعية"! + رد "التأمينات الاجتماعية" على المقال

شعارات رنانة، ومؤتمر صحفي جامع، وللأسف في نهاية الأمر اتخاذ قرار ملزم للجميع دون استشارة أصحاب الشأن في أموالهم! هذا ما حدث في المؤتمر الصحفي الأخير لمعالي محافظ مؤسسة التأمينات الاجتماعية، الذي أعلن فيه عن إطلاق برنامج "ساند" الجديد، دون أدنى اهتمام برأي مشتركيه!



"ساند" برنامج جديد لإعانة المنقطعين السعوديين عن العمل في القطاع الخاص لمدة محدودة، إذ سوف تستقطع مؤسسة "التأمينات الاجتماعية" بعد ستة أشهر من الآن 2% من أجر جميع مشتركيها السعوديين، يدفعها صاحب العمل والمشترك مناصفة، بحيث يصرف التعويض للمنقطع بواقع 60% من متوسط السنتين الأخيرتين للأجور، بحيث لا تتجاوز 9000 ريال في الشهر، وبواقع 50% من هذا المتوسط عن كل شهر يزيد عن ذلك بحد أعلى لمبلغ التعويض قدره 7500 ريال، وللأسف جاء إقرار هذا الاستقطاع "الجائر" دون أدنى موافقة ممن سوف يدفعون أموالهم في هذا البرنامج الجديد، وغني عن القول أن إقرار هذا البرنامج بمثل هذا الأسلوب يظلم الكثرة الغالبة من مشتركي المؤسسة، ولا تستفيد منه إلا القلة القليلة، على عكس الهدف الأساسي للمؤسسة وهو الراتب التقاعدي، الذي يحصل عليه الجميع بلا استثناء، ويضمن حياة كريمة للمشترك بعد تقاعده.



خلال هذا المؤتمر ساق محافظ المؤسسة العديد من الحجج والتبريرات، التي يمكن الرد عليها بكل سهولة، ومنها قول معاليه: إن نظام "ساند" اعتمد من الأجهزة التشريعية في المملكة، وإن هذا الأمر بحد ذاته كافٍ من الناحية الشرعية، ونظام التأمينات مجاز من قبل هيئة كبار العلماء عندما اعتمد في السابق! فنقول لمعاليه إن هذا أمر لا علاقة له بإضافة خدمة جديدة، لا تستفيد منها إلا قلة قليلة من المشتركين، وليست كما الوضع الحالي عندما يدفع جميع المشتركين، بحيث يحصل جميع المشتركين على راتب تقاعدي، مرتبط بآلية واضحة، يستطيع المشترك أن يعرف بالضبط ما سوف يحصل عليه، أو يحصل عليه ورثته بعد وفاته في حال استحقاقهم، أما أن يدفع الجميع لتستفيد القلة القليلة فتلك قسمة ضيزى، ولا تمت إلى العدالة بشيء، أما القول بأن هذا المشروع يعتبر تأميناً تعاونياً إسلامياً، فهناك وقفات عدة أولها أن التأمين التعاوني يستلزم موافقة جميع الأطراف وليس قرار الطرف المهيمن الذي لا يدفع شيئاً! بالإضافة إلى ضرورة تساوي جميع الأطراف في الحقوق والواجبات، وليس كما الوضع الحالي حيث يدفع البعض نسبة تفوق ما سوف يحصلون عليه، فقط لأن الراتب الشهري أعلى من غيره! بالإضافة إلى أن مفهوم التأمين التعاوني يمتد إلى توزيع الفوائض المالية على الجميع بالتساوي وهو ما لا يحصل في هذا البرنامج.

أما االسؤال الأكبر هنا فهو: ما ذنب الموظف السعودي الذي اختار العمل في القطاع الخاص دون القطاع الحكومي؟ وتحمّل المدة الطويلة للتقاعد المبكر في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع الحكومي؛ لتضاف نسبة إضافية يتحملها السعودي الموظف في القطاع الخاص، ولا يتحملها السعودي في القطاع الحكومي! وكأنما مؤسسة التأمينات الاجتماعية تعاقب السعودي الذي تحمّل المشاق العديدة، والمنافسة القاسية، وطول مدة الدوام اليومي في القطاع الخاص، وقلة الإجازات الرسمية لتضيف إليه خصماً إضافياً من راتبه الذي يعتمد عليه في قوت عياله! خصوصاً مع ارتفاع المواد الاستهلاكية وكافة مستلزمات الحياة، دون إغفال أن إجبار رب العمل بدفع 1% إضافية على رواتب موظفيه السعوديين سوف يؤثر بشكل كبير على جهود السعودة، ويزيد من تكلفتها على المدى الطويل.
والأسوأ من ذلك أن هذه الآلية الجديدة لا تفرّق بين أصحاب الرواتب المنخفضة والرواتب المرتفعة، فالاستقطاع ضمن نسبة ثابتة، حتى لو تجاوز الراتب خمسة عشر ألف ريال، فمن راتبه خمسة عشر ألف ريال ومن راتبه خمسة وأربعون ألف ريال "الحد الأعلى للاشتراك" سوف يحصل على نفس الإعانة في نهاية الأمر؛ وهي التسعة آلاف ريال، بينما كان صاحب الحد الأعلى يدفع ثلاثة أضعاف ما كان يدفعه صاحبه الآخر! فهل هذه عدالة أم ماذا؟ أم أن المؤسسة تشجع –دون أن تعلم- على استمرار الرواتب الضعيفة للسعوديين في القطاع الخاص، وتعاقب من يرتفع راتبه بمثل هذا الاستقطاع المبالغ فيه!
ألم يكن الأجدر الاستفادة من مخصصات "صندوق تنمية الموارد البشرية" التي تتجاوز مئات الملايين من رسوم العمالة الأجنبية وغيرها، بحيث يكون برنامج "ساند" أحد برامج الصندوق، لينضم إلى "حافز" و"ماهر" وغيرهما من البرامج المبتكرة، بدلاً من استقطاع هذه المبالغ من الموظف السعودي، الذي يكافح ليل نهار في القطاع الخاص، وينافس العمالة الأجنبية بمختلف تخصصاتها وخبراتها! ودولتنا الرشيدة قادرة –ولله الحمد- على دعم هذا البرنامج من ميزانيتها، كما يقوم حالياً صندوق الموارد البشرية بدعم رواتب السعوديين في القطاع الخاص من ميزانية الصندوق، فلماذا يفصل هذا البرامج عن نشاط الصندوق، خصوصاً كونه يتماهى بقوة مع مجمل أهداف الصندوق في الدعم الاستراتيجي لخيارات السعودة في القطاع الخاص واستقرارها على المدى الطويل، أم أن الهدف فقط هو جمع مزيد من المداخيل المالية لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، مع ملاحظة أن شروط الحصول على هذه الإعانة ضيّقة ولا تشمل الجميع، مثل موظفي القطاع الخاص في الشركات المفلسة! الذين لا يحق لهم الاستفادة من هذا البرنامج، بالإضافة إلى تناقص الدعم مع مرور الأشهر دون الحصول على وظيفة أخرى.
والمأساة الأخيرة أن موظفي "التأمينات الاجتماعية" -من تفتقت عقولهم عن هذا الاسقطاع الكبير- لن يسري عليهم أي استقطاع مالي من رواتبهم، لأنهم ببساطة لا تسري عليهم أحكام وأنظمة "التأمينات الاجتماعية"، فهم تحت مظلة مصلحة معاشات التقاعد "الحكومية"، حيث لا استقطاع سوى 9% فقط! فهل يجوز هذا الأمر يا معالي المحافظ؟


عبدالرحمن السلطان







"التأمينات الاجتماعية" للسلطان: هيئتنا حكومية غير ربحية ولا نحصل على إيرادات

تعليقاً على ما نشرته "الوطن" في عددها رقم 4872 وتاريخ 30 ربيع الأول 1435 للكاتب عبدالرحمن السلطان في مقالته بعنوان (ظلم "ساند" من التأمينات الاجتماعية) المتضمنة اعتراضه على نظام ساند "نظام التأمين ضد التعطل عن العمل" الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/18 وتاريخ 12/3/1435.
نود الإحاطة بأن نظام التأمينات الاجتماعية نظام تكافلي اجتماعي لا يهدف إلى الربح، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية جهة تنفيذية تقوم على تطبيق أحكام هذا النظام وليست جهة تشريعية. ونظام ساند تمت دراسته وتطويره بعد تجارب مماثلة معمول بها عالميا بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. وقول الكاتب إن النظام باطل لأن الملايين الذين يشملهم لم يوافقوا عليه، كلام لا يمكن قبوله لأن تطبيق هذا الشرط يبطل جميع الأنظمة التي تعتمد من الجهات التشريعية المختصة بصفة مستمرة وتطبق على الملايين من المواطنين. ولأن البرنامج يهدف إلى حماية العاطل موقتاً من أذية الفقر وليس للثراء، فقد حدد التعويض بين 200 و9000 ريال بما يضمن تقليص التكلفة على المشتركين إلى الحد الأدنى ولو رفع مقدار التعويض زادت التكلفة على المشتركين. وهنا يتجلى البعد التكافلي المحمود.
وهذا التكافل مشابه لنظام المعاشات الذي يضمن منافع محددة بصرف النظر عن عدد الاشتراكات المحصلة من المشتركين في النظام. فيمكن أن يشترك الموظف وهو في العشرينات من العمر في نظام المعاشات ويتوفاه الله بعد ثلاثة أشهر وفي هذه الحالة تستحق عائلته المعاش الشهري لعشرات السنين بعد وفاته بالرغم من كون إجمالي ما دفعه لا يتعدى بضعة آلاف. ويقارن هذا بموظف آخر اشترك وهو في العشرينات من العمر واستمر في دفع الاشتراكات لسنوات طويلة وتوفي وليس له أفراد عائلة يستفيدون من المعاش مما يعني عدم صرف المعاش بالرغم من دفعه مئات الآلاف. فكلا النظامين (ساند والمعاشات) مبنيان على مبدأ التكافل بين أبناء المجتمع لتجاوز المفاجآت العصيبة في مشوار الحياة.
وما أشار إليه الكاتب بأن النظام لا يستفيد منه إلا قلة قليلة من المشتركين لا تشمل موظفي الشركات التي تتعرض للإفلاس فهذا غير صحيح؛ لأن البرنامج يشمل هؤلاء الموظفين أيضاً ويمنحهم الإعانة في اليوم الأول من الشهر الذي يلي تسريحهم. وهنا يبرز دور نظام ساند بتوفير مصدر دخل شهري للعاملين في هذه المنشآت خلال الفترة الانتقالية الواقعة بين الوظيفة السابقة وفرصة الحصول على وظيفة جديدة، بما يضمن المحافظة على كرامتهم وعدم تحولهم إلى عالة على المجتمع لأنهم في حاجة للمساندة المادية. وكذلك يتم خلال هذه الفترة تأهيلهم وتدريبهم وتوفير فرص وظيفية لهم.
وأما القول بأن النظام سوف يؤثر بشكل كبير على جهود التوطين ويزيد من تكلفتها، فإن الخوف وعدم الشعور بالأمان الوظيفي يشكلان أكبر العوائق أمام توجه الشباب للتوظف في القطاع الخاص مما يقلص عرض العمالة المتاحة ويحد من فعالية جهود التوطين. وبمنحهم هذا الأمان عن طريق نظام ساند فهذا حتما سيضخ كوادر وطنية إضافية في سوق العمل ويسرع من عملية إحلال المواطن محل غير السعودي. وهذا يصب في مصلحة صاحب العمل الذي سيستفيد من البرنامج من خلال إزالة تخوف باحثي العمل من الالتحاق بالقطاع الخاص بما يمكنهم من الاحتفاظ بموظفيهم المؤهلين واستقطاب مزيد من الكوادر العاملة.
وأخيراً نود أن نصحح معلومة الكاتب الكريم بالتأكيد على أن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية هيئة حكومية غير ربحية ولا تحصل على أي إيرادات، وما يتم إيداعه في صندوق المشتركين يصرف لصالحهم حسب الفرع التابع له هذا الإيراد مثل فرع المعاشات وفرع الأخطار المهنية، بعد تغطية تكاليف هذه العمليات
.

عبدالله محمد العبدالجبار

مدير عام الإعلام التأميني

الخميس، 30 يناير، 2014

حاول ولو مرة

شابٌ جامعي، يعمل في وظيفة حكومية مستقرة، متزوج ولديه ثلاثة أطفال، ينتظر العطلة الصيفية ليسافر من أسبوعين إلى ثلاثة خارج المملكة للسياحة، يفكر أن يغيّر سيارته ولكن بعد مرور أربع سنوات على "موديلها" الحالي، هل بقي شيء من تفاصيل حياة صاحبنا؟ لا أعتقد ذلك، فالبقية لا تعدو كونها تفاصيل عادية تتكرر يوميا.
المشكلة هنا، أن صاحبنا يشعر كما لو أنه بلا فائدة في الحياة، وكأن حياته تحولت إلى دوامة من التكرار الممل، والالتزامات التي لا فائدة منها، هو يقرّ أن دفاعاته السلبية هي من تجعله لا يجرؤ على اتخاذ قرار تغيير وظيفته، أو حتى محاولة تجربة نفسه في التجارة! مجرد التفكير بتغيير نمط حياته يصيبه بتلبك معوّي، ويزيد الطين بلة ما يحدث من تكسير للـ"المجاديف"، حينما يطرح بذرة فكرة جديدة أمام أصدقائه في الاستراحة، فهم متخصصون في جمع العقبات، وتثبيط أي حالم.
على أية حال.. دعني أخبرك عزيزي: لن تستطيع تغيير واقعك ما لم تغير نظرتك إليه، فالرتابة تنتج جوا رتيبا في نهاية الأمر، والركون إلى الهدوء لن ينتج حياة جامحة أو أحداثا مثيرة، لذا تكمن الخطوة الأولى في أن تؤمن أن التغيير يبدأ منك أنت، وأن هذا التغيير ليس بالضرورة أن يكون "دراماتيكيا" مثل أن تستقيل من وظيفتك، أو تضع كل مدخراتك في مخاطرة تجارية، بل يبدأ من تغيير بعض التفاصيل البسيطة في حياتك اليومية، وأن تبدأ بالبحث عن هوايات جديدة، وأصدقاء جدد, وقد يكون التغيير مقترنا بأن تعود من جديد إلى مقاعد الدراسة لدراسة شيء تحبه أنت وليس الآخرون.
أنت فقط حاول ولوّ مرة في تغيير شيء بسيط، حينها سوف تمتلك الشجاعة لتغيير ما كنت تؤمن أنه من مسلمات حياتك.. حاول وسوف ترى.


عبدالرحمن السلطان

.


السبت، 25 يناير، 2014

أنقذوا "الرجاجيل"

الكثير من محبي السفر والسياحة سبق أن سمع عن آثار الصخور المنصوبة في مقاطعة "ويلتشير" جنوب غرب إنجلترا"، التي اشتهرت باسم: "ستونهنج Stonehenge"، ويعود تاريخها إلى ما قبل 3000 سنة قبل الميلاد! وتقوم على أنقاضها حاليا فعاليات سياحية متنوعة، من فنادق ورحلات وإصدارات وغير ذلك.


المثير في الأمر أننا في المملكة ـ وتحديدا في منطقة "الجوف" ـ نقف على مخزون هائل من الآثار المشابهة؛ بل والأكثر قِدما منها، ولكننا نهملها بشكل لا يصدق! إذ توجد في ضاحية "قارة" جنوب مدينة "سكاكا" مجموعات متفرقة من الأعمدة الحجرية، يصل عددها إلى 50 مجموعة، يطلق عليها أعمدة "الرجاجيل"، ويتراوح عددها من 3 إلى 5 أعمدة لكل مجموعة، ويقدر تاريخها إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد، أي أقدم من أعمدة إنجلترا بألف عام







ولقد وقفت قبل سنوات على إحدى هذه المجموعات، وحزنت بشدة على وضعها الحالي، والمتمثل فقط بوجود سياج حديدي متهالك، ولوحة مهترئة تحمل شعار وزارة التربية والتعليم، حينما كان مسماها وزارة المعارف! إبان فترة إشرافها على الآثار قبل سنوات طويلة، بل إن بعضها طالته يد التخريب، سواء بالكتابة والرسم عليها، أو الحفر تحتها بحثا عن ذهب أو كنز مفقود! بينما أعيننا غافلة عن الكنز الحقيقي؛ بوجود مثل هذه الآثار والشواهد الفريدة من نوعها، كونها قادرة على جذب الكثيرين لزيارتها، وبالتالي بناء صناعة سياحية متكاملة.


في الحقيقة، لا أتوقع الشيء الكثير من الهيئة العامة للسياحة والآثار، لكنني أطمح بشيء من رجال أعمال المنطقة أو شبابها الطموح، فهم الأقدر على إطلاق مبادرة لإنقاذ هذه الشواهد النادرة من التخريب والتلف، وإنشاء متحف يجمع شتات تاريخها، وموقع إلكتروني تفاعلي يعرّف بها، ويجذب الجمهور نحوها ونحو منطقة الجوف الجميلة.


عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 24 يناير، 2014

سيارة بلا "طبلون"

تخيّل أنك مسافرٌ بسيارتك الخاصة من "الرياض" إلى "الخبر"، بالطبع فإن هدفك الأساسي هو الوصول بأقصر وقت، والوسيلة هي السيارة، ولكن هب أن سيارتك تلك لا يوجد فيها شاشة "طلبون" أمامي! أي أنك لا تستطيع أن تعرف بالضبط كم هي سرعتك؟ وكم تبقى من وقود السيارة؟ ولا تعرف المؤشرات الأخرى من حرارة المحرّك وسرعة الدوران وغيرها؟ فهل تستطيع إكمال رحلتك بهذه الطريقة العمياء؟



بالطبع لن نستطيع التحرك قيد أنملة، حتى تتوافر لك بضعة مؤشرات أساسية، وهي ما يطلق عليها بمؤشرات الأداء KPI ، ولك ألا تتعجب حينما تعلم أن كثيراً من مؤسساتنا الحكومية تعمل بمثل هذه الطريقة، وتقدم خدمتها للمواطن دون أي مؤشرات أداء تقيس جودة عملها، بالطبع تلكم المؤسسات قد تعرف أهدافها العامة، وتعمل على تحقيقها بوسائل متعددة، لكن ـ للأسف ـ هذه النشاطات لا تقاس بأي مؤشر أداء محدد، لذا لن تستطيع القيادات الإدارية معرفة عما إذا استطاعت الوصول إلى الهدف بالطريقة الصحيحة والوقت المناسب.
إن العمل على وجود نظام جودة قادر على القياس والقييم والمراجعة؛ لن يزيد فقط من جودة الخدمات المقدمة، ولكنه أيضا سوف يرفع من كفاءة العمل والموظفين، ويزيد من قدرة الموظف نفسه على أداء عمله بالطريقة التي تتناسب مع تحقيق المؤشرات المطلوبة، وبالتالي تزيد من دقة قدرة المدير على تقييم ومحاسبة موظفيه، والنتيجة النهائية هي تقديم خدمة ذات جودة مناسبة للمستفيد الأخير، وهو المواطن بالطبع.
مؤشرات الأداء ليس ترفا إداريا، أو تنظيرا أكاديميا؛ بل هي خطوة أساسية تفرضها أدبيات الإدارة الحديثة، وركن ضروري لأي إدارة تريد أن تنجح، مهما كانت ذات خبرة أو مهارة

عبدالرحمن السلطان

الخميس، 23 يناير، 2014

"أبودانة" سابقا

"دانة" فتاة لطيفة وجميلة، متفوقة في دراستها، تجاوزت ربيعها التاسع قبل ثلاثة أسابيع، تحب أن تلاعب أختها الصغيرة "نورة"، وتحرص على مساعدة أمها في كل شيء. بيد أنها لم تدرك ما الذي تغير من حولها قبل أيام قليلة؟
كانت تسمع الجميع ينادي والدها باسمها اللطيف، كونها الابنة البكر، لكنها ومنذ أيام لاحظت كنية جديدة لوالدها، فجأة ودون مقدمات أضحى الجميع - وأوّلهم أمها - يشير إلى والدها بأبي "عبدالله"؛ أخوها المنضم إلى الأسرة منذ ثلاثة أيام فقط!
وهكذا ـ وبكل بساطة ـ طوى مجتمعنا "الذكوري" صفحة هذه الفتاة من كنية والدها، وأرجعها إلى حجمها الطبيعي خلف هذا الرضيع!
من المثير ملاحظة أن مجتمعنا رغم كل هذا التطوّر"الأسمنتي" المتصاعد لم يستطع تجاوز عقدة ارتباط الكنية بالابن الذكر، وكأنما استخدام اسم الابنة البكر مجرد تعبئة فراغ حتى يأتي ذكر ما ليملأه، بينما يفترض أن تكون الكنية مرتبطة بالبكر؛ مهما كان: ذكراً أو أنثى، كما كانت العرب تقوم بذلك منذ قديم الأزل، هذا بالطبع إذا سلّمنا أنه يجب أن تكون مرتبطة بالبكر فقط، لأنه يجوز من ناحية المبدأ منادة الأب أو لأم باسم أي أحد من أبنائهما مهما صغر، ومهما كان جنسه.

قد يكون قلب "دانة" المحطم قادراً على تجاوز هذه القسوة المجتمعية، لكنها لن تستطيع أن تفهم سبب هذا التميز للذكر على الأنثى، ومجتمعنا يصدح ليل نهار بقيم المساواة والاحترام!.. فهل يتخذ "أبو عبدالله" قراراً تاريخياً وينتصر لفلذة كبده؟ ويعيد الحق لأصحابه، أم يرضخ لأعراف المجتمع، ويؤكد سطوة "الذكورة" على ما سواها.

عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 22 يناير، 2014

جثث تدر الملايين

هل سبق أن سمعت بالدكتور "قونثر فون هاقينز Gunther Von Hagens"؟ من الممكن ذلك، لكن الأهم هنا هل تعرف كم تبلغ ثروته؟ التي حققها من وراء الجثث البشرية!




ولد الألماني "قونثر" في بولندا، وعاش في ألمانيا الشرقية خلال سنوات الاشتراكية، وكان أن بدأ بدراسة الطب هناك، لكنه لم يكمل بسبب نشاطه السياسي، حاول الهروب لكن ألقي القبض عليه ليقضي سنتين في السجن، بعدها هرب إلى ألمانيا الغربية واستكمل دراسته للطب، وخلال تلك الفترة الطويلة كان مهتما بعالم الأنسجة والأعضاء، مما جعله يتخصص في علم التشريح عن قناعة وحب، وكان بالإمكان أن يبقى عالم تشريحٍ عادي، يشرح لطلاب الطب ويقوم بعمله الروتيني اليومي، لكنه كان يطمح لما هو أكثر من ذلك؛ فانكب على تطوير عمليات حفظ وتحنيط الجثث البشرية؛ ليكتشف بعد عامين فقط من تخرجه من كلية الطب طريقة جديدة لحفظ الأنسجة بواسطة سوائل اللدائن.





وأخذ يعمل ويحسّن التقنية لمدة عشرين عاما، حتى استطاع تطويرها بحيث يمكن استخدامها لعرض جثث كاملة وبطريقة اقتصادية، وكان أن انطلق بمعرضه العلمي الأول: "معرض جسم الإنسان" في طوكيو عام 1995؛ لينجح نجاحاً منقطع النظير، وخلال السنوات التالية تطوّرت أعماله، واستقطب معرضه للعرض في 50 متحفا حول العالم، وبتذاكر دخول مرتفعة، ليصل عدد زوار معارضه 37 مليون زائر حتى الآن! وها هو اليوم يخطط لمعارض متخصصة في أجسام الحيوانات البرّية، ومعرضا آخر لمراحل تطور جسم الإنسان.




يمتلك "قونثر" الملايين ويتنقل بين قصوره الفارهة في قارات العالم؛ ذلك لأنه لم يركن لكون "التشريح" مهنة تقبع خلف الأضواء؛ بل جعل ابتكاره التشريحي هو الأضواء بعينها، وجعل الجثث المحنطة تدر عليه الملايين

عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 22 يناير 2014م 

الثلاثاء، 21 يناير، 2014

جمعية لكل 130 نسمة

بالطبع عنوان المقال لا يتحدث عن واقع الجمعيات في المملكة، بل في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تجاوز مؤخرا عدد جمعيات النفع العام المسجلة أكثر من 2.3 مليون جمعية، وبقسمة هذا العدد على تعداد سكان أميركا، نجد أن النسبة تصل لوجود جمعية واحدة لكل 130 أميركي، بينما تصل النسبة في المملكة إلى جمعية واحدة لكل 46666 سعوديا!، إذ لم يتجاوز العدد الإجمالي حتى 600 جمعية فقط!



وغني عن القول إن هذه الجمعيات تتنوع مجالات عملها، من تعليمية وصحية وهندسية وتطويرية، إلى جمعيات المساعدة المالية، التي هي الغالب الأعم في الجمعيات المسجلة في المملكة، حيث يشير الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن نسبة عدد جمعيات "البر" إلى الجمعيات الأخرى قد تجاوز 85% من المجموع العام، وكأنما الوزارة ما تزال تحبذ العمل التطوعي المعتمد على المساعدة المباشرة، دون العمل على تطوير الفرد وإكسابه المهارات اللازمة كي يعتمد على نفسه.
والأغرب من ذلك تصريح وكيل الوزارة للتنمية الاجتماعية، حينما بشرنا قبل أيام بإعلان إشهار 11 جمعية جديدة فقط! كان نصيب جمعيات "البر" منها عشرا! وواحدة منها كانت جمعية "الغد" الشبابية، التي تهتم بتنمية مهارات الشباب ورفع كفاءته، والحقيقة أن تأخر الوزارة بالترخيص للجمعيات النوعية يجعلنا نطرح تساؤلا عن أسباب هذا التأخر، الذي يكلفنا فقد الكثير من الفرص التنموية، ويحرم المقتدرين ماليا من الإسهام في دفع عجلة مجتعهم، رغم أن تبريرهم الوحيد هو أن بعض الجمعيات قد لا تعمل بعد الترخيص، وهذا صحيح في حالات محددة، لكن النظام الحالي عالج هذا القصور
قد يجادل البعض بطرح المقارنة مع أميركا وهي بلد متقدم، ولهؤلاء أشير إلى أن عدد الجمعيات الأهلية في مصر تجاوز أكثر من 14800 جمعية، وعليك الحساب.


عبدالرحمن السلطان

الاثنين، 20 يناير، 2014

"سوشي" مكسيكي و"تاكو" ياباني!

غالباً ما يقودني هوسي بتجربة كل غريب إلى نتائج غير متوقعة، لذلك قد أتراجع في بعض الأحيان حينما أعيد التفكير قبل خوض غمار تجربة ما، وهذا ما كان سيحدث تلكم المرة في نيويورك، بيد أن حماس صديقي "خالد" لتجربة خلطة المطبخين: "المكسيكي والياباني" في آن واحد؛ جعلتنا نتغلب على مخاوفنا، ونتجه إلى ذلك المطعم الفريد، الذي يقع في حي "سوهو" الشهير بمطاعمه الغريبة وفنونه الراقية.


كانت فكرة مطعم "Taka Taka" بسيطة جداً، ولكنها ثورية تماماً في عالم الطهو، وهي تقديم الأطباق اليابانية على شكل "التاكو" المكسيكي، بالإضافة إلى تقديم الأطباق المكسيكية بواسطة "السوشي" الياباني! وهي فكرة لم يسبق أن قدمت من قبل، ولكنها وللحق كانت تجربة لذيذة، وبالذات تذوق نواتج هذا الانصهار المطبخي الغريب، ذلك أن المواد الأساسية والبهارات المستخدمة في كلا المطبخين تختلفان بشكل واسع، الأمر الذي أنتج أطباقاً جديدة تماماً، مما جعله ينجح بسرعة، وسط هذا الكمّ الهائل والمتنافس من مطاعم نيويورك، والطريف في الأمر أنه أمسى فرصة رائعة لمن يتمنى تناول السوشي لكنه لا يرغب في تناول الرز أو السمك النيئ! ولمن يحلم بتناول التاكو، لكنه يريده خفيفاً؛ وليس دسماً، كما في النسخة المكسيكية الأصلية



ولكن قبل أن أقترح عليك بضعة أطباق من هذا المطعم الغريب، يجب أن تكون مستعداً لتجربة أشياء لم تسمع بها من قبل، وأن تكون تفتح فمك دون مناقشة! ذلك لأنها فرصة رائعة لأن تستّغل كافة حواسك هنا، والآن ما رأيك بتذوق زلابية حمراء محشوة بروبيان مقلي؟ أو تاكو تونة مقلية في زيت الصويا مع الحبوب في عجّة ذرة، ولا تنس حساء "الميسو" الياباني ولكن بالنهكة المكسيكية، وبالطبع مع بضع قطع من التوفو الياباني... وبالهناء والشفاء..


عبدالرحمن السلطان



الأحد، 19 يناير، 2014

إعادة تعريف المسجد

من المتفق عليه أن أول شيء فعله الرسول -صلى الله عليه- وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد، ليس فقط لأداء الصلوات المفروضة، ولكن ليكون قلب المجتمع الإسلامي، فهو مكان التجمع واللقاء، وهو مركز التعلّم واتخاذ القرار، بل هو كل شيء في حياة المسلم.
ولكن مع مرور الزمن تراجعت أهمية المسجد في المجتمعات المسلمة، وانحصر دوره فقط في أداء الصلوات، أو وجود بضع حلقات صغيرة لحفظ القرآن الكريم، أما الأدوار الأخرى فتكاد أن تتلاشى لأسباب متعددة.

وحيث يمكن الحديث عن الأدوار المفترضة للمسجد دون توقف؛ إلا أن وجود تجربة حقيقية قد تكون خير برهان على سعة الآفاق التي قد يبلغها المسجد، فقط إذا ما توافرت الرغبة والاهتمام لدى سكان المنطقة المحيطة به، فها هو مسجد"عثمان بن عفان" في حي الوادي، شمال مدينة الرياض، والذي أنشئ عام 1419 يتحول مع مرور الوقت وإصرار الشباب إلى منارة علمية تشد لها الرحال، ليس فقط من داخل المملكة بل وحتى من خارجها. هذا المسجد تحول إلى مجمع دعوي مبهر، وكانت البداية مع حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ثم الدروس العلمية، سواء الدائمة، أو الدروس التأصيلية، أو الأيام العلمية، أو حتى الدورات العلمية المتخصصة، التي أضحت مقصداً لطلاب العلم، ثم معهد نورين للتدريب، كما أن إدارة المجمع لم تغفل النشاطات النسائية، فأنشأت داراً للفتاة، وتعمل حالياً على بناء مشروع وقف مجمع ذو النورين النسائي، كأكبر مشروع قرآني نسوي بمنطقة الرياض. دون إغفال جهود المسجد في تطوير المنطقة المحيطة وقاطنيها، والفعاليات الموسمية كإفطار شهر رمضان، والاحتفال بعيدي الفطر والأضحى، وغيرها كثير.


فمتى نرى ذلك اليوم وقد تحوّلت جميع مساجدنا إلى مؤسسات جامعة، تتنافس لتغطي جميع مناحي الحياة، حينها يمكن أن نقول إننا بدأنا بالعودة إلى طريق حضارتنا من جديد.
عبدالرحمن السلطان





السبت، 18 يناير، 2014

أهلا بالمخالفة المرورية.. ولكن!

دعوني أعرفكم على أحد أصدقائي من الملتزمين بربط حزام الأمان منذ زمن طويل، ليس خوفا من المخالفات المرورية، ولكن اقتناعا منه بأهمية حزام الأمان، ودوره ـ بعد لطف الله ـ في الوقاية من حوادث السير أو الأحداث غير المتوقعة، لكنه كثيرا ما كان يتعرض للسخرية من الأصدقاء بسبب التزامه الدائم وحرصه الشديد، وكأنما عاد من الابتعاث للتو كما يقول البعض.
هل تصدقون أن صاحبنا هذا المتلزم بكافة آداب القيادة؛ حررت له ـ قبل أيام ـ مخالفة عدم ربط الحزام! فقط لأنه نسي ربطه مرة واحدة، بينما جميع أصدقائه غير المتلزمين لم يحصلوا على أي مخالفة، فقط لأنهم كانوا يربطون الحزام قبل دقيقة واحدة من وصلوهم إلى نقطة التفتيش، ويخلعونه بعد ذلك

وهذا بالضبط ما يفعله الكثيرون منذ أسبوعين أو ثلاثة، حينما بدأ جهاز المرور حملة نقاط تفتيش في أغلب مناطق المملكة، وللأسف لم تستطع هذه الحملة القضاء على الممارسات الخاطئة خلال القيادة، ذلك أن تركيز الحملة كان فقط على تحرير المخالفات دون التوعية، لدرجة أن المتحدث الإعلامي لمرور "الشرقية" أعلن أن حملة منطقته خرجت بحصيلة تفوق 19.5 ألف مخالفة خلال خمسة أيام، وكأنما قياس نجاح أي حملة يكون بعدد المخالفات المحررة فقط! ولنفترض جدلا أن تحرير المخالفات يزيد من التزام السائقين بقواعد المرور، أليس من المفترض أن تستخدم أموال المخالفات في تحسين البيئة الهندسية للطرق، لتقليص أسباب بعض الحوادث، أو على الأقل استخدامها في توعية السائقين بأهمية تلك القواعد وأثرها المحوري في حفظ الأرواح والأوقات والأموال، بحيث يصبح التزام السائقين طوعيا، ومبنيا على قناعات راسخة، وليس مجرد خوف من عقوبة مالية يستطيع دفعها بكل سهولة، ويضيف صاحبنا الملتزم: "أهلا بالمخالفة المرورية، ولكن بشرط أن تستخدم لحماية أرواح الآخرين".


عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 13 يناير، 2014

قليلاً من الخيال العلمي

ما إن تدلف أي مكتبة تجارية في أميركا أو أوروبا الغربية، حتى تجد كتب الرواية بكافة أنواعها تحتل مساحة واسعة من المكتبة، ورغم تعدد فنون الرواية من عاطفية أو "بوليسية" أوغيرهما إلا أن أغلب المعروض هو من جنس معين من الرواية يطلق عليه: روايات "الخيال العلمي " Science Fiction، وهو المعاكس تماماً لما يوجد في مكتباتنا العربية!

وقد يعتقد البعض أن هذه الروايات بالضرورة تعتمد على أحداث خيالية وبعيدة عن الواقع، وهو وإن كان صحيحاً في بعض الروايات إلا أنه افتراض لا يمكن تعميمه، ذلك لأن روايات "الخيال العلمي" جنسٌ أدبي يعتمد على النظريات العلمية وأثرها على الإنسان أو الكائنات الخيالية، لذا قد يبتكر الرواي عالماً حقيقياً وينطلق منه اعتماداً على أحداث غريبة أو غير متوقعة، فهي مشتقة من الكلمة اللاتينية fantasticus؛ المشتقة بدورها من اليونانية phantastikos التي تعني "القدرة على خلق الصور"، لذا غالباً ما يكون نتاج "الخيال العلمي" متسقاً مع الاتجاه العام للنظريات العلمية ونواميس الطبيعة، دون إغفال لمحاولة تجاوزها بالأفكار الجديدة والفرضيات المبتكرة، وقد يستعين البعض بشيء من القوى السحرية أو ما وراء الطبيعة، حينها تتحول الرواية إلى مستوى آخر من "الفنتازيا"! ويكمن جمال هذا النوع من الروايات في احتوائها على مساحة لا بأس بها من الحقائق العلمية، والمغامرات المتلاحقة التي تحبس الأنفاس، وتجعل القارئ متشوقاً لالتهام الصفحات الواحدة تلو الأخرى، والحقيقة أن أفضل تعريف جامع مانع لها هو ما قاله "هوجو جيمزباك" الأب الروحي المعاصر لروايات الخيال العلمي وناشر أول مجلة في هذا المجال: "خيال ممزوج بالحقائق العلمية والرؤية التنبؤية، وبالذات هو ما يكتبه جول فيرن وهـ. ج. ويلز"، وهما كاتبان كان لهما الفضل الكبير في تدشين هذا الفرع السردي، وترويجه بين جمهور القراء.

والعجيب في الأمر أن المحاولات العربية لروايات الخيال العلمي قد بدأت مبكراً، كما في بعض قصص "ألف ليلة وليلة" الحافلة بالسفر عبر المجرات والمخلوقات الأسطورية، و"حي بن يقظان" لابن طفيل، وكذلك قصة "فاضل بن ناطق" لابن النفيس، التي تعتبر رواية "خيال علمي" بامتياز، إذ تتحدث عن إنسان يتشكل من الماء في كهف ما ثم يروي رحلته في الحياة، حتى يصل في النهاية إلى التعرف على الخالق سبحانه وتعالى.

إلا أن واقع الساحة العربية الحالي يفصح عن فقر شديد في الخيال العلمي، سواء على مستوى القصص القصيرة أو الرواية، ويأتي على رأس القائمة الكاتب نهاد شريف –رحمه الله- الذي يعد رائد هذا المجال عربياً، ومن القلائل الذي تخصصوا فيه ولم يطرقوا أنواعاً أدبية أخرى، ومن أشهر أعماله روايته الأولى "قاهر الزمن" التي تحولت إلى فيلم سينمائي، يعتبر الأول من نوعه عربياً، كما أصدر "رقم أربعة يأمركم" و"سكان العالم الثاني" و"الشيء" ورواية "ابن النجوم".. وهناك الدكتور نبيل فاروق الذي تميز بطرقه أغلب "ثيمات" الخيال العلمي عبر سلاسل كتب الجيب، وهناك من الجزائر الأديبة صافية كتوط، التي قدمت "المحققة الفضائية" و"القمر يحترق". ومن المغرب أحمد عبدالسلام البقالي صاحب رواية "الطوفان الأزرق"، أما في الساحة السعودية فلم أطلع سوى على إنتاج الكاتب الدكتور أشرف إحسان فقيه، الذي أصدر مجموعات عدة هي "صائد الأشباح" و"حنينًا إلى النجوم" و"نيف وعشرون حياة"، رغم وجود كثير من المحاولات الفردية لشباب سعوديين على صفحات الإنترنت لم يكتب لها الانتشار، ولم يكتب لهم الاستمرار.


وللأسف لا يزال ينظر إلى هذا النوع من السرد بشكل دوني في أوساطنا الثقافية، وكأنه لا يمت إلى الأدب بصلة! وقد يعود سبب ذلك إلى ارتباط مفهوم "ثيمات" الرواية والقصة لدينا بالمواضيع الإنسانية الشائعة والمعتمدة على الواقعية في طرح القضايا، دون إدارك أن الاستفادة من خيالات العلوم المختلفة سوف تفتح مزيداً من الآفاق والمساقات للكاتب نفسه، بينما يعتقد البعض أن سبب ابتعادنا إلى كوننا في الوقت الحاضر مستهلكين لإنتاجات العلوم ولسنا منتجين لها! ناهيك عن أن ظهور مثل هذه التجارب الأدبية يكون نتيجة مباشرة لازدهار بيئة البحث العلمي في الوطن العربي، وغني عن القول أن البحث العلمي وحركة العلوم في منطقتنا تثير الشفقة، وتحتاج مزيداً من الدعم الحكومي وكثيراً من المبدعين في كافة المجالات.
غير أن إحدى التحديات التي تواجه المهتمين بالخيال العلمي تكمن في الأدباء أنفسهم، لأن هذا النوع من السرد الأدبي يحتاج أن يكون الأديب في تواصل مستمر مع التطورات والمستجدات العلمية المتلاحقة، وأن يعتمد في خياله على ذخيرة علمية عميقة، وفي بعض الحالات أن يكون مختصاً في فرع علمي دقيق، مما يساعده على جمع خيوط حبكته من الناحية العلمية أولاً فالهدف ليس فقط تقديم القصة في إطار معلوماتي جاف بل من الواجب –أيضاً- أن تكون الحقائق العلمية صحيحة ويعتد بها لتتحول الرواية في نهاية المطاف إلى وجبة علمية مفيدة ومسلية في آن واحد.
لذا فإن الخطوة الأساسية تبدأ مع دعم المؤسسات الحكومية وجمعيات النفع العام للكتاب الشباب المهتمين بهذا المجال، وأن يتنوع الدعم بحيث يشمل تطوير البناء الفني للقصة، وكذلك تقديم الاستشارة والمراجعة العلمية للحقائق والنظريات الواردة في النص الأدبي، بالإضافة إلى التركيز على ترويج وتسويق هذا المنتج الذي سوف يرفع الذائقة الأدبية لشبابنا، ويحقق ثقافة علمية إضافية لدى جمهور القراء.

ولعله من جميل الصدف أن مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية دشنت قبل أيام مشروعاً مميزاً لنشر كتب علمية باللغة العربية، وكان أن أطلقت عليه مشروع "ثقافتك". وهو مشروع علمي طموح نحو إثراء المكتبة العربية في العلوم الأساسية، ولكن كم كنت أتمنى أن تحتوي هذه القائمة المنشورة على شيء من الخيال العلمي، ولو حتى كتاباً واحداً يجمع شتات منتوجنا السعودي في هذا المجال بعد مراجعته من العلماء والمختصين، حينها فقط أستطيع أن أقول إننا بدأنا في خطوة الألف ميل نحو خيال علمي، يكون خطوتنا الأولى نحو نهضة علمية حقيقية.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 11 يناير، 2014

"حلطمة".. أين النظام؟

لا يكاد يخلو مجلس ما من "الحلطمة" عن سوء عادات قيادة السيارات لدينا، أو عدم الالتزام "بالطابور" عند الفوّال أو الخبّاز، حتى تتطور "الحلطمة" إلى كون ظاهرة عدم الالتزام بالنظام هي عادة محلية وفلكلور متوارث! وأن سبب هذه الممارسات مشكلة اجتماعية في الأساس!
هذا التحليل وإن كان تجلياً لممارسة "جلد الذات" التي نتقنها دوماً، إلا أن فيه قدراً لا بأس به من الصحّة، كون الكثيرين منا تربوا على مفهوم "الأنانية" في الحصول على كل شيء، أو "أنا" ومن بعدي الطوفان، بيد أن هذا جانب واحد من الأسباب المتعددة، لكن السبب الحقيقي لهذه الظواهر المزعجة أيها الأصدقاء هو: عدم الحزم في تطبيق الأنظمة الرسمية، والتي تظهر في كثير من المجتمعات المتطورة، حينما تقفز الجموع فوق شعرة المدنيّة خلال لحظات قليلة؛ فقط متى ما غاب تطبيق النظام! كما هي الحال في مباريات كرة القدم الجماهرية مثلاً أو المهرجانات الفنية أو غيرها. ذلك أن الالتزام بالنظام ناتج نهائي لتطبيق النظام على الجميع، وغيابه سبب جوهري لكل هذه الفوضى وعدم الالتزام بأي شيء.
المأساة هنا أنه لا ينقصنا نحن هذه الأنظمة، فلدينا ولله الحمد، الكثير والكثير من الأنظمة واللوائح والعقوبات، ولكنها معطلّة وحبيسة الأدراج، وذلك لأسباب عديدة، الأمر الذي أدى إلى استمراء البعض لتجاوزاته، وتحوّلها مع مرور الزمن إلى ممارسات طبيعية، والأدهى من ذلك أن يمسي من يلتزم بالنظام هو الخاسر الأكبر، كما هي الحال مثلاً في قيادة السيارات، فمن يلتزم بأنظمة المرور؛ يعتدى على حقه في الطريق، ويفقد الكثير من حقوقه!
خلاصة الحديث: التزام الجميع بالنظام يبدأ من الحزم في تطبيق النظام على الجميع.


عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 6 يناير، 2014

بماذا يفكر الأذكياء العشرة؟

بماذا يفكر الأذكياء من حولنا؟ سؤالٌ واسع دأبت المجلة الأميركية: Popular Science -أو "العلوم الشعبية" بالترجمة الحرفية - على الإجابة عنه منذ أحد عشر عاماً، إذ يقوم فريق تحرير المجلة سنوياً باختيار عشرة علماء أذكياء من الشباب حول العالم، بناءً على معايير محددة، وذلك لتسليط الضوء على أعمالهم، والأهم أن تستشرف مستقبل كوكبنا من خلال أفكارهم وبحوثهم العلمية

في هذا العام اختارت المجلة عشرة علماء شباب، وللمصادفة أغلبهم يعمل في جامعات أو مراكز بحث أميركية، على الرغم من اختلاف خلفياتهم وأعراقهم، ما عدا واحداً يعمل في معهد أبحاث فرنسي! سوف نحاول في هذا المقال الإشارة إلى أهم أفكار هذه الصفوة على شكل نقاط سريعة:

أولهم "نيكولا فونتين" من معهد أبحاث "بيل" الفرنسي، والذي يحمل هاجس توسّع خدمات شبكة الإنترنت، وتضاعف اعتماد البشرية عليها، بشكل يجعله يتوقع أن تتوقف شبكة الإنترنت عن خدماتها يوماً ما، لذا يعمل "نيكولا" على تطوير طريقة مبتكرة لتجنب "اختناق بيانات الشبكة" على حد تعبيره، إذ ابتكر نوعاً جديداً من المضاعف Multiplexer، يضاعف حزم المدخلات في الألياف البصرية الناقلة للبيانات، الأمر الذي يوفر ممرات إضافية تزيد من سعة الإنترنت، ويجنبنا كابوس توقفها في نهاية الأمر.

أما عالم المناخ "سكوت كوليس" فيعيش هاجساً مختلفاً يدور في فلك حفظ البشرية من التقلّبات الجوّية، إذ إنه سخّر خبراته المتنوعة، لمحاولة الاستفادة القصوى من بيانات السحب، وذلك لإضافة مزيدٍ من الدقة في توقعات المناخ، وهو اليوم يعمل على مشروع كبير تموله وزارة الطاقة الأميركية لبناء شبكة "رادر" ضخمة، يجمع بيانات سحابية من جميع أنحاء العالم، ورغم أن بيانات "الرادر" لم تكتمل بعد؛ إلا أن "كوليس" يكاد يجزم أن نتائجها سوف تأخذنا إلى الجيل القادم من التوقعات المناخية.

أما عالمة المناخ الأخرى على القائمة فهي "هيذر كنوتسون" من معهد "كاليفورنيا التقني"، التي لم تكتف بقراءة طقس كوكبنا الأرض؛ ولكنها انطلقت لدراسة وفهم طقس الكواكب الأخرى. حيث تعمل "هيذر" على تحليل مدى سطوع الأشعة تحت الحمراء من تلكم الكواكب، وبالذات خارج المجموعة الشمسية، ذلك أنه كلما كانت الأشعة أكثر إشراقاً صار الكوكب أكثر سخونة والعكس صحيح، الأمر يساعدها على بناء خارطة درجات حرارة طويلة الأمد لتلك الكواكب، وكذلك تحديد المواقع الساخنة والأخرى الباردة، وكذلك سرعة واتجاه الرياح، وهدفها في النهاية الوصول إلى الكوكب الأكثر قرباً من طقس كوكبنا الأرض

ولكن دعونا نعود إلى كوكبنا، إلى "مايا بريتبارت" عالم الأحياء الدقيقة البيئة في جامعة جنوب فلوريدا؛ التي تؤمن أنه يمكن اختصار الآليات الطويلة للتعرّف على خريطة مورثات "الفيروسات" من خلال دراسة وتحليل "لتر" واحدٍ من مياة البحر، والذي يحتوي على ما يزيد على 10 مليارات فيروس! والعمل على فصل وتركيب المورثات كما لو كانت تعمل على جمع أحجية ترفيهية! وها هي تسجل فرعاً علمياً جديداً يطلق عليه "Metagenomics" أي "أخذ العينات" وترتيب تسلسل المورثات من البيئة مباشرة، وليس من فيروس مفرد.

وبالانتقال إلى علوم الهندسة، نجد "بيدرو ريس" الباحث في معهد ماسيتسيتوش التقني، الذي منذ يومه الأول في الهندسة أضحى أسيراً للمواد غير المستقرة، والتي يحبذ عدم استخدامها هندسياً لصعوبة التعامل معها، لكنه كان يرى تلك المواد فرصة لاكتشاف نقاط قوة كامنة في المواد الليّنة ونحوها، واليوم يعمل "ريس" على تطوير المبادئ الأساسية لميكانيكا حياتنا اليومية، واستطاع مؤخراً إنتاج قضبان "جرافين" نانوية، تعد أقل المواد سماكة وأشدها قوة!

وكما هي حال قائمة الأذكياء هؤلاء؛ لم يضع "فينغ تشانغ" الوقت، فخلال مرحلة الدراسات العليا لاحظ ارتفاع تكلفة أدوات ربط الجينات الجديدة في الخلايا الحية، فضلاً عن استغراقها وقتاً طويلاً ووجود كثير من حقوق الملكية الفكرية، وكان غير راضٍ عن ذلك، فعمل مثل أي مغامر متحمّس على تطوير أدوات جديدة بنفسه وبالتعاون مع علماء آخرين عبر المصادر المفتوحة، مما مكنه من ابتكار أدوات جديدة أسرع وأقل تكلفة، وها هو اليوم يعمل على استخدام تقنياته الجديدة على دراسة علم وراثة "التوحّد" و"انفصام الشخصية"، ويقول بالفعل إنه قام بإدخال "جينات" مرتبطة ببعضها في حيوانات التجارب الحية لمراقبة آثارها، وكل ما بقي الآن هو العمل وملاحظة النتائج.

أما "ديفيد شميل" عالم الأحياء الهوائية في معهد "فرجينيا" التقني، فيؤمن أن ملاحقة "الأحياء الدقيقة" تتجاوز اليابسة إلى الطائرات بدون طيار، وذلك لمساعدتنا على منع انتقال الأمراض عبر القارات والمحيطات، بل وحتى التنبؤ بحركة مسببات الأمراض النباتية، والتي يمكن أن تساعد المزارعين على حماية محاصيلهم بشكل استباقي. حالياً يعتقد "ديفيد" أن السحب تحتوي على مخزون طويل الأمد من البكتريا والفطريات التي تطايرت إليها، مما يجعلها مصدراً مهماً لدراسة هذه التأثيرات، وهو ما يعمل عليه الآن.

وإلى "راجين راج" من جامعة "بنسلفينيا"، الذي يعمل منذ سنوات على دراسة الحمض النووي، حيث من المعلوم أن جميع خلايا الجسم لها نفس الحمض النووي، ولكن طريقة التعبير ثم ترتيب القواعد النتيروجينية تحدد ما إذا كانت الخلية ستصبح خلية عصبية أو عضلية قلبية. إذ استطاع "راجين" بمعاونة زملائه ابتكار تقنية جديدة لتتبع هذا التعبير الجيبي وآثاره، كما لو كانت تقف وسط سوق بقالة مليئة بالبضائع والمواد، وباستخدام هذه التقنية وجد "راجين" أن الخلايا المتطابقة وراثياً لا تنسخ نفس الجينات بنفس المعدل، والكثير من التفاصيل التي تساعد علماء الأحياء - حالياً - على رؤية ما يحدث بالفعل في الخلايا.

أما "جاستين كابوز" من معهد جامعة "نيويورك"، فيعمل حالياً على ابتكار أسلوبٍ جديد لتخزين وتواصل الحواسب الشخصية بدلاً عن "الحوسبة السحابية"، حيث تعتمد الفكرة الحالية على وصل أجهزة المستخدمين بمراكز بيانات مركزية قوية، ولكن سحابة "جاستين" أقل مركزية وأسهل بكثير، وتعتمد فكرتها على اتصال كل جهاز مستخدم بجهاز مستخدم آخر في شبكة غير مركزية، وبالتالي تتيح استخدام حجم تخزين أقل بطريقة آمنة ومعزولة! لقد استطاع "جاستين" جذب عشرين ألف مستخدم لشبكته الجديدة، والتي أطلق عليها اسم "سياتل"، وهو يعمل الآن على تطوير تقنيته لتشمل الهواتف الذكية وغيرها.

ذكيتنا الأخيرة هي: المهندسة الكيميائية "أندريا أرماني" من جامعة جنوب كاليفورنيا التي بدلاً من أن تستخدم الأجهزة والأدوات في البحث العلمي؛ تعمل هي على إعادة اختراع الأدوات نفسها، حيث ابتكرت "أندريا" أجهزة استشعار ساعدت على تسريع اكتشافات علمية متنوعة، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في الكشف عن الأسلحة البيولوجية، أو حتى النشاط الإشعاعي! لكن طموحها لم ينته، بل لا تزال تعمل على أدوات وأجهزة أكثر تقدماً، وخاصة في ما يطلق عليه بـ"المستشعرات البصرية"، التي تصل إلى أي مكان، ويفترض أن لا تتأثر بدرجات الحرارة القصوى سواءً الحارة أو الباردة، الأمر الذي يفتح الباب الواسع لمزيد من الاكتشافات العلمية في مجالات كثيرة جداً.

أفكارٌ رائعة وطموحٌ لا يتوقف، رغم كل هذه المآسي التي تحدث في كوكبنا من حروب ونزاعات، لكن الرائع في الأمر أن أفكار هؤلاء العباقرة لو تحقق معظمها، أو على الأقل بعضها؛ لأضحى كوكبنا أكثر أمناً وأسهل عيشاً، وبالطبع أكثر ذكاءً.


عبدالرحمن السلطان