الجمعة، 28 فبراير، 2014

"نصل" المغفرة

"قاري ردغوي Gary Ridgway" قاتلٌ متسلسل، اعترف بقتل 48 فتاة بدمٍ بارد، ليس ذلك فقط بل إنه اغتصبهن ثم خنقهن ومثّل بجثثهن قبل دفنها في أماكن متفرقة، بعد سنوات من الملاحقة ألقت شرطة ولاية واشنطن الأميركية القبض عليه، وجرت له محاكمة علنية، حضرها جمع غفير من أهالي المغدورات.




وللضغط على هيئة المحلفين استعان فريق الادعاء بالأهالي الثكالى، الذين تحدثوا بحرقة عن حزنهم الشديد على فقد بناتهم، وصبوا جام غضبهم ولعناتهم على الوحش القاتل، الذي لم ترف له عين، ولم يبد أي تأثرٍ بما يقولون، رغم أن حديثهم اختلط بدمعٍ ودمٍ ساخنين، بيد أن السيد "روبرت رول" والد الفتاة المغدورة "ليندا" فاجأ الجميع بتوجيه حديثه إلى القاتل بأن الجميع هنا يكرهونه؛ لكنه ليس منهم! بل تجاوز ذلك إلى قوله: "أغفر لك ما فعلت" كون الرب أمرنا بأن نغفر للجميع، هنا فقط تأثر القاتل، وسقطت منه دمعة أولى



نعم.. للمغفرة أثر أعظم من الانتقام، فهي كنصلٍ حاد يقطع شغاف القلب، وهو ما حدث بالفعل مع هذا القاتل المجرم، فالتسامح وبقدر ما يريح قلب المجروح فإنه يعمل على تطهير قلب الجارح، أي تسامح هذا وأي مغفرة يحملها قلب كهذا، ولنا في رسولنا الكريم خير قدوة في التسامح والمغفرة، فهو من وقف خطيباً يوم فتح مكة موجهاً حديثه إلى قومه ممن أضروه كثيراً وقال: "إذهبوا فأنتم الطلقاء"! وكانت خير وسيلة لاعتناق تلكم الجموع الغفيرة للإسلام.
أيها الأصدقاء المغفرة صفة تقع أعلى الهرم، وعليك أن تتعب حتى تلامسها، ولكن ما إن تصل إلى قمتها، حتى تشعر بقيمة كونك إنساناً حقيقياً يتمثل الإنسانية الحقة، وليس مجرد باحثٍ عن انتقام يضر ولا ينفع... صديقي حاول قليلاً من المغفرة وحتماً سترى الفرق.

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 26 فبراير، 2014

إجازة السنة الكاملة!

معظم الناس يقضون أول 24 سنة من حياتهم في التعليم، حتى الحصول على الدرجة الجامعية، ثم يهدرون الأربعين عاماً التالية وراء قضبان الوظيفة، وما يرافقها من نكدٍ وشقاءٍ ومللٍ، حتى يتقاعد الفرد بعد ذلك لمدة قد تتجاوز خمسة عشر عاماً في أحسن الظروف، وقد أصيب بجوقة متنوعة من الأمراض المزمنة والعلل، تكدر عليه صفو التقاعد والراحة، ولكن ماذا لو استطاع الإنسان تقديم سنوات تقاعده مبكراً، بحيث يحصل عليها مفرّقة خلال سنوات شبابه وصحته، وليس جملة واحدة في نهاية المطاف؟
هذا بالفعل ما خرج به الفنان المبدع "ستيفان ساغمايستر Stefan Sagmeister "، حينما لاحظ قبل سنوات أن استمراره بالعمل في نفس نشاطه الفني لمدة طويلة جعله يشعر بالسأم والملل، بل أدى إلى أن تظهر منتجاته الفنية متشابهة بشكل ما، وبنفس الروح تقريباً. لذا فكّر بأخذ إجازة تفرّغ طويلة من عمله اليومي، وكان أن تطورت الفكرة لتمسي مدتها سنة كاملة، نعم أثني عشر شهراً من الإجازة، هرباً من كل شيء. وبالفعل قام "ستيفان" بإغلاق أستديوه الفني في "نيويورك"، ونشر رسالة اعتذار طريفة على موقعه الإلكتروني يقول فيها: "نحن نعمل على مجموعة تجارب لمدة عام كامل، وسوف نعود إلى العمل في سبتمبر القادم، أرجو الاتصال بنا حينئذ"!




فكّر "ستيفان" أليس من الممكن أن نأخذ خمس سنوات فقط من سنوات التقاعد، ونقوم بتوزيعها مقدماً بين سنوات العمل، وهي السنوات التي يصل فيها الإنسان إلى قمة عطائه الذهني والجسدي، بحيث نحصل على إجازة وراحة طويلة يبلغ مقدارها سنة كاملة كل سبع سنوات متتالية! يكون أثرها متعدياً الإنسان بذاته إلى محيطه الوظيفي ومحيطه المجتمعي، بدلاً من أن يكون أثر الإنسان خلال مرحلة تقاعده على حفيد واحد أو حفيدين فقط على حدٍ قوله، فكانت البداية قضاء إجازة طويلة في مدينته "نيويورك" لكنه لم يجد الإلهام الذي ينشده، نظراً لأنه لم يخرج من محيطه البيئي الذي عاش فيه منذ طفولته، لذا قام "ستيفان" في المرة الثانية بحزم حقائبه بعيداً، إلى جزيرة "بالي" في "إندونيسيا"، وذلك للاستمتاع بالمناظر الطبيعة البكر، فضلاً عن كونها جزيرة يمتهن أهلها صناعة الحرف اليدوية، وهو ما يتقاطع مع عمله كمبدع أعمال فنية، وعلى الفور وبعد وصوله بفترة قصيرة واندماجه مع المجتمع المحلي؛ تدفقت الأفكار كما الإلهام، وبالطبع كان إنتاجه الأول طباعة "طاردة للبعوض"! ثم وبسبب كثرة مهاجمة الكلاب الضالة له خلال تريضّه الصباحي؛ خرج بمجموعة سلسلة قمصان قطنية مطبوع عليها 99 صورة كلب مختلف، مع رسالة تهكمية قصيرة على ظهر كل قميص! كما بدأ هناك تصميم وصناعة أثاث جديد ليستخدمه في أستديوه الخاص بعد عودته، وكانت فرصة لا تعوض للاستفادة من الخامات المحلية والفلكور الشعبي في تصميم الكراسي والدواليب وغير ذلك، كما صنع طاولة قهوة تحتوي على عدد مهول من البوصلات، وصنع معها أكواب قهوة تحتوي على قطب مغناطيس مخفي، مما يجعل عقارب البوصلات تتحرك بشكل محموم في كل اتجاه متى وضعت الأكواب فوقها! أو الكرسي الثرثار، الذي صنعه من الخوص على شكل كلمات وحروف، كل هذا وغيره جعله يدهش بشكل لا يصدق من قدرة الإنسان الفرد على تجاوز توقعاته من نفسه، لقد اعتقد "ستيفان" أن أفكاره الإبداعية نضبت أو على الأقل أضحت متشابهة، لكن هذه التجربة الفريدة قادته لاكتشاف آفاق جديدة، ولتعلم أساليب مبتكرة في التصميم والإنتاج، والخروج بصورة مختلفة لمواد تقليدية، كما خرج بمجموعة هائلة من الأفكار والمشاريع كانت كافية ليعمل عليها خلال السنوات السبع التي تلت إجازته! كما حدث لتصميمه الهوية الفنية لمجمع "كازا دي ميوزكا" في البرتغال، الذي أظهره بطريقة فنية مبتكرة ومختلفة عن الآخرين وغيره من المشاريع التي رفعت من أسعار أتعابه، وعادت عليه بعائدٍ مادي أضخم، فضلاً عن قضائه وقتاً ممتعاً وتسجيل ذكريات لا تنسى.



والغريب أن هناك تجارب قريبة من فكرة "ستيفان"، بل هناك من يأخذ خمس أشهر إجازة متواصلة كل عام، بعد أن يكون اجتهد لمدة سبع أشهر متواصلة، كما الطاهي الشهير "فيران أدريا Ferran Adria"، الذي يدير مطعمه الفاخر "إلبوللي ElBulli" شمال برشلونة، ويستقبل ضيوفه فقط خلال خمسة أشهر من السنة، يستطيع خلالها استقبال 8000 شخص فقط، بينما عدد الطلبات يتجاوز 2.2 مليون طلب حجز، لكنه مؤمن بمبدأ الراحة والتركيز على اكتشاف وتطوير أطباق جديدة يعمل عليها هو وفريقه خلال سبعة الأشهر!



أما المثير في الأمر فهو أن اختيار سبع السنوات جاء متوافقاً مع ارتباط الرقم سبعة بمفهوم الحضارات القديمة لدورات حياة الإنسان، ذلك لأن الرقم سبعة بحد ذاته يرمز إلى الكمال، كما تؤمن بذلك شعوب الشرق الأقصى، وكما ورد في حضارات الإغريق والفراعنة، وشعوب ما بين النهرين، بل ذهب بعضهم إلى حد تقديس الرقم سبعة، وكانوا ينسبونه إلى الشمس وقوى النور، وكذلك فعل العرب، فصنفوا قصائدهم على سبع طبقات، كما ظهر ذلك في "جمهرة أشعار العرب"، فضلاً عن الجذر "سبع" من أغمض الجذور معناً، كما "سبع" و"شبع"، و"سبغ"، فالمعنى الأصلي للجذر "سبع" هو "الكفاية" و"التمام" و"الامتلاء"، فيصبح من الطبيعي أن تكون مدة سبع السنوات مناسبة للاكتفاء من عمل معين والانطلاق إلى أفق جديد، وللذين لا يقتنعون إلا بلغة العلم والأرقام فإن "ستيفان" يقول إن مدة هذه الإجازة الطويلة كلها لا تتجاوز 12.5% من مجمل حياته، وبمقارنتها بمجموع ساعات الفراغ الشخصية في الشركات "السوبر" ناجحة تجدها أقل بكثير، إذ إنها تبلغ مثلاًَ 15% في شركة 3M أو 20% في "Google" وغيرها، والتي بالتأكيد أدت إلى ظهور بعض من أعظم الأفكار والمبتكرات، لكن "ستيفان" يؤكد بشدة على ضرورة التخطيط المبكر للاستفادة من هذه الإجازة الطويلة، فالأمر ليس مجرد قضاء وقت في الاستلقاء والتأمل، كما حدث معه في أول إجازة طويلة قضاها بدون تخطيط، بل من الضروري وجود جدول أعمال تلتزم به، ليساعدك على حسن استغلال هذه الفترة في تنمية معارفك ومهاراتك، وتوليد الأفكار والمشاريع، ذلك لأن هذه الإجازة في نهاية الأمر ليست أسبوعاً أو أسبوعين فقط، بل إنها سنة كاملة من عمرك.
قد لا يتشجع الكثيرون لقبول مثل هذه الفكرة الجامحة لعطلة طويلة جداً، لكن مجرد التفكير في محاولة أن تهرب من واقعك "الروتيني" سوف يجعلك تشعر بالسعادة، ولو لمدة خاطفة، لكن الشاهد هنا هو: ضرورة أن تتحول الإجازة إلى إجازة حقيقية، يستطيع من خلالها الإنسان أن يجدد نشاطه ويشحذ منشاره من جديد، لا أن تكون الإجازة بحاجة إلى إجازة بعدها! فقط حاول أن تأخذ إجازة بأطول ما تستطيع ولن تندم على ذلك، وكل إجازة وأنتم سعداء ومسرورون.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 22 فبراير، 2014

روح "أبوسعود"

ليس هناك أسوأ من أن تعيش حياةً بلا روح، وأن تصبح أسيراً لالتزامات واحتياجات للآخرين، وهذا ما يحدث لأغلبنا، كوننا جزءا من مجتمع مترابط، يجعل الفرد ينسى نفسه مع مرور الزمن لصالح الآخرين، مما يؤثر على حالته النفسية، وعلى إقباله نحو الحياة في نهاية الأمر.
إلا أن الصديق العزيز "عبدالعزيز الحمدان"، أو "أبو سعود" كما يحب أن ينادى؛ يمتلك فلسفة مختلفة، إذ قرر عدم الاستسلام لروتين الحياة اليومي، وعدم السكون في وظيفته التي أجبر فيها على تكرار العمل سنة بعد سنة، دون أدني مبادرة أو تطوير، وكأنما عجلة الزمن توقفت، بل اتخذ "أبو سعود" قراره منذ سنوات بأن يعمل على تطوير نفسه وبث الحماسة في روحه ما أمكن ذلك، وذلك بواسطة حيلة بسيطة، هي: تنمية هواياته الشخصية! رغم استنكاف أغلب الشباب السعودي عنها.



وخلال زيارة سريعة إلى متجر للدراجات النارية قبل سنوات؛ اتخذ قراره بأن تكون هذه هي هوايته القادمة، وبالفعل اشترى دراجة نارية احترافية، ودشّن مسيرته الجامحة في عالمٍ مثير ومختلف، اكتسب خبرات ومعلومات جديدة عن عالمٍ لم يكن يعرف عنه قيد أنملة، اختلط بوجوه متعددة، استطاع بناء علاقات وثيقة مع هواة يختلفون في كل شيء، لكنهم يشتركون فقط في حبهم للدراجات النارية، "ناجحون" لم يكن ليلتقي بهم داخل إطار عمله الرسمي! بل سافر معهم بدراجته النارية إلى أغلب مدن المملكة ومعظم دول الخليج، ولك أن تتخيل مقدار المتعة والفائدة التي غنِمها.
ألتقي "أبا سعود" تقريباً مرة واحدة كل أسبوع، وفي كل مرة أزداد إعجاباً بروحه المرحة ونظرته الإيجابية لكل شيء، التي اكتسبها من انفتاحه على الجميع وتنمية روح قلبه، فهو يقول: "أشبع شغف روحك؛ تنتعش نظرتك إلى الحياة مهما كانت قاتمة ومعقدة"، وتالله لقد صدق.


عبدالرحمن السلطان

الجمعة، 21 فبراير، 2014

كلمة سر أسطورة "ستيفن كينج"

ليس هناك في الحياة المهنيّة لكاتب روايات الرعب الشهير "ستيفن كينج Stephen King" أي كلمة سر أو شيء آخر! بل إنها الكلمة التي يضجر الكثيرون بالحديث عنها، وبالذات حين مناقشة عوامل الإبداع والنجاح في أي مجال ما؛ والكلمة بكل بساطة هي: "الإصرار"! بالطبع مع وجود الموهبة والحس المهني.



قبل سنوات وخلال وقت ضائع في أحد المطارات اشتريت كتيبا مخفضا لـ"ستيفن كينج"، جذبني غلافه وموضوعه، وكونه مختلفا عما ينشره هذا المبدع ذو الإنتاج الضخم، فلم يكن رواية أو قصة؛ بل كتيبا يستجمع فيه ذكرياته العائلية ومراحل دخوله معترك نجاحه الأكبر وهي الكتابة بالطبع، لذا حمل الكتيب عنوان: "حول الكتابة On Writing" الصادر عام 2000، والطريف في الأمر أن "ستيفن" وفي مقدمة الكتاب يقول وفي حس ساخر قلما نقل عنه: أن حجم هذا الكتيب جاء صغيرا؛ لأن أغلب الكتب التي تتكلم عن الكتابة ومهارات متخمة بالترّهات والأحاديث الفارغة، وكتيبه ليس مختلفا عنها، لذا جعله أقصر لتكون الترّهات أقل!.



استعرض "ستيف" في كتابه جذوره الأولى، وولادته عقب الحرب العالمية الثانية لعائلة مليئة بالمشاكل، مما جعل والده يغادر المنزل و"ستيف" لم يتجاوز الثانية من عمره، وذلك بحجة "أنه ذاهب لشراء علبة سجائر"! لكنه بالطبع لم يرجع، لتصبح والدته هي كل عائلته هو وأخيه المتبنى "دافيد"، لذا انكب منذ صغره على المجلات المصورة وقصص الخيال العلمي، التي كانت تعيش عصرها الذهبي، بوجود كثير من الشخصيات الخارقة والأفكار الجديدة، بيد أنه يشير في كتيبه إلى حادثة أثرت بشكل كبير على فهمه للموت وخوفه من المستقبل، وهي دهس قطار لأحد أصدقائه، مما جعله يفقد الكلام لعدة أيام، تلك الحادثة حفرت عميقا في وجدانه، رغم عدم إدراكه لمفهوم الموت في لحظتها، إضافة إلى انبهاره المبكر بقصص كاتب الرعب الأميركي "هوارد لافكرافت".
كان "ستيفن" يقضي وقته في كتابة القصص وتجربة أفكار متنوعة، ويصّر على قراءتها بصوت عال أمام والدته، حتى إنه وخلال مرحلة الدراسة الثانوية كان يشارك في كتابة مقالات لنشرة كان يطبعها أخوه "ديفيد" بواسطة جهاز طباعة قديم، لكنه يتذكر قيامه ببيع قصص على أصدقائه ألفها بناء على أفلام سبق أن شاهدها، لكنه توقف عند ذلك بعد أن اكتشف أحد معلميه ذلك وأجبره على إعادة أموال أصدقائه! لكنه يشير إلى أن أول قصة نشرت له كانت بعنوان: "كنت سارق القبر المراهق" في إحدى مجلات القصص المصورة غير المعروفة، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره!
لكنه استمر في إصراره على الكتابة خلال دراسته الجامعية للأدب الإنجليزي، فكان يكتب زاوية شبه ساخرة في نشرة حرم الجامعة، ورغم تخرجه بشهادة تؤهله للعمل كمعلم، لم يجد وظيفة مناسبة، مما اضطره للعمل في وظائف متعددة، بيد أنه في النهاية استطاع الحصول على وظيفة معلم، ولكنه براتب منخفض، قبل بها على مضض، واستمر يعمل ليل نهار بالكتابة وتطوير قصصه دون نتيجة ملموسة، حتى كاد يقع في إدمان الحكول لولا وقوف زوجته "تابيثا سبروس" معه، وهي الفتاة التي تعرّف عليها في مكتبة الجامعة، وكان لها أثر أكبر على حياته من مجرد إيقافه عن إدمان الحكول.
ففي عام 1973 كان "كينج" يكتب رواية بعنوان "كاري Carrie" عن فتاة غريبة الأطوار تمتك قدرة تحريك الأجسام عن بعد، لكنه فجأة ألقى بمسودة روايته في سلة المهملات؛ لأنه لم يكن راضيا عن تقدمه في الكتابة، لكن زوجته استعادت الرواية وأقنعته بإكمالها من جديد، وبعد فترة من إرسال الرواية إلى مجموعة من الناشرين؛ رد الناشر "دابولداي وشركاه" بالموافقة على النشر، وأرفق شيكا بقيمة 2500 دولار! مما جعل "كينج" وزوجته يقفزان من الفرح والسرور جراء هذا المبلغ الكبير الذي يصلهما لأول مرة، لكن المثير في الأمر أن الرواية بعد نجاحها الساحق حققت لمؤلفها: 400 ألف دولار فقط من حقوق الطبع وحدها! وهنا دائما ما يستذكر "كينج" بمزيد من الفخر اتصال ناشره عليه، ليخبره أنه بإمكانه الآن التفرغ للكتابة وترك مهنة التدريس إلى الأبد!.
بالطبع لم يركن "ستيفن كينج" لهذا النجاح الهائل، بل استمر وبسرعة مذهلة في إنتاج روايات متتالية، تتجاوز رواية واحدة في العام الواحد، وكل رواية لا يقل حجمها عن مئات الصفحات، وكل منها يتميز بفكرة مختلفة وحبكة مشوقة، لكن أمه أصيبت بسرطان الرحم مما اضطره إلى العودة إلى منزلها والعيش معها حتى وفاتها، وكان سعيدا أنها استطاعت ـ رغم ألمها ـ قراءة أول رواية ناجحة من إبداع ابنها التي رعته وحدها دون زوج.




المثير في الأمر أن إصرار "ستيفن" كان ينبع من قدرته على استلهام أفكار رواياته من الظروف والأماكن التي يمر بها، كما في رواية "مقبرة الحيوانات الأليفة" التي استلهمها من تجربة شخصية له عندما شاهد مقبرة حقيقة للحيوانات الأليفة في ولايته "ميين"، أو رواية "البريق" التي تتحدث عن كاتب مجنون يقضي الشتاء مع عائلته في فندق مهجور، التي استوحاها من إقامته القصيرة في دينفر بولاية كولورادو، وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح من بطولة النجم "جاك نيكلسون"، بالطبع لم يعجبه الفيلم كعادة كثير من الروائيين، فأصر على أن يقوم هو بإخراجها بنفسه، فقام بتعلم الإخراج ليظهرها على شكل مسلسل تلفزيوني قصير لم يكتب له النجاح، فعاد بقوة من جديد إلى الميدان الذي يعرفه بقوة وهو الكتابة. وهكذا وبعد توالي نجاحه الروائي أضحت شركات الإنتاج السينمائي تتسابق لإنتاج أفلام مقتبسة من رواياته المدهشة، التي زادت في النهاية من شعبيته، حتى صار النقاد والجمهور يلقبون "ستيفن كينج" بملك الرعب، رغم كثرة وتعدد مؤلفي روايات وقصص الرعب والإثارة.
يدرك "ستيفن كينج" أن الإصرار والاستمرار هو سلاحه الأساسي في الحياة، فهو اليوم ورغم تجاوزه عامه الـ66، وتضاعف رصيده بمقدار عشرة ملايين دولار أسبوعيا، فقط من إعادة طباعة رواياته، وتعرضه إلى حادث شبه مميت قبل سنوات؛ إلا أن نشاطه الأدبي ما يزال يتّقد ويتشعل، وما يزال يبهر جمهوره الواسع بإصدارات جديدة ومتنوعة، وما يزال يؤمن أن في جعبته الكثير ما دام إصراره مستمرا.

عبدالرحمن السلطان




الأحد، 16 فبراير، 2014

"جنادرية تكساس"

كنت في مدينة "هيوستن" بولاية تكساس الأميركية شتاء 2011، وكان أن اقترحت عليّ زوجتي زيارة مزرعة عامة تحاكي تاريخ "رعاة البقر".. ترددت قليلاً لكنني في النهاية رضخت للأمر الواقع.




كان الاتجاه إلى مزرعة "جورج التاريخية George Ranch"، التي كانت مزرعة حقيقية لعائلة "ألبرت جورج" في المئتي سنة الماضية، لكن العائلة وهبتها إلى مؤسسة خيرية تهدف إلى تثقيف الجمهور والزائرين بتاريخ وحضارة منطقتهم، فهي تقع على بعد 48 كليو من وسط المدينة فقط.
لكن الأمر مختلف في هذه المرزعة؛ كونها اعتمدت على تتبع مسيرة حياة عائلة أميركية أحيتها منذ عام 1824، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تتكون من مجموعة منازل ومزارع متعددة، كل منها يمثل عصراً مختلفاً ومرحلة تاريخية مرت بها عناصر الحياة والمدنيّة هناك، إذ يبدأ الزائر بالمسكن الذي يمثل منازل عام 1830، حينما كانت الولاية لا تزال جزءاً من المكسيك، ثم منزل طراز عام 1860، ثم البيت الأساسي للعائلة بالطراز الفيكتوري لعام 1890، ثم المنزل شبه الحديث على طراز 1930، أي خلال فترة الركود الاقتصادي الكبير، مما يجعل الزائر يلاحظ من خلال ملامسته للواقع أمامه مدى التغير الذي اختبره سكان هذه المنطقة.







واللطيف في الأمر أنها تزخر بوجود مزراعين ورعاة بقر حقيقيين، يعملون بجدٍ وسط جموع الزوار، وتختلف أزياؤهم وطريقة عملهم بناءً على الفترة الزمنية التي يمثلونها، بالإضافة إلى حظائر الحيوانات والبقر كذلك، ولا تنس متجراً في نهاية الجولة يبيعك منتجات المزرعة من الخضراوات والفواكه والمربى واللحوم، والأهم كتيبات ونشرات عن تاريخ المنطقة
غني عن القول، إن هذه المزرعة العامة تفتح أبوابها طوال العام، على عكس جنادريتنا الضخمة، وبأسعار رمزية، وتحولت مع مرور الزمن إلى عامل جذب سياحي، ومركز مبتكر لتعليم وتثقيف الأطفال والكبار على حدٍ سواء.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 15 فبراير، 2014

معلمو "الأبناء".. إلى متى؟

هل يمكن أن نتصور مشكلة إدراية بسيطة لا تزال ترواح مكانها منذ خمس سنوات؟ نعم هذا ما يحدث لمعلمي ومعلمات مدارس "الأبناء" في وزارة التربية والتعليم، فمنذ صدور قرار نقلهم من وزارة الدفاع إلى وزارة التربية والتعليم عام 1430 وهم يعانون تبعات خطأ إداري من جهة عملهم السابقة!



والقصة ببساطة أن أمراً ملكياً كريماً صدر عام 1430 بتحسين مستويات كافة المعلمين والمعلمات في المملكة، شمل 204 آلاف معلم ومعلمة، ولكن تطبيق القرار لم يشملهم! والسبب أن إدارتهم السابقة "إدارة الثقافة والتعليم" في وزارة الدفاع لم تخاطب لجنة التحسين حينئذ ولم ترفع بقوائمهم! المثير في الأمر أن المعلمين والمعلمات أنفسهم قاموا بالضغط على إدارتهم السابقة للرفع، وبالفعل رفعت الأسماء إلى وزير التربية والتعليم عام 1431، ثم صدر الأمر السامي عام 1432 بالموافقة على تحسين مستوياتهم بعد نقلهم، لكن بعد ذلك صدر قرار نقل خدماتهم إلى الوزارة عام 1433 وباشر المعلمون والمعلمات أعمالهم ولكن مستوياتهم لم تحسن!
للأسف اصطدم معلمو ومعلمات أبنائنا وبناتنا بتسويف ومماطلة "التربية والتعليم"، رغم أن عددهم قليل جداً ولا يتجاوز 1% من منسوبي الوزارة، إذ يبلغ عددهم 2901 فقط! لكنهم يواجهون كل مرة بأعذار مختلفة، فمرةً اللجنة لم تجتمع، وأخرى بأن الوزارة تنتظر اعتمادات الميزانية، وهلم جرا. والمأساة هنا أن إشاعات انتشرت -مؤخراً- تقول: إن لجنة التحسين سوف تعدل المستويات إلى أقرب راتب، وهذا يعني حرمانهم من الدرجة المساوية لزملائهم في "التربية والتعليم" دون وجه حق! مما يزيد من معاناتهم ويؤثر في النهاية على إنتاجيتهم في المدرسة ومع الطلاب.
واليوم ينظر معلمو ومعلمات "الأبناء" بعين الأمل لسمو وزير التربية والتعليم في موقعه الجديد، فكل مطلبهم هو الإنصاف ومساواتهم بزملائهم فقط.


عبدالرحمن السلطان



الخميس، 13 فبراير، 2014

سنّة "ملمع الأحذية"!

منذ عام 1989 وهو يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة في البرازيل لكنه لم يفز! استمر "لولا دا سليفا" بالترشح لثلاث دورات متتالية حتى نجح باقتناص أصوات 51 مليوناً من البرازيليين بنسبة تفوق 62%، وليكون أول رئيس ذي اتجاه عمالي منتخب في بلاده منذ تأسيسها.




كثيراً ما تناول الكتّاب قصة كفاح الرئيس البرازيلي السابق، وكيف أنه استطاع التفوّق على ظروف نشأته القاسية، وكيف أن أمه عانت الكثير لتربيته هو وإخوته الستة، ثم توقفه عن التعليم الأساسي وهو لم يتجاوز الصف الخامس الابتدائي، وكذلك عمله لفترة طويلة ملمّع أحذيةٍ في شوارع "ساو باولو"، وحرفي ورشة، وميكانيكي سيارات، ثم في النهاية عامل تعدين، ومنها انطلق لقيادة نقابة عمال المعادن، للدفاع عن حقوقهم وتحسين ظروفهم، ثم إلى تأسيس وقيادة حزب العمال، طمعاً في العدالة الاجتماعية لأبناء بلاده ومحاربةً للدكتاتورية العسكرية في البرازيل.



لكن الأمر المثير في قصة كفاح هذا الرجل هو ثباته على مبادئه التي سجن بسببها سنوات طويلة، رغم الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها حالياً. فبعد إعادة انتخابه لفترة ثانية وبأغلبية مريحة؛ كان باستطاعته تغيير قانون البلاد الذي يحظر الترشح لفترة ثالثة، كون المزاج الشعبي متوافقاً مع ذلك، وكونه يتمتع -أيضا- بأغلبية كبيرة في برلمان البلاد، لكنه رفض ذلك بشدة، وكان يصرح دوماً: "ناضلت قبل عشرين سنة، ودخلت السجن لمنع الرؤساء من أن يبقوا في الحكم أطول من المدة القانونية. كيف أسمح لنفسي أن أفعل ذلك الآن"!
"لولا دا سليفا" غادر سدة الرئاسة قبل سنتين وقد سنّ سنّة حميدة بتقاعد الرؤساء، ورغم إصابته بالسرطان استمر في الخدمة العامة عبر ما أطلق عليه بالتقاعد النشط، بواسطة ترويج وجذب الاستثمارات لبلاده، آملاً بألا يختبر مواطنوه ما تجاوزه من فقر وألم.


عبدالرحمن السلطان


  

السبت، 8 فبراير، 2014

"وهم".. يضر ويضر

هل تصدق أن أباً عاقلاً وضع ابنه ذا الست سنوات في خلاط إسمنت كهربائي! والهدف كان علاجه من حالة "التوحّد"! نعم، هذا صحيح وضع فلذة كبده الرطبة في جهازٍ مخصصٍ لخلط الإسمنت بحبيبات الرمل والماء! وكل هذا بمشورة أحد مدعي العلاجي الشعبي، ممن امتهن الاسترزاق على احتياجات الناس.
المريض كما الغريق يتعلق بأي قشة عابرة، حتى لو كانت تهلكته على يديها، والعذر الدائم أن مستوى الخدمات الصحية في تراجع عام، فضلاً عن نقص الأسرة والكوادر، دون إغفال غياب العلاج الناجع لبعض الأمراض المزمنة والخطيرة، لكن كل هذا ليس مبرراً مقنعاً لنتجه نحو شراء الوهم الذي يزيد الحالة سوءاً؛ بواسطة علاجٍ شعبي غير معتبر علمياً، سواء من كي عشوائي، أو خلطات مجهولة المصدر والتركيب، أو خزعبلات من هنا وهناك، فهي في الغالب الأعم مجرد ممارسات عامة تجري على جميع زبائن هؤلاء، والتغيير يكون في أسلوب الحديث وإضافة توجيه مختلف في كل مرة.



لكن الأسوأ من ذلك هو اعتقاد أن مثل هذه الممارسات، إذا لم تنفع فإنها لن تضر! وهذا اعتقادٌ غير صحيحٍ تماماً، فكم من مريض أصيب بفشل كلوي أو تليفٍ للكبد فقط من مجرد تناوله لخلطة مجهولة، تحتوي على مواد ضارة أو مسرطنة أو حتى ملوثة بمواد أخرى، وغني عن القول إن تحضير هذه الخلطات أو إجراء تلكم العمليات يتم وسط بيئة غير نظيفة، وبواسطة أفراد تنقصهم الخبرة والتخصص العلمي.
وللأسف رغم وجود الكثير من الجهود لملاحقة هؤلاء "الدجالين"؛ إلا أنهم سوف يستمرون في بيع أوهامهم، وسيطورون من أساليبهم، كما يروجون حالياً في "تويتر"، لذا فإن حجر مكافحتهم يبدأ منك أولاً، فمتى ما تجاهلنا دعايتهم الرخصية فسوف يتوقفون في نهاية الأمر، لذا أرجوكم توقفوا عن شراء هذه "الأوهام". 

عبدالرحمن السلطان

 



الخميس، 6 فبراير، 2014

الأطباء ليسوا "دكاترة"!

غني عن القول: إن هوسنا بالألقاب تجاوز حدود المعقول، ليصبح الحصول على اللقب هدفاً بحدِ ذاته، فالبعض تفتق ذهنه عن الحصول على شهادات وهمية لا تستحق حبرها الذي طبعت به؛ فقط لكي يحظى بلقب "دكتور"، لأنه يؤمن أن من يحصل عليها سوف يُقدَّم في المجالس والمنتديات، وبالتالي تفتح له أبواب الفرص الواسعة!
لكن هناك فئة أخرى في المجتمع لا تزال تتمسك بلقبٍ زائفٍ وغير صحيح، يستخدم للترويج والتسويق أمام الجمهور البسيط، هؤلاء هم الزملاء الأطباء، ممن لا يتنازلون عن مناداتهم بلقب "دكتور"، مع أن الغالب الأعم من جمهور الأطباء لم يحصلوا على شهادة "الدكتوراه في الفلسفة PhD" في أي علم، ناهيك عن درجة الماجستير! إذ إن الطبيب يتخرج من الجامعة حاملاً درجة البكالوريوس في الطب والجراحة "MBBS"، ليصبح طبيباً مقيماً، ثم ينضم إلى أحد البرامج التدريبية أو ما يطلق عليها بالزمالات ليحصل على التخصص العام، ثم بعد ذلك على التخصص الدقيق، ليصبح في النهاية استشارياً في فرع طبي دقيق، الأمر الذي جعل البعض يعتقد أن الحصول على درجة "الاستشاري" يؤهله لمعادلة شهادة "دكتوراه الفلسفة" في أي علم! وللأسف هذا ما تقوم به حالياً الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مخالفة كبيرة للمعايير العلمية المعتبرة، وذلك بمعادلة شهادة تدريبية بشهادة أكاديمية تختلف عنها كل الاختلاف، ولكن هذا التعجب يختفي حين نعلم أن أغلب القائمين على قيادة هيئة التخصصات الصحية من الأعزاء الأطباء، ومن المعلوم أن الأطباء يتميزون بروح "النقابة المهنية" المرتفعة، ولعله تجدر الإشارة هنا إلى أن لقب "دكتور" يعود في أصله إلى المفرد اللاتينية "doctoris"، أي "معلم"، وقد منح لأول مرة في جامعة "بولونيا" لمن حصل على الدكتوراه في القانون وليس في الطب.



ومما يؤكد أن الممارسة الحالية غير صحيحة واقع مسميات الممارسين الصحيين في القطاعات العسكرية في المملكة؛ حيث لا يعلو هناك شيء فوق النظام، إذ يأتي مسمى الطبيب الرسمي بعد الرتبة العسكرية، فنجد فلاناً: "عقيد طبيب"، والآخر "رائد طبيب"، كما هي الحال في التخصصات الأخرى داخل المنظومة العسكرية من صيادلة ومهندسين وغيرهم، بينما لا يحمل مسمى "دكتور" سوى الحاصل على شهادة الدكتوراه، والحقيقة أن الهوس بالألقاب أضحى ظاهرة تتجاوز الأفراد إلى المحيطين بهم، فمن واقع تجربة شخصية؛ كثيراً ما أواجه خلال عملي المهني حرص البعض على إضافة لقب "دكتور" أمام اسمي على الرغم من كوني حاصلاً على الماجستير فقط! وذلك لأنهم يعتقدون أن حديثك وعملك معهم لن يحظى بالاحترام ما لم يسبق اسمك لقب "دكتور"!
ويعود سبب هذه الممارسة الخاطئة إلى بداية نشأة الجامعات السعودية قبل عقود قليلة، إذ كان من الصعب استقطاب الأطباء السعوديين للعمل في كليات الطب والمستشفيات الجامعية، حيث كانت الجامعات السعودية - ولا تزال - تشترط للتعيين على "أستاذ مساعد" الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة معترف بها، فقامت وزارة التعليم العالي بالتجاوز عن ذلك؛ باعتبار الحصول على برنامج الزمالة يعادل دكتوراه الفلسفة في التخصصات الأخرى! واستمر هذا التجاوز حتى وقتنا الحاضر، بيد أن هذا التجاوز - الذي استمر حتى وقتنا الحاضر- شجّع الكثيرين على عدم مواصلة الدراسة العليا الأكاديمية، كونه سوف يحصل على المسمى دون بذل الجهد الأكاديمي المعتبر، بل تجاوز الأمر إلى إيمان خريجي كليات الطب بالمملكة استحقاقهم مسمى "دكتور" كتحصيل حاصل بعد حصولهم على الشهادة الجامعية فقط، في استثناء غريب لجميع التخصصات الصحية وغير الصحية!
وبالطبع هنا لا بد من الإشارة إلى أن هيكلة برامج الزمالات تختلف بشكل جذري عن المسار البحثي أو الأكاديمي في الدراسات العليا كالماجستير أو الدكتوراه، فهي برنامج تدريبي محدد، يعتمد على التدريب خلال العمل واختبارات فصلية ومهام مكتبية، وبالتالي فهي درجة مهنيّة وليست أكاديمية! ومن المثير ملاحظة أن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تعلن كل عام عن أرقام خريجي البرامج التدريبية التي تشرف عليها، سواء من أطباء أو صيادلة، وتشير إلى أنهم حصلوا على شهادات الزمالة المعادلة لشهادة الدكتوراه! وهذا غير صحيح كما تقدم.
أيها السادة القصة لم تنته بعد؛ فالأسوأ من ذلك هو إقدام بعض الأطباء - وخصوصاً في المستشفيات الخاصة - ممن لم يعمل ساعة واحدة في أي مؤسسة أكاديمية ليضع أمام اسمه لقب "أستاذ دكتور" أي "بروفيسور"! وذلك بهدف جذب المرضى لعيادته، فأي تدليس وكذب أكبر من هذا، وكيف يقابل ربه وقد كذب مرتين أمام مرضاه؟ فهو أولاً ليس دكتوراً والثانية ليس بروفيسوراً! لكن اللوم هنا يتجاوز الطبيب نفسه إلى هيئة التخصصات الصحية ومديريات الشؤون الصحية بالمناطق التي تسمح بمثل هذه التجاوزات، التي تؤثر في النهاية على سمعة وأخلاقيات مهنة سامية، كمهنة الطب.
أيها السادة قد يجادل بعض الزملاء الأطباء أن بعض الجامعات قد تمنح شهادة بكالوريوس الطب بمسمى "M.D" أي دكتور طبيب، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها تبقى درجة جامعية مقاربة لجميع التخصصات الصحية الأخرى كالصيدلة والتمريض وغيرها، وأنها درجة جامعية منحت بعد الانتهاء من ساعات دراسية وتدريبية محددة، وليست بحوثاً أكاديمية كما في درجات الدراسات العليا، كما يدحضها وجود درجة علمية مزدوجة يطلق عليها "M.D.Ph.D"، كما هي الحال في جامعة "ييل" الشهيرة أو جامعة بنسلفانيا الأميركيتين، تدمج التعليم الطبي المهني بالبحث الأكاديمي الأصيل في مدة دراسية أطول، لكنني - في الحقيقة - أتعجب من هروب زملائي وأصدقائي الأطباء من مسماهم الأصلي، والذي يجب أن يفتخروا به، فالطبيب له احترامه وتقديره بالمجتمع وضمن الفريق الصحي، ولن يكتسب احترامه من مسمى لا يستحقه، بل من إخلاصه في عمله وخدمة مجتمعه، فالطبيب طبيب والصيدلي صيدلي والمهندس مهندس، والكل له إضافة حقيقية في ميدان العمل والبناء، شرط أن نبدأ بالصدق في مسمياتنا أولاً.

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 5 فبراير، 2014

"تصدق إنه ما يداوم!"

لم أكد أخرج من صلاة المغرب حتى وجدت أحد جيراني يحادث جارا آخر بيد أنه تركه جانبا بعدما ألقيت عليهما السلام؛ إذ بادرني بالسؤال عن أحد جماعة مسجد "الحارة"، وكيف أنه موجود في كل الصلوات حتى صلاة الظهر! لم أفهم المقصود، لكن صاحبنا تكفّل بشرح عبارته؛ وذلك أنه ما دام يصلي الظهر دوماً في مسجد الحارة فمعناه أنه لا "يداوم" أبداً في وظيفته الرسمية
في الحقيقة لا أعرف إن كان صاحبنا المقصود موظفا حكوميا أو وريثا لثروة طائلة أو حتى عاطلاً عن العمل، لكن الذي أعرفه تماما أن هذا الأمر ليس من شأني ولا من شأن جاري "الفضولي". حاولت قلب الطاولة عليه وعاجلته بسؤال بسيط: "هب أنه لا "يداوم" فكيف عرفت بذلك إن لم تكن أنت "مزوغاً" مثله"! لكنه كان أسرع بديهة مني إذ قال إنه شاهده بضع مرات في صلاة الظهر، مما دعاه للتأكد من إمام ومؤذن المسجد اللذين أكدا مداومته على الصلوات الخمس! وبالتالي أكدا هواجسه أنه غير مرتبط بدوام وظيفي!
حينئذٍ حاولت ترطيب الأجواء بالقول إن وجود جار موجود دائما يمنحنا شعورا بالأمان، وبالذات خلال الفترة الصباحية، لم يهتم لحديثي وانتقل بالحوار إلى الحديث عن جار آخر بنى قبل أيام غرفة خارجية لسائقه الخاص دون ترخيص البلدية، وإلى جار آخر تزوج زوجة ثانية، وإلى... معلومات متكاملة عن كافة أفراد الحي ولكنها للأسف بلا فائدة تذكر، فالجميع يعمل ويتطور إلا صاحبنا الذي تفرغ للقيل والقال، وأضحى تجسيدا حقيقيا لمقولة العرب: "من راقب الناس مات هماًَ"، التي أتمنى – بهذه المناسبة المزعجة - أن تتغير اليوم إلى: "من جاور الفضولي مات هو هما"! وسلامتكم..


عبدالرحمن السلطان

السبت، 1 فبراير، 2014

طيار.. يحرث ويبذر!

نشأ وترعرع الطيار "بيل قروس Bill Gross" في مرزعة عائلية في ولاية "شمال داكوتا" الأميركية، وبالتالي فهو يعرف بالتأكيد ماذا تعني الأرض لأهلها، وأن قيمتها المعنوية تتجاوز قيمتها المادية بكثير.


لكن نجاح "بيل" كطيار في إحدى شركات نقل البريد لم يمنعه من ملاحظة التغيّر الديموجرافي في انحسار رقعة المزارع، وتراجعت أعداد أبناء المزارعين، أو هجرتهم إلى المدن بحثاً عن الفرص الوظيفية، بيد أنه يتذكر بفخر يوماً ما حينما كان في رحلة عبر المحيط الأطلسي؛ ولم يتردد بالإفصاح عن مستقبله بعد التقاعد لزميله في قمرة الطائرة، حينما قال: "سوف أعود وابتاع حرّاثة، وأدور بها لأساعد الأسر الزراعية في حرث محاصيلهم!" مما جعل صاحبه يضحك، حتى لاحظ أن "بيل" كان جاداً، ليبادره بسؤال سريع: "إذن.. لماذا تنتظر حتى تتقاعد؟". 


وهذا ما حدث بالفعل، إذ عمل فوراً على تأسيس مؤسسة "نجدة المزرعة" غير الربحية، لتقديم  المساعدة المهنية للمزارعين، وكانت البداية عام 2006 حينما ضرب إعصارٌ مدمرٌ ولايته الأم، وكان أن تدمرت مزرعة عائلة "كابّينمان"، ولم يكن لديهم تأمين على مزرعتهم كما هي حال أغلب المزارعين الأفراد، وعلى الفور ذهب الطيار "بيل" إليهم برفقة أصدقائه المتطوعين، وقاموا بإعادة بناء الحظائر، وحرث وبذر المحاصيل، وترميم منزل العائلة، لقد أعادوا الحياة الحقيقية لعائلة فقدت كل شيء بعد الإعصار. ثم تطورت نشاطات "نجدة المزرعة" وخلال سنوات قليلة تمدد عملها إلى خمس ولايات مجاورة، وأضحت تستقطب متطوعين من أبناء الولاية ممن هاجر إلى غيرها، ولا يزالون يحملون الود والحب لمسقط رأسهم.



يعرف "بيل" أن مستقبله كطيار مهمٌ له ولعائلته الصغيرة، لكنه يؤمن أنك إذا أردت أن تساعد الناس؛ فلا بد أن تساعدهم في شيء تتقن تنفيذه أنت، وليس هناك أفضل من الزراعة يتقنها الطيار "بيل".

عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 1 فبراير 2014م