الاثنين، 31 مارس، 2014

أين تذهب هذا المساء؟

لم أقرر بعد أين سوف تكون أمسيتى هذه الليلة، فأنا حائر بين حضور مسرحية محلية مستلهمة من روائع الأدب العالمي في شارع المسارح شرق الرياض، أو حجز مقعد في العرض الأول لفيلم عالمي سوف يدشن عرضه الأول هنا في الرياض؟ الأمر الأكيد أنني سوف أتجه بعد ذلك إلى مقاه وسط العاصمة، تتميز بعراقة تصميمها ولذة ما تقدمه من مشروبات!.
بالطبع كل ما سبق لا يعدو كونه مجرد حلم يقظة، لا يتكرر كثيرا، ورغم أنه مغرق في الخيال، إلا أنه يعد إحدى الوسائل الناجحة في تزجية الوقت والتفكير بإيجابية؛ لأن نهاية هذه الأمسية ـ وأي أمسية شبابية بالطبع ـ سوف تكون مجرد لقاء مع الأصدقاء في أحد "الكوفيات" وشرب الشاي ثم القهوة ثم الشاهي، وهكذا دواليك، حتى يحين وقت العشاء، لنعيد تكرر "موال": أي مطعم نضيع ليلتنا فيه؟ وكأنما اقتصرت ترفيهتنا في العاصمة وكافة مدننا السعودية على "الأكل" فقط، الذي جعل استثمار المطاعم يتحول إلى أحد أهم المشاريع شبه الناجحة في المملكة؛ لأن الغالبية الأعم من شبابنا وهم الأغلبية الساحقة من سكان المملكة، أضحت تذهب إلى المطاعم ليس جوعا أو رغبةً في الطعام؛ بقدر ما أنه الترفيه الوحيد المتاح للجميع!.
لا أعتقد أنني أضيف جديدا بأننا ما نزال نفتقد وسائل الترفيه الحقيقي في مدننا، رغم أن وسائل الترفيه هذه معروفة واضحة، ولا يختلف عليها عاقلان، وهي الوجهات التي يتسابق عليها كثير من سياحنا، وبالذات حين السفر إلى الدول المجاورة، ونحن بالتأكيد هنا لا نتحدث عن المهرجانات السياحية المحلية، التي تكرر نفسها منذ سنوات، بل عن قنوات الترفيه اليومية لسكان المدينة أنفسهم، وهي إن ابتدأت بالمطاعم والمقاهي؛ إلا أنها تحتاج إلى أشياء أخرى كثيرة، كما دور السينما مثلا، الغائبة دون مبرر مقبول عن مجتمعنا، وهنا مفارقة عجيبة، إذ نمتلك نحن السعوديين أجهزة استقبال فضائية، تستقبل كل ما هب ودب من قنوات العالم، وتعرض الأفلام وكل شيء دون رقيب أو حسيب، بينما نحن اليوم نخاف من وجود دور للسينما مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام، يكون إخضاع مصنفاتها للنظام والذوق العام بكل سهولة، كما كان يحدث سابقا مع أفلام الفيديو العربية والأجنبية، دون إغفال أن النسبة السكانية الكبيرة للشباب وتوافقها مع القوة الشرائية العالية؛ سوف تساعد بكل سهولة على بناء وتسارع تطور صناعة سينمائية قوية بالمملكة، والسينما كما هو معروف أحد أهم أوعية بناء الثقافة والصورة الذهنية للمجتمعات.
أليس من المخجل أن يسجل حضور السعوديين والسعوديات في دور السينما في الدول المجاورة أرقاما تتجاوز بكثير مواطني تلك الدول؟! وكأنما أضحت مشاهدة فيلم سينمائي هدفا سياحيا بحد ذاته! فمتى تتخذ وزارة الثقافة والإعلام هذا القرار الحيوي؟ وتصبح السينما جزءا من ثقافة يومنا، ومتنفسا لشبابنا؟ 

أما السؤال الأكثر إيلاما، فهو تقهقر المسرح السعودي، الذي شهد انتعاشا مبشرا قبل عقود مضت، ثم تراجع بشكل مخيف، ولم يبق منه إلا عروض موسمية ركيكة برعاية أمانات المدن الكبرى، وبالطبع فأغلبها عروض خاوية وخالية من المضمون والإبداع، لا تؤسس لصناعة مسرح يجذب الجمهور وينشط الحركة الفنية، فهل الحلم برصيف من المسارح يبهج مدينة يتجاوز عدد سكانها الـ6 ملايين أمر مستحيل أم ماذا؟
أيها الأعزاء، المسرح فرصة مباشرة لطرح الآراء ومقاربة الأفكار والاطلاع على الآداب العالمية، والأهم من ذلك قضاء وقت رائع ولطيف لأفراد العائلة كافة، فلماذا نحرم أنفسنا من هكذا ترفيه بريء وراق؟
هذا الفقر الترفيهي بجوانبه المتعددة تجاوز العروض المدفوعة الثمن سواء في السينما أو المسرح، ووصل حتى المطاعم، فالواقع الحالي يحضر على المطاعم أن تقدم فقرات ترفيهية داخل أسوارها، فلا يمكن لمطعم شعبي مثلا أن يقدم رقصات شعبية داخل مطعمه، ولا يمكن لمطعم آخر أن يستضيف شابا مبدعا لتقديم عرض كوميدي، أو وصلات من العزف الجماعي أو المنفرد، أو الغناء أو حتى تقليد المشاهير، بل لا يجرؤ أحد ما أن ينصب ميكروفنا وجهاز تسجيل موسيقي وسط صالة مطعم ما؛ ليفتح الباب للمشاركات الغنائية الحية لرواد مطعمه! أو ما يطلق عليه بـ"الكاروكي karaoke"، إذ يستعرض الهواة من الجمهور مهاراتهم الغنائية، وسط تشجع أصدقائهم من رواد المطعم، وبالطبع كل هذا سوف يثير جوا من السعادة والحبور للحضور، ويجعل زيارة المطعم تتجاوز مجرد ملء المعدة بكل ما لذ وطاب إلى ذكريات جميلة من المتعة والفائدة والطعام كذلك
للأسف أضحى البعض يربط ما بين متعة الشباب وما بين البحث عن المتعة غير البريئة، كالمراقص والخمارات وغيرها, بينما نحن للأسف ندفع ببعض شبابنا نحو تلكم البؤر الفاسدة دون أن نعلم، حينما نمنع عنهم هنا الترفيه البريء المقنن، فتجدهم في كل فرصة سانحة يحزمون أمتعتهم ويسافرون إلى الجوار؛ بحثا عن المتعة البرئية في البداية فقط، لكن الشاب ومع تكرار السفر قد يتشجع ويخطو خطوة نحو تلك البؤر، حينها نكون نحن السبب في وضعهم على جادة الطريق السيئ! والسبب الأساس مجرد الحرمان من المتع البسيطة والبريئة.
نعم أيها السادة.. نحن الشباب بحاجة ماسة إلى وجود قنوات متعددة ومتنوعة لقضاء وقت ممتع ولطيف مع أصدقائنا ومع عوائلنا.. نريد دور سينما، مسارح، أندية كوميديا، معارض فنية، ساحات رياضية مفتوحة، حلبات "تفحيط"، مطاعم متفاعلة مع محيطها، وغير ذلك، أو ليست تلك أمالا بسيطة؟ ويمكن تنفيذها بكل سهولة؟ بل إن أثرها يجاوز البعد الاجتماعي المهم إلى كونها إضافة حقيقة إلى الاقتصاد الوطني، وذلك بحفظها للأموال والأوقات داخل البلاد، وفتح مزيد من المشاريع وفرص العمل لبنات وأبناء البلاد، أم إن بقاء الشباب على قارعة الطريق أضحى مطلبا للبعض، لا أعتقد ذلك رغم أن كل الشواهد تدل على ذلك.. كلنا أمل أن يعلق أحد ما الجرس يوما ما... حينها سوف نكتشف أن كل ما سبق كان مجرد أوهام من الخوف لم يكن لها أي داع أو سبب.

عبدالرحمن السلطان

الأحد، 16 مارس، 2014

16 عاما حتى القمة

نعم، استغرق الأمر ستة عشر عاما حتى استطاع "جيمي فالون Jimmy Fallon" أن يصبح مقدم الأسطورة التلفزيونية: "عرض الليلة Tonight Show"، وهو البرنامج شبه اليومي الأقدم والأكثر مشاهدة عبر أميركا.




يعتقد الكثيرون أن النجاح هو مجرد "تكّة" بسيطة، وأن كل ما على الشخص الموهوب، هو الوقوف وانتظار هذه النقطة الحاسمة، بينما الواقع غير ذلك، فالنجاح ـ وإن ارتبط بلحظة تحوّل نحو القمة ـ إلا أنه يأتي تتويجا لمسيرة من التعب والاجتهاد، وبالطبع الشغف والاهتمام، فموهبة "جيمي" في الكوميديا مثلا كانت ظاهرة بوضوح منذ نعومة أضافره، وخلال مرحلة المراهقة، ثم دراسته الجامعية لتقنية المعلومات ثم الإعلام؛ بيد أنه بعد ما حدد ما يريد ترك الجامعة وهاجر إلى "لوس أنجلوس" يلاحق حلمه في عالم الكوميديا المليء بالنجوم والمنافسين الأشداء.



انطلق يتلمس دربه في عالم الكوميديا الارتجالية، ثم طفق يشارك بخجل في الأفلام السينمائية، ليعود إلى نيويورك ويشارك في "اسكتشات" البرنامج الكوميدي الكلاسيكي SNL، لكنه استمر في العمل على تجويد نكته، واستقطاب جمهور أوسع، حتى كانت الفرصة الأولى حينما عرضت عليه شبكة NBC تقديم برنامج الثرثرة "العرض المتأخر"، مما جعله يرمي بثقله كلّه، رغم صعوبة وقت البرنامج كونه يبث متأخرا، بعد أن يخلد الكثيرون للنوم، لكنه عمل بتفان واضح، وطوّر من البرنامج، واجتذب أعدادا أكبر لمشاهدته، وبالذات من الشريحة الأقل من 40 عاما، وهم الأكثر ابتعادا عن التلفزيون حالياً.
استمر بالتطوير واستضافة نجوم متنوعين، وابتكار مسابقات غريبة وفقرات جديدة، حتى جاءت الترقية الأكبر؛ وهو أن ينتقل بعد خمس سنوات من النجاح إلى البرنامج الأقدم والأكبر، والأفضل توقيتا، وهو برنامج "عرض الليلة"، مما يعد قمة المجد لمقدمي برامج الثرثرة المسائية، وبالفعل حقق "جيمي" حلمه، وتسلم دفة البرنامج منتصف فبراير الماضي، ليبدأ مغامرة قمة جديدة.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 15 مارس، 2014

.. ويستمر العرض

في عام 1954 أطلقت شركة البث الوطنية NBC برنامجها الحواري المنوّع: "عرض الليلة Tonight Show" الذي كان ضربة معلم نحو سرقة جمهور الإذاعة إلى جهاز التلفزيون، وهو القادم الجديد حينئذ. كانت الفكرة بببساطة تقديم برنامج "ثرثرة" مسائي خفيف، مع شيء من الترفية البريء.





يعتمد البرنامج في هيكله الأساسي على مذيعٍ أساسي، ذي شخصية مرحة ومقبولة من غالبية أطياف المشاهدين، بحيث يعلق بسخرية ومرحٍ على أغلب الأحداث الراهنة، السياسية والفنية والرياضية وغيرها، مع استضافة كافة أنواع المشاهير وأبطال المشهد المحلي، والحديث معهم بمرحٍ وخفة، والتركيز على الجوانب الإيجابية والطريفة من حياتهم وفي مشاريعهم، مع تقديم وصلات متنوعة من غناء الفرق المحلية، والمشاهد الكوميدية والمنافسات المضحكة. نجحت الفكرة بجذب أعداد متضاعفة من المتابعين، بل إن المثير في الأمر أن البرنامج لا يزال يذاع حتى الآن، وتعاقب عليه ستة مذيعين فقط، أضحوا مشاهير بسببه، وآخرهم "جميي فالون"، الذي استلم العرض قبل أسابيع بعد أن تجاوز ستة عقود من البث شبه اليومي المتواصل، ليتحول إلى أيقونة أميركية بامتياز.



يعتقد النقاد أن نجاح فكرة البرنامج يعود إلى أن المشاهد الليلي للتلفزيون يجنح نحو برامج الترفيه المتنوع، لا إلى برامج النكد والصراخ أو حتى حوارات "تلميع" النجوم، كما يحدث حالياً في معظم برامج "التوك شو" العربية، التي لم يقترب أي منها حتى الآن لفكرة هذا البرنامج، الذي استنسخ ليس في قنوات منافسة وحسب، بل وحتى في نفس القناة التي تنتجه، فأضحت تبث برنامجاً مشابهاً بعده، بعنوان: "عرض الليلة المتأخر"، لمن فاته البرنامج، أو سهر متأخراً.
وبالطبع أن ترسم الابتسامة مرة واحدة على وجه متابعٍ مجهدٍ قبل أن ينام أمرٌ ليس بالصعب، ولكن أن تستمر على ذلك ستين عاماً فهذا هو المستحيل بعينه!


 عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 14 مارس، 2014

ذُرة و"كوفي" وكتاب

لا أعلم لماذا بعض المُتثيقفين يجتهدون لإفساد أي مناسبة ثقافية؟ وجعلها فرصة للمناحة على تردي الثقافة، وانصراف الناس عنها! وما معرض الرياض الدولي للكتاب ببعيد عن ذلك.
فالبعض تجاهل الزخم الإعلامي والحضور الجماهيري لمعرض الكتاب الأكبر في المنطقة العربية؛ وتفرّغ طيلة وقته يلطم يديه لأن بعض زوار المعرض اشترى "كوز ذرة" أو تسلى بكوب قهوة أو شاي، أو حتى تناول وجبة كاملة في أحد مطاعم المعرض! فلماذا يا سادة كل هذا الضجيج السلبي؟ فزيارة المعرض في حدِ ذاتها مكسب ثقافي للجميع، حتى لو لم يشتر الزائر كتيبا واحدا. ذلك لأن مجرد تكبد عناء الحضور وازدحام الممرات، والتجوّل بين دور النشر المحلية والخارجية يظل فعلا ثقافيا يجب أن يحترم ويقدر لأي فرد، مهما كان مستواه الثقافي، وكم من زائر حضر بنيّة الأكل والشرب وخرج بكتاب أو اثنين، أو تعرف على اسم مؤلف أو عنوان كتاب، أو حضر توقيع كتاب ثم اشتراه، ناهيك عن تكرار الزيارة أو تشجيع آخرين عليها.
أصدقائي المثقفين ومن يدور في فلكهم: دعكم من هذه البكائيات، التي تنفر الناس من زيارة المعرض والقرب من الكتب، وتحولوا إلى الفعل الإيجابي، وأوله تشجيع الجميع على الحضور، وأكرر هنا مجرد الحضور والتجول داخل أروقة المعرض، ثم اقتراح المفيد واللطيف لمن لم يعتد القراءة، ولا تنسوا دعوة أصدقائكم وأحبائكم ومرافقتهم داخل المعرض، فما أجملها من لحظات حينما يكون الكتاب موضوعا للنقاش وفرصة للاقتناء، كل ذلك لنستفيد جميعا بأقصى درجة ممكنة من هذه التظاهرة السنوية القصيرة، فمدة معرضنا لا تتجاوز أحد عشر يوما فقط، فهل نعمل على تنفير الجمهور منه أم ترغيبه؟ القرار لكم، والنتيجة لنا.


عبدالرحمن السلطان

الأربعاء، 12 مارس، 2014

اختراعات ولكن!

أكاد أجزم أن الجميع سمع بالاختراع القادم مؤخرا من الشقيقة مصر، وهو جهاز علاج فيروس "الإيدز"، وكذلك فيروس "التهاب الكبد"، الذي أضيف إليه لاحقا علاج "السرطان" و"الصدفية"!
أكاد أجزم أن الجميع سمع بالاختراع القادم مؤخرا من الشقيقة مصر، وهو جهاز علاج فيروس "الإيدز"، وكذلك فيروس "التهاب الكبد"، الذي أضيف إليه لاحقا علاج "السرطان" و"الصدفية"! 
بالطبع ضحك الكثيرون على هذا الاختراع العجيب، الذي يتعارض مع أبسط مبادئ العلوم الصحية، لكن المشكلة أن هذا الاختراع قد حجز مساحة كبيرة في وسائل الإعلام المصرية، التي تعد أعرق تجربة صحفية في المنطقة العربية.



أيها الأصدقاء، لست مع إلقاء اللوم فقط على جمهور المخترعين أو بعض المتسلقين، فهم يستهدفون الترويج لإنتاجهم مهما كان، لكن اللوم يقع على من يوافق على نشر مثل هذا الهراء دون مراجعة، والذي تضاعف مؤخرا في صحافتنا السعودية، وبالذات مع نشر أخبار أبنائنا المبتعثين، الذين يتفنن بعضهم في "الهياط" العلمي والمبالغة الإعلامية، لتتلقفه صحافتنا دون نقد أو تمحيص، وينشر تماما كما أرسل إليها، وكأنما هو إعلان تجاري؛ بيد أنه ليس مدفوع الثمن.
وبالطبع، فإن غياب المحرر العلمي في الصحافة العربية كلها؛ جعل صحافتنا التقليدية ومن ورائها الصحف الإلكترونية تعج بكل ما هب ودب، من اكتشافات غير صحيحة، واختراعات أقل ما يقال عنها إنها غير واقعية، فضلا عن أن بعضها ليس اختراعا بحد ذاته، بل هو إعادة شيء موجود أصلا، وفي أفضل أحواله مجرد نموذج هندسي مختلف لاختراع موجود قبل ذلك.
كل هذا وأكثر هو ضريبة غياب المحرر العلمي المتخصص في الإعلام المحلي، فهو خط الدفاع الأول لمثل هذه الممارسات، وهو القادر على نقد الأفكار والمخترعات الجديدة، بل ومؤهل ـ أيضا ـ لتبسيط العلوم الحديثة والمستجدات العلمية، وجعلها في متناول جميع فئات المجتمع، لا أن تتحول صحافتنا إلى وعاء ينشر أي شيء فقط.

عبدالرحمن السلطان

الاثنين، 10 مارس، 2014

لست اقتصاديا.. ولكن أين "هيئة سوق المال"؟

قبل أيام طالعتنا صحف إلكترونية سعودية بمجموعة أخبار متفرقة عن شركة مالية سعودية لم تذكر اسمها مملوكة لبنك إسلامي كويتي حاصلة على ترخيص العمل في المملكة منذ عام 2008، ولم تمارس العمل الفعلي بعد، وهذا أمر طبيعي في بعض الشركات، نظراً لسوء الإدارة أو غياب الرؤية التخطيطية أو غير ذلك، لكن الأمر الملفت في الخبر هو تولي أكثر من أربعة رؤساء تنفيذيين إدارة تلك الشركة خلال خمس سنوات فقط، وهو أمر غير طبيعي لشركة مالية، من المفترض أن تجنح نحو الاستقرار والثبات، وأن تعمل بجدٍ على بناء علاقات طويلة الأمد مع عملائها؛ لكن إذا عرفنا أن الشركة لا تزال تستأجر مقراً موقتاً لها منذ تأسيسها -قبل ست سنوات- لبطل العجب!
هذه الأخبار المتعددة التي لفتت نظرى؛ تفتح الباب واسعاً لسيل متنوع من التساؤلات المشروعة مني كأي مواطن عادي يتأثر بسوق المال، رغم كوني غير متخصص في الاقتصاد وشؤونه، لكنني مؤمن بأن تفعيل الشركات المالية بشكل منظم وواضح سوف يساعد على النمو الاقتصادي المستقر، ويزيد فرص الاستثمار الفردي للمواطنين، فضلاً عن بناء وتطوير الكوادر الفنية من شباب الوطن، الذي ينعكس إيجابياً على الجميع بطبيعة الحال، وهو ما يتوافق مع التوجه المعلن لهيئة السوق المالية، إذ إنها رخصت خلال السنوات الماضية لما يزيد عن تسعين شركة استثمارية، وكثير منها مملوكة لشركات أجنبية. ومن المعلوم أن بعض هذه الشركات استثمر بشكل حقيقي في السوق السعودي، وفعّل جميع الرخص التي حصل عليها، بل ووظف أعداداً جيدة من الشباب السعودي، لكن المشكلة هنا أن كثيراً من تلك الشركات لم تمارس العمل بجميع الرخص التي حصلت عليها، واكتفى بعضها بافتتاح مكاتب تمثيلية "صورية" تحتوي على أقل من عشرة موظفين للقيام بالأعمال الإدارية، وفي حال حصولهم على أي عقد داخل المملكة يتم تعميد المكاتب الخارجية التابعة لنفس الشركة لإنجاز العقد أو المشروع! دون أن يكون هناك أي دور حقيقي لمكتب الشركة في المملكة، أما البعض الآخر فتجاوز ذلك إلى استغلال الترخيص للحصول فقط على تأشيرات زيارة لموظفيه من مكاتبهم الخارجية، وذلك لتقديم الخدمات الاستشارية والمالية داخل المملكة، مما أفقدنا فرصة حقيقية لتدريب شبابنا وبناء قدراتنا الوطنية!
السؤال هنا: أين هيئة سوق المال عن هذه الشركة وغيرها؟ التي تستحوذ على التراخيص ولا تعمل، والتي تستقطب الشباب السعودي ثم تفصله تعسفياً دون وجه حق، كما تواترت الأنباء المنشورة عن هذه الشركة المجهولة، التي لم تكتف بفصل الرئيس التنفيذي للشركة، بل كذلك نائب المدير المالي، ومدير الموارد البشرية وجميعم من السعوديين، بالإضافة إلى رئيس الحسابات، وذلك بعد تكليفها لإدارة الشركة لمدير وافد من جنسية عربية! كما ورد في الخبر.



هل الهيئة فقط تكتفي بإصدار التراخيص دون مراقبة مباشرة لتفعيل تلكم الرخص من عدمها، أم هل من المفترض أن يتجاوز دورها مجرد الترخيص وتنظيم السوق إلى بناء القدرات الفنية لأبناء الوطن العاملين في هذا المجال، وحفظ حقوقهم، ذلك أن وزارة العمل –وللأسف- بعيدة كل البعد عن الواقع الحقيقي للشركات المالية، ولا تفرض حداً أدنى للسعودة في تلكم المؤسسات، ولنا في مؤسسة النقد العربي السعودي خير مثال، حينما عملت منذ عقود على سعودة حقيقية لقطاع المصارف المحلية، بل إنها في العام الماضي سبق وأن طلبت من المصارف وشركات التأمين تحديد أسماء شاغلي المناصب القيادية وجنسياتهم، وتحديد المرشح السعودي لشغل منصب غير السعودي خلال المستقبل القريب، مما أنتج في نهاية الأمر صناعة سعودية متكاملة حفظت للبلاد أموالها وكوادرها في النهاية.
لقد اتخذت هيئة سوق المال خلال السنوات الماضية، العديد من الخطوات التنظيمية الصحيحة، لكنها عملت فقط على استكمال بناء الأنظمة والتشريعات وكذلك ترخيص المنشآت، بيد أنها أغفلت الضلع الأهم في منظومة سوق المال؛ وهم الكوادر التي تدير هذا السوق المهم، فهي لم تطلب سوى سعودة منصبين اثنين في الشركات المالية وهما: مسؤول "المطابقة والالتزام"، ومسؤول "غسيل الأموال"، كما أنها أغفلت إصدار أنظمة وتشريعات تضمن بناء وتطوير قدرات كوادر وقادة مثل هذه المؤسسات بشكل مهني وفني أولاً، وحفظ حقوقهم الوظيفية ثانياً، وغني عن القول إن العاملين في المؤسسات المالية يلعبون دوراً لا يمكن إغفاله بالتأثير على الاقتصادي الكلي للبلاد، ففي صلاحهم حفظ لأخلاقيات سوق المال، وفي تدني مستواهم وعدم استقرارهم مخاطر عديدة على السوق وعلى أموال المستثمرين عامة، كما حدث في بعض الدول.
أيها السادة، إنه من المسؤولية الأخلاقية قبل النظامية على هيئة سوق المال أن تكثّف زياراتها التفتيشية على تلكم الشركات، وأن تتأكد من تفعيل نشاطها، وأن تلغي الرخص غير المفعلة، والأهم أن تراقب عن كثب السعودة الحقيقية لعملياتها اليومية، ومن ثم الخروج على الرأي العام بنتائج خطة عمل الهيئة للحفاظ على حقوق أبنائنا ومستقبل بلادنا، فسوق المال ليس مشروعاً فردياً بسيطاً، بل هو منظومة متكاملة يصل أثرها إلى جميع أفراد المجتمع بجميع فئاته، ومن الضروري أن يكون محكماً ومداراً من قبل أبناء البلد، فهم الأحرص والأكثر خوفاً على مستقبلنا ومستقبلهم.

عبدالرحمن السلطان




الأحد، 9 مارس، 2014

عالم "تويتر" السفلي!

لم أصدق ما أراه! كنت أعتقد أن توتير قد تحوّل إلى ساحة نقاش وتصنيف وعراك فقط، لكن لم أكن أتصور أن هناك عالماً سفلياً ضخماً في توتير بمثل هذه الدناءة والخسّة.
هذا العالم السفلي يعتمد في تكوينه على ضعاف نفوسٍ من أدنى درجات البشر، بعضهم – للأسف - سعوديون وسعوديات! ليس لهم همّ في يومهم سوى نشر الفاحشة والرذيلة، وتبادل الصور والمقاطع الإباحية، وبالذات تلك التي تتجاوز الطبيعة البشرية إلى كل ما هو شاذ، وغير أخلاقي بكافة الأعراف والمعايير، فمن تمجيد للعلاقات المثلية، إلى وصفٍ كامل للعلاقات المحرّمة ديناً وعقلاً، إلى ممارسات مقززة لا يقوم بها صاحب عقل متزن، قبل أن يكون مسلماً معتدلاً، ولعل جولة سريعة لك في محرك بحث "توتير" ببضع كلمات دالة سوف تجعلك مندهشاً إلى أي درك سفلي يمكن أن يصله بعض البشر.



في السابق كان هؤلاء ينفثون سمومهم ويتصيدون ضحاياهم عبر حسابات ومسميات مجهولة في المنتديات وغرف الدردشة، ولكن يبدو أنهم أضحوا أكثر شراسة وحرصاً على تدمير مجتمعنا، فهم ينشرون حساباتهم مقرونة بأرقام هواتف جوالهم أو وسائل اتصال أخرى، والهدف الأساسي هو تصيّد المراهقين والمراهقات، وبعض متأخري المراهقة!
المشكلة هنا أن ضررهم يزداد ويتوسع، ولن يحس به البعض ما لم يصل إلى أحد أحبائه، فهل نحتاج فقط مجرد ملاحقة هؤلاء والقبض عليهم عبر "الهيئات" أو المؤسسات الأمنية؟ أم أن التوعية وتحذير أبنائنا وبناتنا من خطر هؤلاء هو الأجدى والأنكى؟ أسئلة تصعب الإجابة عنها، فوسائل الاتصال الاجتماعي تتطور وتتداخل بسرعة في حياتنا، ولن نستطيع مجابهة هذا الخطر بمجرد الحظر والمنع؛ ما لم نبدأ بتحصين أنفسنا وبناء شخصايات شبابنا وفتياتنا، ليصبحوا هم خط الدفاع الأول في وجه هؤلاء وغيرهم.

عبدالرحمن السلطان

 



السبت، 8 مارس، 2014

يابانيون في إيطاليا!

من الطبيعي أن تلحظ أفواج السياح اليابانيين في كافة أرجاء العالم خصوصاً إيطاليا، ولكن ليس من الطبيعي أن تجد يابانياً يمتلك متجراً يبيع منتجات محلية في عقر دار الإيطاليين!
لكن هذا ما يحدث ببساطة هناك، فهَوس مجموعة من اليابانيين بالتصاميم والخطوط الإيطالية جعلهم يهجرون بلاد الشمس المشرقة، ويولون شطر مدارس الحرف اليدوية في إيطاليا، ويكدحون لاكتساب المهارات والخبرات التقليدية، من شيوخ المهنة وممارسيها، كما في صناعة الأحذية الفاخرة، أو صقل الزجاج، أو حياكة الأزياء.




فها هو "هيداتاكا فوكيا" الذي هجر اليابان نحو "فلورنسا" منذ عام 1998 يقضى سنتين شاقتين في مدرسة الجلود في "سانتا كروسي"، ليكون أول ياباني يمتلك متجراً للأحذية في المدينة، بل إنه بعد نجاحه استقطب عدداً من الشباب الياباني المتيّم بالخطوط والألوان الإيطالية للعمل في ورشته، ليتميز بمنتج جميل ورائع المنظر كما لو كان إيطالياً، وذا جودة وتفاصيل يابانية لا تقهر، والمثير في الأمر أن إنتاج ورشته لا يتجاوز 70 زوج أحذية في العام الواحد فقط! لذا قائمة زبائنه تمتد إلى سنة كاملة.
وغني عن القول، إن هذا هو ما يحدث – أيضاً - في صناعات أخرى، كتشكيلات الأواني والتحف الزجاجية في مدينة "البندقية" الشهير، أو خياطة الأطقم الرجالية في عاصمة الموضة الإيطالية "ميلان"، إذ أبدع اليابانيون بقوة، وضخوا روحا جديدة في خطوط التصاميم الإيطالية، حتى ناهز الإحصاء الأخير لليابانيين المقيمين هناك الثمانية آلاف!
والحقيقة أن قدرة هؤلاء الشباب على دمج موروثهم الثقافي الياباني في تلكم الصناعات الإيطالية وأساليبها؛ جعلهم يتميزون عن أقرب منافسيهم، وعاد عليهم بدخل مالي كبير، وكأنما نجاحهم جاء استلهاماً لمثلنا الشعبي القديم: "ديرة تولد بها وديرة ترزق بها"، ذلك لأنهم لو بقوا في بلادهم كما أقرانهم، فالغالب الأعم أنهم لن يتميزوا عنهم قيد أنملة.

عبدالرحمن السلطان