الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

خليك "أورجينال"

جميعنا يبحث عن التميز، وأن يكون إضافة إلى الدنيا لا إضافة عليها، ولكن هل نحن نقوم بما يجب أن نقوم به لتحقيق هذا الهدف؟، أم إننا ننتظر فعائل القدر لتضعنا هكذا على القمة والمجد؟
بالطبع هذا ما يقوم به البعض، لكن ما يهمنا هنا هو المبدع من الشباب، الذي يحمل موهبة كامنة داخل صدره، ولا يعرف طريقة لإبرازها إلا بالتقليد الأعمى للناجحين في مجاله، فهو يتبعهم حذو القدة بالقدة، ويعتقد أن محاكاة مسيرة ناجح ما؛ كفيلة بوصوله إلى نفس القمة، وهذا افتراض تدحضه شواهد العصر وقصص الناجحين.
ولعلي هنا أتذكر قولا شهيرا للشاعر والكاتب الأيرلندي "أوسكار وايلد"، حين توجه إلى المبدعين الشباب بقوله: "معظم الناس هم أشخاص آخرون، آراؤهم أراء شخص ما، حياتهم تقليد وحبهم اقتباس"!، ذلك أن "وايلد" كان مؤمنا أن كسر التوقعات والعمل على منتج "أصلي" مختلف هو الطريق الذي يقود إلى النجاح، بينما العمل على تقليد الآخرين هو أسرع وسيلة لخمول الموهبة وتراجع الأداء

عزيزي.. موهبتك نعمة من "الله" فلا تجعلها أسيرة إنجازات من سبق، أو مجرد رجع صدى لما حدث، بل كن أنت من يصنع الجديد، ويقدم منتجا أصليا مبتكرا، أو "أورجينال" كما يحب أن يسميه جمهور المبدعين، فهم يعرفون أن الميزة الأساسية لأي منتج أصلي هي روح الابتكار الجديدة أولا، ثم ميزة اللمسة الشخصية، التي تجعله مختلفا عما سواه، ولعل نظرة سريعة لأهم برامج "اليوتيوب" الشهيرة، تؤكد أن ما ينجح ليس فقط ما يعتمد على المحتوى المناسب، بل ما يقدم منتجا أصليا مختلفا عما سواه، وهو بالطبع ما يسري على الفنون الأخرى كافة.
عزيزي.. دع عنك تقليد الآخرين، وحاول أن تبدع على سجيتك ولو مرة واحدة، شرط أن تكون هذه المرة "أورجينال"، وحتما سوف تدرك الفرق!.

عبدالرحمن السلطان

  

السبت، 26 أبريل، 2014

"جمعية الثقافة والفنون".. لا جديد

كنت منذ زمنٍ طويل أفكر بهذه الرسالة, وبالتحديد منذ رئيس الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون قبل ما يقل عن العامين بقليل, ولكنني مؤمن بأن إعطاء الفرصة الكافية للمسؤول أمرٌ منطقي وواجب, وخطوة أولى قبل محاسبته, بالطبع أعرف أنكم ورثتم تركة ثقيلة وحملاً صعباً, ولكننا في الحقيقة استبشرنا خيراً بوصولكم إلى كرسي رئاسة الجمعية, وأنتم الرجل الإعلامي والصحفي المعروف, ذو التجربة الحقيقية في مجال الإبداع والفنون, وليس كما بعض الدخلاء من ذوي النشاطات الإعلامية الفارغة, لكن آمالنا الكبيرة تحطمت على صخرة الواقع منذ الأشهر الأولى, ففعاليات الجمعية لم تتوسع بالشكل المتوقع, ولم يحدث تغيير حقيقي سوى في الشعار الجديد للجمعية, الذي وإن كان جميلاً ومعبراً عن واقع كنا نتأمل مشاهدته في أفرع الجمعية الستة عشر عبر المملكة -والتي بالمناسبة لم تزد فرعاً واحداً منذ سنوات!- بيد أن الآمال شيء والواقع شيء آخر, أليس كذلك؟ 


كنا نتوقع تغييراً نوعياً في أساليب وجودة الدورات التدريبية للجمعية, ولكن الذي حصل في الواقع هو استمرار نفس الأساليب البدائية في استقطاب المبدعين, وتكرار نفس الوجوه التي تقدم الدورات وورش العمل, صحيح أن بعض الفروع شهد تدفقاً جديداً لدماء شابة في إدارته, ولكن ما الفائدة من هذا التجدد في فرعٍ هلامي, بلا ميزانية حقيقية وبلا موظفين متفرغين! لنعود إلى نفس الحلقة المفرغة من الاجتهادات الفردية, و"فزعات" الأصدقاء من الأدباء والفنانين! وبالطبع ما لا يؤسس لثقافة فنية منهجية مستدامة.
ما زلت أتذكر بمزيدٍ من الفخر استضافة الجمعية لي في أمسيتي القصصية الأولى قبل حوالي عشر سنوات في الرياض, تلكم الأمسية التي كانت –ولا شك- دفعة كبيرة لشاب مثلي, مما جعلني أكتسب ثقة أكبر, وشجاعة أوسع نحو المشاركة في المشهد الثقافي المحلي, لذا فإن أملنا فيكم كبير, وطموحنا أكبر, لأنه من المفترض أن تكون هذه الجمعية وفروعها هي المحض الأول لكافة أنواع الفنون, وبالذات للشباب القاطن في المدن المتوسطة والصغيرة بالمملكة, والتي تئن من ندرة الفعاليات الأدبية, فضلاً عن غياب الفعاليات الفنية بشكل كامل. خصوصاً مع قدرة الجمعية من الناحية النظامية على تنظيم الفعاليات الفنية على عكس المؤسسات الأخرى التي لا تستطيع ذلك إلا بعد الحصول على موافقات جهات حكومية متعددة, وبالطبع بعد اشتراطات متنوعة تقتل العمل الفني قبل إقامته.
ولعل البداية سعادة الرئيس تبدأ من أعلى, من معالي وزير الثقافة والإعلام بالعمل على زيادة مخصصات الجمعية, وذلك بمضاعفتها عشر مرات على الأقل, وليس مجرد زيادتها بمبالغ قليلة لا تكفي لطباعة شهادات شكر وتقدير, فضلاً عن تغطيتها مصاريف ورش عمل فنية معتبرة! لأنني ومن خلال احتكاكي بالأصدقاء من منسوبي الجمعية والمستفيدين من خدمتها؛ نكاد نجمع على أن المشكلة الأساسية لتراجع نشاط الجمعية وانحصاره هو غياب الميزانية اللازمة, أو ليس من المخجل لنا أن تتوارى هذه الجمعية العريقة فقط بسبب "المادة" في ظل التطور الاقتصادي الذي نشهده! ونحن لدينا أجيال متوالية من المبدعين, ينتظرون فقط فرصة واحدة للظهور على المشهد الفني في المملكة. ولا يفوتني هنا الإشارة إلى ضرورة أن تضطلع الجمعية بدورها في رعاية الفنانين والمبدعين ممن جار عليهم الزمن, خاصة أنه الهدف الثاني من الأهداف الرئيسية للجمعية, الذي يؤكد على رعاية الجمعية للأدباء والفنانين السعوديين والعمل على رفع مستواهم الثقافي والفني والاجتماعي وتأمين مستقبلهم.
أخي رئيس الجمعية؛ أعرف أنكم قمتم بأعمال متعددة, وفعّلتم التواجد الإلكتروني للجمعية, وفوّضتم مزيداً من الصلاحيات لمديري الفروع, وجلبتم دعماً مالياً من هنا وآخر من هناك, وطعّمتم الوفود الخارجية للجمعية بالمشاركين الشباب؛ لكن كل ذلك لا يكفي! ذلك لأننا نتأمل الكثير من الجمعية, ونطمح بفعاليات لا تتوقف, نحن نتوقع "رزنامة" ممتلئة من المسرح والموسيقى والنحت والشعر والسينما والقصة والفلكلور الشعبي والخط العربي وغيرها من الفنون, بحيث تكون هناك فعالية واحدة في كل فرع على الأقل يومياً, فكما تعلم فإن النسبة الأكبر من أبناء وبنات المملكة هم من فئة الشباب الأقل من ثلاثين ربيعاً, وخير من يقود شعلة الإبداع فيهم هي جمعية الثقافة والفنون وليس غيرها, وغني عن القول أن الفتاة السعودية تستحق أكثر من مجرد حضور هامشي في فعاليات الجمعية, فهن نصف المجتمع, وهن من يعملن بجد وإبداع أكثر من أشقائهم الشباب! أخي رئيس الجمعية؛ أعرف أنني أثقلت عليك بحديث الشكوى, ولكن حسبي من رسالتي هذه أنك مدركٌ لأهمية الجمعية ودورها الريادي في تقدم مجتمعنا الشاب, إذ إن المجتمع لا يتقدم فقط بأبراجه الأسمنتية أو منتجاته الاستهلاكية فقط, بل هي الآداب والفنون التي تهذب العقول وترفع المجتمع درجات ودرجات, وأنا على يقين تام أنك قادرٌ -بحول الله وقوته- على دفع الجمعية لمزيد من التقدم والتوسع والاقتراب من المبدعين أنفسهم.

عبدالرحمن السلطان



الأربعاء، 23 أبريل، 2014

"سوهو" في الرياض!

نيويورك مدينة عظيمة، ليس فقط لأنها مصهر ضخم لأجناس البشر كافة، ولكن لأنها قبلة للفن والإبداع حول العالم.
هناك وفي شبة جزيرة "مانهاتن" يقع حي "سوهو" القديم، الذي تحاصره عدة أحياء يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من مئتي عام. بالطبع مع توسع الولايات المتحدة وتحول نيويورك إلى عاصمة للسوق المالية؛ هاجر أهلها إلى أحياء أخرى وإلى نيوجرسي على الضفة الثانية، مما جعلها تفرغ من سكانها الأصليين، خاصة مع ارتفاع الإيجارات وضعف الخدمات، هذه الهجرة أدت إلى تراجع مستوى المدينة في جذب المبدعين وارتفاع نسبة الجريمة وانتشار المخدرات!

لكن بلدية المدينة لم تقف مكتوفة اليدين، فقامت بإعادة تخطيط الحي، ودعم مشاريع الإسكان الجديد، وتطوير الخدمات، مما جعل الحي يعود لسابق عهده، فاليوم يجمع بين أزقته أكبر عدد من المبدعين والفنانين، وتنتشر خلال شوارعه متاجر المشغولات الفنية والحرف اليدوية، وتجد الموسيقيين والراقصين يجوبون زوايا الحي بحثا عن جمهور يتذوق أعمالهم، وبالذات ما يطلق عليه بالفنون البديلة Alternative، التي أضحت منتج "سوهو" الأول والرئيس، فأنت ما إن تبحث عن مصدر أي اتجاه جديد في الموضة أو في تصميم الألبومات أو ألحان الأغاني؛ إلا وغالبا تجد أنه هذا الحي الصغير بحجمه ولكن المتخم بمبدعيه.




لقد استطاعت بلدية نيويورك إحياء حي مهجور بإمكانات محدودة، أولا تستحق عاصمتنا "الرياض" حيا يجمع شتات فنانينا؟ ما الذي يمنع أمانة العاصمة من إعادة تطوير أحد الأحياء القديمة، مثل حي "الملز" ـ الذي تحول إلى وكر للعمالة الرديئة والهاربين من أنظمة الإقامة ـ إلى حي نموذج يجذب العقول؟ يحوي مساكن فاخرة ومقاهي ومطاعم ومعتزلات فنية وصالات عرض ومقرات للجمعيات والتجمعات الشبابية، ويتم تحويله إلى مركز إشعاع حضاري، يزيد من إنسانية مدينتنا ويحتوي مبدعينا
مجرد فكرة.


عبدالرحمن السلطان



السبت، 12 أبريل، 2014

سعادة على مدار الساعة!

دعوني هذا اليوم آخذكم بعيداً، إلى ظاهرة مفرحة، إلى أغنية ذات كلمات بسيطة ولكنها عميقة، باعت حتى الآن أكثر من مليون نسخة حول العالم خلال فترة وجيرة!
الأغنية هي: "سعيدHappy" من كلمات وغناء الأميركي الأسمر: "فاريل وليم"، الذي لم يكتف بغنائها في فيلم الأطفال الثلاثي الأبعاد: "أنا الحقير"؛ بل خرج بفكرة إبداعية مختلفة لنشر أنغامه المبهجة حول العالم، فتزامناً مع صعود نجم الأغنية دشن موقعاً إلكترونياً يبث الأغنية على مدار الساعة، أي لمدة 24 ساعة متواصلة! والأروع من ذلك أن الأغنية تبث كل مرة بفيديو كليب مختلف يظهر "فاريل" نفسه 24 مرة كل ساعة واحدة! بالإضافة إلى مشاركة عددٍ من المشاهير في الفيديوهات مثل الممثل "جيمي فوكس" والكوميدي "جيمي كيميل" وغيرهم، دون إغفال الطلّة البهيّة لتلكم الكائنات الغريبة واللطيفة من فيلم الأطفال الذي سبق وأطلقت الأغنية عبرهم.



حققت الأغنية بأسلوبها المبتكر ورِتمها الراقص انتشاراً هائلاً عبر شبكة الإنترنت، مما شجّع الشباب من مختلف أنحاء العالم على إصدار نُسخهم الخاصة من الأغنية، ورفعها على "اليوتيوب" بعد إضافة اسم المدينة التي يتنمون إليها، وكأنما هي رسالة مشتركة من الجميع أن السعادة مشترك إنساني يتسع للكل. لأنك تستطيع ببساطة أن تفرح في قلبك دون حاجةٍ للآخرين، وأن "تصفّق مطولاً.. إذا كنت تشعر بأن السعادة هي الحقيقة"، كما تقول مفردات الأغنية، التي تشعل روح الإيجابية والحماسة لكل مفتشٍ عن السعادة، خصوصاً حينما يدعوك أن تصفّق "مطولاً.. إذا كنت تحس بأن هذا ما كنت تريد تفعله"، أي الخروج بسعادتك إلى الخارج، والتصفيق في الهواء الطلق أو في أي مكان، دون أن يتغيّر مزاجك المرتفع، لأن لا أحد يستطيع التأثير عليك دون إذنك؛ ولكن بشرط "أن تشعر أن السعادة هي الحقيقة"! كما يقول "فاريل".

عبدالرحمن السلطان



الأربعاء، 9 أبريل، 2014

ليبرالي وبعد.. "داعشي"!

قد يتعجب البعض من إمكانية جمع شخص واحد لمبدأين فكريين متضادين في آن واحد! وهو إن كان مستحيل الوجود في العالم المتقدم، إلا أن هذا ما يحدث هذه الأيام ـ للأسف ـ عند طائفة من مدعي "الليبرالية"، الذين يصدحون في كل منبر بمبادئ الليبرالية ليل نهار؛ إلا أن ممارستهم الفعلية تكاد تكون أقرب إلى أفكار وتطبيقات "داعش" الإرهابية!.

وبينما لا يمكن لأحد عاقل أن يقبل تصرفات "داعش" على الأرض، سواء من قتل أو تهجير، أو فرض أحكام قاسية وقرارات مجحفة وغير متوافقة مع العصر؛ إلا أن "داعش" على الأقل متوافقة مع مبادئها العقدية الخاطئة، وهي تطبقها بالقلم و"المسطرة" على الجميع دون استثناء، كما يحلو للبعض وصف ذلك

بينما الليبرالية من جهة أخرى هي مفهوم وفلسفة، تعتمد على قيمتي "الحرية" و"المساوة"، وعلى الإيمان بالنزعة الفردية لكل إنسان حر، التي تزدهر في جو من حرية الفكر والتسامح المجتمعي، والأهم من ذلك احترام كرامة الإنسان، وحقّه المشروع في الحياة، وحرية الاعتقاد والدين، إضافة إلى مساواة الجميع أمام القانون، مما يجعل الديموقراطية إحدى وسائل تطبيق الليبرالية الاجتماعية بمفهومها الأكبر، لكن الشيء الجميل في الليبرالية، هو أنها لا تقتصر على حرية الأغلبية في ممارسة حريتها، بل تؤكد على الحرية الفردية، وبالذات الأقليات المختلفة دينيا أو طائفيا أو عرقيا داخل المجتمعات الكبيرة، على العكس تماما من فكر وممارسات "داعش" وشقيقاتها، وكل هذا وأكثر يفترض أن يؤمن به ويطبقه الليبراليون أولا قبل عموم المجتمع، وأن يترافق ذلك مع ممارسة قبول الأفكار المضادة بصدر رحب، وأن يبدؤوا بأنفسهم أولا، لا أن يتحول أصدقاؤنا الليبراليون إلى دعاة ليبرالية "حسب التفصيل والمقاس"، فهم يريدون حرية مفتوحة الأبواب لهم في مجال ما، ومغلقة على الآخرين في مجال آخر، والمعيار الوحيد هنا هو ألا تتعارض مع مصالحهم.
ولنأخذ معرض الرياض الدولي للكتاب، ففي الدورات الماضية كان لليبراليين قصب السبق، وجولات وصولات في مواجهة قوى التطرف والجهل، التي كانت تدعو إلى منع كتاب هنا ومصادرة كتاب هناك، لكن الموقف تبدل بشكل درامتيكي في الدورة الماضية، إذ تفرغت طائفة من الليبراليين للمطالبة بحجب كتب الإسلام السياسي، وما يدور في فلكها، بينما أمسى الحركيون الإسلاميون هم المدافع الجديد عن حرية الكلمة، وضرورة وجود كتب الأطياف كافة تحت سقف المعرض. وهنا مفارقة عجيبة تستحق التوقف والتأمل، فلقد كان من المفترض أن يستمر الليبراليون على موقفهم المبدئي من قبول جميع الأفكار، وجعل المتلقي هو الحكم النهائي وسط سوق الأفكار؛ لأنه حر في قراره واهتمامه، كما تقوم على ذلك المبادئ الأساسية للحرية الفردية، وليست ليبرالية أن تتبع ما أريد وما يخدم مصالحي فقط، وأن أحجر وأمنع عنك ما يخالفها بكل حزم وشدة، ولكن الأكثر إثارة من ذلك هو الانتهازية الجديدة والروح المكارثية، التي يمكن ملاحظتها من خلال ما يحدث من تحالف لا يمكن فهمه بين بضعة كتاب ليبراليين وتيار إسلامي محدد، بهدف القضاء على منافسة تيار إسلامي حركي آخر، وصار من الطبيعي أن تجد الفتاوى والآيات القرآنية وشواهد السيرة النبوية مضمّنة في مقالات الهجوم والإقصاء، بل وصل الأمر إلى الاستشهاد بفتاوى محددة لمشايخ كانوا يرونهم هم قمة التخلف والجمود، ولكنه الهوى وتوافق المصالح الموقت، جعلهم يستعينون بتلكم الفتاوى الإقصائية دون حياء أو خجل، مع استمرار معارضتهم لفتاوى أخرى لنفس المشايخ! ثم ثالثة الأثافي وهي انتقائية الاستشهاد بأفعال السلف الصالح أو أحداث من التاريخ الإسلامي، دون أن يعلم أن تلك الاستشهادات تضع الكاتب أو المستشهد في مواقف محرجة؛ لأن استحضار الماضي لا يمكن أن يتم بطريقة انتقائية غير منهجية، الأمر الذي يضعف حجتك ويجعلك في نهاية الأمر متماهيا مع فكر "داعش" القاعدي، الذي أثبتت ممارساتهم أنهم لا يستطيعون فهم سياق أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وربطها بالثابت والمتحول في شريعتنا الإسلامية السمحة.
إن إقصاء الآخر وتجريحه، وتدمير شخصيته لهو سلوك "داعشي" بامتياز، وهو ما أصاب بضعة ليبراليين مؤخرا، فهم في سبيل الوصول إلى ليبرالية المجتمع يعتقدون أن أي وسيلة مهما كانت متطرفة يمكن تبريرها، فقط للوصول إلى الهدف الأخير، وفات عليهم أن تلكم الممارسات "الداعشية" لهي أولى نواقض الليبرالية الحقيقية، فهي وإن كانت اعتقادا في القلب وفكرا في العقل، إلا أن ممارستها بشكل واقعي على أرض المجتمع هو التحدي الصعب، الذي أثبت الكثيرون فشلهم في اجتيازه من أول اختبار!.
من المحزن جدا أن يفقد الإنسان بوصلته الفكرية، فقط ليحقق مصالح موقتة على حساب مبادئه العليا، دون اعتبار لتاريخه وأفكاره التي قضى سنوات يبشر بها، وبالطبع فهو قبل أن يفقد جمهوره سوف يفقد احترامه لنفسه، لكن الأخطر من ذلك أنه باعتماد أسلوب "داعش" في مواجهة الخصوم واستعداء السلطة عليهم، سوف يكون هو يوما ما أول من يكتوي بنارها، فقط متى ما حصل أي تغيير بسيط أو تبدل طارئ.



عبدالرحمن السلطان