الأربعاء، 30 يوليو 2014

"ثلاثة طلاب ألمان"

قصص النجاح العظيمة تقدح شرارتها أفكار بسيطة، وهذا ما حدث حينما اجتمع قبل أقل من شهرين أربعة طلاب جامعيين من مدينة "أوفنبرج" الألمانية، وقرروا الحلم معا لجعل العالم أفضل حالا، وحيث إنها فكرة فوق مستوى هؤلاء الطلاب؛ قرروا العمل على مساعدة الناس ليساعدوا أنفسهم وغيرهم، ولكن بطريقة مفرحة.
في يونيو الماضي كانت الخطوة الأولى بتأسيس منظمة غير ربحية تنظم عملهم وتجعله مؤسساتيا، ثم الخطوة الثانية بالعمل على تحفيز الناس ليغيروا من ردة فعلهم تجاه الآخرين، وكانت الفكرة العمل على فتح أعين أفراد المجتمع على أفكار دعم أعضاء المجتمع نفسه، خاصة من يقع تحت مقصلة الظروف الصعبة، بواسطة تبرع عابر أو لفتة بسيطة، والأهم جعل الجميع يحس بالعيش جنبا إلى جنب.





فكان أن خرج ثلاثة منهم إلى أحد شوراع المدينة، ووجدوا مشردا منسيا وسط حشود المارة، فتقدم أحدهم وطلب منه دلوا كان بجانبه، لم يعطه إياه إلا بعد تردد قصير، ثم طلب قبعته ووضعها أمام المارة، ليبدأ الشاب العزف المنفرد على الدلو كما لو كان طبلا، ثم بعد ثوان انضم الشاب الثاني بجيتاره ليكمل عزف اللحن، ثم انضمت عضو الفريق الثالثة لتغني بصوتها الشجي، وما هي إلا ثوان قليلة حتى توقف كثير من المشاة للاستمتاع بهذه الموسيقى الشبابية، ثم بالطبع تقديم ما تجود به أنفسهم في قبعة المشرد!.
كل هذا والمشرد مذهول وصامت، لم يكن يدرك أن الإحسان في مجتمعه مايزال فيه بقية، اندهش الفريق من ردة الفعل الإيجابية للمجتمع، وبعدها بأيام قاموا بتسجيل محاكاة واقعية للقصة ورفعها على الإنترنت، وما هي إلا ساعات قليلة ليحقق مشاهدات مليونية، والأهم من ذلك تحفيز آخرين لتكرار ما فعلوه، أو ابتكار شيء مفرح يسعد آخرين.
والآن صديقي، دعك من حديثي هذا، واكتب "ثلاثةطلاب ألمان يفاجئون متشردا" في "اليوتيوب"، وعش إحساس إحسان الإنسان لأخيه.

عبدالرحمن السلطان

الثلاثاء، 29 يوليو 2014

"طفولة".. حدث ذات فيلم

ما الذي يجعل فيلما أكثر واقعية من فيلم آخر؟ ليس هناك أكثر واقعية من تجسيد الأحداث نفسها بنفس شخوصها الحقيقين، وهذا ما فعله المخرج والمؤلف الأميركي "ريتشارد لينكلاتر" في فيلمه الجديد "طفولة Boyhood"، ولكن بأسلوب مختلف تماما عمن سبقه!



لم يكتف "لينكلاتر" بملاحقة رحلة نمو الطفل "ماسون" وأخته "سامانثا" منذ بواكير طفولتهم وحتى وصولهم سن البلوغ، كما هي عادة الأفلام الأخرى باستخدام ممثلين مختلفين لتجسيد مراحل عمرية مختلفة، بل قام بتجربة سينمائية فريدة من نوعها، حينما واظب مخرج ومؤلف العمل على تصوير مشاهد قليلة لأبطال الفيلم أنفسهم كل سنة، وذلك على مدار 12 سنة متواصلة!، منذ عام 2002 وحتى 2013، وذلك لمتابعة التطور العاطفي والمغامرات الجامحة لأبطال شريطه، لينتح في النهاية ثلاث ساعات إلا ربعا من شريط سينمائي يكاد يكون سجلا صادقا لحياة إنسان يكبر سنة بعد سنة أمام مشاهديه.




المثير في الأمر، أن هذا المخرج سبق له أن قام بتجربة قريبة من هذه الفكرة، وذلك في فيلمه: "قبل منتصف الليل"، الذي كان استكمالا لفيلميه السابقين: "قبل الغروب"، و"قبل الشروق" الصادرين عام 2004 و1995 على التوالي، وبالطبع بنفس الشخصيات والأحداث!.
لقد استطاع "لينكلاتر" لفت النظر في فيلمه الجديد لقصة مستهلكة، لا تعدو كونها قصة حياة فتى يكبر كما جميع الفتيان؛ بيد أن عنصر نجاحه المتوقع كان تقديمها ضمن قالب مبتكر وجديد، صحيح أنه وفريق عمله تعب "طويلا" على إنجازها، لكن هذا هو بيت القصيد فلولا هذا الجهد المضني لما صار الفيلم حديث الأوساط الفنية، ومحور اهتمام الجمهور، الذين سوف يشاهدون في النهاية شيئا مختلفا عما يعرض عليهم من خيالات في الأفلام الأخرى؛ شيء كما وقائع حياتهم اليومية، تماما كما لو كانت القصة تحدث أمامه.


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 25 يوليو 2014

مشاهير الصدفة!

رغم وصول "شباب مواقع التواصل الاجتماعي" إلى الشهرة سريعاً، وقفزهم لمراحل عديدة وسنوات طويلة، إلا أن كثيراً منهم لم يستطع انتهاز هذه الفرصة، بالعمل على تطوير نفسه وثقافته، وبناء نموذجه الفني، ليتمكن من الاستمرار في عالم النجومية
قبل أسابيع قليلة أو لنقل مجرد أيام معدودة لم يكن صاحبنا سوى رقم عادي ضمن ملايين الأفراد، ولكن اسمه -وخلال ساعات قليلة- صار حديث الجميع وفاكهة المجالس، والأكثر من ذلك أنه تحوّل إلى ظاهرة تزداد انتشاراً كما كرة الثلج حينما تتدحرج من الأعلى!
في البداية كان الأمر مجرد مزحة خاطفة، وتوثيقاً لحدث لم يكن مخططاً له، لكن كل ذلك لم يستغرق سوى دقائق قليلة، ليظهر المقطع المصوّر للجميع على وسائط الاتصال الاجتماعي، وما هي إلا لحظات حتى بدأ المقطع بالانتشار "الفيروسي"، بالطبع ساهمت ثورة الهواتف الذكية، وسهولة الوصول إلى شبكة الإنترنت على سرعة تداول مقاطع الفيديو وغيرها، بل إنها سهّلت كذلك إنتاج ومونتاج مثل هذه المقاطع، بواسطة البرامج السهلة والبسيطة، والتي كانت قبل سنوات قليلة بحاجة إلى أنامل شخصٍ خبير، حتى تستطيع إنتاج أي مقطع مهما كان قصيراً وبدائياً، وبينما اليوم الجميع قادر على تصوير ثم مونتاج ما يريد بكل بساطة، ودون الحاجة لأحد.
وهكذا تحوّل صاحبنا إلى نجمٍ شهير، وأضحى مضطراً إلى الظهور مرة أخرى ومرات متتالية في شبكته الاجتماعية التي اشتهر من خلالها، سواء في "الكيك" أو "يوتيوب" أو حتى "الانستجرام"، وبالطبع ها هو يقع في مأزق سبقه إليه الكثيرون، وهو مأزق "الشهرة المفاجئة"، تلك الشهرة التي لم تأخذ وقتها ولم تصل إليه بالتدريج، ونظراً لكونه شخصاً عادياً ودون مهارات فنية أو إدارية، فالمتوقع أن ينبهر بسرعة بأضواء الشهرة واهتمام وسائل الإعلام، رغم أن ما قدمه -ولا يزال يقدمه- لا يعتبر شيئاً يستحق الاهتمام؛ سوى أنها كانت لحظات عفوية، كما هو الحال في الكثير من مشاهير وسائط التواصل الاجتماعي، الذين اشتهر بعضهم نظراً لكونه مهرجاً أو مقلداً أو ناقلاً بحده الأدنى، بينما استغرق المشاهير الآخرون ممن يقدمون محتوى مفيداً فترات طويلة حتى استطاعوا الوصول إلى أرقام جماهيرية معتبرة، على الرغم من استمرار وجود فارقٍ كبيرٍ بين مشاهير المحتوى الجيد وبين مشاهير المحتوى التافه.



والحقيقة أن الحديث عن ظاهرة نجوم الصدفة في منطقتنا العربية ليس جديداً، بل سبق أن ناقشته إحدى جلسات منتدى الإعلام العربي بدبي في دورته الماضية، وذلك ضمن الجلسة الحوارية: "الإعلام الجديد: ظواهر جديدة"، والتي رغم استضافتها لبعض مشاهير الإعلام الجديد إلا أن الحديث بصراحة عن هذه الظاهرة سبب غضباً كبيراً لدى أولئك المشاهير، الذين قفزوا إلى مواقع المقدمة دون تأهيل أو تدريب أو حتى تهيئة بسيطة، فلك أن تتخيل أن أحد أبطال المقاطع التافهة، والذي كان لسانه لا يتوقف عن إلقاء البذاءات يصبح بطلاًً لأحد مسلسلات الدراما السعودية في رمضان، ويبدأ بإلقاء المواعظ والحكم، دون أن يلاحظ أنه لا يزال مستمراً في تقديم محتواه الهابط في المسلسل نفسه!
للأسف رغم وصول هؤلاء الشباب إلى الشهرة سريعاً، وقفزهم لمراحل عديدة وسنوات طويلة، إلا أن كثيراً منهم لم يستطع انتهاز هذه الفرصة، بالعمل على تطوير نفسه وثقافته، وبناء نموذجه الفني، حتى يستطيع الاستمرار في عالم النجومية والإعلام، بل على العكس من ذلك، فالكثير يستمر بتقديم نفس محتواه الذي ظهر فيه منذ البداية، لأنه وببساطة لا يستطيع إبداع شيء آخر، ليكتشف بعد فترة ابتعاد الجمهور وانحسار الأضواء عنه، أو يقوم بعضهم بالظهور بشكل مختلف تماماً، ولكنه ظهور غير منهجي وغير مبني على أسس فنية مدروسة؛ ليدمر شهرته وما وصل إليه بشكل مأساوي مثير للشفقة
رغم أن الحل بسيط وفي متناول اليد، ويعتمد بشكل أساسي على النجم نفسه، فإذا كان النجم لا يستطيع تطوير نفسه ومنتجه فلم لا يستأجر أحداً ليقوم بإدارة النجم نفسه وإدارة أعماله، وهذا في الحقيقة هو ما يقوم عليه كثير من نجوم الغرب، فالنجم في نهاية الأمر يبقى شخصاً عادياً متفوقاً في مجال فني محدد، ولا يستطيع أن يدير أعماله ويطور منتجاته إلا بواسطة شخص محترف مدرّب، وهو ما يطلق عليه مصطلح "مدير الأعمال"، والذي يتجاوز عمله في بدايات النجم مجرد إدارة أعماله ومشاركاته، إلى التدخل السافر في حياة النجم الشخصية وإعادة بناء ثقافته المعرفية، وعلاقاته الاجتماعية، ومهاراته الفنية، بما يتناسب مع واقعه الجديد وفرصه التي قد لا تعود مرة أخرى.
قد لا يدرك الكثير من مشاهير الصدفة أنه وصل إلى القمة بواسطة خطوة واحدة بلا تخطيط، قد لا تتجاوز فيديو أو اثنين، بينما كثيرٌ من المبدعين في فنون متعددة يستغرقون سنوات طويلة من أعمارهم ويخسرون الكثير من بهجة حياتهم فقط ليقتربوا من ملامسة الشهرة
لكن عودة الكثير من مشاهير الصدفة إلى وضعهم السابق خلال فترة قصيرة قد يكون الناقوس الذي يدق الخطر لمثل هؤلاء، فهل يتنبه الباقون في دائرة الشهرة والقادمون الجدد لهذه المعضلة؟ ويعملوا بشكل جاد على بناء نموذجهم الفني، وتطوير نجوميتهم المجتمعية، واستقطاب من يدير أعمالهم بشكل تسويقي مستدام، هذا ما نتمنى أن نراه في قادم الأيام.


عبدالرحمن السلطان



الخميس، 24 يوليو 2014

نسبقهم مرة واحدة؟

عجلة التنمية متواصلة. صحيح أنها متأخرة في أجزاء ومتعثرة في أخرى، لكنها في الإجمال غير متوقفة. بيد أن هذه العجلة وبجوانبها كافة، ماتزال تستخدم الأدوات والمنتجات التي يبتكرها الغرب، ولكننا لا نستخدم أي تقنية مهما كانت متقدمة أو بسيطة، إلا بعد أن تكون أخذت دورتها المتكاملة في الغرب، كتقنيات المعلومات، ووسائل البناء، وحتى منظومات الدفاع.
وقد يقول قائل: إننا نستفيد من هذا التأخر!؛ لأننا نحصل على تلكم التقنيات بعد أن يتم تجربتها وتحسينها، على العكس من كثير من التقنيات التي سادت سريعا ثم بادت بشكل أسرع، وكانت خسارة مالية وزمنية لا تعوض لتلك الدول، ولكن ما لا يقوله هؤلاء: إننا بتحولنا إلى متلقين دائمين ومتأخرين لأي منتوج غربي؛ أننا سوف نبقى دوما في موقع المستهلك وليس المنتج.
بينما لو أننا تشجعنا ودخلنا دائرة تمويل أو إنتاج أي فكرة جديدة، سوف تجعلنا شركاء ليس في الفكرة نفسها، بل وتطبيقاتها كذلك، وغني عن القول إن المجلات العلمية تزخر بالكثير والمثير من الأفكار الثورية، كما هو الحال في فكرة "Hyperloop" غير المسبوقة، وهي أنبوب هجين ما بين طائرة الكونكورد الأسطورية وقاذفة الصورايخ، وتتكون من كبسولة تحمل 20 راكبا، تنطلق على وسادات من الهواء المضغوط، بحيث لا تحتك بجدران الأنبوب الخالي من الهواء؛ لتستطيع قطع 1200 كلم خلال ساعة واحدة!، ومايزال متبني الفكرة وهو المهندس والملياردير الأميركي "إيلون ماسك" ـ مؤسس خدمة باي بال الشهيرة ـ يبحث عن ممولين لهذة الخدمة، التي حتما إذا نجحت سوف تغيّر من وجه صناعة النقل بين المسافات البعيدة.




سؤالي هنا: لماذا لا نكون نحن أول من يتبني هذه الفكرة؟ أو حتى غيرها، لنكون شركاء أساسيين منذ البداية، خاصة وأن بلادنا شاسعة، وماتزال مشاريع قطاراتنا نسمع بها ولا نراها.. دعونا نسبقهم ولو مرة واحدة فقط.

عبدالرحمن السلطان


الثلاثاء، 22 يوليو 2014

مأزق "الترف"!

بعد تخرجي في الجامعة، قررت عدم العمل في وظيفة حكومية؛ ذلك أنني وخلال فترة التدريب الميداني تأكدت تماما أنني لا أصلح لمثل هذا العمل "الروتيني"، وأنني لن أستطيع تطوير نفسي والمكان الذي أعمل فيه بسهولة. لذا لم يكن أمامي سوى الالتحاق بالقطاع الخاص، رغم انخفاض الراتب مقارنة بالعمل الحكومي بنسبة كانت لا تقل عن 30% في مجال تخصصي الصحي، ولكنني كنت مقتنعا، وراضيا بخسارة جزء من الراتب مقابل أن أعمل في بيئة أستطيع النجاح فيها.
المثير في الأمر، أنني لم أكن السعودي الأول الذي يلتحق بتلك الشركة، ولكنني حتما كنت السعودي الوحيد الذي استمر فيها مدة تقارب الـ4 سنوات، فالكثيرون كانوا يتقدمون للعمل ويقبلون، ثم لا يكادون يكملون شهرا أو اثنين؛ إلا وخطاب استقالتهم يسبقهم!، وبعضهم بالطبع لا يؤمن بالاستقالة، فيذهب دون أن يعود!.
هذه الممارسات وغيرها جعلت غالبية منسوبي الشركة من غير السعوديين مقتنعين أن شبابنا لا يمكن أن يعمل في القطاع الخاص، نظرا لضغط العمل وتنافسية البيئة، التي تحتاج جلدا مستمرا، وثقة بالنفس لا تحيد، وهو الأمر الذي يفتقده كثير من شبابنا، ذلك لأن حياة الترف التي يعيشها الشباب، تجعلهم في نهاية الأمر غير قادرين على خوض غمار العمل في القطاع الخاص، فهو يعيش سنوات متواصلة تحت كنف والديه، بل إن البعض قد يعيش سنوات متتالية وهو عاطل عن العمل، ينتظر الوظيفة الحكومية السهلة، فقط لأن والده مستمر في تلبية احتياجاته ومتطلباته!.



اليوم وعندما أنظر إلى نخبة من الزملاء، ممن زهد في الوظيفة الحكومية، ونجح في مسيرته، وارتقى سلم الهرم الإداري، بل وتجاوز دخله الشهري ما يحصل عليه البعض في سنة كاملة؛ أزداد يقينا أن مطبخ تدريب وصقل الشاب يبدأ في القطاع الخاص، وحتما إن هذا المطبخ لن يستقبل أبدا من كانت حياته ترفا في ترف.

عبدالرحمن السلطان

السبت، 19 يوليو 2014

سبات "تويتري"

لا يكاد يمر على "تايم لاين" "تويتر" حتى ينتقل لإبداء إعجاباته المتلاحقة بصور من يتابع في "إنستجرام"، ثم ينقلب إلى "باث" وقليلٍ من "التوثات"، ثم يعود إلى "تويتر" من جديد وهكذا دواليك، حتى يغلبه النعاس وينام وهاتفه الذكي فوق رأسه!



صاحبنا متابع حثيث لأي مستجد هنا، أو نقاش هناك، فهو لا يفوّت دقيقة انتظار في إشارة مرورية دون "التشييك" على رسائل "واتس أب"، بل لا تكاد تمر خمس دقائق متواصلة دون أن يحمل جواله، وينتقل "بمزاجه" إلى العالم الافتراضي بقضّه وقضيضه، ثم بعد كل هذا يشكو صاحبنا من ضيق الوقت، وصعوبة إنجاز الأعمال، وحتى عدم القدرة على الانتهاء من أي شيء مهما كان بسيطاً! بالطبع يا عزيزي لن تجد الوقت الكافي لإنجاز أي شيء، لن تجد الوقت لبناء نفسك، لن تجد متسعاً للقراءة والاطلاع، لن تجد وقتاً لمسامرة أصدقائك الحقيقيين، بدلاً من عشرات الأصدقاء الافتراضيين هناك، لأنك مشغول بملاحقة كل شيء؛ والخروج بلا شيء في النهاية!



يعتقد كثيرون أن متابعة قنوات الاتصال الاجتماعي إدمان لا يمكن الشفاء منه، فإن كنت من هؤلاء فدعني أخبرك عن تجربة أحد مشاهير التدوين والتغريد من الشباب السعودي، الذي أدرك مبكراً مخاطر الانغماس في قنوات الاتصال الاجتماعي، فاتخذ قراراً شجاعاً بالابتعاد الاختياري عن تلكم الوسائط، في سباتٍ سنوي لا تقل مدته عن خمسة أشهر متتالية، مما جعله يتفرغ لبناء نفسه وتجويد عمله، وصار يعود كل سنة بمشروعٍ جديد وفكرة مبتكرة، تضاف إلى رصيده المجزي أمام الجميع.

بالطبع شتان بين صاحبنا الأول الذي رضي بإدمان متابعة كل شيء، دون أي فائدة أو إضافة، وبين نموذجنا الثاني الذي استطاع الابتعاد قليلاً، لينتج كثيراً، فأي النموذجين تحب أن تكون؟ أنت من يقرر ذلك وحده، وحتماً سوف تستطيع.


عبدالرحمن السلطان

 



الجمعة، 18 يوليو 2014

"جوته" في الرياض!

قد يكون البعض لم يسمع باسم الفيلسوف والكاتب "يوهان فولفجانج فون جوته"؛ ولكنه قد يكون الاسم الأكثر شهرة لأحد أهم المعاهد الثقافية المنتشرة عبر قارات العالم، إنه "جوته".. الروائي والمسرحي والفيلسوف والدبلوماسي الألماني الشهير.



يعد "جوته" أحد أهم أدباء ألمانيا عبر التاريخ، فلقد ترك إرثاً أدبياً هائلاً للمكتبة الإنسانية، وكان له أثرٌ ملحوظ في المشهد الثقافي ليس فقط للناطقين بالألمانية أو اللاتينية، بل حتى لغات العالم أجمع، فلا تزال أعماله الخالدة متربّعة على قائمة القراء وعلى أرفف المكتبات، ذلك لأنه لم يكن مجرد شاعرٍ عابر، يسجل ما تجود به قريحته، بل تجاوز الآداب وعلومها إلى العلوم الأخرى، كالرياضة، والرسم، والموسيقى، والتصوير، وامتدت دراسته إلى الطب والهندسة وعلم النبات، والحقوق، كما تبحّر في اكتساب اللغات، فلقد تعلم اللاتينية واليونانية، والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والعبرية والعربية، التي درس منها أشعار "المتنبي" و"أبي تمام" و"المعلقات" التي ترجم بعضها إلى لغته الأم عام 1783، مما جعله يهيم باللغة العربية وأدبها، ليقول عنها مدحاً نقل عنه: "ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه لتناسق غريب في ظل جسد واحد"، الأمر الذي قاده للتعرّف على نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله يقول عنه إنه المثل الأعلى للإنسانية.
أبدع "جوته" الكثير من القصائد والروايات، وأهمها بالطبع رواية "آلام فرتر"، التي كانت نتاج قصة حبه العاصف لخطيبة أحد أصدقائه، ثم ملحمته الشعرية الأكثر انتشاراً: "فاوست"، التي صدرت في جزئين اثنيين، فصلت بينهما 26 عاماً، وهي معالجة شعرية مسرحية للحكاية الشعبية الألمانية عن الخيميائي "يوهان فاوست"، الذي يبرم عقداً مع الشيطان، بأن يهبه الحياة الشابة وأن يقوم بخدمته وتحقيق شهواته مقابل أن يستولي الشيطان على روحه بعد مماته، مشروطاً ببلوغه قمة السعادة، ورغم هذه الحكاية سبق وأن ظهرت - ولا تزال - في أعمال عديدة لكتاب ومسرحيين بكافة اللغات، إلا أن "فاوست" جوته تعد الأفضل والأكثر عمقاً بمفرداتها الرائعة، ومعالجتها الدرامية لجوهر الحياة الحقيقي
ونظراً لما قدمه "جوته" للثقافة الألمانية اتخذت الحكومة الألمانية قراراً بإطلاق اسمه على المعهد الثقافي، الذي أنشأته لنشر الثقافة الألمانية في العالم منذ عام 1951، هذا المعهد الذي يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية محددة هي: تعزيز تعلم اللغة الألمانية بالعالم، تشجيع التعاون الثقافي الدولي، إيصال الصورة الشاملة عن ألمانيا، بواسطة تقديم معلومات عن ثقافتها ومجتمعها وسياستها، وبالرغم من أن المعهد بدأ في بناية صغيرة بمدينة ميونخ خلفاً للأكاديمية الألمانية؛ إلا أنه توسع تدريجياً، ليبلغ عدد فروعه حتى العام الماضي 159 فرعاً في ثمانين بلداً حول العالم، كان آخرها هذا العام في جمهورية "بورما"، التي انفتحت على العالم للتو!
يعمل معهد "جوته" على وضع المعايير المعترف بها في تعليم وتعلم اللغة الألمانية كلغة أجنبية، وبالطبع يعقد المعهد دورات محلية وخارجية لتعلم اللغة الألمانية، وينتج المواد التعليمية ويدرب المعلمين، بالإضافة إلى إسهامات في البحوث العلمية ذات العلاقة باللغة الألمانية، كما أن المعهد يهتم بمراقبة اتجاهات المشهد الثقافي الألماني، ويشجع التعاون الثقافي الألماني في الدول التي ينشط فيها المعهد، عن طريق تنظيم الفعاليات المختلفة، والمشاركة في مختلف المهرجانات والمعارض في مجالات: السينما، الرقص، الموسيقى، المسرح، الأدب، الترجمة، بالإضافة إلى تأسيس مكتبات شاملة ومراكز معلومات متخصصة في الشأن والأدب الألماني، ورعاية منتديات النقاش وإنتاج الوسائط الإعلامية المتنوعة، والتي تهدف في نهاية الأمر إلى رسم صورة معاصرة عن جمهورية ألمانيا الاتحادية، وتعزيز الحوار الدولي.






فلماذا لا نسعد يوماً أن تستضيف إحدى مدننا الكبيرة كالرياض أو جدة أو الدمام فرعاً لهذا المعهد المتميز؟ يكون نافذة لشبابنا للاطلاع على ثقافة لم تأخذ حقها من الانتشار في مجتمعنا، كما هو الحال في المعهد السعودي الفرنسي في الرياض وجدة، التابع للسفارة الفرنسية، أو المركز الثقافي البريطاني التابع للسفارة البريطانية، رغم أن هذين المركزين لا يزالان يراوحان مكانهما الضيق ضمن دائرة تقديم خدمات تعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية فقط، مع بضعة نشاطات ومنافسات نادرة، بينما من المفترض أن يقدما ما يقدم فروعهما في الدول الأخرى، من لقاءات شبابية، وبرامج ثقافية، وعروض سينمائية، ونشاطات فلكلورية، وغيرها من المجالات الفنية، التي يفترض أن تقدمها مراكز ثقافية ذات خبرة طويلة وتجربة عالمية، كما هو الحال في معهد "جوته"، والتي تقوم السفارة الألمانية بالرياض ببعض واجباته على استحياء، من تنظيم معارض فنية متخصصة، مثل معرض "آثار الزمن" الذي عرض مجموعة صور ضوئية عن الولايات الألمانية الجديدة "ألمانيا الشرقية سابقا" قبل وبعد الوحدة الألمانية، والذي نظم في بهو السفارة خلال شهر أبريل الماضي، أو عقد بضع مناسبات ثقافية أخرى، كعروض الأفلام الألمانية الكلاسيكية أو المستقلة.
ولعل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يأخذ زمام المبادرة في ذلك، ويكون هو الجهة المشرفة على مثل هذا المراكز الثقافية، والتي تعد أحد أهم وسائل الحوار الثقافي والاجتماعي بين الشعوب، وهي الطريقة السريعة لمزيد من التسامح والتعرف على الآخر. وأن يكون لدينا في مختلف مدننا مراكز إشعاع ثقافية ذات خلفيات ثقافية مختلفة تزيدنا علماً وثقافة، وليس فقط معهد "جوته" الألماني، بل وحتى معهد "ثيربانتس" الإسباني، التابع لوزارة الخارجية الإسبانية، وهو المتخصص في تعزيز وتعليم اللغة الإسبانية وثقافتها، وهي الآن إحدى اللغات المقدمة في العالم أجمع.
كم هو يوم رائع ذلك اليوم الذي يقع فيه ذلك الشاب السعودي المثقف في حيرة من أمره، فلا يعرف أن يقضي أمسيته، بين أندية أدبية محلية، أو مراكز ثقافية عالمية.. هنا نستطيع القول إننا وضعنا خطوتنا الأولى على درب خيارات الثقافة الشاملة للجميع.


عبدالرحمن السلطان

الاثنين، 14 يوليو 2014

"المتنبي".. الشارع وليس الشاعر!

أتذكر قبل أكثر من ثلاثين سنة زياراتي الأولى مع والدتي -حفظها الله- لشارع "المتنبي" بمدينة الرياض, وكيف أنني بهرت بوجود شارع مشاة مستقل, تم تخصيص جانبيه للمحال التجارية, على عكس الأسواق الأخرى آنذاك.
ولكن بقدر روعة الفكرة بقدر كون تنفيذها كان ارتجالياً للغاية, فطول الشارع وندرة مواقف السيارات بالمنطقة المحيطة؛ قلص من مرتاديه, بالإضافة إلى عدم تغطية مسار المشاة عن أشعة الشمس الحارقة والأمطار كذلك, وغياب كراسي الانتظار, وخلوه من الخرائط واللوحات الإرشادية, وغيرها من الملاحظات الإنشائية والجمالية, التي لا تخفى على أي معماري مبتدئ.



باختصار أمانة مدينة الرياض لم تدرس تحويل الشارع من السيارات إلى المشاة بشكل علمي منهجي, بل كان الأمر مجرد إغلاقٍ للمنافذ, وإضافة نافورتين, وبضع ألعاب للأطفال هنا وهناك, دون التفكير في مداخل السوق ومخارجه, ودون إدراك لسلوك المتسوق السعودي, وحاجته إلى وجود مواقف سيارات قريبة, والحماية من أشعة الشمس, وهكذا تدهور حال السوق وتراجع, دون محاولة جادة لإيجاد حلول مناسبة, ودون الاستفادة من المختصين, كما حدث مع المهندس السعودي عبدالله الخماش, الذي أعد قبل خمسة عشر عاماً وأكثر رسالة ماجستير كاملة عن واقع شارع المتنبي, والحلول المقترحة لإعادة بعثه من جديد! ولكن يبدو أن أمانة الرياض لم تسمع بهذه الدراسة, لأنها وقبل ست سنوات تراجعت عن فكرتها, وأعادت الطريق إلى سابق عهده, وفتحته للسيارات مع بضع تعديلات بسيطة, وأغفلت كثيراً من الملاحظات السابقة, بيد أنه وللأسف لم يتغير حال السوق كثيراً, بل استمر بالتراجع والتقهقر إلى الوراء.
يحمل الشارع اسم شاعرٍ عربيٍ عظيم, فلم لا تطرح الأمانة مسابقة معمارية مفتوحة لإعادة تصميمه من جديد, وإعادة تأهيله بفكرة مبتكرة, تعيده إلى طريق مشاة متكامل, ولكن برؤية فنية مرتبطة بثقافة المدينة, مع تركيزه على مجالات تجارية محددة, وإضافة نشاطات موسمية.. مجرد فكرة.


عبدالرحمن السلطان

السبت، 12 يوليو 2014

ماااااااء!

يبدو أننا لا نعرف قيمة الشيء إلا حينما نفقده، وهو ما يحدث معنا هذه الأيام خلال الشهر الفضيل، فحرارة الجو المرتفعة تجعلنا نشعر بالعطش مبكراً، لنقضي بقية النهار بتمني شربة ماء باردة تطفئ هذا العطش الشديد.




هذا في شهر الصوم، فهل نحن نتعامل مع الماء كما يجب أن نفعل خلال أيام السنة الباقية؟ فالماء ليس عنصراً هامشياً في أجسامنا، بل يكاد يكون أهم العناصر على الإطلاق، إذ يرى علماء مختصون أن النسبة الطبيعية للماء في الجسم يجب أن تترواح ما بين 55-78%!، بينما واقعنا يفصح عن أن كثيراً منا تقل نسبة الماء في أجسامهم عن 30%! وهو ما قد يصفه أخصائيو التغذية بالجفاف غير المبرر، وذلك بسبب عدم اهتمامنا بشرب السوائل المتنوعة، وخصوصاً الماء بصورته الصافية، وهذا ما يفسر الخمول والتعب والإرهاق المستمر، إذ إن الماء يلعب أدواراً متعددة في بلازما الدم وغيرها، وغني عن القول إن تناقص الماء عن الحد الأدني يؤثر على فعالية أعضاء الجسم كلها. الجدير بالذكر أنه يمكن احتساب الكمية المطلوب منك شربها يومياً، بواسطة ضرب وزنك بـالرقم 0.033، أي إذا كان وزنك 70 كجم؛ فأنت بحاجة لشرب لترين وثلث من الماء يومياً! وهي كمية ضخمة بمعاييرنا اليومية، لذا يقترح الخبراء أن يحمل الفرد معه قاروة ماء يشرب منها متى ما سنحت له الفرصة.



وهمسة أخيرة في أذن "حواء"، وخصوصاً من يبحثن عن الجمال، لم لا تفكرن بالماء؟ فنضارة الجلد والملمس الناعم لن تتم دون أخذ الجسم كفايته من الماء! لذا احرصي على شرب الماء، والارتواء منه قدر الإمكان، وسوف ترين النتيجة قريباً إن شاء الله، وأخيراً.. صدق المولى تبارك وتعالى حينما قال: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في الصفحة الأخيرة من صحيفة الوطن السعودية, بتاريخ 12 يوليو 2014م

الجمعة، 11 يوليو 2014

قبل أن نفكر بأرامكو!

قبل أيام كلف خادم الحرمين الشريفين شركة النفط السعودية "أرامكو" بتنفيذ الأحد عشر استاداً رياضياً جديداً, التي أمر الملك –حفظه الله- ببنائها في كافة مناطق المملكة الإدارية ما عدا المنطقتين الوسطى والغربية, وذلك بعد نجاح شركة "أرامكو" قبل أسابيع في بناء استاد "الجوهرة" في مدينة الملك عبدالله بالرياض وبجدة, خلال مدة قياسية وبمعايير عالمية.



وبقدر ما يزيد هذا التكليف من إعجابنا بشركة "أرامكو" وفريقها الاحترافي المميز؛ بقدر ما يجعلنا نعيد النظر في الوضع الحالي لكافة الجهات الحكومية الأخرى, والتي تراجعت كفاءتها وإنتاجيتها إلى درجة أن يُعهد بأعمالها الأساسية إلى جهات أخرى, كما حدث عندما عُهد إلى "أرامكو" بناء "الجوهرة", بينما من المفترض أن تقوم بذلك الرئاسة العامة لرعاية الشباب, والتي بالمناسبة لا تزال غارقة في مشروع زيادة الطاقة الاستيعابية لملعب الأمير عبدالله الفيصل في جدة, منذ سنوات دون تقدم ملحوظ! أو عندما عُهد لأرامكو ببناء ثم تشغيل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية, بدلاً عن وزارة التعليم العالي, وغيرها كثيرٌ من الأمثلة المتعددة.
البعض قد يعيد صياغة السؤال إلى: هل يعود السبب الرئيسي لنجاحات "أرامكو" الحالية إلى قدرات "أرامكو" نفسها؟ أم إلى تراجع وتقهقر مستوى الجهات الحكومية دون المستوى المأمول؟ خصوصاً مع وجود كثيرٍ من القيود والشروط التي تقيد حركتها, مما يجعلها أسيرة أنظمة عتيقة ولوائح معقدة في آن واحد, الأمر الذي يؤدي إلى أن يصبح إنجاز المشروع بالشكل المفترض أمراً مستحيلاً على أرض الواقع, والقصص على ذلك متعددة, ولعل أشهرها ما حدث من ارتفاع في تكلفة مواد البناء والعمالة كذلك, مما أدى إلى توقف كثير من المشاريع الحكومية, لأن المقاولين لم يستطيعوا ببساطة استكمالها مع ارتفاع التكلفة, ولم تقم وزارة المالية بحل هذه القضية إلا بعد سنوات متتالية من المطالبات المتكررة في وسائل الإعلام, الأمر الذي أدى إلى تأخير إنجاز كثير من المشاريع عن موعدها المفترض, أو عدم إنجازها أصلاً!
يكاد يجزم كثير من كبار مسؤولي القطاع الحكومي أن القيود المعقدة المفروضة ضمن العقود الحكومية, وغياب المرونة في الترسيات واختيار المقاول الأرخص بدلاً من المقاول المناسب هو السبب الأساسي في تدني جودة المنتج النهائي للمنافسات الحكومية المتنوعة, بالإضافة إلى القيود الأخرى في التوظيف والاستقطاب والمرونة المالية للمؤسسة نفسها, كذلك غياب المميزات والحوافز ضمن بيئة العمل الحكومية, مقارنة بشركة "أرامكو" نفسها, حيث الرواتب المرتفعة نسبياً, والمميزات المختلفة, والتأمين الطبي, وتوفير خيارات السكن وغيرها, مما يجعل المنتسب إلى الشركة حريصاً بنفسه على نجاح أعمالها بشكل يفوق التوقعات, مع حرصه على الاستمرار دون الالتفات إلى ضغط العمل المتواصل وطول ساعات الدوام الرسمي مقارنة بالعمل الحكومي التقليدي, رغم أن "أرامكو" تقوم بما تقوم به الجهات الحكومية الأخرى في مجال تنفيذ المشاريع, فهي تختار استشارياً مناسباً لتصميم المشروع, واستشارياً ذا خبرة لإعداد كراسة المواصفات والشروط, واستشارياً معتمداً للمتابعة والاستلام, ثم يرسى المشروع على مقاول مؤهل رئيسي واحد أو على عدة مقاولين في آن واحد, لكن الفرق الأساسي في "أرامكو" هو الحرص على تأهيل المنافسين قبل الدخول في المناقصة, وعدم اعتماد معيار السعر فقط في المفاضلة بين المتنافسين, دون إغفال تأهيل وتدريب فريقٍ متميزٍ من الموظفين القادر على التنفيذ والمراجعة والتدقيق والاعتماد.
هذه الملاحظات على القطاع الحكومي التقليدي جعلت تأسيس الهيئات الحكومية المستقلة هو الخيار المتبع في السنوات الأخيرة, وذلك هروباً من قيود أنظمة "الخدمة المدينة" فيما يخص استقطاب الكفاءات المميزة, ودفع المخصصات المرتفعة لمنسوبي تلك الهيئات, والقدرة على توفير التأمين الطبي لمنسوبيها وغيرها, غير أن الأهم هنا هو المرونة المالية للهيئات المستقلة, مما يجعلها أكثر قدرة على بناء هيكلها وإنجاز اختصاصاتها مقارنة بالأجهزة الحكومية الأخرى, ولكن الواقع الحالي يفصح عن شيء آخر تماماً, فقد استطاع الكثير من الهيئات بناء هيكل وظيفي رائع على الورق واستطاعت استقطاب الكثير من الكوادر الوطنية المميزة, بينما لم تستطع الالتزام بالمطلوب منها, وذلك لأسباب متعددة, منها ترابطها الوثيق مع جهات حكومية أخرى غير متعاونة, أو على الأقل غير قادرة على التعاون, بالإضافة إلى تردد الكثير من الهيئات في الدخول في مشاريع وطنية ضخمة خوفاً من الإخفاق أو من قيود أنظمة الرقابة المالية, التي بدأت تزحف من جديد نحو الهيئات الحكومية! لتتحول بعض الهيئات مع مرور الزمن إلى وزارات ولكن بمبان فخمة ورواتب مرتفعة فقط!
خيار تكليف شركة "أرامكو" بالمشاريع الحكومية هو حل مرحلي ناجح, لكن الأنجع لنا على المدى الطويل, هو أن يتصدى معهد الإدارة العامة بمستشاريه المتميزين لدراسة الواقع الحقيقي للجهات الحكومية المختلفة, وتحديد مكان الخلل والقصور التي يشترك فيها الجميع, ثم العمل على تجاوزها بحلول وطنية شاملة, وليس بحلول المخصصات "المليارية", مع استهداف رفع مستوى كفاءة الجهات الحكومية المختلفة إلى مستوى كفاءة "أرامكو", حينئذ سوف يصبح لدينا عشرات النسخ من "أرامكو" وليس "أرامكو" واحدة فقط!


عبدالرحمن السلطان

 



السبت، 5 يوليو 2014

حكايتي مع الكتابة

في هذه الزاوية، يسرد الكُتاب حكاياتهم مع الكتابة منذ بدئها الأول، حتى استواء القلم، وانسياب اللغة، إلى احتراف الكتابة.. يقول كاتب الرأي في "الوطن"، وكاتب زاوية: "صيد"، على الصفحة الأخيرة، عبدالرحمن السلطان عن حكايته مع الكتابة:

تعود حكايتي مع الكتابة إلى سنوات الطفولة، إلى أيام دراستي الابتدائية، فلأني الابن البكر لمثقف شامل جعلني أعيش وأتنفس الكتب منذ نعومة بداياتي، لتتكون شخصية الكاتب داخلي دون أن أعلم، وهكذا ورغم أنني كنت في الصف الرابع الابتدائي، إلا أنني خطيت بيدي أول مجلة من إنتاجي، وذلك عام 1408، ماأزال احتفظ بنسخة منها، ثم تطوّر الأمر وتعددت مسميات مجلاتي المنزلية، من "المدينة" إلى "الصباح المشرق"، حتى تطور الأمر نهاية مرحلة الدراسة المتوسطة بأن أصبح حجمها 160 صفحة في آخر أعدادها، التي تجاوزت العشرات!.
خلال المرحلة الجامعية، انكفأت على الدراسة بحكم صعوبة دراسة الصيدلة، ولكنني كنت دوما مهتما بالقراءة والكتابة، بيد أنني كنت مشاركا فعالا في النشاط الطلابي، حتى كلّفت في رجب 1420، برئاسة تحرير الصحيفة الحائطية الطلابية "الأفاق"، التي تصدر كل أسبوعين في مكان بارز بالكلية، وعملت بجد وحدي، لجمع وتحرير ونشر الصحيفة، لمدة ثلاثة فصول دراسية، وكانت تجربة رائعة، تعرفت فيها على أمزجة القراء، وتعاركت قليلا مع الأستاذ المشرف على الصحيفة!، وفي تلك الأثناء حدث أن اطلع أحد الأصدقاء على مقال لي في "كشكول" كنت أحمله حيثما أذهب!؛ ليشجعني على إرساله إلى صحيفة "رسالة الجامعة" الصادرة عن قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، وحدث ما لم أتوقعه، إذ نشر مقالي "أحاديث الموت" كاملا في العدد الجديد مباشرة!، وكان ذلك السبت 23 ذو القعدة 1421، ثم توالى النشر بشكل شبه أسبوعي، حتى إنني نشرت في العدد 731 مادتين اثنتين! أحدهما مقال طويل، والثانية قصة قصيرة بعنوان "صداقة مع غريب"!، بل إن علاقتي بالصحيفة تطورت حتى كلفت محررا لصفحة "قضايا"، رغم أنني طالب صيدلة! خضت فيها معارك ونقاشات متنوعة أثرت تجربتي بشكل حقيقي.



بعد التخرج من الجامعة ركزت في كتاباتي على المجال الصحي، خاصة الصيدلة، في صحيفة "الرياض" منذ عام 1423، حتى جمعتها في كتاب "رؤى صيدلانية" عام 1429، ليكون الكتاب العربي الأول في شجون مهنة الصيدلة، مع استمراري بالنشر العلمي الثقافي في مجلات متنوعة كمجلة "العربي" الكويتية، و"الفيصل" السعودية، والنشر الأدبي لقصصي القصيرة في دورية "الراوي"، الصادرة عن نادي جدة الأدبي، والصفحات الأدبية في كل من صحيفتي الرياض والجزيرة، توجتها بجمع أفضلها في المجموعة القصصية "ودونها رماد يحترق" الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض قبل سنوات. ثم كان أن سعدت بانضمامي لكوكبة كُتاب صحيفتي المفضلة "الوطن"، كاتبا في صفحتَي: الرأي أولا، إذ نشر مقالي الأول "الهياط ولا شيء سوى الهياط" يوم 24 يونيو 2012، ولكنني وخلال فترة قصيرة حظيت بثقة هيئة التحرير لخوض غمار شرف الكتابة في الصفحة الأخيرة بزاوية أسبوعية أسميتها "صيد"، ولتسميتها قصة سأرويها يوما ما. أصدقائي: حكايتي مع الكتابة طويلة، ولم تنته بعد، بل أعتقد أنني ما أزال في بداياتها، وحسبي منها أنني ماأزال مستمتعا بكل لحظة أقضيها في سبيل تجويد عملي، وإسعاد القارئ العزيز.

عبدالرحمن السلطان