الجمعة، 29 أغسطس 2014

كيف نستفيد من سيطرة صناعة الترفية الأميركية؟

ليس بالأمر الجديد القول بأن صناعة الترفية الأميركية وبالذات التلفزيون والسينما هي الأولى ليس فقط في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، بل في العالم أجمع، ولكن ما رأيك بالقول إن صناعة الترفية بالمملكة مؤهلة لأن تكون الأولى في الدول الناطقة باللغة العربية والعالم الإسلامي أجمع!



قد يستغرب البعض هذا الافتراض، ولكنه صحيح نظرياً وعملياً، بيد أن ما يمنع حدوثه هو وجود بعض العقبات الاجتماعية والصعوبات النظامية وندرة القوى البشرية وغيرها، ذلك أن أسباب انتشار وازدهار صناعة الترفية الأميركية للناطقين باللغة الإنجليزية موجودة بالضبط في المملكة لما يختص بجمهور المتحدثين باللغة العربية! إذ يعتقد الخبراء أن نجاح وانتشار محتوى الترفية الأميركي يعود في سببه الأساسي إلى ازدهار صناعة الترفية بحد ذاتها، والذي كان نتيجة لسببين اثنين لا ثالث لهما، الأول: التعداد السكاني الهائل للولايات المتحدة الأميركية، الذي تجاوز الثلاثمئة مليون فرد منذ سنوات، أما الثاني فهو ارتفاع القوة الشرائية لهذا الجمهور الضخم. وبالتالي أدى اجتماع هذين السببين في آن واحد إلى توافر أسباب النجاح المادي لأي منتج فني يمتلك أسباب النجاح الجماهيري، مما جعل الصناعة تتطور وتتوسع بشكل لا يصدق، وجعلها تتحول من مجرد صناعة صغيرة ضيقة إلى صناعة واسعة تتداخل مع صناعات أخرى، وأضحت إحدى سمات القوة الناعمة للولايات المتحدة
ولك أن تقارن بين إنتاج فيلم "أكشن" أو مسلسل "درامي" أميركي وآخر أسترالي أو بريطاني - أي من الدول الناطقة بالإنجليزية -، لتجد أن المنتج الأميركي قادرٌ بسهولة على استعادة تكاليفه الباهظة خلال مدة قصيرة، على عكس أي منتج فني في الدول الأخرى الناطقة بالإنجليزية، ناهيك عن توسع السوق الأميركي ليشمل كافة المنتجات الأخرى من كتب وملصقات وأغان وحفلات، مما يجعل نجاح أي منتج فني فرصة أوسع لنجاح منتجات أخرى معتمدة عليه، وهكذا دواليك مما أدى تضخم الصناعة، وأن تصبح جزءاً أصيلاً من الثقافة والاقتصاد المحلي، ووسيلة لفرض السيطرة الأميركية في كافة مناحي الحياة.
هنا في المملكة نمتلك ميزة تنافسية – غير مستغلة - لا توجد في أي دولة ناطقة باللغة العربية، وهي التعداد السكاني الكبير والقوة الشرائية الهائلة، مقارنة بالدول العربية الأخرى، كمصر التي تتميز بالتعداد السكاني الكبير، ولكن دون القوة الشرائية الكبرى، أو دول الخليج العربي التي تتميز بالقوة الشرائية المرتفعة ولكن دون التعداد السكاني الكبير؛ من هنا تصبح المملكة الدولة العربية الواحدة التي تمتلك هتين الميزتين في آن واحد، ولنا في تجربة نجوم الغناء السعوديين مثالٌ واضح، حيث ازدهرت هذه الصناعة نظراً لوجود سوق "الكاسيت" سابقاً، بل كان نجوم الغناء الخليجي والعربي يعتمدون على مبيعات السوق السعودي أولاً قبل دخول القنوات الفضائية ومنافسة الإنترنت. بينما في الجانب المقابل لم تزدهر صناعة الأفلام السينمائية في المملكة، لأنه لا توجد هنا صالات عرض سينما أصلاً! كما هو الحال في صناعة الفنون المسرحية، التي تعاني من غياب المسارح المؤهلة وكثرة المحاذير الاجتماعية، مما جعل مسرحنا السعودي يتقوقع على مسارح المهرجانات الخارجية، وعروض عطلات الأعياد فقط.
لذا يصبح من الضرورة التفكير في أهمية وجود صالات سينما بالمملكة، نستطيع من خلالها بناء صناعة فنيّة قوية، تكون إحدى وسائل بناء المجتمع وحل مشكلاته، وكذلك التسويق للمملكة وثقافتها، تماماً كما تقوم به السينما الأميركية، التي أضحت الصوت الأول للولايات المتحدة وثقافتها، وغني عن القول إن القوة الشرائية بالمملكة قادرة على تنمية نمو هذه الصناعة بشكل متواصل، وكيف لنا ألا نتذكر الأعداد الهائلة من السعوديين التي حضرت عرض فيلم "مناحي" السعودي في كل من البحرين والإمارات قبل سنوات، أليس من الأفضل أن تدفع تلكم الأموال هنا في المملكة، بدلاً من صرفها خارجها؟
ثم ألا يمكن اعتبار التسارع المتلاحق في توسع سوق المقاطع المرئية في "اليوتيوب" السعودي، وكذلك توسع منتجات قنوات الاتصال الاجتماعي مؤشراً على ضرورة الاستفادة من هذه التقنيات وغيرها في سبيل بناء صناعة محتوى فني سعودي مميز، بدلاً من اعتمادنا على المبادرات الفردية أو الموسمية، التي تأفل سريعاً، ولا تؤسس لصناعة فنية مستدامة؟
بلادنا مليئة بالمبدعين والمبدعات، ومتخمة برؤس الأموال الضخمة، فلما لا نستفيد من التجربة الناجحة لصناعة الترفية الأميركية، ولما لا تتوحد تلكم الجهود وتنتج صناعة فنية سعودية تعبّر عن واقعنا، وتقدمنا للعالم بالصورة التي نحبها؟

عبدالرحمن السلطان




الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

سيارة "زاك" الأولى.. لمن؟!

من الشائع أن يقوم أحد النجوم المشاهير بحثّ جمهوره على التبرع إلى جهة خيرية ما، لكن ما يُحدث الفرق وقوة الاستجابة هو أن يبادر النجم نفسه بخطوة إضافية، شيء مختلف يحفّز جمهور محبيه لمزيد من التبرع أو المشاركة.
النجم الشاب الأميركي "زاك إيفرون" لم يكتف فقط بالإسهام العابر في حملة "تمن أمنية" Make a wish، بل زاد على مشاركته في تسويق الحملة، بأن قدم عرضا مغريا لمن يتبرع بعشرة دولارات فقط، وهو أن ينظّم سحبا عشوائيا على جميع من تبرع، ليهب صاحب الحظ السعيد سيارته الأولى! رغم كل ما تحمله من ذكريات، وما يكنه من مشاعره تجاهها، بل وزاد على ذلك بأن يتكفل بمصاريف سفر الفائز إلى "لوس أنجلوس" واستضافته كذلك.



سوف يهب "زاك" أحد المتبرعين سيارته الأولى، تلك السيارة التي تعلم عليها القيادة أول مرة، وعليها حصل على رختصه الأولى، وبها نجى من حادثه المروري الأول، ذكريات مهمة في حياة أي إنسان، لكن "زاك" النجم كان حريصا ـ كما قال في رسالته المرئية لمحبيه ـ على أن يقدم شيئا إضافيا لهذه الحملة العالمية؛ شيئا يساعدها على رسم البسمة على محيا أطفال مصابين بأمراض مميتة، حينما يحققون لهم بعضا من أمانيهم البسيطة.
يطمح "زاك" لجمع 200 ألف دولار لصالح هذه الحملة، ورغم أنه لم يطلق نداءه إلا قبل أيام قليلة؛ إلا أنه استطاع جمع نصف المبلغ خلال فترة قياسية، وهو مؤمن أن باستطاعته الوصول إلى الرقم المطلوب قريبا، كما أنه يتطلع بشوق إلى قضاء وقت ممتع مع سعيد الحظ قبل أن يسلمه سيارته الأولى.
في الحقيقة أن "زاك" لم يسعد الأطفال المحتاجين فقط، بل أسعد محبيه كذلك بهذه الفكرة المبتكرة، التي جعلت الجميع فائزين وسعيدين في نهاية الأمر، أليس كذلك؟!


عبدالرحمن السلطان

 



الأحد، 24 أغسطس 2014

ماذا بعد إثراء المعرفة؟

منذ ثاني أيام "عيد الفطر" وسكان مدينة الرياض يعيشون حدثاً ثقافياً مختلفاً، فالمعرض العلمي الذي تنظمه شركة "أرامكو" سحب البساط من الكثير من فعاليات العيد الأخرى، لقد استطاع معرض "إثراء المعرفة" –المؤقت- أن يتحول إلى وجهة جديدة لسكان وزوار العاصمة، بشكل لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعونه.



قبل أيام حظيت وعائلتي الصغيرة بفرصة الاستمتاع بأجنحة المعرض المتنوعة، وللحقيقة قضيت ساعات متتالية دون أن أحس بلحظة ملل في هذا الكرنفال الثقافي الرائع، وزاد من بهجتي ازدحام المعرض بالآلاف من الزائرين والزائرات، من مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية. كان الجميع نهماً للاستزادة من صنوف المعرفة التي يقدمها كل جناح في المعرض، فالفكرة الأساسية لهذا التجمع كانت العمل على إثراء معرفة الزائر، وأخذه إلى آفاق أوسع وأكثر رحابة، وجعله يفكر ويستكشف الجديد، ومن ثم يعمل هو على اكتشاف أشياء أخرى تهمه.





والحقيقة أن فكرة هذه المعارض العلمية أو المراكز "التي تعمل على تثقيف الزائر عن طريق التعلّم والتدريب الذاتي، بواسطة معروضات تفاعلية تشجّع الزائر على التجربة والاكتشاف"؛ ليست بدعة جديدة، ولكنها ممارسة عالمية منتشرة في أغلب دول العالم المتقدم، وقد بدأت قبل أكثر من مئة وخمسة عشرين عاماً، بالمركز العلمي "أورانيا" في برلين بألمانيا عام 1888م، ثم قامت أكاديمية "سانت لويس" بإنشاء متحف "سانت لويس" للعلوم والتاريخ الطبيعي عام 1959م، ولكن المراكز العلمية بشكلها المعاصر تعتبر نتاج عقد الستينات، حينما أنشئت مجموعة ضخمة من المتاحف والمراكز العلمية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبعض دول أوروبا.
والرائع في الأمر أن "أرامكو" السعودية كانت من أوائل الجهات التي أسست مركزاً علمياً تفاعلياً ليس في المملكة فقط، بل في منطقة الخليج العربي، وذلك عام 1987م، هذا المركز الذي لا أزال أتذكر دهشتي الكبيرة حينما زرته صغيراً، وتعلمّت الكثير عن صناعة النفط في العالم والمملكة، وعن تاريخ شركة "أرمكو" السعودية، وقصة برميل النفط من فوهة البئر حتى وصوله إلى المستهلك النهائي، هذا المعرض الفريد من نوعه تشير الإحصاءات إلى أنه يستقبل كل عام ما يزيد على 50 ألف طالبة وطالب!
لكن فكرة المراكز العلمية التفاعلية لم تنتشر في المملكة بالشكل المأمول، فمركز جدة للعلوم والتكنولوجيا لم يستطع أن يصمد أكثر من خمسة عشر عاماً، فأغلق أبوابه قبل أعوام قليلة، ثم أهديت مقتنياته العتيقة بعد أن أصابها الصدأ إلى بعض الجهات العلمية في المملكة، بعد أن كان قبلة لطلاب وطالبات المنطقة الغربية، ومعلماً حضارياً يجذب زوار عروس البحر الأحمر، ولا أزال أتذكر زيارتي له مع أخي "سعود"، حينما قضينا ساعات طويلة نصعد أدواره المتعددة، حتى وصلنا إلى القبة السماوية، التي كانت تبث عروضاً مبهرة عن عوالم البحار ومغامرات الفضاء، وللأسف لا أعرف سبب إقفال المركز، هل هو بسبب توقف الدعم المالي؟ أم لقلة الزوار؟ كل ما أعرفه أن هذا المعلم المميز توقف عن النبض منذ سنوات دون أن يهتم أحدٌ لذلك.
هنا في الرياض توجد واحة الأمير سلمان للعلوم، وكذلك المعرض المتميز "مشكاة"، والذي أسسته مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، ويعد قطعة فنية فريدة من نوعها، وجهداً يستحق الإشادة. رغم صغر حجمه، إلا أنك بعد أن تتجول في أرجائه وتستمتع بألعابه وأنشطته المختلفة؛ تخرج وقد استوعبت أهمية الطاقة النظيفة والمتجددة، وأدركت وسائل الحصول عليها، وهو الهدف الأساسي لهذا المعرض.
والحقيقة أننا بحاجة إلى مثل هذه المعارض العلمية المتخصصة، من كافة الجهات الحكومية ذات العلاقة أو الجمعيات العلمية أو المهنية، فالهدف ليس مجرد بناء مركز علمي مملوء بالأجهزة والشاشات، بل الهدف تحقيق توعية علمية متسدامة، لا تتوقف بمجرد توقف البرامج التوعوية نفسها أو توقف الدعم المالي لها، وهو ما يحدث –للأسف- في الكثير من البرامج والفعاليات التوعوية، التي لا تكاد تصل إلى معظم المستهدفين حتى تتوقف وتتلاشى، وتبدأ بعدها حملات أخرى من الصفر، الأمر الآخر هو الاستفادة من نجاح هذه المعارض المبهرة في إيصال المادة العلمية بكل سهولة للمتلقي، ذلك لأن المتلقي يكون مشاركاً حقيقياً في دورة الحصول على المعلومة. بل إن وجود هذه المراكز العلمية وانتشارها عبر المملكة، سوف يحقق نشاطاً سياحياً إضافياً لكل مدينة أو بلدة ينشأ فيها مثل هذه المراكز، وبالتالي فإن وجود تلك المراكز مجد من الناحية الاقتصادية، سواء من باب توفير مصاريف التوعوية المتواصلة، أو من باب إضافة موقع جذب سياحي جديد، والأهم من ذلك هو توفير فرصة قضاء وقت فراغ الشباب أو الفتيات في شيء ينفع ويبهج.
أو لسنا بحاجة في مدننا السعودية إلى متحف علمي أو مركز عن تطور صناعة الطيران، وآخر للزراعة، وثالث لتطور تقنيات الاتصال، وهلم جرا لكافة مناحي الحياة، فقط كل ما يحتاجه الأمر هو أن نهتم أكثر، ونفكر بعمق أكبر، ونحن قادرون على إنجاز تلك المراكز من حيث ما انتهى إليه الآخرون.


عبدالرحمن السلطان




الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

"يا حليله يتكلم إنجليزي"!!

أن يفتخر إنسان بقدرته أو قدرة أبنائه على الحديث باللغة الإنجليزية فهذا شأنه وحده، أما أن يستمتع ويتضاحك على ركاكة حديث أبنائه بلغتهم الأم، فتلك -تالله- مصيبة كبيرة.



للأسف يؤمن البعض بأن إحدى أولى خطوات التقدم تكون بتعلم لغة أجنبية، وبالطبع هي اللغة الإنجليزية في وقتنا الحاضر، ولكن هذا – وإن سلمنا به - يجب ألا يكون مقروناً بضرورة جعلها اللغة الأولى لأبنائنا على حساب لغتنا الأم! ولست هنا أدافع عن لغة القرآن الكريم أو لسان أجدادنا، أو غير ذلك من مميزات لغتنا العظيمة، ولكنني هنا أنطلق من بعد تربوي ومبدأ حضاري، فلقد ثبت علمياً أن التركيز على اللغة الأم أولاً يساعد الطفل على بناء فضاء لغوي ثري في بدايات تشكيل معجمه اللغوي، ليستطيع التعبير والتواصل السهل مع والديه ومحيطه الاجتماعي، أما تعليم لغتين أو أكثر في السنوات الأولى؛ فيجعل الطفل غير مدرك لتمايز المفردات، وغير قادر على الاستعمال الدقيق للجمل، وبالتالي يفقد الطفل فرصة البناء اللغوي المنهجي في بدايات غرسه.
أما الأسوأ من ذلك فهو اعتقاد آخرين أن اللغة الأجنبية من مستلزمات الوجاهة الاجتماعية و"الإتكيت"، ولك أن تتصور حديثا عابرا بين هؤلاء لتجده خليطا غير متجانس من المفردات الكسيحة، سواء العربية منها أو الإنجليزية، وإن شئت بعض الفليبينية أو السيلانية! عطفاً على اعتمادهم على الخادمات في تعليم أبنائهم لغة إنجليزية ركيكة ثم إلحاق فلذات أكبادهم بمدارس لا تعترف بلغة الضاد أبداً!
للأسف هُزم البعض حضاريا؛ فاعتقد أن الاهتمام بلغة الغرب قد يبلغه ما لم يصله هو بعمله، وهنا مكمن الخلل وضياع البوصلة، فإتقان اللغة الأم هو أساس انطلاق أي مجتمع نحو التقدم المستدام، ومتى ما فقد المجتمع لغته فهو على طريق فقد أشياء كثيرة منه.

عبدالرحمن السلطان 

 



السبت، 16 أغسطس 2014

"ساند".. "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"؟

للأسف ها هو مشروع "ساند" يبدأ تطبيقه دون أن تلتفت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لأي رأي مخالف لما تراه، مهما كان صادقاً ومثبتاً بالأدلة والبراهين. وللأسف كتب كثيرون عن الموضوع دون جدوى، إذ سبق أن كتبت هنا قبل ثمانية أشهر مقالاً طويلاً عن "ساند"، حظي برد طويل من "الإعلام التأميني" بعد أسبوعين من نشر المقال، لكنه ناقش القشور ولم يتناول النقاط الأساسية التي تناولتها، بيد أنني في هذا المقال لن أعود لما سبق طرحه، بل أضيف نقاطاً جديدة، لعل وعسى أن تكون سبباً في إعادة النظر في تفاصيل "ساند" وطريقة تمويله.



دعونا نبدأ من الهدف الأساسي من "ساند" كله، أليس الهدف هو العمل على استقرار دخل الموظف السعودي في القطاع الخاص في حال فصل من عمله؟ لكن ماذا لو صار هذا النظام سبباً جديداً لتشجيع الشركات على فصل السعوديين من أعمالهم، هذا الأمر ليس من خيالي، بل من إجابة رسمية موجودة على الموقع الإلكتروني لمؤسسة التأمينات الاجتماعية
إذ يقول السؤال إن "النظام الحالي لا يسمح للمنشأة بفصل الموظف السعودي. فما فائدة البرنامج؟ أم هل سيفتح النظام الجديد الحرية للمنشأة بفصل الموظف السعودي؟ سؤال جميل ومنطقي، وبالطبع فالإجابة تتكلم عن شيء آخر وهي حالات نادرة تماماً، وهي في الإجابة "هناك حالات غير الفصل تمكن المستفيد من الاستفادة من البرنامج مثل إفلاس المنشأة وإقفالها، وبالتالي تسريح جميع عمالتها، أو تسريح المنشآت لبعض عمالتها عند الدخول في الأزمات الاقتصادية" وهي حالة لم تعرّف في اللائحة التنفيذية أو تحدد شروطها، لكن الطامة الكبرى تأتي بعد ذلك، إذ تقول الإجابة: "من جهة أخرى، صحيح أن النظام الحالي لا يسمح للمنشأة بفصل السعودي إلا من خلال شروط معينة، ولكن قد يكون هذا البرنامج خطوة في طريق إعطاء المنشأة حرية أكثر في استبدال العامل السعودي بعامل سعودي آخر أكثر كفاءة، مما يحقق نوعاً من الحرية في الحركة المطلوبة داخل سوق العمل"، طبعاً المقصود هنا: بعد أن ينضم سعودي إلى قوائم العاطلين عن العمل! وينضم أجنبي جديد للعمل في المنشأة، مع العلم أن فصل الموظف تعسفياً لا يدخل في هذا المجال، فهو نزاع محله المحاكم وليس التأمينات الاجتماعية، لكن الإجابة تتواصل بحديث يستهدف رجال الأعمال وليس الموظفين –وهم بالمناسبة الفئة التي يفترض للتأمينات الاجتماعية أن تخدمهم، لا أن تخدم أرباب عملهم-، إذ تقول: "والتي تخدم أصحاب الأعمال بطريقة مباشرة، وتحقق التنافس المحمود بين العاملين السعوديين" -كيف ذلك، لا أعرف؟- وتستمر الإجابة "الطوباية" بأن هذا النظام سوف "يبني قدرات الكوادر الوطنية، وبالتالي يخدم العاملين السعوديين والمجتمع كافة"، ثم تأتي الجُمل المسكنة التي لا معنى لها: "ناهيك أيضاً عن أن صرف التعويض خلال الفترة الانتقالية سيعمل كأداة تسهل وتيسر على العامل للانتقال إلى فرصة وظيفية جديدة" وهذا كلام غير صحيح تماماً، فليس هناك شخص سوف يترك عمله لينتقل إلى وظيفة جديدة ويستلم تعويض "ساند"، لأنه وبكل بساطة لا تنطبق عليه الشروط! للأسف هذه الإجابات تبرير بلا معنى، ودفاع المستميت عن مشروع فقد بوصلة اتجاه. للأسف هذه الإجابات تؤكد أن "التأمينات" استعدت فقط لجمع الأموال، ولم تحاول أن تفكر بكيفية استفادة مشتركيها منها، والإجابات الموجودة على موقعها تؤكد ذلك بكل وضوح.
لكن دعونا نعود إلى الفكرة الأساسية لمشروع "ساند"، وهي ببساطة تقديم "تعويضات البطالة" للعاطلين عن العمل، سمها ما شئت، فهي في النهاية "تعويضات بطالة"، ومن المعروف أن نظام إعانات البطالة بشكله الحديث ظهر في قانون التأمين الوطني بالمملكة المتحدة، الذي دفعت به حكومة رئيس الوزراء "هربوت اسكويث" عام 1911، ومن المثير أن نعلم هنا أن تلك الوزارة كانت وزارة ذات اتجاه ليبرالي، ولكنها كانت بحاجة لأصوات العمال في ظل تغيرات الثورة الصناعية في المملكة المتحدة في تلك الأثناء، وتزايد معدلات الاستغناء عن العمال.
لكن هذا النظام تطور وتوسع، وصار مع مرور الزمن ممارسة عالمية، بحيث أصبحت تعويضات البطالة جزءاً من مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها، وبالذات في الدول التي يدفع فيها المواطنون ضرائب مباشرة أو غير مباشرة، مثل بريطانيا وأستراليا ونيوزيلاندا، وكما فعلت هنا الدولة –حفظها الله- في مشروع "حافز" وهو إعانة الباحثين عن العمل، حيث دفعت الدولة كامل الإعانة من أموالها، وليس من أموال العاملين الآخرين، وهو الموجود في كثير من دول العالم وبعضها أقل وفرة مالية من المملكة، ولكنها فضلت تبني خيار أن تتولى الدولة خيار تمويل برامج تعويضات العاطلين عن العمل، نظراً لأثرها الاجتماعي الكبير، ليس على الفرد فقط، بل وحتى كامل المجتمع، كما هو موجود مثلاً في الأرجنتين، التي طورت أنظمة متنوعة لإعانات البطالة، وصلت حتى عوائل من ينقطع عن العمل، أما في أستراليا فتعويضات البطالة التي تصرف يتم استقطاعها من نظام الضرائب العام، أي من الدخل العام للدولة، وليس من رواتب "فئة" من المواطنين! أما في فنلندا فهناك نظامان متوازيان: الأول وكالة Kela الحكومية، التي تدفع للمتعطل الحد الأدنى من دعم توفير ضروريات الحياة، والآخر نظام تأميني اختياري، حيث يشترك الموظف بملء إرادته في صناديق تأمين بطالة، بينما في فرنسا تتولى وكالة UNEDIC دفع تعويضات البطالة، وهي وكالة تمثل فيها نقابات العمال وأرباب العمل بشكل متساو، لتدفع ثلاثة أنواع من التعويضات المالية، والمهم هنا أن مصادر أموالها متعددة، وأكبرها هم أرباب العمل قبل خصم الضرائب. أما في ألمانيا فهناك نظام تأمين ضد البطالة، يطبق على جميع الموظفين وليس فقط موظفي القطاع الخاص، كما في "ساند"، بحيث يتشارك الاستقطاع الموظف ورب عمله، بالإضافة إلى حكومات الأقاليم التي تدعم هذه الصناديق كل فترة. بل وصل الأمر في دول الاتحاد الأوروبي إلى أن يستطيع المواطن الأوروبي أن يطالب بإعانة البطالة في آخر دولة عمل فيها، وليست الدولة التي يحمل جنسيتها!
خلاصة الحديث: هناك أنظمة متنوعة في كافة أنحاء العالم، والغالب الأعم منها لا يعتمد صرفها على أقساط يدفعها موظفون آخرون، بل تدفع مباشرة لمن يستحقها، وإن كان لا بد لـ"ساند" من أن يستمر، فلمَ لا يدخل فيه موظفو الحكومة، أليسوا موظفين في نهاية الأمر، أم أن أخطاء وتراكمات فشل السعودة في القطاع الخاص سوف يتحملها من يجاهد ليل نهار وسط هذا القطاع؟ أو لكن أكثر واقعية لمَ لا يطبق هذا النظام على موظفي وقياديي "التأمينات الاجتماعية" أنفسهم، فهم أكثر الناس إيماناً بأهمية هذه الفكرة ودورها في الاستقرار النفسي للموظف!.. "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"!

عبدالرحمن السلطان




السبت، 9 أغسطس 2014

"ميكروفيش" لا يكذب!

خلال جمعي المادة العلمية لرسالة الماجستير قبل سنوات، اضطررت للعودة لأرشيف النسخ الكاملة لبعض الصحف السعودية المختارة، والتي لم أستطع الحصول عليها كاملة إلا في مكتبة معهد الإدارة العامة بالرياض!
لكن المفاجأة كانت أن تلك الأعداد القديمة لم يكن متاحاً الاطلاع عليها إلا بواسطة جهاز "الميكروفيش" أو "المصغرات" باللغة العربية! وهو لمن لا يعرفه من الأجيال الصاعدة: جهازٌ قديم مكوّن من شاشة ضخمة، تعرض صوراً مكبرة لشرائح فيلمية مصغرة، تحتوي كمية هائلة من الصور الثابتة.



المهم أنه وخلال جمع مادتي لاحظت نسقاً متوالياً من تصريحات متكررة لكثيرٍ من المسؤولين الحكوميين، فالوعود البراقة والخطط الاستثنائية تكاد تكون قاسماً مشتركاً بين الكثير من هؤلاء، ويبدو أن بعضهم استمرأ مثل هذه الوعود الفارغة فصار يطلقها بين الفنية والأخرى، اعتقاداً منه أن ذاكرة الناس قصيرة، وهذا صحيح من جانب، بينما ذاكرة "الأرشيف" لا تكذب أبداً، كونها شيئاً صلباً يمكن العودة إليه في أي وقت، ولعل دخول الصحف السعودية مبكراً لشبكة الإنترنت سهّل من هذه المهمة، كون أرشيفها الإلكتروني أضحى أمراً متاحاً للجميع، مما جعلني أعتقد أنه صعّب مهمة مسؤولي الأجهزة الحكومية، ولكن يبدو أن هذا الأمر غير صحيح، ذلك أن البعض لا يزال يعتقد أنه يمكنه إطلاق الوعود والأحلام هكذا دون حساب.
من المؤسف جداً أن تظل كثيرٌ من مشاكلنا دون حل، ويبقى أملنا معلقاَ بوعودٍ يتكرر الإعلان عنها دون أن ينفذ منها إلا النزر الضئيل، والأكثر أسفاً أن يستمر نسبة لا بأس بها من المسؤولين بإطلاق الأحلام وعداً بعد وعدٍ، دون أن تكون هناك وسيلة لمتابعة تنفيذها من عدمه، أو على الأقل إبلاغ الرأي العام بأسباب تعثر تلك الوعود. فقط أقول لهؤلاء المسؤولين: "تذكروا أن ذاكرتنا أضحت إلكترونية الآن، وأنها لا تكذب أبداً".

عبدالرحمن السلطان




الجمعة، 8 أغسطس 2014

تاريخنا بأعيننا

قبل أشهر صدرت رواية جديدة للروائي المصري الشاب "أحمد مراد"، ورغم نجاح "مراد" في رواياته السابقة إلا أنه انتقل في روايته الجديدة "1919" إلى تحدٍ مختلف، فقد اقتحم عن سبق إصرار وترصد مغامرة جديدة؛ ألا وهي الرواية التاريخية.



يتحدث "مراد" في روايته هذه عن مجموعة قصص إنسانية متقاطعة، ولكن بواسطة ربط أبطال روايته بشخصيات وأحداث حقيقية خلال فترة الاستعمار البريطاني لمصر، فمن شارع "وش البركة" الذي تحوّل إلى شارع نجيب الريحاني مؤخراً، إلى ميدان السيدة "زينب، إلى أن تعيش لحظات بيت زعيم الأمة "مصطفى النحاس"، وكر وفر حزب الوفد؛ تحس وكأنما تلك الشخصيات الثرية والأحداث المتلاحقة جعلتك في النهاية أكثر إدراكاً وفهماً لظروف ومسيرة أحداث تلك الفترة.
أما مواطنه الأكثر خبرة وهو "علاء الأسواني" فيعود مرة أخرى إلى التاريخ، ليقدم روايته الأخيرة "نادي السيارات"، والتي اعتمد فيها على عرض الوضع العام في مصر قبل ثورة 52، بواسطة النادي الذي أنشئ لملاك السيارات في بدايات القرن الماضي، ومن خلال صفحات الرواية الضخمة نتعرف فيها عن قرب على كبير الخدم "الكو"، الذي يجلب خدم النادي من حواري القاهرة القديمة، وتستمع لتلك المفردات الشعبية الموغلة في الخصوصية، وكأنما تحضر درساً في أربعينات القرن الماضي ولكن بشيء من الترفيه والمتعة، وفي الحقيقة أن هذه لم تكن الرواية التاريخية الأولى للأسواني فلقد سبقتها روايته الشهيرة "عمارة يعقوبيان"، التي كانت ملخصاً "بانورامياً" للتغيّر الذي طرأ على طبقات المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، وبالطبع ليست هاتان الروايتان التاريخيتان ما صدر في الشقيقة مصر خلال الأشهر الماضية، بل صدر العديد من الروايات في هذا المجال، تغطي حقباً تاريخية عديدة، وهو ما يعد امتداداً لما كتبه "نجيب محفوظ" في رواياته التاريخية "الفرعونية" على سبيل المثال، بالإضافة إلى رواياته الأخرى التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى شريط تاريخي يوثق الحارة المصرية الشعبية، والتحولات السياسية قبل وبعد ثورة 52، أما على المستوى العربي فمن منا يستطيع أن ينسى الروائي اللبناني باللسان الفرنسي: "أمين معلوف" الذي لا تزال رواياته التاريخية المتتالية تثبت أن التاريخ منجم لا ينضب للقصص والأحداث، وهو ما يفعله مواطنه المبدع ولكن بلغته الأم: "ربيع جابر" الحائز على جائزة البوكر العربية عن روايته التاريخية المتقنة "دروز بلغراد"، والتي قدم فيها سرداً لافتاً لقصة تهجير شباب الدوز من لبنان إلى البلقان، عبر قصة بائع بيضٍ مسيحي ساقه حظه العاثر ليكون ضمن سفينة المهجرّين رغماً عنه! دون إغفال "جورجي زيدان" المسيحي العربي الذي اعتمد في نجاحه على إعادة كتابة أحداث صدر الإسلام من جديد، ولكن بصورة روائية أدبية مختلفة.
يكاد يجمع أغلب النقاد على أن القصة التاريخية تعد من أصعب أنواع الكتابة وأكثرها جهداً، فهي لا تعتمد فقط على استحضار المكان والزمان السابقين، بل على محاولة اللعب الحذر بالأحداث، ثم إضافة شيء من خيال الكاتب، حتى وإن كان –في بعض الحالات- مختلفاً عما حدث، وهو السبب الذي يجعل بعض النقاد يرفضها، متعللين بأن ما حدث من وقائع ثابت ومنته، ولا يمكن تغييره بمجرد الخيال، فما الذي يمكن إضافته من أحداث روائية لحدث سبق وانتهي قبل سنوات أو عقود دون أن تغيّر من نهايته! والحقيقة أن هذا فهم قاصر ومعتمدٍ على جانب واحد لجوانب متعددة للرواية أو القصة التاريخية، فإحدى ميزات السرد هي القدرة على عرض الأحداث من وجهات نظر مختلفة، ومحاولة تكفيك الماضي وتفاصيله، وعرضه بقالب مختلف وجذاب، وبالطبع كل هذا يحتاج خيالاً خصباً بالإضافة إلى أن يكون الكاتب ملماً بما حدث بشكل كامل، هنا يستطيع المؤلف أن يعيد كتابة ما حدث من وجهة نظر شخصيات قصته لا من وجهة نظر كاتب تاريخي صارم ودقيق.




أما هنا في المملكة فلا تزال القصة التاريخية دون مستوى التطلعات، رغم دورها الكبير في توثيق تاريخ بلادنا، فالبعض لا يزال يربطها بالأساطير الشعبية للرائد "عبدالكريم الجيهمان"، الذي وثق شيئاً من أساطير بلادنا، ولكنها في النهاية ليست إبداعاً سردياً، بالإضافة إلى تركيز كتاب القصة والرواية على القصة الاجتماعية في أعمالهم، مما جعل التجارب المحلية في مجال القصة التاريخية قليلة جداً، لدرجة أنها تعد على أصابع اليدين، فمن "مقبول العلوي" صاحب روايتي "طنين" و"فتنة جدة"، إلى محمد صادق دياب وروايته "مقام حجاز"، ثم فقط المجموعة القصصية "الفتى الذي رأى النوم" لعدي جاسر الحربش.
لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم لماذا لم نقتحم هذا القالب الروائي المهم؟ هل لأنه بسبب كسل وتراخي كتابنا السعوديين! كون الرواية التاريخية تحتاج الكثير من البحث والقراءة على العكس من الأنواع الأخرى المعتمدة على خيال الكتاب وخبراته فقط، أم أنه الخوف من نبش التاريخ وتقديمه بصورة أخرى غير ما كنا نعرفه عليه؟ أو الخوف من الاقتراب من تلكم الأحداث التي أضحت مقدسة أكثر مما يجب.
أكاد أجزم بأن لدينا معينا لا ينتهي من الأحداث والقصص التي يمكن أن تكون فكرة أساسية لعشرات بل مئات الروايات والقصص، من أحداث تأسيس الدولة السعودية إلى قصص بناء الدولة وتطورها المتسارع، إلى أحداث السنوات والأمراض التي مرت على أجدادنا كسنة "الجدري" وسنة "الرحمة" وسنة "الغرقة" وغيرها، المليئة بالقصص الإنسانية والحوادث التي تستحق أن تبقى للأجيال القادمة، وليس هناك أفضل أو أكثر أمانة من أن يكتبها رواية أحد أبناء هذه البلاد، فهو الأكثر قدرة على فهم ما حدث والأكثر قدرة على تفسيره، ووضعه ضمن إطاره الطبيعي.
بل لم لا تعود إلى تاريخ أعمق من ذلك، إلى ما كان يحدث بين القبائل والبلدات قبل تأسيس الدولة، فهناك الكثير مما يستحق أن يروى، وتستحق أجيالنا الشابة أن تقرأه بأسلوب جذاب يختلف عن أسلوب المقالات والكتب، التي أضحى الكثير من الشباب لا يقرؤها أبداً، مختصر الكلام أيها الأعزاء: "دعونا نقرأ تاريخنا بأعيننا".

عبدالرحمن السلطان




الأحد، 3 أغسطس 2014

مرآة حياتهم

في عام 1964، اختير 14 طفلاً بريطانياً من مختلف الطبقات، لينتج عنهم شريط وثائقي بعنوان "Seven Up"، وكان الوثائقي ناجحاً لدرجة أنه استمر 49 عاماً حتى الآن!
عندما جمع الأطفال لأول مرة في حديقة حيوان لندن؛ كانت فكرة "الوثائقي" تقديم لمحة خاطفة عن أن اهتمامات وأسلوب حياة الأطفال البريطانيين تختلف باختلاف وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، ولكن بعد سبع سنوات قررت الشركة المنتجة إنتاج "وثائقي" آخر لعرض مراهقة أبطال الشريط! وكان أن استلم إخراج الشريط المخرج البريطاني الشهير "مايكل آبتد" – أحد مخرجي سلسلة جميس بوند - الذي أضاف لمسة درامية للأحداث وربطها بتغيرات المجتمع البريطاني.




وهكذا تحوّل هذا الوثائقي إلى سلسلة تذاع كل سبع سنوات، كان آخرها قبل عامين، حينما بدأنا نقترب من سنين كهولة أبطال الشريط، وبدأنا نشاهد خيبات الأمل والانكفاء على الذات، وكم كانت فريضة منتجي البرنامج شبة صحيحة، وهي: "أن الطبقة الاجتماعية للفرد تحدد كثيراً مسار حياته"، إلا من يعمل ويجتهد ويضحي كذلك، وهم قلّة بالطبع، ويكاد يجمع النقاد على أن نجاح واستمرار السلسلة يعود إلى قدرتها على عكس مرآة المجتمع نفسه، فالأطفال كانوا يتحدثون عن تغيير العالم في الشريط الأول، ثم صداقتهم وعلاقاتهم في الشريط الثاني، ليبدأ سقف التوقعات يتراجع مع كل شريط ينتج، وغني عن القول أن هذا ترافق مع تقدم عمر أبطال الشريط.



هذه السلسلة لم تعد حكراً على المجتمع البريطاني، إذ ظهرت سلاسل وثائقية مشابهة في كل من اليابان وفرنسا وجنوب أفريقيا والاتحاد السوفيتي –سابقاً-، وبأفكار مختلفة، لكن جميعها لم تنل صيت السلسلة الأولى، رغم أنها لم يكن مخطط لها منذ البداية أن تستمر كل هذه العقود!
ولعلي أتساءل هنا ماذا لو كان لدينا سلسلة سعودية مماثلة، هل سوف تنجح وتستمر؟ أم أن أسلوب حياة الواسطة والاعتماد على الآخرين سوف يفرّغها من فكرتها الأساسية؟


عبدالرحمن السلطان

السبت، 2 أغسطس 2014

الرحلة الأخيرة لمعلم أصيب بـ"سرطان الدماغ"

في خريف عام 2006م صُدم المعلم الشاب "ديفيد ميناشي" بتشخيص إصابته بأحد أنواع سرطان الدماغ، إذ كانت الصور المقطعية تشير إلى وجود ورمٍ بحجم الليمونة في الفص الأيمن من دماغه، لم تكن هذه هي الأخبار السيئة وحسب، بل إن الأطباء أكدوا له أنه في المرحلة الرابعة من السرطان، وأنهم لا يتوقعون له أن يعيش سوى بضعة أشهر قليلة!




كان "ديفيد" للتو احتفل بمرور عشر سنوات على التحاقه بسلك التعليم في مدراس التعليم العام في ولاية فلوريدا الأميركية – مسقط رأسه- وكان من المخلصين القلّة، الذين يعملون ليل نهار مع طلابهم، ويحظى بعلاقة خاصة مع الكثيرين منهم، خصوصاً مع التراجع المستمر لمخصصات التعليم في المدارس العامة، وانتشار المخدرات والعنف في تلك المدارس المهملة، لكنه لم يكن ييأس أبداً من العمل والاقتراب من طلابه، ومساعدتهم على تخطي تقليات وصراعات حياتهم الخاصة. كان وقع خبر السرطان شديداً عليه وعلى طلابه، لكنه بعد أن استوعب الخبر وتداعياته، اتخذ قراره الجريء بمواجهة هذا التهديد المخيف، ذلك أنه كان دائماً ما يشجّع طلابه على مواجهة ظروفهم والعمل على تحديد أولوياتهم، ثم الاجتهاد لتحقيقها مهما كلّف الأمر من تضحيات.
خضع "ديفيد" بعد ذلك لثلاث علميات جراحية خطيرة، وإلى سنتين ونصف من العلاج الكيماوي المركز، وإلى ثلاثين جلسة علاج بالإشعاع، ليعود بعد ذلك إلى مدرسته معلماً من جديد! ويعمل ست سنوات متوالية، حتى العام 2012م حينما أصيب بنوبة صرع، أدت إلى تقلّص الرؤية المحيطية في كلا عينيه، وإلى تراجع قدرته على الحركة أيضاً، مما اضطره للابتعاد عن شغف حياته، أو "التربية والتعليم" بلغة أخرى، لكنه في حقيقة الأمر لم يبتعد عن طلابه!
قرر "ديفيد" محاولة الاتصال ببعض الطلاب الذين سبق أن درّسهم خلال سنواته الخمس عشرة الماضية، والذين يقدر عددهم بثلاثة آلاف طالب وطالبة، أملاً بتحويل الحياة نفسها إلى صف دراسي متواصل، وحالماً برؤية ما حققه هؤلاء في حياتهم: إذ قام بكتابة أمنيته الجريئة على صفحته الشخصية في "فيسبوك"، وعلى الفور وخلال ثلاثة أيام وصله 73 عرضاً من أصدقائه وطلابه القدامى من كافة ولايات أميركا! وهكذا في 2 نوفمبر 2012 غادر "دايفيد" مدينة ميامي، وهو يحمل قائمة تحتوي على 150 مرشداً من طلابه السابقين المنتشرين في أغلب الولايات والمدن، وقام بتصوير وتوثيق رحلته رغم صعوبة ذلك عليه، والتي استكملها مرة أخرى في فبراير من العام الذي يليه، وهكذا من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، ومن شيكاجو إلى ميامي، استطاع هذا المعلم الذي تراجع بصره إلى الوراء وتثاقلت خطواته قطع عشرة آلالف كلم، وأن يزور 31 مدينة كبيرة وصغيرة، خلال 101 يوم فقط.




لم تكن فكرة "دايفيد" تهدف لزيارة الأماكن التي لم يسبق له زيارتها فقط؛ بل محاولة التأكد من تحقيق طلابه لقائمة أولوياتهم، التي كانت هي أول أولوياته حينما كان يدرسهم، بعد أسابيع قليلة استطاع المعلم الذي يصارع الموت يومياً إصدار سيرته الذاتية، والتي أطلق عليها: "قائمة الأولويات: البحث النهائي لمدرس لاكتشاف أعظم دروس الحياة"، الصادر عن دار "توتشستون" الأميركية قبل أسابيع قليلة، هذا العنوان -المتوافر في موقع "أمازون"- استوحي من واقع تمرين اعتاد "ديفيد" القيام به مع كل طالب ثانوية درّسه، حينما كان يكلف طلابه بواجب منزلي بعد مطالعة مسرحية "عطيل" لويلم شكسبير، وذلك بترتيب أولويات قيم شخصيات المسرحية من وجهة نظر الطالب، والهدف كان محاولة فهم دوافع الخير والشر، وإعادة ترتيب قيم كالشرف والاحترام والحب والمغامرة بما يجب أن تكون عليه هذه القيم في الحياة الواقعية، ثم الانطلاق بأسلوب الأولويات هذا لتحديد أولويات الطالب نفسه، ثم التفكير بخطة عمل يستطيع من خلالها الوصول إلى مبتغاه.


هل استطاع "ديفيد ميناشي" التأثير على طلابه وطالباته؟ وهل استطاع تحويل قائمة أولوياتهم إلى إنجازات يمكن أن يراها هذا المعلم الملهم؟ هذا ما تحاول هذه السيرة المختلفة الإجابة عنه، وقد تحوّلت من مجرد سيرة معلم إلى سيرة مرب ومرشد، إلى سيرة رجل وهب نفسه وحياته لتقديم كل شيء، حتى الرمق الأخير من حياته، أوليس المعلم هو أسمى وأرفع من يعمل في أي مجتمع، بالتأكيد هذا ما فعله "ديفيد"، ويفعله يومياً آلاف المعلمين والمعلمات حول العالم.


عبدالرحمن السلطان