الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

لماذا أسعد بك يا وطني؟

في كل عام تعود علينا هذه المناسبة الوطنية الرائعة، يُطرح تساؤل واسع وكبير، لماذا نفرح ونسعد بهذه الذكرى السنوية؟ لماذا نستشعر كل هذه المشاعر الرائعة؟ لماذا كل هذا الفرح والسرور؟
هل لأنها تؤكد نجاح تلكم المسيرة التوحيدية الفريدة، التي قادها بكل حكمة واقتدار المفغور له بإذن الله: الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؟ أم لأنها تؤكد لنا أننا مانزال على الطريق الصحيح؟
أسئلة كثيرة بيد أن إجاباتها متعددة ومتنوعة، والقاسم الوحيد المشترك؛ هو هذا النجاح الذي تجاوز قرنا وربعا من الزمان، منذ أن وطئت قدما المؤسس حصن العاصمة الرياض، ومنها بدأ رحلة جمع الشتات وتوحيد أطراف هذه القارة المترامية الأطراف.
فهل كان أحد ما يعتقد، ولو لحظة واحدة، أن جماعات متناحرة وقبائل مشتتة سوف تجتمع على كلمة واحدة، وأن تكتمل سواعد البناء بين ضفتي الخليج العربي من جهة، والبحر الأحمر من جهة، أو من وسط الصحراء وحتى حدود اليمن؟!
أمر لم يكن في حسبان أكثر الرجال تفاؤلا، ولكنه تحقق ولله الحمد، وها نحن ـ الآن ـ نعيش بأمن وسلامة تحت هذه الراية العظيمة.
هل نحن نسعد لأننا نعلم أن قادتنا جزء أصيل من نسيج وطننا؟ وأنهم الأحرص على وحدتنا وتقدمنا إلى الأمام؟ هل نسعد لأننا نشعر بأن والدنا الحاني خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي ولي العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز، هم الأقرب لنا دوما، والأكثر استشعارا لحاجاتنا؟. فأبوابهم مفتوحة للجميع والوصول إليهم أسهل من أن يعتقد الكثيرون.
هل نحن نسعد لأننا مانزال نبني ونعمر الأرض بشكل يتجاوز المؤشرات العالمية كافة، ونؤكد أننا نبني ليس فقط لبنات وأبناء هذه البلاد الطاهرة، بل حتى للأجيال القادمة؟! هل نحن نسعد لأن الاستثمار في أبناء هذه البلاد مايزال هو الأولوية الأولى في كل شيء؟ فكما كانت رحلات الابتعاث الخارجي قبل عشرات السنين نشطة وتثير الإعجاب والسعادة، ها هي قوافل المبتعثين والمبتعاث ـ اليوم ـ تتجاوز عشرات الآلاف في أقطار العالم المتقدم كافة، وخلال سنوات قليلة بدأت طلائعهم تعود من رحلة التعليم لتنضم إلى قافلة البناء، كلٌ في تخصصه وفنه، كلٌ يحمل الحب والوفاء لهذه البلاد التي لم تبخل بأي شيء على أبنائها وبناتها.
فمن كان يصدق أن تصل نسبة المبتعثين والمبتعثات السعوديين في الولايات المتحدة الأميركية مثلا إلى المرتبة الأولى قياسا لعدد سكان المملكة؟! لكنه الإصرار والعزيمة على بناء الفرد أولا ثم تمكينه ثانيا؛ لأنه من سيبني ويعمر بلاده.
هل نحن نسعد عندما نشاهد تطور وسائل الإعلام المحلية، وانطلاقها إلى الإقليمية والمحلية، سواء من داخل المملكة أو خارجها؟، أم نسعد أكثر حينما نرى نضوج كوادرنا الإعلامية، التي أثبتت مهنيتها وحياديتها بشكل يثير الإعجاب؟.
هاهم اليوم يستقطبون في مؤسسات إعلامية عريقة خارج المملكة، فضلا عن نجومنا في الفن والأدب ونحوهما؛ ليؤكدوا أن الاستثمار في الشباب هو الخيار الأول في وطني.
هل نسعد لأننا نرى أن كل يوم هو أفضل من سابقه؟ وأن ما نأمله في مستقبلنا سوف يرى النور بحول الله وقوته؟
أشياء كثيرة، وأسباب أكثر، تجعلنا نسعد ونفرح عندما تعود علينا هذه الذكرى العطرة، ولكن علينا أن نستمر نحن في مسيرة التقدم والبناء، فنحن مطالبون بالكثير لهذا الوطن المعطاء، وأولى خطوات العطاء هي الاستمرار في حب هذا الوطن العظيم، والإخلاص له ولقيادته الكريمة، ثم الاجتهاد في ميدان البناء والعطاء

عبدالرحمن السلطان





الجمعة، 19 سبتمبر 2014

إن كنت سعيداُ فلا تقرأ هذا المقال!

 أفترض أنك لست سعيداً بما فيه الكفاية، فكونك تجاوزت العنوان إلى قراءة المقال فأنت بالتأكيد بحاجة  -مثلي- لجرعة من إكسير السعادة، أو لنقل "سر" السعادة، ولكن هل يوجد شيء ما يطلق عليه "سر" السعادة؟
هل هناك "سر" دفين للسعادة؟ يعرفه "فلان" ويغيب عن "علان"، أم أنها بلا أسرار أو خفايا؟ الحقيقة أنها كذلك؛ فليس هناك "توليفة" سرّية للسعادة، ولا توجد هناك معادلة محددة لا يعرفها إلا قلة قليلة من الفلاسفة أو الحكماء، بل هي مجرد أفكار ونصائح تساعد على الوصول إلى السعادة، وكثير منها ـ كما تعرفون ـ بسيط لدرجة أن الجميع يعرفها! بيد أن مشكلة الكثيرين أنهم لا يقتنعون إلا بالأفكار المثيرة والخطط المعقدة، فهم لا يصدقونك حينما تقول: "إن الاهتمام الحقيقي بتنمية العلاقات الاجتماعية المتوازنة، والابتعاد عن ضغوظ العمل اليومية، هي أولى لبنات السعادة"، حينها سوف ينظرون إليك شزرا، ثم يعيدون النظر من جديد ليقولو: آه نعم هذا صحيح، ولكن ما "سر" السعادة الحقيقي؟

بالطبع كما هو السؤال الأسطوري الآخر عن "سر" تخفيف الوزن. صديقي دعني أصدقك القول: "لا يوجد هناك "سر" للسعادة لا يعرفه أحد"!

ولكن ماذا لو فكرنا بالسعادة من خلال منظور علمي محدد، ودرسنها بشكل منهجي، من خلال ربطها بالعوامل المؤثرة عليها، مع ملاحظة أن لحظات السعادة بحد ذاتها تختلف باختلاف اللحظة نفسها، فسعادة تذوق طبق تتلذذ به تختلف ـ بالتأكيد ـ عن سعادتك حينما تجالس أطفالك
وهذا بالضبط ما عمل عليه الدكتور Matt Killingsworth المتخصص في أبحاث "السعادة" كما يقول، حينما أسس قبل سنوات مشروعه العلمي الفريد: "تتبع سعادتك"، الذي يهدف إلى الدراسة والتحقق من أسباب "السعادة" البشرية، واستخدم لذلك موقعا إلكترونيا أسماه: www.trackyourhappiness.org، الذي من خلاله يسجل المشترك رقم هاتفه المحمول، ليستقبل على مدار اليوم مجموعة متلاحقة من الأسئلة المتتالية، كما لو كان في جلسة علاج نفسي مع طبيب نفسي! إذ تهدف تلك الأسئلة إلى حث المشتركين عن الإبلاغ عن مشاعرهم في اللحظة التي تسبق وصول الرسالة النصية، وتبدأ الأسئلة بالتساؤل عن وضعك اليوم؟ ثم السؤال المهم: هل يجب عليك أن تفعل ما تفعله الآن؟ البعض قد يتردد في الإجابة أو يفكر بإجابة مثالية، لكن السؤال يحصرك في خيارين لا ثالث لها: نعم أو لا! ثم تأخذ الأسئلة بالتعمّق: عن إنتاجيتك، وعن نومك، عن وجباتك الغذائية، ثم نصل إلى السؤال الأهم: هل تريد أن تقوم بما تقوم به الآن؟ والجواب أيضا محصور بالموافقة أو النفي، وهي اللحظة التي يقول عنها الدكتور "مات"، إن الكثيرين يصِلون فيها إلى الاستنتاج أنهم لا يجب أن يقوموا بما يقومون به الآن!؛ لأنهم يفكرون في أشياء أخرى تختلف تماما عما يفعلونه الآن، بيد أن الأسئلة تنتقل إلى مستوى آخر بالسؤال عن ماهية هذه الأشياء الأخرى: هل هي مناسبة لك؟ هل هي مسعدة لك؟ إلخ.





استهدفت الدراسة ملاحظة لحظات السعادة وما يليها من لحظات بؤس وشقاء، وتأثير الأماكن والظروف على ذلك، الأمر الذي جمع لدى الباحث كمية معلومات إحصائية هائلة، مما مكّنه من الخروج باتجاهات وأنماط التكفير المحددة للسعادة، ولحظاتها، وماهية الأشياء التي نفكر بها خلال لحظات السعادة نفسها، وخرج بمعادلة لكل هذا، إذ أثبتت تلك الدراسة العلاقة المباشرة بين مستوى سعادة الفرد ومضمون تجارب وأحداث يومه، وأن تلك التجارب التي يمر بها هي مدخله للسعادة المتواصلة، وأن هناك نسبة ترابط بين لحظة سعادة واحدة مع مستوى الرضا الدخلي عن حياة الإنسان، وهنا مربط الفرس الذي يحاول الباحث تحديده، وهو أن مشاعر التفكير في أشياء أخرى غير سعيدة هي ما يسيطر علينا خلال لحظات السعادة نفسها، بل والخوف من انتهاء مرحلة السعادة هو ما يجعلنا نفقد الإحساس بلحظاتها الجميلة بسرعة، والأسوأ من ذلك أن سيطرة التفكير السلبي هي ما يجعلنا نخاف من الاقتراب من السعادة في أحيان، والهرب منها في أحيان أخرى.
صديقي، البحث عن "السعادة" هو مطمع الجميع، بيد أن الكثيرين بعيدون كل البعد عنها والسبب يعود لأنفسنا أولا، ذلك أن التفكير في شيء آخر غير الشعور بالسعادة هو أسرع معول لهدمها دون أن نعلم، فهلا بدأنا بأول خطوة نحوها، وهي أن نستشعر مشاعر السعادة وحدها حينما نفرح وحينما نسعد؛ حينما نستقبل خبرا سعيدا أو مولدا جديدا، أو حتى حينما نحقق نجاحا بسيطا، المهم هنا أن نؤجل أفكارنا الأخرى وهمومنا المتعددة لوقت لاحق، حينها سوف تحس أن الدنيا كلها وبسعة أفقها لا تستطيع أن تسع مقدار سعادتك، والأجمل أن ذكرى سعادتك تلك سوف تبقى مخزنا تعود إليه كما أدبرت دنياك وأظلم مستقبلك
ولكن وكأني بك صديقي تعود وتتساءل من جديد: أين "سر" السعادة؟ والحقيقة أنني لا أعرف سرا واحدا لها، فأنت وحدك من يستشعر سعادته، وأنت وحدك من يستطيع أن يسعد دون يعرف سرها الدفين.

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

كاميرا ليست "خفية"!

هل تتذكرون ذلك الشاب الذي وقف قبل أشهر في شارع عام، وكان يحمل لوحة تدعو لحضن مجاني؟! البعض تجاهله، والكثير ضحك عليه، بيد أن آخرين تشجعوا في النهاية ومنحوه حضنا مجانيا!



قد تكون تلك الفكرة المبهجة من بنات أفكار صاحبنا، لكن الشاب الأميركي "بليك قريقسبي" Blake Grigsby من لوس أنجلوس كان قد سبقه إلى تلكم الأفكار "المثيرة" منذ سنوات، هذا الشاب النحيل يؤمن أن قدح شرارة إسعاد البشر لا تحتاج سوى مخالفة المألوف، وكسر سقف التوقعات، وأيضا إلى "كاميرا" ليست "خفية"!

لذا عمد "بليك" إلى تسجيل ردة فعل الجمهور التلقائية بعد أن يسألهم تقديم خدمات غريبة، كأن يدعوهم إلى تقبيله بعد أن يزعم أنه بائس وحزين!، أو أن يصرخ من بعيد بكلمات ثناء مبهرة على مظهر أحدهم أو جمال إحداهن، أو حتى حين يدعو الغرباء إلى حضن مجاني، وكل هذا يسجل بكاميرا ظاهرة للعيان، والرائع في الأمر أن ردة فعل الجمهور وبقدر روعتها بقدر ما حققت أرقام مشاهدتها "الشبكية" قفزة هائلة خلال فترة قصيرة.





والحقيقة أن مجرد زيارة قناته على "اليوتيوب" والتمتع بمشاهدة مقاطعه المفرحة؛ سوف تجعلك تشعر بشيء من البهجة والسعادة تسري داخلك، حينما ترى أروع أشكال التفاعل البشري، دون تميز بين أبيض أو أسمر، رجل أو إمراة، صغير أو كبير، الجميع يستغرب في البداية، ولكن ما ليبث ـ خلال ثوان معدودة ـ أن يبتسم بصدق ومودة، ليزداد الجميع جمالا وألقا فيسعد الجميع، وهكذا دواليك حتى تتم مشاهدة عشرة مقاطع دون أن تعلم!
أفكار إسعاد الآخرين من حولك متنوعة وليس لها حدود، وليست بالضرورة أن تكون "جرئية" كما هي "غرائبيات" صديقنا "بليك"، كما أنني هنا لست بموقع يمكنني من أن أقترح عليك شيئا محددا تسعد به من تحب؛ لأنك أنت وحدك القادر على فهم محيط أحبائك، وأنت وحدك قادر على إسعادهم دون تكلف أو "بهرجة"، فالسعادة وإن كانت مشاعر داخلية إلا أنها تتميز بقدرتها العجيبة على الانتشار السريع في أي مكان، مهما كانت الظروف صعبة والأجواء ملبدة
فقط حاول يا صديقي.. وحتما سوف تسعد "أنت" في النهاية، وسلامتكم.

عبدالرحمن السلطان

 


الجمعة، 12 سبتمبر 2014

أطلق "الفنان" الذي بداخلك

دعوني أخبركم بمعلومة لا أخجل التصريح بها: "لا أستطيع أن أرسم شمسا ساطعة أو وردة صغيرة، فضلاً عن رسم أي شيء آخر"! بالطبع قد يكون عدم اهتمامي بالرسم عائدا لانغماسي في أشياء أخرى منذ زمنٍ طويل، وكون الرسم لم يشكل أي أهمية بالنسبة لي؛ حتى رزقت بأول أطفالي، هنا وبعد محاولات عديدة فاشلة من رسم الحيوانات والأشكال البسيطة أدركت أنني بعيد تماما عن ذلكم الإبداع البشري الذي يطلقون عليه "الرسم"، لكنني لم أستسلم وبدأت أفكر هل يمكن للإنسان أن يتعلم مهارات أي فنٍ إبداعي لا يتقنه أبدا؟ أن يكتسبها هكذا دون موهبة؟ هل يمكن أن يقنع عقله بأنه فنان وقادر على مقارعة هؤلاء المبدعين؟ انطلقت بالبحث العميق، ولم أتوقف إلا بعد أن جمعت أفكارا محددة، يمكن تلخصيها في خطوات ثمان تساعد على إطلاق الفنان الذي بداخلك، شرط أن تتوفر لديك الرغبة والاهتمام، والقدرة على تطوير مهاراتك الفنية بشكل منهجي ومتدرج.
الخطوة الأولى: "حدد ماذا تريد" إحدى أهم المشاكل التي يعاني منها كثير من المبدعين هو تشتتهم بين مجالات عديدة يبدعون فيها، فتجده رساما تارة وعازفا تارة أخرى، وهلم جرا، لذا لا بد أن تقسو قليلاً على نفسك، وأن تحدد بعد فترة من الزمن والممارسة إلى أي المجالات الفنية ترتاح نفسك، وأيها تجد إبداعك فيها ينطلق، مع العلم أنه لا بأس من تعدد الهوايات والمشارب شرط ألا تؤثر على مجالك الفني الرئيس.
الخطوة الثانية: "اكتشف ولكن دون عمق!" ذلك أن التبحّر الشديد في أي فن أو مهارة سوف يقود في النهاية إلى مرض "البحث عن الكمال"، وبالتالي فإنك لن تستطيع تطوير مهاراتك الشخصية لأنك لن تكون راضيا أبدا عن منتجك النهائي!
الخطوة الثالثة: "اقترب منهم" وهم المهتمون بهذا المجال من الفنون، ولعل الميزة الأساسية في وقتنا الحاضر أن تجمعات المهتمين بكل فن أضحى الوصول إليها سهلاً وبسيطا مع تطور تقنيات الاتصال، وبالذات قنوات الاتصال الاجتماعي، وبالتالي عندما تكون قريبا منهم فأنت حتما سوف تكتسب مهارة من هذا وفكرة من ذلك، بالإضافة إلى أن تكرار الاحتكاك يوّلد مزيدا من الإنتاج المتقن، فضلاً عن التحفيز لمزيدٍ من الإبداع والابتكار.
الخطوة الرابعة: "حدد وقتاً للتعلم والتدريب"، فالتفكير في بناء المهارات الفنية يبقى مجرد أفكارٍ ما لم تبدأ بتعلم أساسيات كل فن، ثم العمل على صقل مهاراتك بالتدريب المتواصل، لذا من الضروري في البدايات أن تحدد موعداً ثابتاً تتعلم فيه المزيد، وتعمل على شحذ منشارك الفني، حتى تتجاوز حاجز العشرة ألف ساعة من التدريب والممارسة، وهو المعدل الذي يكسبك حدا أدنى من المهارة الفنية اللازمة في أي مجال.
الخطوة الخامسة: "اخرج من قوقعتك" لا بد وأن تتخذ قرارك يوماً ما بأن تخرج فجأة عما تقوم به الآن، سواء على مستوى عملك الرسمي أو هوايتك الخاصة، فنصف دماغك الأيمن بحاجة إلى فراغ جديد، يحفّزه للعمل والإبداع بشكل مختلف، اذهب إلى الحدائق، إلى "البرّ"، وحتى التخييم لأيام معدودة قد يساعدك على إطلاق روحك الابتكارية من كمونها، لأن الطبيعة بذاتها وبساطتها تستفز الروح والأفكار لشيء جديد، كما تفيد بذلك الدراسات النفسية الحديثة التي تقول إن المناظر الطبيعية تزيد المشاعر الإيجابية والإبداعية، كونها قادرة على تخفيف الضغط النفسي، وبالتالي إفساح المجال للإبداع الفردي.
الخطوة السادسة: "لا تخجل من هوسك"، ذلك أن غالبية الناس لديهم اهتمامات قد تكون غريبة من وجهة نظر آخرين، لكن هذا الهوس قد يكون هو مفتاح الإبداع، وتقديم الشيء المختلف عما يتوقعه الآخرون، وهو ما تؤكده الدراسات النفسية، التي تشير إلى أن المهوس بشيء غريب قد يكون لديه مجال أرحب لإبداع شيء مختلف عن السائد في مجتمعه، كما تقول تلك الدراسة النفسية الرائدة من جامعة "فاندربيلت" التي أجريت على بعض المصابين بالفصام وذوي السلوك المهووس بشيء محدد، حينما طلب منهم التفكير والحلم باستخدامات جديدة للأجهزة المنزلية الشائعة، فوجد أنهم خرجوا بأفكار أكثر إبداعية مقارنة بالأفراد الأسوياء.
الخطوة السابعة: "غادر موطنك" لا شك أن مغادرة المكان الذي تعيش فيه إلى مكان آخر، والبقاء فيه لفترة طويلة يزيد من مستوى الإبداع والابتكار، ذلك أنك تتخلص من قيود العلاقات الاجتماعية، فضلاً عن تعرفك على أفراد وأماكن مختلفة، وبالتالي التعرّض لثقافات وأفكار جديدة، بل إن إحدى الدراسات تشير إلى أن مجرد تذكر شيء تعلمه الإنسان عن ثقافة مختلفة تزيد من قدرته على حل المشاكل بشكل خلاق؛ فما بالك إذا عاش المبدع فترة من الزمن بعيدا عن موطنه!
الخطوة الثامنة: "تسلى" وهذه هي الخطوة الأهم، حاول ألا تقلق عن جودة ما تنتجه من فن وإبداع، لأنك متى ما وقعت في قلق تقييم الآخرين لما تنتجه، فإن هذا الأمر "سوف يمنعك من اكتشاف" المثير، كما يقول "توماس أرينا" وهو فنان أميركي متخصص في الفنون الإبداعية، الذي يستذكر موقفا طريفا وقع له في بدايات عمله الوظيفي حينما التحق بالعمل لدى أسطورة الدعاية الأميركية "ديان روتشليد"، حيث قالت له في أول يوم عمل: "سوف أقول كثيرا من الأشياء الغبية، وسوف أقدر لك إذا فعلت معي الشيء نفسه"!.
بالطبع ما سبق هي خطوات عامة وليست محددة لفن معين، لكن حجر زواية نجاح هذه الخطوات يعتمد على مدى إيمانك بأنك أنت قادر على تعلّم الجديد، وعلى اكتساب مهارات جديدة، بيد أنه من الضروري أن تتذكر دوما أنك أنت من يصنع الفنان بداخلك، وأنك أنت من يطلقه نحو آفاق أوسع وأرحب.. فهيا معا إلى الخطوة الأولى..

عبدالرحمن السلطان




الأحد، 7 سبتمبر 2014

دع عنك الطب والهندسة!

هل يمكن أن يكون دخل نجار ما، أعلى من دخل مهن اشتهرت بكونها الأكثر دخلاً والأعلى احتراماً؟ هذا ما يحدث ببساطة في واقع الحياة. بينما لا يزال جمهور الآباء والأمهات يحفزون أبناءهم ليلاً ونهاراً ليلتحقوا بكليات الطب والهندسة وغيرهما، أملاً أن ينضم ابنهم لقوائم المهنيين، وبالتالي يضمن لنفسه دخلاً مرتفعاً ومكانة محترمة، بينما الواقع النهائي مختلف عن ذلك تماماً!
قد تضمن دراسة مثل تلك التخصصات العلمية وظيفة مرموقة ودخلاً معقولاً، ولكنها بالتأكيد ليست الأكثر دخلاً؛ إذا ما قارنتها بالجهد المبذول في الدراسة، ومدتها الطويلة، ثم الدخول في منافسة مفتوحة مع زملاء المهنة، ثم الاستمرار في التعليم والتدريب المستمر الذي قد يمتد لسنوات طويلة بعد التخرج، ثم ماذا؟ قد يكون الراتب الشهري أعلى من غيره، ولكن إذا ما قمت بقسمة الراتب الشهري على عدد ساعات العمل، فحتماً سوف يكون أقل من غيره بكثير، ناهيك عن المسؤوليات الكبيرة والضغط النفسي، الذي تجعل من المستحيل على الموظف نفسه التمتع بهذا الدخل المرتفع.





المثير في الأمر هنا هو ما نشره مؤخراً موقع "كورا Quora" الإلكتروني، وهو أحد مصادر المعلومات المعتمدة على إجابات جمهور واسع، حيث كان السؤال عن الوظائف التي يعتقد أنها ليست مصدراً للرواتب المرتفعة، ولكنها في حقيقة الأمر مصدر "مجهول" للدخل الضخم، فمثلاً يعتقد الغالبية أن النجار لا يحصل على أجر مرتفع، بينما يحصل نجار يعمل في مسرح "كارنيجي" النيويوركي على 300 ألف دولار! وهو أكثر بقليل مما يحققه نجار عادي يعمل في بناء البيوت الشخصية، بينما بلغ أقل راتب لخبيرة أعمدة مسارح أكثر من 400 ألف دولار، وهو ما يوازي راتب مدير شركة متوسطة الحجم. ويستمر الموقع بسرد الوظائف التي تحصل على أجور مرتفعة، فمن بينها "ناظر مصعد موقع بناء"، وهو الشخص المسؤول عن تشغيل المصعد الخارجي في موقع ناطحة سحاب، الذي يحصل على راتب يتجاوز جميع مشرفي ومديري المشروع الميدانيين، كما هي الحال في مشاريع ناطحات سحاب نيويورك، ذلك أن ناظر المصعد يتجاوز في عمله مفهوم ضغط زر تحريك المصعد بين طوابق البناء، إلى مسؤولية الحفاظ على سلامة الركاب والمواد، وهو أمر تتداخل فيه عوامل كثيرة تجعله مستحقاً لمئات الآلاف من الدولارات كل عام!
الإشكالية هنا هو استمرار الاعتقاد الشعبي أن الحصول على دخل مرتفع مرتبط بالعمل في الوظائف والمهن الشهيرة، والذي لا يعرفه كثيرون أن ممرضة في وحدات العناية المركزة قد تتقاضى راتباً يفوق طبيباً أخصائياً، أو أن فني صيانة معالجة مياة المصانع قد يتقاضى راتباً يتجاوز بمراحل راتب من يشرفه عليه! وهكذا دواليك، بل بالعكس تزداد أهمية الوظيفة ويرتفع دخلها متى ما ابتعد عنها الطامحون، ولك أن تتصور ندرة من يعمل في مختبرات تطوير الأدوية مثلاً، فالكثرة الغالبة من الصيادلة يتجهون للعمل إما في المستشفيات أو شركات الأدوية، بينما القلة النادرة تتجه للعمل في مختبرات تطوير الأدوية في المصانع أو مراكز الأبحاث، لذا يصبح الطلب كبيراً على هؤلاء مقارنة بزملائهم ممن اختاروا العمل التقليدي، وعلى هذا فقس كل مناحي العمل في الحياة، وهو نفس السبب الذي يجعل سباكاً أو كهربائياً مبتدئاً يحقق دخلاً يفوق بمراحل ما يحققه الموظف المتوسط، وبالطبع تزداد أهمية هؤلاء من الحرفيين في المجتمعات التي يستنكف أبناؤها عن العمل في مثل هذه الأعمال، كما هي الحال هنا في المملكة.
للأسف يتنازل الكثير من الشباب عن حقهم الطبيعي في اختيار طريقهم المهني، فهو إما يخضع لرغبة والديه أو يتأثر بالرائج في المجتمع، أو حتى يقلد أصدقاءه ببساطة، ليتحول في نهاية الأمر إلى مجرد رقم لا يقدم ولا يؤخر، لا يعمل بشغف ولا يحقق أحلام حياته، فكم من شابٍ لم تكن الدراسة الجامعية مطلب حياته، بل كان يتمنى أن يعمل بيديه، سواء في روشة أو منجرة أو نحوهما، ولكنها نظرة المجتمع هي من جعلته يجبر نفسه على الدراسة ثم العمل في وظيفة مكتبية لا يحبها! لكن الجانب الإيجابي هنا، هو أن الحل بسيط، كما أنه ليس مرتبطاً بعمر معين! ولكنه يتطلب شجاعة كبيرة، ذلك أن الكثير منا يعمل في وظيفة لا يحبها، فقط لأنها تدر عليه دخلاً يحفظ استقرار حياته وحياة أسرته، بينما لو انتقل ليعمل ما يحب، مهما كان نوع ذلك العمل، فسوف ينطلق إلى آفاق أوسع ويحقق نجاحا يزيد من ثقته في نفسه، والأهم من ذلك سوف يحقق دخلاً أعلى مما كان يحققه سابقاً، والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة، والقاسم الوحيد بينها أن يعمل الإنسان في ما يحب، دون أن يهتم بما يراه الناس.. فقط تشجع وافعل ما تريده أنت.

عبدالرحمن السلطان




السبت، 6 سبتمبر 2014

قصة من الدوري الإنجليزي

قبل أسابيع عادت الإثارة لعشاق المستديرة بعودة الدوريات المحلية من جديد، وبالطبع عاد توهج الدوري الإنجليزي لكرة القدم. هذا البريق الذي يجذب ملايين المتابعين؛ لأنه يعدّ قمة الإثارة في العالم أجمع، ولكن هل تصدق صديقي أن أهم دوري في العالم كان من بنات أفكار رئيس ناد كان يحقق الفشل وراء الفشل كل يوم!




نعم، فلقد كان فريق "أستون فيلا" من برمينجهام بإنجلترا يخرج كل عام من مسابقة كأس إنجلترا، ذلك أن مسابقات الكؤوس تلعب بطريقة خروج المغلوب، مما يجعل الفريق بلا بطولة ولا مباريات رسمية بعد أن يخرج من المسابقة الرسمية الوحيدة آنذاك، الأمر الذي حدا برئيس النادي "وليام ماكجريجور" للتفكير بطريقة مبتكرة لجعل ناديه يلعب مباريات إضافية مع الفرق الأخرى، خاصة وأن الفريق ومنذ أن تولى رئاسته عام 1885 وهو يحقق خروجا مشرفا من تلكم البطولات، بيد أن جمهور النادي لا يعترف بمفهوم الخروج المشرف طالما أنك لم تحقق الكأس!

وكان أن تقدم "وليام" بفكرة نظام الدوري، بحيث يلعب كل فريق من الفرق المسجلة في الدروي مع الفريق الآخر مبارتين اثنتين في كل موسم، كل واحدة منهما على أرض أحدهما، وأن يكون الفائز بدرع الدوري هو الفريق الذي يحقق مجموع النقاط الأعلى، وهكذا تأسس الدوري الإنجليزي عام 1888 من 12 فريقا، وبالطبع انتشرت عدوى هذه الفكرة بعد نجاحها الكاسح إلى دول العالم كافة.



لكن للأسف لم يفرح "وليام" كثيرا بناديه فرغم جهده الكبير وإخلاصه ولاعبيه، إلا أنهم لم يستطيعوا سوى تحقيق المركز الثاني في أول دوري إنجليزي لكرة القدم، بل إن النادي لم يستطع تحقيق بطولة الدوري إلا في موسم 1893! لكن التاريخ حفظ لوليام أنه لم يركن للفشل، لتخلد ذكراه بصاحب فكرة الدوري الإنجليزي لكرة القدم، وبالتالي الأب الروحي لدوريات كرة القدم كافة.

عبدالرحمن السلطان

 


الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

رصيد "مليوني"

هل هناك فرق في مستوى معيشة من يمتلك 200 مليون ريال، وبين من يمتلك 100 مليون فقط؟ قد يكون السؤال افتراضيا، لأن أغلبنا لا يهمه أن يعرف الجواب.
لكن ماذا لو تناقص المبلغ إلى فئة آحاد الملايين، التي يستطع الوصول إليها عدد لا بأس به من أبناء الطبقة المتوسطة، فهل سيتغير أسلوب حياة الإنسان مع زيادة رصيده في البنك؟ أم أنها مجرد أرقام تتصاعد دون أثر ملموس على حياة مالكها؟
بالطبع كلما زادت ثروة الإنسان كلما تقلص الفارق في رفاهية معيشته بينه وبين منافسيه من أصحاب الملايين، حتى تصل إلى مرحلة تصبح الأموال فيها مجرد أرقام يستمتع مالكها برؤيتها شامخة على كشف حسابه البنكي، على العكس من البدايات، حينما كان الريال الواحد يحدث فرقا ملموسا، لكنها للأسف شهوة المال وحب امتلاك الأشياء، لذا يحرص جوقة من الأثرياء على شراء الأكبر والأفخم والأحدث من أي شيء، مع علمه الواثق أنها لن تزيد من مستوى سعادته، ولن ترتقي بأسلوب حياته



فها هو أغنى رجل بالمعمورة: "وارن بافيت" مايزال يعيش منذ عام 1958 في منزله الخاص بولاية "أوماها"، حيث مقر شركته المالية، الذي اشتراه بـ31,500 دولار، وتبلغ مساحته 610 أمتار مربعة فقط، وهذه المساحة بالطبع ليست مساحة قصر واسع الأرجاء كما يتوقع الجميع من صاحب ثروة 65 مليار دولار! بينما غيره من ملاحقي المال لا ينامون الليل، ولا يستمعون بحياتهم، ولا يعيشون مع أبنائهم، فقط أقصى طموحهم جمع ريال هنا وريال هناك، وقد ينجح هؤلاء في مسعاهم، لكنهم ـ بالتأكيد ـ يخسرون صحتهم، وعلاقاتهم الزوجية، وينسون أصدقاءهم المخلصين، ويبتعدون يوما بعد يوم عن أبنائهم
فأي مال وأي "رصيد" مهما بلغ يستطيع أن يعيد إليك شبابك وروح حياتك من جديد؟!

عبدالرحمن السلطان