الجمعة، 28 نوفمبر 2014

مكافحة الإشاعات في أبها

أن ينجح قسم أكاديمي لم يتجاوز ربيعه الثاني بتنظيم حدث علمي واسع النطاق فهذه إشاعة، أما ينجح قسم الإعلام بجامعة الملك خالد في أبها بتنظيم مؤتمر دولي جامع فهذه حقيقة أدركها الجيمع.
اختتم مؤخراً وبرعاية كريمة من سمو أمير منطقة عسير المؤتمر الدولي للإعلام والإشاعة، الذي كان اختيار موضوعه الرئيس سبقاً يسجل لمنظمي المؤتمر وهم جامعة الملك خالد، الذين لم يكتفوا بذلك، بل استطاعوا تقديم عملٍ احترافي مميز أشاد به الجميع، واستطاعوا عقد 12 جلسة عمل ونقاشٍ على مدار ثلاثة أيام متتالية، قدمتها مجموعة منتقاة من علماء ومهتمين وإعلامين من أنحاء العالم كافة، وفي الحقيقة أنني منذ زمنٍ طويلٍ لم أحضر مؤتمراً علمياً بمثل هذا العمق العلمي والبعد المهني، والسبب يعود - في تقديري - إلى التخطيط المبكر، الذي بدأ منذ أكثر من عام، وبالذات من اللجنة العلمية التي يرأسها الأستاذ الدكتور علي بن شويل القرني، وشهادتي فيه مجروحة كونه أستاذي ومشرفي خلال رسالة الماجستير في الإعلام، والتي أدين له فيها - بعد الله - بالفضل الكبير، وها هو القدر يقودني إليه بعد سنوات لتقديم ورقة علمية في مؤتمر أفخر أن أستاذي هو المحرك الرئيس وراء كل هذا.




لقد استطاع منظمو المؤتمر من شباب قسم الإعلام توفير جوٍّ علمي خلال أيام المؤتمر، مما مكّن الحضور الذي جاء من أنحاء المملكة كافة للمشاركة والتفاعل، فالبرنامج العلمي استطاع تغطية الموضوع الرئيس من الزوايا كافة، فالبداية كانت مع التأصيل الشرعي للإشاعة، ثم تناول مفاهيم وتعريفات الإشاعة وعلاقتها بالمفهوم الأوسع للاتصال، وبشبكة الإنترنت، ثم كيفية مواجهة الإشاعة، وبالذات خلال الأزمات المختلفة، بعد ذلك تناول المؤتمر ترويج وانتشار الإشاعات، وتأثيرها على المجتمع، ثم انتقل البرنامج العلمي إلى مستوى أكثر تخصصاً وعمقا بدارسة الإشاعة والتلفزيون، ثم اللاعب الجديد: "شبكات التواصل الاجتماعي"، ولم ينس منظمو المؤتمر استطافة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية لتقديم تجاربهم في رصد وتحليل ومكافحة الإشاعة، والحقيقة أن تلك الجلسة التي ناهزت ثلاث ساعات واستضافت ثماني جهات حكومية كانت من أكثر الجلسات ثراءً وتنوعاً خلال أيام المؤتمر الثلاثة، كونها كانت جلسة عرضت تجارب حقيقية من أرض الواقع، بكل عثراتها وبكل نجاحاتها.
هذا النجاح الكبير للمؤتمر في عاصمة السياحة السعودية يقودنا إلى سياحة المؤتمرات المفقودة في المملكة، فمن المزعج أن نجد أن أكثرية حضور غالبية المؤتمرات في منطقة الخليج بالذات هم من المملكة، متحدثين وحضوراً، بل إنني أتذكر العام الماضي أنني حضرت مؤتمراً صيدلانياًّ في دبي كان عدد السعوديين المحاضرين فيه أكثر من النصف، بينما لم يكن هناك محاضر واحد من الدولة المستضيفة نفسها! وهذا بالطبع ينطبق على كثير من المؤتمرات والمنتديات الآخرى.
وعوداً إلى مؤتمرنا في أبها، فلقد حضر كثير من أوارق العمل المتنوعة والثريّة، كتلك الورقة التي قدمها الدكتور "رحمة غزالي" من كلية الاتصال بمملكة ماليزيا، عن الإشاعات التي ظهرت جراء حادثة سقوط الطائرة الماليزية قبل أشهر، والتي بالمناسبة شارك في إعدادها المبتعث السعودي عبدالله علي العسيري، أو تلك الدراسة التي أجريت في ثلاث دول عربية: السعودية، مصر والمغرب عن تحديات الإشاعة خلال الأزمات الصحية العالمية، والدراسة الرصينة عن أنظمة مكافحة الإشاعات في الإنترنت، والأخرى عن دور صحافة المواطن في نشر الإشاعات وخصوصاً السياسية منها، والحقيقة أن الرائع في الأمر أن كثيراً من أوراق العمل ركزت بشكل أساسي على دراسة قنوات الإعلام الجديد، وبالذات وسائط الاتصال الاجتماعي، فهي من يقود الشائعة في يومنا الحاضر، بل قدمت إحصاءات وأرقام تؤكد ضرورة التحرك المنهجي في مكافحة مصادر الإشاعات، وضرورة توفير المعلومة الصادقة الشفافة كخط هجوم أول للقضاء على الإشاعات في مهدها.
لقد نجح المؤتمر في جمع نخبة من المهتمين واستطاع تقديم منتج علمي مميز، بيد أن الأهم هنا أن تعمل اللجنة العلمية على توثيق مخرجات المؤتمر في كتاب يحوي النصوص الكاملة للدراسات وأوراق العمل، ونشرها كذلك عبر الموقع الإلكتروني للجامعة، وذلك توثيقاً لهذا العمل الجبار ومساندة لجهود مكافحة الإشاعات، والأهم من ذلك تأسيس لجنة تنفيذية لمتابعة تنفيذ توصيات المؤتمر، وعدم تركها حبراً على الورق.
جميع من حضر المؤتمر يتطلع بشوق للدورة الثانية من المؤتمر، حينها نستطيع القول إن قسم الإعلام بجامعة الملك خالد استطاع تجاوز الصفوف، واستطاع أن يحجز موقعه في المقدمة. إلى ذلك الحين تذكر صديقي أن الشائعة تبدأ في مكان قصي هناك، لكنك أنت بحسك النقدي ووعيك تستطيع إيقافها بكل سهولة، فقط لا تؤجر عقلك ووعيك للآخرين.

عبدالرحمن السلطان





الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

يثرثرون ويكسبون الملايين

لك أن تتصور أن الكوميديانة الأميركية "ألين دي جينيريس" تحصل على 45 مليون دولار أميركي - أي ما يتجاوز 168 مليون ريال - سنوياً فقط لتظهر في ثرثرة يومية! هكذا تطل على جمهور التلفزيون لتمرح وتضحك، وفوق ذلك تحصل على المال الوفير!



منذ نشأة التلفزيون في الغرب وهو يعتبر جهاز الترفيه الأول للمجتمع، ومع تطور المجتمع وتطرّف النزعة الفردية نشأت الحاجة لوجود برامج ثرثرة نهارية، تملأ وقت البث بما يجذب الجمهور منخفض ومتوسط التعليم ويحقق إشباعه الاجتماعي تجاه التعرّف على تفاصيل وأسرار النجوم ومشاهير الأحداث، والأهم من ذلك تسطيح قضايا المجتمع، وتحويلها إلى سيرك يومي لا ينتهي من الإثارة والتشويق
والبداية كانت مبكرة ببرامج الثرثرة المسائية، مثل "عرض الليلة" الذي بثت الحلقة الأولى منه 27 سبتمبر 1954، أي منذ أيام "الأبيض والأسود"، ولا يزال يبث يومياًّ حتى الآن، وتعاقب عليه ستة مقدمين فقط! إذ إن البرنامج ومع مرور الزمن يرتبط بقوة مع شخصية مقدمه الرئيسي، ولا يمكن فصل أسلوب البرنامج عن أسلوب مقدمه، الذي يضيف شيئاً من لمسته ورؤيته على كافة فقرات البرنامج، وهكذا تطورت فكرة برامج الثرثرة، وأضحت تنحو نحو أن تكون ذات إطار كوميدي شامل، فالمهم هو إسعاد المشاهد، ورسم البسمة على شفتيه قبل أن يأوي إلى فراشه، وهكذا ظهرت برامج أخرى كبرنامج "العرض المتأخر مع ديفيد ليترمان" على شبكة CBS و"كونان أوبراين" على TBS، و"جيمي كامييل" على ABC و"النداء الآخير مع كارسون دالي" على NBC، وغيرها من البرامج الشهيرة في بريطانيا والبرازيل وفرنسا وكندا، جميعها تشترك في كونها شبه يومية وتعتمد على التعليق الساخر على أحداث اليوم أو الأسبوع، مع بضعة مشاهد فكاهية، واستضافت نجوم المجتمع من فنانين ورياضيين ومشاهير في لقاءات ساخرة وخاطفة.






هذا الهوس ببرامج الثرثرة المسائية قاد إلى بروز صناعة متكاملة تطورت إلى ظهور برامج ثرثرة نهارية، تكاد تعتمد على خلطة تلفزيونية أخرى، وهي التركيز على القضايا الاجتماعية والعاطفية أكثر، كون أكثر جمهور برامج الثرثرة النهارية هو من النساء، لذا كان النجاح من حليف المقدمات من الإناث على عكس برامج الثرثرة المسائية التي تكاد ذكورية تماماً، وبالطبع دائماً ما يتبادر للذهن النجاح الأسطوري لأوبرا وينفري، التي تمكّنت من الاستمرار ببرنامجها لمدة 22 موسماً متواصلاً، وأوقفت برنامجها في عز نجاحه وانتشاره، وها هي "إلين" تكمل مسيرة مواطنتها وتدخل السنة الثانية عشرة لها، بل إن جمهورها يزداد شوقاً لعرض الحلقة رقم 2000 العام المقبل، كونها أضافت شيئاً جديداً على برامج الثرثرة النهارية؛ وهي المسحة الكوميدية، التي كانت حصراً على البرامج المسائية، بالطبع اعتماداً على خلفيتها الفنية ومهاراتها الكوميدية.
وفي الحقيقة فإن البعض يعتقد أن هذه البرامج من أسهل البرامج إعداداً وتنفيذا عطفاً على اعتمادها بشكل كبير على الاستضافات، ومن الدارج لدينا أن الحوارات هي أسهل البرامج تنفيذا، كونها لا تحتاج سوى مذيع وضيف وكاميرا! بينما الأمر مختلف هناك، وهو ما يفسر عدم نجاح كثير من أفكار برامج الثرثرة العربية سواء المسائية منها أو النهارية، كونها تستخف بمثل هذه المتطلبات، ولا تعمل على الصرف عليها بشكل سخي كما يجب، ناهيك عن مواكبتها للمستجدات بشكل يجعلها أسرع من وسائط الاتصال الاجتماعي نفسها، فمثلاً ظهرت قبل أسبوع تقريباً صورة لشابٍ وسيم يدعى "أليكس" في أحد المتاجر الشهيرة، وعلى الفور انتشرت صورة الشاب في تويتر، وزاد عدد متابعيه من 120 فردا إلى نصف مليون متابع خلال ساعات قليلة وتحّول إلى قصة متداولة على نطاق واسع، وعلى الفور تلقفه فريق إنتاج برنامج "إلين" وتمت دعوة الشاب "أليكس" من ولايته "تكساس" إلى "كاليفورنيا" حيث يصور البرنامج، فقط ليظهر في أقل من خمس دقائق خاطفة، ولكنها كانت كفيلة بجذب الملايين لمشاهدة الحلقة أثناء بثها، أو عبر قناتها على "اليوتيوب"، وهذه القصة تتكرر بشكل يومي في البرامج، مما يجعله متجدداً وغير مملٍّ للجمهور، فكل حلقة مختلفة تماماً بمحتواها عن الحلقة السابقة، بالإضافة إلى العمل على ابتكار فقرات موسمية تكون مرتبطة بأعياد متنوعة أو بأحداث لا بد من التفاعل معه، وكذلك العمل على التفاعل الحقيقي مع الجمهور، فبعض البرامج تعرض تغريدات طريفة للجمهور المشارك في التصوير، وبعضها يبحث عن الصور الغربية في حسابات "فيس بوك" جمهوره كما تفعل "إلين" في بعض الحلقات.





بالتأكيد إن هدف برامج الثرثرة بكافة أنواعها واختلاف أشكالها هو رسم البسمة وإشاعة جو من البهجة لدى المشاهد، وهو - للأسف - لم يتحقق في برامج الثرثرة العربية خصوصاً السعودية، التي أضحى أغلبها يدور في فلك المشاكل الاجتماعية وتقصير الجهات الحكومية، وهذا وإن كان مهماً إلا أن هذه ليست برامج ثرثرة كما يصنفها البعض، أو كما يفعل البعض خصوصاً في برامج الثرثرة المصرية، التي تحول بعضها الآخر إلى مسرح تهريجي، وإلقاء نكت وطرائف دون حسيب أو رقيب، وفي الحقيقة لا أعرف سبباً يمنع القنوات العربية الكبرى من التفكير في برامج مشابهة ولكن بقالب محلي، من المؤكد أنها سوف تنجح، كونها سوف تشبع احتياجاً لدى الجمهور، لكن السؤال هل سوف يثق مسؤولو القنوات العربية في مثل هذا النوع من البرامج أم لا؟ كون إنتاجها يكلف كثيراً جداً مقارنة بالبرامج الأخرى، لا أعتقد أنني أمتلك الجواب، ولكن الذي أعرفه أنه حتى ظهور برنامج عربي منافس سوف يستمر الجمهور بمشاهدة تلكم البرامج الأجنبية، وسوف تستمر تلك البرامج برسم الابتسامة على شفاه المشاهدين العرب.

عبدالرحمن السلطان




السبت، 22 نوفمبر 2014

أسرارك للعلن!

ماذا لو كان باستطاعتنا مشاركة أسرارنا دون أن يعلم أحد ما هويتنا؟ هذه هي آخر صرخات وسائط الاتصال الاجتماعي، إذ تعدُ شبكة "Secret سر" الاجتماعية بقدرتها على إتاحة مشاركة الأسرار والاعترافات مع الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء وحتى العامة دون الخوف من كشف الهوية!




تعتمد هذه الشبكة على التسجيل بواسطة رقم الهاتف الجوال أو البريد الإلكتروني، لتقوم بعدها بشبكك مع أصدقائك وأصدقائهم، وهنا ميزتها المختلفة عما سواها من شبكات أخرى، مما يجعلها أكثر إثارة ومتعة وقدرة على استمرار جذب المشتركين للعودة إليها مرة أخرى، فهم يطالعون أسرارا واعترافات قد تتعلق بهم شخصيا، دون أن يعرفوا من هو هذا الشخص الذي تكلم عنهم، سواء بالسلب أو الإيجاب!

هناك، تخلع عن نفسك رداء الخصوصية، وتنطلق دون حسيب أو رقيب للحديث عن اعترافاتك الشخصية، وأسرار يومك ومحيطك، وعن رأيك في الآخرين من إخوة وأقارب وأصدقاء وزملاء عمل. حينها بالتأكيد، سوف تصدم من كم المعلومات التي كنت تجهلها عن الجميع، وسوف تصاب بخيبة أمل من آخرين، فما كنت تعده مجرد مصادفة عابرة قد يكون موقفا عن سبق إصرار وترصد.
تعرض الشبكة في صفحتها الرئيسة منتخبات من الأسرار الأكثر استحسانا والأكثر تعليقا، مصنفة إلى فئات محددة، كالأكثر انتشارا: السفر، الدراسة، الحب، الزواج، الطعام، المرح، وهكذا دواليك، كونها قد تشجع الآخرين على مزيد من المكاشفة والحديث دون حدود! وفي الحقيقة قد تكون شبكة "سر" فرصة لخلع كاهل الأسرار من على ظهورنا، ولطرد مخاوفنا وهمومنا، لكنها بالتأكيد قد تكون سببا لهدم علاقات بنيت على مدى سنوات، فقط لأنك اكتشفت شيئا خفيا هنا، أو استنتجت شيئا مزعجا هناك.
وبعد، أنت من يستطيع أن يحدد أنه بحاجة لمعرفة مزيد من الأسرار، فقط كن متأكدا من قدرتك على تحمل نتيجة ذلك.

عبدالرحمن السلطان

 



السبت، 15 نوفمبر 2014

ألا تخجلون؟

يحرّض ويشتم كل من ينتمي لمذهبٍ يختلف عن مذهبه، بل وصلت به الوقاحة إلى المطالبة بإبادتهم عن بكرة أبيهم! ثم يتحدث بكل صفاقة عن فخ "الطائفية" وضرورة التمسك بالوحدة الوطنية! هكذا دون خجل من أحد، ودونما إدراك أننا لن ننسى قيئه المستمر.
أما الآخر فلا يكاد يترك شاردة ولا واردة إلا أطلق همزه ولمزه نحو الفريق المنافس لفريقه المفضّل، وهكذا يستغل كل مناسبة وقضية ليحشد ويهيج جمهور ناديه تجاه الجميع، ثم يتبجح بنبذ التعصب الرياضي، وهو لا يشعر أن ما يفعله يكاد يكون كمن يصب الزيت على النار!
أما الثالث فقد تفرّغ للانتقاص من كل جهدٍ وعمل، واستعد لنقد كل إنجاح بكل ما يستطيع من حيله، فكل ما يقوم به أبناء جلدته مجرد تقليد رديء لنجاح سابق، أو بهرجة إعلامية كاذبة، رغم أنه لم يقم بأي شيء في حياته سوى الكلام والكلام فقط.



أما الأسوأ من كل هؤلاء: من نصب نفسه حامياً للوطن ومحدداً لمعايير الوطنية، فمتى وافق الحديث والحدث هوى نفسه صار الجميع وطنياًّ مخلصاً، ومتى خالفته في أي شيء نزع عنك رداء الوطنية، وهو الشخص القابع وراء الشاشة، الذي لا ولم يفعل شيئاً لوطنه سوى تقييم الآخرين وتشويه سمعتهم.
لا أعرف إلى أين سوف تأخذنا وسائط الاتصال الاجتماعي؟! ولكنها بالتأكيد استطاعت نزع ورقة التوت عن كل هؤلاء المدعين، وجعلتهم عراة أمام الجميع، بيد أن رهاني اليوم - وغداً - على وعي الجمهور الذي بدأ يتشكل وينضج، الجمهور الذي أضحى يثبت يوماً بعد يوم قدرته على فرز الصالح من الطالح، والقادر مع مرور الزمن على تجاوز هؤلاء المتلونين، ورفع أسهم من يحب لوطنه وأهله ما يحب لنفسه، بقي أن أقول هنا لكل هؤلاء المتلونين: ألا تخجلون؟!


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 14 نوفمبر 2014

"جيكل" و"هايد" على طاولة العشاء

ما إن تدلف باب النادي والمطعم الذي يحمل الرقم 216 على الشارع الرابع والأربعين وسط "مانهاتن" نيويورك؛ إلا ويقابلك شاب بزيٍّ فيكتوري عريق، ليباغتك بالسؤال السريع: هل ترغب سيدي بالدخول عبر الطريق السهل؟ أم الطريق الصعب!



بالطبع سوف تكون إجابتك كما هي إجابة الكثيرين من زوار النادي والمطعم الغريب الذي يحمل اسم الدكتور "جيكل" والسيد "هايد"؛ أنك سوف تختار الطريق الصعب، وذلك عطفاً على توقك لمعرفة المزيد عن هذه الشخصية "السيكوباثية" التي لا يوجد أحد لم يسمع عنها، حينها يقوم ذلك الشاب بفتح حجيرة الهاتف "اللندني"، بعدها تنطلق عبر غرفة مظلمة لتقابل فيها الدكتور جيكل بطل الرواية الشهيرة، التي كتبها في ثلاثة أيام الكاتب الأسكتلندي "روبرت لويس ستيفنسن" عام 1886، التي رغم أن هدف كاتبها كان تقديم مجرد قصة رعب عابرة يكسب منها بعض المال، إلا أنه في المرة الأولى حينما كتبها بعد حلم راوده في الليل، قام "ستيفنسن" بحرق مخطوطة روايته! لكن بعد أيام قليلة قام بكتابتها كاملة مرة أخرى، لينشرها وتستقبل بشكل أفضل من المتوقع من قبل النقاد، خصوصا أنها تجاوزت النمط التجاري السائد لروايات الرعب، وكونها لامست بشكل مختلف معضلة الصراع الداخلي الإنساني بين الشر والخير، بالإضافة إلى المأزق الأخلاقي المتكرر بوجود شخصيات متناقضة للكثير من بني البشر.






المهم.. بعد أن تتجاوز الغرفة المظلمة؛ تبدأ بملاحظة أرفف الجماجم والهياكل العظمية المتحركة، وصور ومجسمات أشهر القتلة المتسلسلين في التاريخ الإنجليزي، الذين قد يتحدثون معك فجأة دون أن تلاحظ وجودهم! ثم تصعد درجاً مهترئاً نحو المطعم الذي يقع في الدور العلوي من هذا النادي الفريد من نوعه، ليقابلك في طريقك متعهد دفن الموتى الأحمق السيد "لويسيوس جول"، الذي يقوم برفقة الخادم الفرنسي "جيرفيس"، والمهووس بالسحر "جيرترود بوم"، بمساعدتك الشخصية على فهم تاريخ النادي والمطعم ودهاليزه الخفيّة، وأيضاً التفاصيل المرعبة المتناثرة في أركانه. ولكن ما قصة هذا المطعم الذي يستمد روح اختلافه من إحدى كلاسيكيات الرواية الإنجليزية؟
تزعم أسطورة النادي أن الدكتور جيكل هرب من لندن إلى نيويورك عام 1931! على الرغم من أن الدكتور جيكل وفي نهايات روايته الشهيرة كان بالكاد يستطيع العودة من شخصيته الشريرة "السيد هايد" إلى شخصيته الطيبة "الدكتور جيكل"، لأن ذلك كان يتطلب مزيدا من جرعات الدواء، إلى أن واجهته الحقيقة المفزعة وهي استحالة عودته إلى سابق عهده الطيب، فكان أن حبس نفسه في غرفة أبحاثه ثم تجرع السم قبل دخول صديقه المحامي "أترسون" برفقة خادمه الشخصي عليه، بيد أن هذا النادي النيويوركي يزعم أن هذا غير صحيح! بل إن الدكتور جيكل هاجر إلى أميركا، وبالتحديد إلى نيويورك، وذلك ليستمر في بحثه عن دواء ناجع يخلصه من شرور "هايد"، لتتشكل بعد برهة من الزمن حوله حلقات من الأصدقاء والمستشارين المقربين، ثم يؤسس هذا النادي الذي سرعان ما أضحى مركزاً لاجتماع المغامرين والمكتشفين والباحثين عن لذة التعرّف على المجهول، ولخوض غمار مغامرة غير تقليدية، وبغض النظر عن سذاجة هذه القصة وعدم صحتها؛ إلا أن الحقيقة الوحيدة هنا: أن الجميع يحاول من خلال زيارته أن يدرك الجانب المظلم من ذواتنا، الذي يتربص بنا كل لحظة، والذي قد يظهر حيناً دون حين.



لحظات ممتعة يقضيها كل من يظفر بوجبة غداء أو عشاء هناك، والأهم من ذلك هو الجو العام والديكور المتقن الذي يجعلك تستشعر أجواء القصة و"لندن" القديمة، وكذلك روايات الرعب الأخرى، حيث يقدم المطعم كذلك عروضا مسرحية أخرى لبعض أشهر روايات الرعب، مثل "فرانكشتاين"، خصوصاً لحظة إيصال التيار الكهربائي لجسد ذلك المسخ المرعب، وغني عن القول إن مسميات أطعمة وأشربة المطعم مستمدة من روح وأجواء روايات الرعب، الأمر الذي يشجع الكثيرين على اقتناء نسخة من الرواية بعد انتهاء وجبتهم من متجر التذكارات، وهو ما يؤكد أنه لا تعارض - أبدا - بين ثقافة العقول وتعبئة البطون، فما المانع أن تعمل على تعبئتهما في وقت واحد؟ ألا يمكن أن نبتكر مطاعم وصالات تعتمد في فكرتها على رواية محلية سعودية أو حتى عربية، تجعل الوجبة الغذائية متعة مفيدة وذكريات لا تنسى؟ فمثلاً رواية "شقة الحرية" لغازي القصيبي من الممكن أن تتحول إلى رحلة مبهرة للتعرّف على عمالقة الخمسينيات.. أما ثلاثية "بين القصرين" لنجيب محفوظ فهي رحلة بين أزقة الحارة المصرية القديمة، وهكذا دواليك.
لدينا الكثير في تراثنا القديم وحاضرنا الحالي ما يمكن إعادة تحويره وبعثه إلى الحياة من جديد، مع تطعيمه بشيء من "البرغر" و"البيتزا"! أليس كذلك؟

عبدالرحمن السلطان



السبت، 8 نوفمبر 2014

لغة جديدة.. ومنافع أخرى

هل يمكن أن تتعلم لغة جديدة من دون أن تغادر مكانك الآن؟ بل وحتى أكثر من ذلك؛ أن تتعلم تلك اللغة وأن تقدم – في نفس الوقت- قيمة إضافية للبشرية أجمع؟




هذا ببساطة ما يعرضه موقع Duolingo الإلكتروني لتعلّم اللغات، الذي يزعم قدرته على تعليمك لغات جديدة بأسلوب مختلف، والأجمل من ذلك مساهمتك بترجمة نصوص من شبكة الإنترنت من وإلى لغتك الأم! هذه الفكرة الجديدة هي ما خطر على بال العبقري "لويس فون آن" الجواتيمالي الأصل الأميركي الجنسية، الذي ومنذ حصوله على الدكتوراه عام 2005م وهو يبشر بمصطلح "الحوسبة البشرية"، التي تهدف إلى جمع القوة العقلية للإنسان مع الحاسوب لحل مشاكل لا يستطيع أحدهما حلها بمفرده، ومنها خرج بفكرة مشروعه التفاعلي "ديولنجو" لتعلم اللغات، بهدف جمع الملايين من البشر لترجمة صفحات "الويب" إلى اللغات الأكثر انتشاراً، ذلك أن عملية الترجمة بين اللغات ومهما بلغت شدة ذكاء الحاسوب لن يستطع فهم المقصود والوصول إلى المعني الدقيق، كما يقوم بذلك دماغ الإنسان.
افتتح "لويس" موقعه قبل عامين، وخلال عام واحد فقط وصل عدد مستخدميه إلى 4 ملايين مشترك، لدرجة أن شبكة cnn التلفزيونية تعاقدت مع الموقع لترجمة موادها إلى اللغات الآخرى! بيد أن المثير في الأمر أن المواد المترجمة لا يتم تدقيقها بشكل نهائي من قبل خبراء ومختصي لغات، بل إن من يقوم بتدقيقها هم طلاب آخرون مايزالون يتعلمون عبر الموقع، فقط يقومون بالتصويت على مدى دقة وكفاءة الترجمة، وتعديل ما يرونه مناسباً.





وبعد كل هذا؛ لك أن تتصور أن هذا التعاون البشري يستطيع عبر تعاون مليون مشترك أن يثمر عن ترجمة كاملة للمحتوى الإنجليزي الضخم لموسوعة "ويكيبديا" إلى اللغة الإسبانية خلال 48 ساعة فقط! أعتقد أن زيارة واحدة للموقع كفيلة بتحويلك إلى مدمن لغات.


عبدالرحمن السلطان



الجمعة، 7 نوفمبر 2014

عن مجلة ورقية ناجحة أحدثكم..

 يكاد يكون استقر لدى الجميع أن الصحافة الورقية في طريقها إلى الاندثار، وأنها سوف تتلاشى خلال سنوات قليلة، هذا بالنسبة للصحف الورقية اليومية، أما المجلات فهي الأكثر تعرضاً لمفارقة الحياة، وبالطبع هذا ما يبدو أنه يحدث في الغرب، حيث للقراءة والاطلاع نصيب من ثقافة المجتمع، فما بالك في مجتمعاتنا التي تضع القراءة والاطلاع في آخر اهتماماتها!
بالطبع حدث تراجع مستمر في توزيع الصحف والمجلات حول العالم، وذلك بسبب الثورة الرقمية، وانتشار الهواتف الذكية، لكن ماذا لو فكر أحد ما في إصدار مجلة جديدة وسط كل هذا التراجع والخوف من المستقبل؟ الكثير يكاد يجزم أن المشروع فاشل ولن يكتب له النجاح؛ بيد أن ما حدث كان عكس ذلك تماما!
إنها مجلة "Monocle" الشهرية، التي لم تصدر إلا عام 2007، الذي يعتبر بالتأكيد تاريخ صدور متأخر مقارنة بالكم الهائل من المجلات العامة والمتخصصة الصادر باللغة الإنجليزية، ولكنها الفكرة الجديدة والمراهنة على جودة المحتوى الأصلي الذي لن تجده في أي مكان آخر! والغريب في الأمر أن المجلة أضحت تحقق النجاح المتوالي، رغم حجمها الكبير وسعرها الغالي مقارنة بالمجلات الأخرى، لكن ما هي أسرار هذا النجاح؟ الذي من الممكن نقله وبكل سهولة إلى صحافتنا المحلية، وخصوصاً مجلاتنا الدورية، التي أضحت تتساقط واحدة تلو الأخرى.






بدأت قصة التفكير في مجلة رجالية عامة بمفهوم جديد ومختلف، من الصحفي الكندي "تاليور برول"، صاحب الخبرة الطويلة في الصحافة والعلاقات العامة، الذي كان مؤمناً بأنه لا يزال يوجد متسع لمجلة جديدة باللغة الإنجليزية، تطبع دولياً دون طبعات محلية، وتستهدف جمهورا محددا، وهم جمهور المسافرين الدائمين عبر العالم، ممن يهتمون باكتشاف أفضل الممارسات، والتعرف على قصص النجاح والمبادرة في كل شيء، من إدارة المدن الضخمة، مرورا بصناعات المعرفة وخطوط الموضة الرجالية، حتى العمارة البسيطة، مع الاهتمام الدقيق بالتفاصيل المعلوماتية الصغيرة، وتطوير هوية فنية دولية للمجلة، وبالطبع كان اختيار الاسم ذا دلالة رمزية مميزة، فـ"المونوكل" تعني نظارة عين واحدة، وكأنما المجلة تعتبر نفسها عيناً إضافية لك! غير أن الحقيقة أنها أكبر من ذلك، فهي وجبة بصرية ومعلوماتية لا تستطيع مطالعتها والانتهاء من قراءتها إلا بعد ساعات طويلة!
عند صدورها قبل سبع سنوات؛ توقع كثير من النقاد أن يكون مصيرها كمصير الكثير من المطبوعات الجديدة التي لا تستطيع تجاوز سنتها الأولى بنجاح، ولكنها وبهويتها العالمية استطاعت الظفر بفئة محددة من الجمهور في بلدان متعددة، فئة لم تكن تجد ما يلبي احتياجها، فالمجلات العالمية الشهيرة؛ إما أن تكون مصطبغة بصورة محلية، كما هو حال المجلات الأوروبية، أو أن تكون جادة بشكل يفوق التوقع، كما هو حال مجلات النخب الأميركية، لذا وجدت هذه المجلة موطئ قدم لها بكل سهولة، حتى وصفها أحد النقاد بأنها: "مجلة أنيقة لجمهور رواد الأعمال الشباب".
كان الهدف العمل على تقديم مادة صحفية دسمة ولكن بخطوط وقالب فني بسيط، فكافة الصور والرسومات خاصة بالمجلة، وجميع المواد أصلية ومكثفة، وكانت الرؤية تعتمد على تطوير علاقة القراء بمجلتهم، وتحويلها ليس فقط إلى منصة إعلامية لجمهورها، بل حتى ربطها بتوفير ما يحتاجه جمهورها من صفوة المجتمع، من ملابس تحاكي خطوط الموضة، وإكسسوارات ومعدات سفر، بل وحتى تدشين مقاهٍ تحمل علامتها التجارية، حتى وصلت قيمة المجلة إلى 70 مليون جنية إسترليني (أكثر من 420 مليون ريال سعودي) وهي التي انطلقت بثلاثة ملايين فقط، دون إغفال وجود موقع إلكتروني يطرح مقتطفات من مواد المجلة بشكل مجاني، ولكن بعد توالي نجاح المجلة وانتشارها حول العالم، بدأ ناشر المجلة بإعداد وتقديم برنامج إذاعي يحمل اسم المجلة، ليتطور الأمر بعد سنوات معدودة إلى إذاعة تبث 24 ساعة يوماً على شبكة الإنترنت، من مقرها في لندن، تقدم برامج يومية وأسبوعية مباشرة، تعتمد في مادتها الأساسية على مواد المجلة وملحقاتها، بل وتحويل بعضها إلى مواد صحفية في وقت لاحق، مع تقديم موسيقى تناسب نوعية جمهور المجلة من كثيري السفر والمتطلعين لمزيد من الثقافة وآخر المستجدات على مستوى المبادرات، الأفكار، الطعام والشراب، العمارة، خطوط الموضة، ونحوها، بالطبع كل هذا أدى إلى أن يكون حجم المجلة كبيراً جداً بمقاييس المجلات، فلك أن تتصور أن عدد الشهر الماضي من المجلة بلغت عدد صفحاته 316 صفحة، واحتوى ملحقين خارجيين اثنين، الأول بحجم "التابلويد" عن السياحة في سويسرا، والآخر بحجم المجلة عن أوكلاند ونيوزيلندا، وغيرها من الملاحق الصغيرة! مع ملاحظة أن نسبة الإعلان على صفحات المجلة تجاوزت نسبة 22% من مجموع الصفحات، وهي نسبة مرتفعة في الوضع الحالي الذي تمر به الصحافة الورقية، ناهيك عن أن أغلب –إن لم يكن كل- الإعلانات كانت لعلامات تجارية فاخرة ومشاريع شهيرة، كل هذا ولا يزال البعض يصر أن الصحافة الورقية سوف تنقرض!



الأفكار في جعبة فريق مجلة "مونوكل" كثيرة ومتعددة، أقلها إطلاق سلسلة برامج تلفزيونية بالشراكة مع قنوات فضائية شهيرة وغيرها من المبادرات الجديدة، ذلك أن رئيس تحرير المجلة وفريقها يؤمنون بأن المستقبل سوف يكون للوسيلة الإعلامية التي تتداخل مع الوسائل الإعلامية الأخرى، فالفكرة ليست مجرد موقع إلكتروني وحساب "تويتر" فقط كما هو حال أغلب المجلات الورقية، بل يجب أن يؤمن فريق الوسيلة مهما كان نوعها وشكلها النهائي، بأن نجاحها يكمن في الشراكة والتداخل مع كافة الوسائل الإعلامية الأخرى، والآن أدعوك عزيزي للاطلاع على أحد أعداد مجلة "مونوكل" لتعرف عن صدق جودة وحرفية الصحافة الورقية حينما تمارس بمهنية وإبداع مختلف.

عبدالرحمن السلطان