الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

ابحث عن هذا المدير السخي


في يوم عمل عادي فاجأ رائد الأعمال الشاب "دان برايس" البالغ من العمر 31 عاماً موظفيه قبل مستثمري شركته بتخفيض راتبه السنوي من مليون ومائة ألف دولار إلى 70 ألف دولار فقط! ليس هذا وحسب، بل تجاوز ذلك إلى رفع رواتب موظفيه إلى أرقام فلكية!




 بدأت فصول هذه القصة المثيرة قبل ما يزيد على العام، حينما عرف مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Gravity Payments أن اثنين من موظفيه المبتدئين قد رشحاه لنيل جائزة رائد أعمال الإعلام لعام 2014، وكانا سبب نيله الجائزة، مما جعله يفكر في أن هذين الموظفين قد فعلا أكثر مما فعل هو ودون أن يطلب منهم أحدٌ ذلك! يقول (برايس): "كان شابان يتلقيان أجراً منخفضاً وجعلاني أنا من يتلقى مليون دولار كأجر سنوي أن أظهر على غلاف مجلة رواد الأعمال"! بعد ذلك وفي أبريل الماضي، وقعت عينا الملهم "برايس" على دراسة مسحية عن السعادة نشرت قبل 5 سنوات، أجراها "دانيال كانيمان" و"أنجوس ديتون" اعتماداً على البيانات الضخمة لمنظمة "جالوب" لقياسات الرأي العام والإحصاءات التي حاولت دراسة تأثير الدخل على عاملين اثنين من عوامل السعادة الشخصية: الأول الرفاه العاطفي، والثاني مستوى جودة الحياة، فالرفاه العاطفي يشير إلى جودة العواطف في تجربة الفرد اليومية، مثل مدى تكرار وكثافة كل من: الفرح والتوتر والحزن والغضب والمودة، التي تجعل حياة الإنسان سارة أو غير سارة، أما تقييم مستوى الحياة فهو يشير إلى أفكار الإنسان عن حياته حينما يفكر بها، وكان سؤال الباحثين يتمحور حول إمكانية أن يشتري المال السعادة الناتجة عن هذين العاملين؟ وقاما بتحليل إجابات 450 ألف شخص من قاعدة البيانات، ووجدا أن الرفاه العاطفي وتقييم جودة الحياة لهما ارتباطات مختلفة بالعوامل الأخرى، فمثلاً تقييم جودة الحياة يرتبط بالدخل والمستوى التعليمي بشكل أكبر، بينما تؤثر الصحة، والوحدة، والتدخين بشكل أكبر على مشاعرنا اليومية "الرفاه العاطفي"، وبالطبع فإن الزيادة المطردة في الدخل "الأجر الشهري" تؤدي إلى زيادة مطردة في هذين العاملين، بيد أن المثير هنا أن هذا التزايد "السعادي" يتوقف حينما يصل الدخل السنوي إلى سقف 75 ألف دولار "أي حوالى 22 ألف ريال شهرياً"، ويبقى دون زيارة حتى مع ارتفاع الدخل!
 هنا قرر "برايس" أن يكون سبباً في سعادة موظفيه الـ120، وأن يضرب عصفورين بحجر واحد، فالدراسة تؤكد أن فعالية وسعادة موظفين تكون في أعلى درجاتها حينما يناهز الأجر السنوي سقف 75 ألف دولار أميركي سنويا، وعلى الفور اجتمع رائد الأعمال الشاب بموظفيه وأعلن رفع حد الأجور الأدنى في شركته إلى 70 ألف دولار سنوياً لكل موظف، بدلاً من المتوسط الحالي البالغ حينئذ 41 ألف دولار سنوياً، كما أعلن خفض راتبه هو بنسبة 90 % ليصل إلى هذا المعدل الجديد! والسبب أنه كان بحاجة إلى توفير مورد مالي ليرفع أجور موظفيه، وهو ما حدث بالفعل.






 أصيب الجميع بالدهشة، وتصدر "برايس" نشرات الأخبار العالمية، لدرجة أنه ذُكر أكثر من نصف مليار مرة في وسائط الاتصال الاجتماعي، وتلقى 4500 طلب توظيف خلال أسبوع، مما جعل البعض يعتبر ما حدث نقلة محورية في مجال إصلاح هيكل تراتبية الأجور، وكأنما تحوّل "برايس" إلى "روبن هود" المديرين التنفيذين! وهو ما شجع "تامي كارول" على أن تترك وظيفتها كمديرة تنفيذية في "ياهو" وتلتحق بالعمل معه بأجر يقل عن أجرها السابق بـ80 %! بيد أنه مضى في خطته لا ليحول موظفيه إلى أثرياء بين ليلة وضحاها؛ بل ليجعلهم يحصلون على ما يعتقد أنه الأجر العادل لحياة قابلة للسعادة والمتعة.
 في مقابل ذلك استقال اثنان من مديري الشركة، بدعوى أن القرار غير عادل وأنه يساوي بين الموظفين "المهمين والأقل أهمية"، على حد تعبيرهم، كما أن أخاه الأكبر -وهو شريك في الشركة- رفع دعوى قضائية ضده، لكن "برايس" لا يزال عنده موقفه، فهو مؤمن بأن السعادة كما النجاح من الممكن مشاركتها، وأن أولى مسؤوليات أي مدير هي أن يحرص على أن يهيئ البيئة المناسبة لفريق عمله، وحتما أن أي بيئة تبدأ بالأجر المجزي، الذي يتجاوز الموظف إلى عائلته ومحيط حياته، وبالتالي فإن العائد على العمل أكبر مما نتوقع.
 لا يزال يدور جدل كبير حول خطوة "برايس" وأثرها على قوائم الشركة المالية، التي يتوقع أن تظهر خلال 3 سنوات، ورغم أن "برايس" اضطر أخيرا إلى تأجير منزله في "سياتل" ليفي بالتزاماته الشخصية، إلا أنه يؤكد أنه لم يشعر بسعادة كهذه، الشيء الوحيد المؤكد هنا أننا جميعاً بحاجة لمثل هذا المدير السخي، الذي فعل ما عليه وبقي ما على موظفيه.

عبدالرحمن السلطان


 

الخميس، 17 ديسمبر 2015

هل أنت مصاب بــ«بنجي»؟

نعم قد تكون مصاباً بظاهرة لا تكاد تعرف عنها شيئاً! ذلك أن تغير طبيعة وانتشار وسائل الاتصال المحيطة بنا قد غيّر دون أن نشعر في طبيعة سلوك تعاملنا معها، ولعل أهم التغيرات هو سلوك مشاهدتنا للتلفزيون.
فمن التسمّر أمام قناة واحدة أو اثنتين؛ أضحى الفضاء التلفزيوني بلا حدود، وأصبح المشاهد هو سيد الموقف بواسطة جهاز تحكمه الذاتي، ثم ظهرت أجهزة الاستقبال المتطورة، التي مكنتنا أن نشاهد ما نشاء وقت ما نشاء، وبالطبع مع هذه التطورات أضحى المشاهد أقل صبراً وأكثر شغفاً بمشاهدة كل ما يريد وقت ما يرغب، لدرجة أن يشاهد حلقات متتالية من برنامج أو مسلسل واحد في جلسة واحدة متتالية، قد تمتد لأكثر من ست إلى ثماني ساعات متواصلة! دون كلل أو ملل وهي الظاهرة التي وجدت طريقها هذا العام إلى قاموس «كولين» لمفردات اللغة الإنجليزية، فمصطلح Binge watch حسب قاموس «أكسفورد»: يعني مشاهدة حلقات متعددة لبرنامج تلفزيوني خلال جلسة واحدة وبسرعة، بواسطة أقراص مدمجة أو مشاهدة رقمية.



وكانت هذه الظاهرة قد ظهرت على استحياء قبل عقدين مع المسلسلين الشهيرين: «لوست» و«بريزن بريك»، لكنها لم تتسع نظراً للحاجة لشراء الأقراص المدمجة أو انتظار تسجيل الحلقات من القنوات العارضة آنذاك، بيد أن توسّع المشاهدة عبر الإنترنت جعل مشاهدة أكثر من حلقة أسهل من أي وقت مضى، حتى تحوّل الأمر إلى سلوك متكرر غير مستغرب من جمهور المشاهدين، وليس فقط مهووسي المسلسلات والدراما، فلك أن تتصور أن 73 % من مشتركي شبكة «نيتفلكس» الأمريكية -أكبر شبكة تلفزيون مدفوع عبر الإنترنت- يقولون إنهم يشاهدون ما بين حلقتين إلى ست حلقات من المسلسل الواحد في جلسة واحدة! الأمر الذي جعل الشبكة تبث العام الحالي جميع حلقات الموسم الثالث من مسلسلها «بيت من ورق» دفعة واحدة! على عكس حلقات الموسمين الأول والثاني والتي كانت تبث حلقة واحدة كل أسبوع.
يكاد الجميع يقع في فخ المشاهدة المنهكة والسريعة لعشرات الساعات دون أن يفصلها بشيء، الأمر الذي يُفقد المشاهد حس التشويق والإثارة، كونك سوف تعرف ما سوف يحدث الآن وليس غداً أو بعد أسبوع كما كان يحدث سابقاً، ولست أذيع سراً أنني سبق ووقعت في هذا الفخ، حينما شاهدت جميع حلقات مسلسل «العراف» لعادل إمام خلال أربعة أيام فقط!
هذا الهوس بالمشاهدة المتلاحقة جعل البعض يتبرع بنشر قوائم للبرامج والمسلسلات التي تستحق أن تشاهد «بنجي»؛ فإثارتها وتشويقها تستحق أن تلتهم الحلقة وراء الآخرى على عكس أغلب البرامج، وهو ما جعل بعض الشبكات المفتوحة تستفيد من هذا الهوس بجعل المشاهد يدفع مقابل مشاهدة حلقة إضافية قبل الجميع.
لست مع أو ضد المشاهدة المتلاحقة، التي تتوسع يوماً بعد يوم، ولكن أليس تكرار هذه الممارسة تقتل روح المتعة والدهشة؟ أليست هذه الممارسة مرهقة للعين والعقل؟ بيد أنها بالتأكيد متعة لا توصف حينما تسارع بالانتقال للحلقة التالية دون أن تنتظر حتى مشاهدة «تتر» النهاية..


عبدالرحمن السلطان




الأحد، 13 ديسمبر 2015

نانو سعودي حقيقي

أعرف أن الحديث عن الإنجازات العلمية المحلية أضحى مثيرا للارتياب، خصوصاً مع تكرار قصص سيارة "غزال" ومثيلاتها في مختلف الجامعات والمعاهد السعودية، والتي يكتشف بعد حين أنها مجرد مبالغة علمية وفرقعة إعلامية، أو حتى إنجازات المبتعثين التي لا يصدح بها سوانا! لكن دعونا نركز هنا على إحدى أهم التقنيات، والتي ملأت إعلامنا بكثير من الوعود والعجيب من الأحلام وهي تنقيات النانو، ولنطرح سؤالنا -ونحن نقترب من عامنا العاشر في تقنيات النانو- هل توجد نجاحات سعودية حقيقية في هذا المجال؟
الجواب: نعم! صدّق أن هناك نجاحات مبهرة وإضافات معتبرة للبحث العلمي؛ لكنها لم تعد تظهر في وسائل الإعلام المحلية، إما خوفاً من عدم التصديق والاهتمام بسبب ما حدث قبل سنوات من بهرجة دعائية وزخم إعلامي واسع، أو بسبب ابتعاد الإعلام والناس عنها وفقد الأمل منها، فهناك مثلاً معهد الملك عبدالله لتقنية النانو الذي تأسس عام 1428 في جامعة الملك سعود، والذي خلال 9 سنوات استطاع بناء وتشكيل عدة مجموعات بحثية متخصصة في مجالات حيوية مختلفة، مثل الطاقة، وتحلية المياه، التطبيقات الصحية، وهذه المجموعات كانت تعمل بصمت خلال السنوات الماضية على تطوير المواد النانوية وربطها بالتطبيقات المختلفة.





فمثلاً في مجال تحلية المياه، وهو الموضوع المهم لحاضرنا ومستقبلنا يعمل الباحثون –حالياً- على إيجاد أغشية بوليمرية مطعّمة بمواد نانوية بهدف تحسين كفاءة عملية إزالة الأملاح وخفض الكلفة التشغيلية لتلك الأغشية، إضافة إلى إطالة عمرها التشغيلي وتقليل مشكلة تضررها وفسادها. وهو ما سوف يساعد على تخفيض فاتورة تحلية المياه في المملكة والتي تتضاعف عاماً بعد عام، ويخفف الأعباء عن محطات التحلية الذي تجاوز بعضها عمرها الافتراضي! إضافة إلى ذلك فقد طور الباحثون الألياف البوليمرية المفرّغة والمغطاة بطبقة من أكسيد التيتانيوم النانوي لاستخدامها في تقنية الترشيح النانوي. كما يتم العمل أيضا على تطوير جيلٍ جديدٍ من الأغشية، كتقنية تحلية المياه بالتفريغ، وتقنية التناضح الاسموزي الأمامي.
لكن ما الذي يمكن أن تقوم به المواد النانوية في العلوم الصحية؟ بالطبع هناك كثير من الأفكار، ومنها فرصة استخدامها كحاملات للأدوية. وهو ما استطاعت إحدى المجموعات البحثية السعودية في المعهد تحضيره، وذلك بتطوير مواد نانوية يحتوي لبها على مادة ذات خصائص مغناطيسية، بينما يتكون الغلاف من أكسيد السيليكون المسامي. بحيث تحمل الدواء في الغلاف المسامي بينما يعمل اللب المغناطيسي على توصيله بشكل مستهدف لأي عضو في الجسم تحت تأثير المجال المغناطيسي الخارجي. وكذلك فكرة تطوير كريات نانوية ذات لب من حبيبات الفضة أو سبيكة الفضة -الذهب وغلاف السيليكا المسامي، وتمتاز تلك الكريات النانوية بالقدرة على قتل خلايا السرطان بوسيلتين متزامنتين! وهما تأثير الضوء الحراري المنبعث من اللب والتأثير العلاجي للدواء الكيميائي المعبأ بمسام الغلاف.
دون أن نُغفل تطبيقات النانو في تطوير خلايا الطاقة الشمسية، مثل خلايا البيروفيسكايت، أو الخلايا الشمسية الصبغية، أو حتى خلايا النقاط الكمية، حيث يقوم خبراء المعهد إضافة إلى طلاب الماجستير والدكتوراه بتطوير مواد نانوية ذات فعالية كبيرة في امتصاص الطيف الشمسي، وكذلك تطوير أنظمة نقل كهربائي فعالة عبر التحكم في الأشكال النانوية لمواد النقل وفي خصائصها الفيزيائية الأخرى، بما يحقق كفاءة نقل كهربائي أفضل، وذلك لتجاوز أحد أكبر معضلات كفاءة الخلايا الشمسية حالياً.
ما سبق كان أمثلة من إنجازات علمية سعودية حقيقية لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، ولم يظهر مبدعوها ليل نهار في منصات الاتصال الاجتماعي، الأمر الذي يؤكد أن لدينا جيلاً مبدعاً من العلماء والباحثين السعوديين الحقيقيين، ممن يعمل بصمتٍ ودون البحث عن الظهور الإعلامي، إذ إن الأصل هو أن يبحث المحرر العلمي في الوسيلة الإعلامية عما يحدث في المعامل ومراكز الأبحاث وليس العكس، وهو ما يؤكد عليه دوماً الدكتور أوس بن إبراهيم الشمسان "عميد معهد الملك عبدالله للنانو"، الذي يؤمن بأن الإنجاز وتحقيق إضافة حقيقية لمسيرة البشر العلمية أهم وأولى من ملاحقة وسائل الإعلام بمعلومات تؤثر سلباً على مصداقية البحث العلمي ورجاله.
نحن اليوم مطالبون بمزيد من بث هذه الروح العلمية الصادقة في أروقة مراكز البحث والجامعات السعودية، فمتى آمن الباحث السعودي بأن جهده سوف يصل ويعرف بالطريقة والمستوى المناسب، وأن أصحاب الإنجازات الفارغة والأبحاث الورقية سوف يتم تجاهلهم؛ حتماً سوف يبدع ويركز في عمله، وسوف نفخر جميعاً بمنجزه.


عبدالرحمن السلطان







الاثنين، 7 ديسمبر 2015

520 محاولة

حينما توفي الروائي الأميركي "راي برادبيري" قبل 3 سنوات أوصى ابنته "الكسندرا" أن تحفر مؤلف "فهرنهايت 451" على شاهد قبره! عرفاناً وتقديراً للرواية التي حققت شهرته، ودفعت به إلى الصفوف الأمامية.





هذه الرواية التي تحوّلت إلى إحدى أبرز كلاسيكيات الأدب العالمي خلال النصف الثاني من القرن الماضي؛ لم تكن سوى نتيجة تلقائية لسنوات دؤوبة من القراءة والكتابة والتجربة التي لم تتوقف يوماً واحداً، فلم يكن مجرد كاتب هاوٍ يقضي وقت فراغه في الكتابة، بينما يكسب رزقه من موارد أخرى، بل كانت الكتابة محور حياته وبهجة روحه وكل شيء تقريباً، ولكن كيف له أن ينتج شيئاً مختلفاً؟ شيئاً يمنحه عضوية نادي عظماء القلم؟ وهو يفعل ما يفعله بقية الكتاب؛ يقرأ بجدٍ ويفكر بعمق ثم يكتب!
الخطة كانت واضحةً تماماً، عيبها الوحيدة أنها طويلة الأمد ومنهكة كذلك! إذ إن "برادبيري" ومنذ أن خط أول قصة قصيرة عام 1941 وهو لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية؛ اتخذ قراره بضرورة كتابة قصة واحدة كل أسبوع! ليستمر على هذا الإصرار 10 سنوات متتالية، وينجح في تحديه بإنجاز 520 قصة قصيرة مختلفة! ليكون هذا البرنامج المرهق أفضل وسيلة لصقل الموهبة وانتخاب الأفضل.
الشيء الآخر الذي تميّز به ركض "برادبيري" المتواصل أنه استطاع جمع عددٍ لا يحصى من الأفكار المبتكرة، خصوصاً وأنه تخصص في فرع "الخيال العلمي"، الذي يعتمد على الفكرة الخلاقة أكثر من الأسلوب والبلاغة اللغوية، وهو ما يمكن ملاحظته في قمة رواياته: "فهرنهايت 451" الزاخرة بأفكار مستقبلية متعددة نجدها اليوم واقعاً معاشاً، مثل أجهزة الصراف الآلي، شاشات التلفاز المسطحّة، سماعات الأذن لأجهزة الأيبود وغيرها، والغريب أنه سئل في مقابلة شخصية عن كيفية تكهّنه بكل هذا في كتاب واحد؟ فأجاب أنه يستخدم خياله عندما يكتب، وقال "شخصياتي قامت بكتابته، كل الأفكار جاءت منهم! وعندما تتحدث شخصياتي أستمع لها جيداً" على حد تعبيره.
الشيء الآخر الذي يكاد يكون سبب نجاح مسيرته الإبداعية هو اتباعه نظام كتابة بالغ الشدة، ففي العشرينات من عمره التزم "برادبيري" هذا البرنامج الأسبوعي الصارم: صباح يوم الاثنين يكتب المسودة الأولى لقصة جديدة، ثم يوم الثلاثاء المسودة الثانية للقصة نفسها، ثم يوم الأربعاء المسودة الثالثة، ثم الرابعة يوم الخميس، ثم الخامسة يوم الجمعة، حتى ينتهي من النص ظهر السبت حينها يرسلها إلى ناشره في نيويورك، ونظراً لحالته الاقتصادية وتفرّغه للكتابة فلقد كان ملتزماً بهذا البرنامج طمعاً أن يفوز ببيع قصة أو اثنتين من محاولاته الأسبوعية كل شهر، حتى يستطيع الحصول على 20 أو 40 دولارا تمكّنه من العيش على السجق والشطائر والمعلبات.
ولك أن تتصور أن رواية "فهرنهايت 451" كتبها "برادبيري" خلال 9 أيام فقط! كان يذهب فيها إلى مكتبة جامعة كاليفورنيا صباحاً بالحافلة ويعود إلى منزله ليلاً، وبالطبع فإن مخزونه المعرفي المتراكم المبني على قراءة واسعة النطاق، واستمتاعٍ بمتع الحياة المتنوعة، ومسودات قصصه المتعددة؛ مكنّه من إنجاز أيقونته بكل سلاسة، والرائع في الأمر أن اختياره لموضوع الرواية -وإن كان ردة فعل غير مباشرة للمرحلة الماكارثية- إلا أنها كانت مرتبطة بحبه لمنتجه النهائي: الكتاب، فهي تشير إلى درجة الحرارة التي يشتعل فيها ورق الكتب، وذلك حينما نجد أنفسنا في المستقبل تحت رحمة نظام سلطوي شمولي، يعتمد على الصورة التلفزيونية كأسلوب دعاية سياسية مباشرة، ويطلق رجال الإطفاء لملاحقة الكتب ثم حرقها، مما يخلق مناخ إرهاب ثقافي مروّع، ونزعة نحو تسطيح الفكر، ومحاربة العقل الجدلي الحر.






لم يكن "برادبيري" مختلفاً عن مجمل الكتّاب والروائيين من ذوي الموهبة والإبداع، لكنه استطاع التفوّق عليهم والدخول إلى قائمة الأدباء العظماء لأنه آمن أن الكتابة ليست مجرد عمل روتيني ممل؛ بل عملية إبداعية تحتاج إلى جهد بدني، "تحتاج أن يضع الفنان فيها من دمه ولحمه"، ليس هذا وحسب بل من الضروري -فوق ذلك- أن يستمتع بها كمزحة أو مغامرة مدهشة، وهو ما يمكن أن نلمسه في بقية ما كتب "برادبيري" من روايات وقصص، التي حتماً كانت نتاج أكثر من 520 محاولة، انتخب منها الأفضل، ليضيف وحده إلى التراث الإنساني: 13 رواية و400 قصة قصيرة، تستحق القراءة والاستمتاع.

عبدالرحمن السلطان






الأحد، 29 نوفمبر 2015

الإيموجي نسخة الإسبرانتو الجديدة

 بالتأكيد أن الطبيب البولندي "لودفيك زامنهوف" لم يكن يتصور يوما ما أن مشروعه الطموح بلغة عالمية مشتركة يفهمها كل البشر سيتحول في النهاية إلى لغة أقرب ما يكون إلى أصل الكتابة، حينما كانت مجرد رسوم ورموز!
هذا ما يحدث اليوم مع رموز "الإيموجي" التي ابتكرها الياباني "شيجيتاكا كوريتا" عام 1998 ليتجاوز صعوبة إيصال مشاعره إلى زملائه عبر رسائل الهاتف والبريد الإلكتروني، والتي سرعان ما تلقفتها شركات مشغلي الهواتف الجوالة في اليابان، وكانت مجرد وجوه ضاحكة ورموز بدائية، اطلق عليها مسمى "إيموجي Emoji"، وهي كلمة نحتت من كلمتي "e" وهي اختصار كلمة الصورة, و"moji" التي تعني الحرف أو الرمز، والتي بعد انتشارها خارج اليابان عام 2010 وحّدت أكوادها، لتظهر بشكل متماثل في جميع الهواتف النقالة ومشغلي الشبكات، كما لو كانت لغة مستقلة في حدِ ذاتها.




والعجيب أن هذه الرموز توسّعت وانتشرت في العالم خلال سنوات قليلة، بل أضحت أكثر انتشارا من لغة "الإسبرانتو" العالمية التي كانت وما تزال المحاولة الوحيد المعتبرة لجمع بني البشر على لغة واحدة مشتركة، غير أنها ومنذ أن ابتكرها "زامنهوف" عام 1887 لم تحقق النجاح المأمول، فهي ما تزال تستخدم على نطاق ضيق ضمن دوائر المثقفين والمهتمين باللغات واللسانيات، ولم تستطع تحقق هدفها أن تكون وسيلة الاتصال المحايدة والعادلة بين البشر، بحيث لا تنتمي إلى عرق واحد أو دولة واحدة، فضلا عن أنها تشعر المتحدث بالتساوي مقارنة بالتحدث بأحد اللغات الأخرى الشهيرة مع شخص يتكلمها كلغة أصلية.
ولعل أكثر الإحصاءات المتفائلة تقدر عدد متحدثي هذه اللغة بحوالى ثلاثمئة ألف متحدث حول العالم. منهم ثلاثمئة عربي فقط، رغم جهود اللجنة العربية التابعة لجمعية الإسبرانتو العالمية، بتوفير الكتب ومصادر التعلم، لكنها تبقى أقل من مستوى التوقعات وفي تراجع مستمر.
لكن يبدو أن لغة الرموز السهلة والملوّنة –الإيموجي- حققت خلال خمس سنوات ما لم تستطع "الإسبرانتو" تحقيقه خلال أكثر من مئة عام! وأضحت أسهل وسيلة اتصال تجمع بني البشر، لأنها تمكّن الجميع من اختصار الوقت والجهد خلال الكتابة.
ليس هذا وحسب؛ بل وحتى اختصار المشاعر والمعاني، وتحقيق عنصري الحيادة والمساواة بين طرفي الاتصال، الأمر الذي ساعد على تطور وتشعب استخدامها بشكل مذهل، بحيث أضحى كل مجتمع يتوافق على معاني أخرى مختلفة لبعض الرموز، كما هو استخدام رمز "الباذنجان" في الولايات المتحدة، أو الاستخدام التجاري للرموز كما يحدث حينما تطلب بيتزا من أشهر سلاسل البيتزا في أميركا، أو حتى حجز غرفة فندق بالطريقة نفسها، بل وصل الأمر إلى استخدامها ككلمة مرور، نظرا لأنها تعطي خيارات أوسع، إذ إن لغة "الإيموجي" توسع دائرة الاحتمالات الموجودة في 4 خانات إلى أكثر من ثلاثة ملايين خيار، بدلا من 7289 التي يمكن الحصول عليها مقابل رقم واحد صحيح.
أما على المستوى الثقافي، فلقد تجاوزنا مرحلة استغلال تلك الرموز في الرسائل والمقالات؛ حتى حدى الأمر بصحيفة "اليوم السابع" المصرية استخدام رمز وجه "الإيموجي" الحزين، وذلك في صدر "مانشيت" الصفحة الأولى؛ حين تغطيتها لغرق شوارع مدينة الإسكندرية شهر نوفمبر الماضي، فضلا عن النسخة الإنجليزية من موسوعة "ويكيبيديا" المفتوحة، والتي غالبا ما تربط جزءا من عناوين صفحاتها برمز  "الإيموجي" المناسب، مثل ربط موضوع عن البرتقال برمز برتقال الإيموجي.
بالطبع، يتزايد استخدام هذه الرموز كل يوم دون أن نشعر، ويتجاوز أثرها المستوى الاجتماعي والاتصال الجمعي، فهي اليوم أضحت جزءا أصيلا من اللغة الأكثر انتشارا في العالم، فها هي هيئة تحرير قاموس أكسفورد العريق لمفردات اللغة الإنجليزية تختار أحد رموز الإيموجي كلمة هذا العام 2015! وهو الوجه بدموع الفرح! نظرا لأنه كان الأكثر انتشارا هذا العام، وهذا ما يؤكد أننا أمام طوفان متعاظم لهذه الرموز، وأنها قد تصبح يوما أداة التواصل البسيط بين عموم البشر، خصوصا ممن لا يتحدثون إلا بلغتهم الأم، أو ممن لا يجيدون استخدام تقنيات الترجمة.
حتما أن "الإيموجي" ستزداد انتشارا وتأثيرا، خصوصا مع التحديث الجديد الذي ظهر بألوان أعراق البشر! كما أنها ستزداد تعقيدا وتشعبا، وستتداخل بشكل أوسع في التعاملات الشخصية وحتى التجارية. السؤال الأهم: إلى أي حد أقصى ستأخذنا هذه الرموز؟ وإلى أي مدى سنتقبل تكاثرها حولنا؟ لننتظر ونرى.

عبدالرحمن السلطان






الاثنين، 16 نوفمبر 2015

بعد الثانوية وقبل الجامعة

دعني أصارحك القول.. لو عاد بي الزمن من جديد؛ لاخترت التوقف عن الدراسة عاماً كاملاً بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة وقبل التحاقي بالجامعة!
نعم سوف أتوقف عن الدراسة تماماً وأعيش مغامرة ما يطلق عليه: "عام التفرّغ" Gap Year، وهي الأشهر الاثني عشر التي تلي الحصول على الشهادة الثانوية العامة دون الالتحاق مباشرة بدراسة نظامية سواء كانت جامعية أو دون جامعية، والفكرة ببساطة تتمحور بمزيدٍ من التعرّف على النفس واهتماماتها، خصوصاً مع التحرّر من الالتزام الدراسي اليومي، وضغوط الوالدين والعائلة، والهرب من تفضيلات الأصدقاء وتوصيات المعلمين.




بمجرد الانتهاء من العام الدراسي الأخير في التعليم العام ينطلق الشاب في رحلة جامحة بعيداً عن منزله، ليختبر العمل في وظائف مختلفة، وليشارك في أعمال تطوعية متنوعة، وليمارس هوايات واهتمامات لم يكن يجد الوقت الكافي لها، وليسافر دون تخطيط وبميزانية منخفضة، ليختلط بثقافات لم يعهدها، وليعاشر من لم يعرف من قبل، والرائع أن كل يوم من أيام هذه السنة قد يضيف من المعارف والخبرات ما يفوق ما جناه الشاب خلال سنواته الثلاث الأخيرة، والتجربة خير برهان على أن هذه الأشهر قد تغيّر من بوصلة التخصص الجامعي إلى شيء يحبه ويرغب به، على عكس ما كان يعتقد حينما كان يفكر ويفاضل نظرياً بين التخصصات خلال عامه الأخير في المرحلة الثانوية، أو قد تقوده إلى مسارٍ آخر في حياته لم يكن يجرؤ أن يفكر به!
خلال السنوات الماضية توسع الاهتمام بهذا المفهوم، إذ تكاثر عدد الجمعيات غير الربحية المتخصصة في توجيه الشباب نحو استغلال أمثل لهذه السنة، ناهيك عن المجلات والشركات المتخصصة، بل إن عدداً متزايداً من الجامعات أضحى أكثر اهتماماً بتشجيع الطلاب على خوض غمار هذه التجربة، كما هو الحال في جامعات النخبة الأمريكية التي يزداد اهتمامها بسنة "التفرّغ" عاماً بعد عام، نظراً لأثرها الملاحظ على نضج الطلاب القادمين بعدها، فجامعة "هارفرد" العريقة تشجّع مثل هذه المبادرة، وتوّفر فرصة تأجيل الدارسة لسنة واحدة، لمن يلتحق ببرنامج سفر أو مشروع خاص، وغالباً ما تصدر الموافقة سنوياً على تأجيل قبول 110 من الطلاب والطالبات كل عام ممن يفضلون قضاء سنة التفرّغ قبل السنة الجامعية الأولى. ناهيك عن بعض الجامعات التي تقدم برنامجاً مجدولاً لسنة التفرّغ، الذي قد تصل رسومه إلى ثلاثين ألف دولار أميركي!
بل إن جامعة "تافت" العريقة في بوسطن أطلقت هذا العام برنامج: "1+4"، مستهدفاً جمهور الطلاب ممن يرغبون فرصة الفوز بسنة التفرّغ قبل الدراسة الجامعية التقليدية، بحيث يختار الطالب ما يناسبه من فرص التجارب داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ثم بعد نهاية العام يلتحق بحرم الجامعة في تخصصه العلمي، والرائع في الأمر أن الشاب لا يجب أن يقلق من التكلفة فسنة التفرّغ في جامعة "تافت" تمول ميزانيتها من مؤسسات خيرية تستهدف رفع مستوى وكفاءة طالب الجامعة الأميركي.





وفي حقيقة الأمر أن كثيراً من الخبراء ينصحون بالتخطيط العام المسبق لهذه السنة، دون الغوص في التفاصيل الدقيقة، كون الإغراق في التحضيرات سوف يحرم الشاب من متعة المغامرة ولذّة اتخاذ القرار، بالإضافة إلى أن الفكرة الأساسية هي التعرّف الحقيقي على النفس وكوامنها، وهو الأمر الذي لن يحدث حينما تكون مخططاً لكل شيء بالتفصيل، كما يؤكد –الخبراء- أن أثر هذه السنة المختلفة سوف يكون أكبر من توقع الشاب، وسوف تكشف له عن كثير من الدواخل والاهتمامات، وسوف تُنير له درب مستقبله، بدلاً من إضاعة زهرة ربيع عمره في ما لا يحب ولا يرغب.
دعني أسألك سؤالا قد يكون محرجاً، لكنه بالتأكيد سوف يجعلك تعيد التفكير بما جناه استعجالنا للحصول على الشهادة الجامعية: ماذا لو عاد بك الزمن، وعشت سنة التفرّغ هذه وخبرت تجارب مختلفة خارج محيط عائلتك ومسقط رأسك؛ هل سوف تختار نفس تخصصك الذي تخرجت به أم لا؟ أكاد أجزم أن الكثيرين سوف يمزّ شفته ويؤكد أنه قد يختار تخصصاً آخر. لذا عزيزي طالب الثانوية العامة فكّر بهذه الفرصة، وتذكر أنها مجرد سنة واحدة لا تمثل شيئاً يذكر في مجمل حياتك الطويلة – بمشيئة الله-، لكنها قد تكون سبب سعادتك ونجاحك

عبدالرحمن السلطان




الأربعاء، 11 نوفمبر 2015

في النهاية هي صناعة!

هل يمكن أن تحزر العدد الكلي لفريق عمل الجزء الثالث من الفيلم السينمائي: «الرجل الحديدي»؟ البعض قد يفكر بما لا يقل عن خمسمائة فني وتقني، عطفاً على تخمة الخدع السينمائية وتعدد مواقع التصوير، أو قد يزيدها إلى ألف مشارك كحد أقصى! بينما الجواب الصحيح هو 3310! نعم أكثر من ثلاثة آلاف عملوا على إنتاج فيلم سينمائي واحد فقط! وهو ما تفوق على الرقم القياسي المسجل قبل سنوات لفريق عمل الفيلم الشهير: «أفتار» ب 2984 شخصاً!




بالطبع هذا العدد الهائل لفريق العمل يسهم في رفع جودة تفاصيل المنتج النهائي، فليس الأمر متعلقاً بفكرة وسيناريو الفيلم، ولا أيضاً رؤيته الإخراجية، كما نفعل – نحن- دوماً في أعمالنا الفنية، بل إن تحوّل الفنون في الغرب إلى صناعة متكاملة يجعل الاهتمام بالتفاصيل كافة مهما كانت ضئيلة أساساً لا يمكن تجاوزه، فالمشاهد – أو الزبون بعبارة أخرى- يستحق أن يستمتع بعمل فني متكامل الأركان، عملاً يقنعه بكامل بيئته.
ودعنا نبقى مع «الرجل الحديدي» إذ إن إطلالة سريعة على القائمة النهائية لفريق العمل لتنبئنا عن مدى التنوع الغني بين أعضاء الفريق، حيث هناك 14 منتجاً منفذاً، وخمسة مشرفين فنيين، 40 فني مكياج، 750 تقني خدع سينمائية، وهلم جرا في كل تخصص ومجال، وهم بالتأكيد من يحوّل القصة إلى منتج نهائي يجذب الملايين لمشاهدته والاستمتاع بكل مشهد ولقطة، وهذا الأمر ينطبق كذلك على أفلام السينماء الأمريكية الأخرى، التي يحتاج أغلبها إلى أكثر من سنة ونصف من العمل الدؤوب حتى يصل إلى دور السينما! وبالطبع هناك جحافل ضخمة تكدح لأشهر متواصلة حتى يستمع المشاهد في النهاية بساعة ونصف أو أقل، دون أن يعلم أن متوسط عدد من يعمل في أي فيلم من الفئة المتوسطة لا يقل عن خمسمائة مبدع! الأمر الذي يعتبر من سابع المستحيلات أن يحدث في صناعة السينما أو المسلسلات العربية.
أعتقد أنه حان الوقت اليوم لننظر إلى الفنون من زاوية أخرى، قد تكون هي العلاج الناجع لمسيرتنا الفنية التي تتراجع كل يوم، فسرّ نجاح وانتشار الإبداع الفني في الغرب هو تحوّله إلى صناعة متكاملة ذات عوائد مجزية، بداية من جذب الكتاب المؤهلين، واستقطاب الفنانين المبدعين، ليس فقط مجال التمثيل والإخراج، بل جميع التخصصات الفنية كالإضاءة والصوتيات والمكياج والخدع، انتهاءً بالتسويق وبيع الحقوق والتذاكر الإلكترونية، وبالطبع كل هذه المنظومة المتشعبة من المشاركين تسهم في تحقيق النجاح على المستوى الفني، وعلى مستوى العوائد المالية، مما يفتح لأعمال فنية آخرى وهكذا
أعرف أن سقف طموحنا مرتفع، وأن أحلامنا الفنية قد يصعب تطبيقها، لكنني مؤمن أننا جميعاً سوف نسعد، بل سوف نزداد التهاماً لإبداعاتنا؛ فقط دعونا نفكر بمنطق صناعي متكامل ولو لمرة واحدة.


عبدالرحمن السلطان

نشر هذا المقال في مجلة اليمامة, الصادرة بتاريخ 11 نوفمبر 2015م

الأحد، 25 أكتوبر 2015

غرفة وكرسيان وميكروفونان

قبل أسابيع لفت نظري غرفة صفراء مؤقتة نُصبت وسط محطة القطار الرئيسة في نيويورك، لم تكن معرضا ترويجيا لأحد المنتجات الاستهلاكية، بل كانت مجرد حجرة بسيطة تحوي طاولة وكرسيين اثنين وميكروفونين اثنين كذلك!
بالطبع، اقتربت من الحجرة لأجد داخلها رجلين، يبدو أن أحدهما جَدٌ للآخر، وكانا يتحدثان بحيث يستطيع سماعهما القريبون من الحجرة بواسطة مكبر صوت صغير، بينما هما يسجلان داخل حجرة معزولة عن الضجة الكبيرة في محطة "القراند سنترال" الشهيرة.






اتضح لي أن هذه الغرفة هي المبادرة الأولى والمستمرة لمؤسسة StoryCorps الأميركية غير الربحية التي تهدف إلى توثيق التاريخ الشفوي للولايات المتحدة الأميركية، بواسطة تسجيل حكايا وذكريات الجميع، وليس كما يحدث عادة عبر المشاهير أو متخذي القرار
العجيب في الأمر، أن هذه الحجيرة الصغيرة كانت الشرارة التي قدحت زناد تسارع تأسيس المؤسسة عام 2003، لتجعلها تكبر وتتمدد خلال سنوات قليلة لاحقة.
ولك أن تتصور أن يدخل شاب لا يتجاوز عمره الثمانية عشر ربيعا الحجرة مع جدته المعمرة، ليجري معها حوارا تاريخيا لا تتجاوز مدته 45 دقيقة، حتما ستتاح له الفرصة لطرح الأسئلة التي ربما لا يجرؤ عليها، وعلى الاستمتاع بإجابات لم يكن يدرك وجودها، وبعد الحوار يتسلم المتحاوران قرصا مدمجا لحوارهما، ثم يجد تسجيل الحوار طريقه تلقائيا إلى مركز الفلكلور الأميركي بمكتبة الكونجرس –أكبر مكتبة في العالم- بعد تصنيفه وتحديد الكلمات الدالة، مع توفير نسخة رقمية للعموم عبر موقع المؤسسة الإلكتروني! ما يجعل تلك التسجيلات المتنوعة كنزا لا يصدق لجمهور الباحثين، بل إن الحظ ربما يحالف بعض الحوارات لتبث الفترة الصباحية عبر إذاعة NPR الوطنية.
وغني عن القول، إن تسجيل التاريخ الشفوي لأي شيء حتما سيكون مختلفا حينما يصدر من أفواه من عايشوه وتأثروا به، وليس عبر صنعه من القادة فقط، فهم –أي الناس- الأصدق في نقل رؤيتهم هم، بكلماتهم ووصفهم هم، إذ تجد الكلمات تنهمر وتتدفق دونما رقيب داخلي أو خارجي، لأنها نتاج حوار صادق وتلقائي بين طرفين تربطهما علاقة مباشرة، فإما أن يكونا زوجا وزوجة، أو ابنا ووالده أو جده، أو أخا وأختا، بل ربما يكونا صديقين مضى على صداقتهما زمن طويل، أو زميلا عمل تفرقت بهما السنون وهكذا دواليك
غير أن اللحظة الأجمل تحدث حينما يتبادل الطرفان المقاعد، حينها ننتقل في كثير من الحالات من توثيق الماضي إلى كتابة الحاضر
الرائع في الأمر، أن كثيرا من تلك التسجيلات تتجاوز توثيق الأحداث ووصف الأماكن، إلى تحوّل دقائقها لرحلة مصارحة وصدق، كما حديث العجوز "داني بيرازا" لزوجته "آني"، حينما وصف عواطفه الصادقة عن حبهما خلال 26 عاما هي مدة زواجهما، أو الشاب "ميشيل ولماتز" الذي طلب الزواج من صديقته "ديبورا براكراز" داخل هذه الغرفة، ولكن بعد أن قدم لها الخاتم العتيق الذي تزوجت به جدته!





هذه الاستجابة الرائعة من مختلف شرائح المجتمع، جعلت برنامج التوثيق يتوسع إلى معظم الولايات الأميركية، وأن يتخذ أشكالا متعددة، بحيث أضحت المؤسسة توفر أجهزة التسجيل الصوتي والمرئي للمتاحف والمراكز الثقافية، لتجعل عملية التسجيل أسهل وأقرب من أي وقت مضى، فضلا عن تطور المشروع ليضحى أكثر تخصصا كما حدث في برنامج توثيق قصص أحداث الحادي عشر من سبتمر، ليس فقط من وجهة نظر من عاشها أو شاهدها بعينه المجردة في نيويورك، بل إلى جميع الناس الذين شاركوا رؤيتهم وقصصهم، بل حتى بعض الصور الحصرية التي ساعدت على إكمال الصورة الكبيرة للحدث. هنا في المملكة، توجد تجربة دارة الملك عبدالعزيز التي أخذت على عاتقها التوثيق الشفهي لتاريخ المملكة منذ حوالي عشر سنوات، عبر زيارة كبار السن وتسجيل توثقيهم الشفهي للأحداث والقصص التاريخية، والتي أنتجت "قاعدة معلومات التاريخ الشفوي"، فضلا عن الحصول على أكثر من ثلاثين ألف وثيقة تاريخية خلال المقابلات



إن مؤسسة "Story Corps" التطوعية –سالفة الذكر- استطاعت حتى اليوم تسجيل 60 ألف مادة تاريخية، عبر استضافة أكثر من مئة ألف أميركي وأميركية! بواسطة غرف التسجيل الرئيسة في نيويورك وسان فرانسيسكو وأطلانطا، وكذلك عبر وحدتي تسجيل متنقلة تتوقف كل مرة في مدينة أميركية مختلفة، دون إغفال خدمة التسجيل في المنزل لمن لا يستطيع، وكذلك إتاحة الفرصة لم يرغب التسجيل بنفسه ثم تحميله عبر الموقع الإلكتروني للمؤسسة، مع توفيرها دليل إجراءات يساعد على الاستفادة القصوى من الحوار، عبر اقتراح بعض الأسئلة والمحاور التي تزيد من كفاءة الحوار وعمقه، وكذلك عبر إطلاق مبادرات توثيق متخصصة، إحداها للذكريات العسكرية، والثانية للإرث الشخصي، والثالثة لمن يعانون أمراض فقدان الذاكرة كمرضى الخرف ونحوه، والرابعة لتاريخ الأميركان الهسبانك، والأخيرة للأميركيين من أصل أفريقي
جميعنا لديه كمٌ هائل من القصص التي لا مثيل لها، والتي يجب أن تروى وتسجل لتبقى شاهدا لنا أننا مررنا هنا، وحتى يأتي ذلك اليوم الذي تتاح لنا فرصة تسجيل قصصنا، دعونا نتشجع ونسجل ونكتب قصصنا بأي وسيلة كانت.


عبدالرحمن السلطان


الاثنين، 5 أكتوبر 2015

الجميع يستحق أ

 تخيّل فصلا دراسيا يحصل فيه جميع الطلاب على درجة الامتياز! هكذا دون طلبة متأخرين وجمهور في المنتصف وقلة في المقدمة، ليس هذا وحسب بل يحصل الجميع على درجة "الألف" منذ اليوم الأول للدراسة!
أوليس هدف الالتحاق بفصل دراسي هو التعلّم واكتساب المهارات؟ وليس تلقي وحفظ المعلومات ثم سردها في امتحان قصير قد لا يكون فرصة كاملة لتأكيد اكتساب الحد الأدنى من الكفاءات



هذه الفكرة الجنونية بمنح الجميع الدرجة العليا منذ البداية كانت من بنات أفكار الموسيقار الأميركي  الشهير: "بينامين زاندر" الذي يستقبل كل عام عشرات الطلاب حول العالم في فصله الدراسي لتعلم عزف البيانو وقيادة الأوركسترا، وهو يدرك أنهم جميعا يتجشمون عناء السفر وهم يحملون شغفا هائلا وعشقا لعوالم الموسيقى، خصوصا الكلاسيكية، غير أنهم كما جميع الطلاب غالبا ما يقعون في فخ المقارنة، ولا يدركون أن القمة تتسع للجميع، إذ يفقد الكثير حماسته للتعليم والتدريب حال تدشين فصله الدراسي، وذلك حينما يؤمن عقله الباطن أنه وإن كان أفضل من صاحبه، إلا أنه بالتأكيد أقل مستوى من صاحبه الآخر، وهكذا دواليك حتى يغرق في دوامة الخوف من عدم تحقيق الكمال إلى الخوف من الوقوع في الخطأ، وينتهي الوقت المخصص للدراسة والتدريب دون تعلّم حقيقي، لأنه يحاول الصعود من الأسفل نحو الأعلى، وغني عن القول إنه لا يمكن أن تصعد من الأسفل إلى الأعلى دون أن تقع ولو لمرة واحدة على الأقل.
في بداية العام الدارسي، وبعد أن يرحب  "زاندر" بطلابه الجدد؛ يصدمهم بتقرير أنهم جميعا سيحصلون على  درجة الامتياز نهاية العام! ولكن شرط أن يكتب الواحد منهم رسالة موجهة إليه خلال الأسبوعين الأولين من الدراسة، وأن تكون مؤرخة بشهر مايو من العام القادم، أي حينما ينتهي العام الدراسي الحالي، وأن تبدأ هذه الرسالة بجملة: "أنا حصلت على درجة "أ" بسبب .... "، ثم يقوم الطالب بوصف مستواه المهاري الذي وصل إليه في مايو القادم! فقط ليبرر حصول على هذه الدرجة الاستثنائية، وهو – أي زاندر- يقول إنه بهذه الوسيلة المبتكر يجعل طالبه يبدأ يتمثل سلوك ومهارات الشخص الذي سيكون خلال أشهر قليلة، والذي يكتب عنه الآن، وأنه سيفعل المستحيل ويتجاوز كل الصعاب فقط ليصل إلى الشخصية التي رسمها في خطابه.



وهذا ما يحدث بالفعل.. يتحمس الطلاب ويكتبون عما يحبون أن يكونوا عليه، مما يجعلهم يركزون على أنفسهم وحسب، ويتركون خلفهم إحساس المنافسة الزائف، ويتجاهلون الصوت الذي يمنعهم من اقتراف الخطأ نحو الوصول إلى التفوق، فيرتاحون نفسيا، وتشحذ منشارهم للوصول إلى أقصى ما يستطيعون، ولك أن تتصور المستوى العلمي والمهاري لفصل دراسي لا يضم سوى الحاصلين على درجة الامتياز! وهذا ما يفخر به "زاندر" صاحب التجربة الإدارية الطويلة والأفكار القيادية المبتكرة، فهو دوما لا يدرّس سوى طلاب الامتياز على حد تعبيره.
وأنت أيضا تستطيع أن تمنح من حولك درجة "الامتياز".. الزوجة، صديقك المقرّب، زميل العمل.. وهلم جرا، ذلك أن منحها مقدما والحديث بوضوح عما يجب على الطرف الثاني عمله لاستمرار الحصول عليها، كفيل بتحقيقه الدرجة العليا ويزيد، بل إن هذه المبادرة قد تكون فرصة لرفع مستوى العلاقة وتحقيق شيء من التوقعات المتبادلة.
وكما يتحمس كثير من الطلاب لهذه الفكرة المجنونة بمنحه الامتياز مقدما؛ هناك فئة لا بأس بها لا تتجاوب مع هذه الفكرة، لأنهم يؤمنون بالطريقة التقليدية، حيث التلقي والاستماع إلى المعلم مهما قال، وهو بالذات ما يحدث دوما مع  طلاب شرق القارة الآسيوية، إذ تلعب التقاليد واحترام التراتبية دورا كبيرا في المجتمع، ولا يقبل هؤلاء أن يقوموا بتقييم أنفسهم بدلا من معلمهم! لكنهم وبعد فترة من الزمن يبدأون بفهم الفكرة، وكيف أن الشخص في حد ذاته قادر على فهم نفسه وإمكاناته، وقادر على تحديد مستواه اليوم، والأهم من ذلك قادر على رسم خارطة طريق مستواه في المستقبل القريب.
إننا حينما نضع لأنفسنا هدفا مرتفعا نصب أعيننا؛ نجد أننا غالبا ما نحققه أو على الأقل نقترب من تحقيقه، على العكس حينما نبدأ من الأسفل، ونضيع في دوامة عدم وضوح الهدف، ودوامة الخوف من الفشل، وبدلا من القفز إلى الأعلى، نبقى عالقين دون تحرك.
أكاد أجزم أن كثيرا من المعلمين والمعلمات سيصابون بالهلع من مجرد التفكير بمنح جميع طلابهم درجة الامتياز هكذا دون مقابل، ولكن دعونا نفكر بصدق في جوهر العملية التعليمية، هل هدفنا هو مجرد تقييم استحقاق الطالب للدرجات؟ أم أن هدفنا الأسمى هو نجاح العملية التعليمية وتوريث الخبرات والمهارات؟ أما سؤالي الأهم- لنا نحن من غير المعلمين- لم لا نعيد تعريف علاقاتنا بمن نحب؟  لم لا نمنحهم "الألف" منذ البداية؟

عبدالرحمن السلطان




الخميس، 27 أغسطس 2015

الصيدلي العربي الذي أحدث فرقاً

 أن تقتحم مجاهل الصناعة الدوائية فهذا أمر صعبٌ وشائك؛ لكن أن تصل بمشروعك الدوائي إلى العالمية وتصبح من أكبر منتجي الأدوية فهذا المستحيل بعينه!
لازال أتذكر ذلك اليوم حينما قابلت الصيدلي "سميح دروزة" لأول مرة, كان العشرين من يونيو للعام 2007م, وكنا للتو قد أنهينا اجتماعاً للجنة المسؤولية الاجتماعية, والتي كانت مكونة من أعضاء من أكبر مصانع مجموعته الدوائية حول العالم: الأردن, الجزائر, البرتغال, أمريكا, والسعودية التي أمثلها, حينما كنت أعمل في المجموعة قبل سنوات عديدة, ذالكم اللقاء الذي أفصح فيه عن فلسفته في بناء الإنسان وتوريث الخبرات, والأهم من ذلك تقديم إضافة حقيقية لوطننا العربي.




بيد أن البداية الشاقة كانت قبل هذا الاجتماع بما يزيد عن الأربعين عاماً! حينما كان سميح دروزة لا يزال يعمل صيدلانياً في إحدى أكبر شركات الأدوية الأمريكية, والتي اكتسب قبلها خبرة ثريّة في لبنان والكويت والأردن حتى انتهى به المطاف في مكتب الشركة الإقليمي بروما, لكنه كان يعرف أنه يجب أن يغامر بشيء مختلف يحدث أثراً واسعاً, الشيء المثير هنا أنه لم يتردد بالمغامرة كونه تجاوز الأربعين من عمره, بل كان الأمر مشجعاً له, فالخبرة متوفرة ورأس المال ليس مشكلة لمن لديه شغف, وكانت العودة إلى الأردن ليبدأ مشروع بإنشاء مصنع "لايف فارما" الصغير. لكنه منذ البداية كان مدركاً أن مجرد تقليد المصانع المحلية الأخرى لن تجدي نفعاً, وأنك سوف تكون مجرد منتج إضافي لأدوية تقليدية, فكانت الفكرة متقدمة على عصره, إذ خرج بمبدأ تصنع الأدوية تحت الترخيص, أي أن تصنيع وتسويق أدوية لا تزال تحت براءة الاختراع, ولكن بترخيص من مالك حقها التسويقي, كما أنه أضاف بعداً آخر, إذن أنه سبق الجميع بتوجه إلى مصدر جديد تماماً على المنطقة العربية؛ إلى اليابان!





ولد سميح في مدينة نابلس الفلسطنية عام 1930م, ومنها انتقل مع عائلته إلى عمّان كلاجئي بعد أن استولت إسرائيل على الأراضي العربية, وعاش في ظروف معيشية صعبة حتى تحسنّت ظروف والده المالية, حينها زار المدينة مندوب من الجامعة الأمريكية ببيروت لمقابلة الطلاب الذين يرغبون الدراسة في الجامعة, وكان أن قابل "سميح" الذي لم يكن يعرف سوى أنه يريد دراسة شيء له علاقة بالصناعة, فكان أن أقنعه المندوب بالصيدلة وهذا ما حصل, لينتقل عام 1949م إلى بيروت لدراسة الصيدلة, وهناك تعرّف على زوجته ورفيقة دربه السيدة "سميرة", وبعد إنهاء دراسته عاد إلى عمّان لكنه لم يجد وظيفة مناسبة, وصدف أن دعاه عميد كلية الصيدلة للتدريس كونه أحد أميز خريجي الجامعة, وعاد مرة أخرى إلى جامعته ولكنه مدرساً هذه المرة, وبقي فيها حتى حصل على عقد عمل في الكويت, وعمل صيدلانياً في الكويت حتى العام 1958 إذ عاد إلى عمّان لينشأ صيدليته الخاصة, التي أضحت خلال أشهر صيدلة ناجحة يضرب بها المثل,  لكن أحلام سميح لا تتوقف على مجرد صيدلية!
إذ أنه قرأ إعلاناً عن منحة "فولبرايت" الأمريكية للدراسات العليا, ورغم كبر حجم عائلته ونجاحه المهني إلا أنه قرر وبمساندة كبيرة من زوجته التقدم للمنحة, وكان أن قبل بها, ليحزم حقائبه وقد تجاوز منتصف الثلاثينات وبرفقة عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وبالتحديد إلى جامعة "سانت لويس" بولاية ميوزري  للحصول على درجة الماجستير في الصيدلة الصناعية, وكانت فرصة لا تعوض له ولعائلته, حين أنه قضى تلك الفترة القصيرة في الدارسة الصباحية للماجستير والدراسة المسائية لاكتساب مهارات الأعمال.
وهناك وبعد الحصول على درجة الماجستير سنحت له فرصة العمل مع الشركة الصيدلانية العملاقة: "إيلاي ليلي" بمقرها الرئيس في "إنديانابوليس", وبعدها بأشهر انتقل إلى بيروت ممثلاً للشركة في منطقة الشرق الأوسط, ليبدأ تأسيس أعمالها في دول المنطقة, فكان يؤسس فرع كل دولة على حدة, ثم ينتقل إلى الدولة الآخرى, حتى استطاع تأسيس فروع للشركة في أغلب دول الأقليم. يقول "سميح" عن تلك الفترة أنها هي من جعلته يدرك أهمية التفكير الواسع والمتقدم, والحرص على حسن الاهتمام بموظفيه كما هي سياسته الحالية, وتلك هي الأفكار التي جعلت من "أدوية الحكمة" بعد ذلك إيقونة للنجاح والتوسع المتواصل, ولك أن تتصور أن "إيلاي ليلي" كانت تبيع 50 الف دولار في أول سنة بدأ العمل فيها في بيروت أي عام 1964, وبعد 12 عاماً وحينما قرر تركها كانت المبيعات قد تجاوزت سقف 15 مليون دولار!
كان "سميح" ناجحاً في الشركة الأمريكية وكان يتقاضى راتباً مرتفعاً ومكافأة سنوية مجزية؛ لكنه كان يبحث عن تقديم شيء لمنطقته العربية, شيئاً لم يسبقه إليه أحد وهو تأسيس صناعة دوائية تشكّل قيمة إضافية, وكان أن وضع جميع مدخرات في بناء مصنعه الصغير, ثم اضطر لزيادة رأس المال بمشاركة أصدقاء من الأردن وإيطاليا, واستغرق الأمر سنتين من العمر حتى ظهر أول منتج له في الأسواق وهو المضاد الحيوي "سيفازولين" الذي اُعتبر إضافة ذات قيمة للأدوية المتوفرة في السوق المحلي, ومن طريف ما يذكره "سميح"؛ أنه وعندما رغب تسجيل شركته في السعودية, طلبت منه وزارة الصحة السعودية تغيير اسم الشركة من "لايف فارما" إلى اسم عربي كونها شركة عربية, وهذا بالفعل ما حدث إذ اختار "سميح" اسم "أدوية الحكمة" لمصنعه الوليد.
ورغم الصعاب المتتالية إلا أن النجاح كان حليفه, فكان أن توسعت المجموعة حتى اضحت مكوّنة من مصانع أدوية متعددة في كل من: الأردن, السعودية, مصر, الجزائر, المغرب, تونس, ايطاليا, البرتغال, ألمانيا, أمريكا, وكان قمة النجاح بتحويلها إلى شركة مساهمة عامة مدرجة في سوق لندن المالي عام 2003م بقيمة تتجاوز مليارات الدولارات, كما نمى عدد المستحضرات الصيدلانية التي تنتجها لتتجاوز المئات من مختلف المجموعات العلاجية وبمختلف الأشكال الصيدلانية, بالإضافة إلى سبعة الألف موظف في كافة قارات المعمورة, ناهيك عن تحولها إلى أكبر مجموعة دوائية في منطقة الشرق الأوسط, ودخولها نادي أكبر الشركات إنتاجاً للأدوية الجنيسة (وهي الأدوية المنتهية براءة اختراعها).







الرائع في الأمر أنه وإيماناً بدور الأجيال القادمة قام "سميح" قبل عشر سنوات بجمع تجربته العصامية في كتاب: "بناء نجاحٍ دولي.. قصة سميح دروزة وصعود الحكمة" عن دار "هاديسون" في نيويورك, وكان على شكل 21 درساً لا يمكن أن تعثر عليها إلا بعد تجربة غنية, للأسف صدر الكتاب فقط باللغة الإنجليزية! ولعل أحد دور النشر العربية تنتبه له وتعمل على ترجمته إلى لغتنا الأم.



قبل أشهر قليلة ودعنا الصيدلي "سيمح دروزة" إلى جوار ربه, تاركاً خلفه منجزاً حقيقياً يفخر به كل صيدلي عربي, منجزاً لم يبدأ تحقيقه إلا بعد الأربعين! ليؤكد لناأن النجاح سوف يكون حليفك أي وقت, فقط اسع وراء شغفك وحتماً سوف تصل, رحم الله "سميح دروزة" وأسكنه فسيح جناته.
عبدالرحمن السلطان