الثلاثاء، 7 يوليو، 2015

مشروع "هايدلبرغ"


ما إن دلفت بسيارتي مدينة "ديترويت" الأميركية حتى أدركت وزوجتي أننا وسط مدينة أشباح مخيفة، هدوء يلف الطرقات، سيارات معدودة تكاد تلحظها، فقر يتسكع في الأرجاء.
إذ لا تزال "ديترويت" تعاني تبعات انهيار صناعة السيارات، بعد أن كانت مجد الصناعة الأميركية، ولكنها قوانين الحياة.
لم نجد ما نزوره سوى المقر العتيق لجنرال موتورز؛ لذا يممت شطر مشروع فني سمعت عنه كثيرا؛ استطاع وبجهود فردية انتشال شباب أشرس أحياء المدينة من مستنقع المخدرات والجريمة.



بدأت القصة منتصف الثمانينات حينما تصاعدت نسب العنف، نظرا لارتفاع معدلات البطالة بسبب تواصل إغلاق المصانع، حينها أدرك الإطفائي السابق "تيري جوتون" في لحظة تجلٍّ "أنه يجب أن يقوم بشيء" على حد قوله، فلقد فقد ثلاثة إخوة جراء هذا العنف، وأضحى الناس يخافون دخول الحي، فضلا عن تراجع مستوى الخدمات وكل شيء.






خرج برفقة فرشاته وتوجيه جده الفنان إلى شارع منزله "هايدلبرغ"، ليطلق مشروعه الفني في الهواء الطلق، فعمل على تحويل منزل مهجور إلى تحفة ألعاب، وحوّر مظاهر الأشجار، وغرس هياكل سيارات في باحات المنازل، أعمال تتأرجح بين الجمال والبشاعة، وبين الجودة والرداءة، ورغم معارضة بعض الأهالي وازدرائهم، ووقوف البلدية ضده؛ استطاع "تيري" تحويل حيّه إلى متحف مفتوح مكتظ بالإبداع الفني المختلف، واستطاع تغيير سلوك سكان حيه بدمجهم في المشروع الفني، والأهم أنه استطاع جذب الجمهور من جديد إلى حيه، فلقد تحداهم وأثار اهتمامهم.
نجح مشروع "هايدلبرغ" الذي لم يكلف شيئا أن يجذب خمسة ملايين دولار استثمارات للمدينة! نصفها إلى حيّه الجريح والمنطقة المحيطة به! ناهيك عن تطوره إلى مؤسسة غير ربحية تستهدف الشباب تنظم ورش العمل وبرامج تعليم الفنون.
لم يدر "تيري" ظهره لجيرانه، بل تشجع وخاض معارك اجتماعية وقانونية، وأضحى من القلة التي لم تيأس من محاولة إعادة بعث مدينتهم، وإحياء أنفسهم كذلك.

عبدالرحمن السلطان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق