الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

الخط الأزرق الإلزامي

تحفل كتب الإدارة بالعديد من النظريات الإدارية، والكثير من الاتجاهات والأفكار، بيد أن أغلبها يركز على آلية تطوير العمل، وعلى رفع الكفاءة وتحقيق الأهداف، لكن مع إغفال متواصل للحديث عن الهدف الرئيس من أي عمل إداري وهو تحقيق القيمة المضافة.
لكن ما القيمة المضافة التي نرغب في تحقيقها؟ هل هي زيادة المبيعات مثلا؟ أم إنجاز خدمة أسرع؟ أم غير ذلك من الأهداف المتنوعة؟ هذه الفجوة هي ما يحاول البروفيسور "كيفن كيسر" وزميله "ديفيد يانق" ردمها في كتابهما المختلف: "الخط الأزرق الإلزامي"!





إذ يتناول المؤلفان –في خلاصة تجربتهما الإدارية- ضرورة أن يكون الهدف الأساس لكل منشأة هو إنتاج قيمة مضافة؛ هذه القيمة هي ما يجب أن يحقق سعادة ما للمستهلك النهائي، وليس العمل على تدمير القيم فقط للوصول إلى الأهداف المحددة للمنشأة، وهو ما يطلق عليه المؤلفان بالخط الأزرق "الذي ينبغي أن تلتزم به أي منشأة تريد أن تنجح وتستمر".
بالطبع هذا الخط الإداري الملتزم لا يتعارض مع البحث عن الأرباح أو تعظيم رأس المال ورفع حقوق المساهمين، ولكن ليس على حساب البيئة المحيطة أو المنافسة غير الشريفة أو الأهداف المبالغ بها، وهو ما يسمى بالخط الأحمر الذي يحاول تنفيذيو منشآت الأعمال استهدافه بأي طريقة؛ سواء أكانت مشروعة أو كانت أنانية وضارة لجميع الأطراف.
يؤكد مؤلفا الكتاب أن استهداف الخط الأزرق يجعل المنشأة تعيش تطورا متدرجا، متلائما مع مجتمعها المحيط، والأهم من ذلك استدامة نموها، وضمان عدم وقوعها في براثن النمو الصوري أو الأرباح غير الحقيقية، وهو ما تصاب فيه مجمل الشركات مهما طال بها الزمن أو قصر.
خط الإدارة الأزرق -الذي يتزايد تداوله دوليا- ليس حلما طوباويا بعيد المنال، بل منهجُ إدارة متوازن، يضمن الاستمرارية المربحة، والتوسع جنبا إلى جنب تحقيق قيمة مضافة للمجتمع.
 
عبدالرحمن السلطان

 

الجمعة، 12 يونيو، 2015

تسليع رمضان!

يوم أمس أحصيت أكثر من خمسة إعلانات لأكبر خمسة متاجر تجزئة في المملكة، كلها كانت في صحيفة واحدة. وكلها احتلت صفحة واحدة على الأقل. بالطبع ظهرت هذه الإعلانات في أغلب الصحف المحلية الأخرى.



تخفيضات منتقاة لعدد محدود من الأطعمة والأشربة التي يكثر تناولها وشربها في رمضان، مع التركيز على أنها فرصة يجب اقتناصها فورا! وكأنما تحول شهرنا الفضيل إلى شهر أكل وشرب وتخمة لا تنتهي، ناهيك عن الإعلانات الأخرى لأدوات القلي والطبخ وكل ما يتعلق بغريزة الأكل.. وكل هذا تأكيد على إصرارنا مسخ شهر القرآن إلى فرصة تجارية عابرة.
دون أن نغفل إعلانات القنوات الفضائية عن مسلسلاتها الحصرية التي أضحت أبعد ما يكون عن روح شهر الإمساك، بل تجاوز الأمر إلى إعلانات شاشات التلفزيون الضخمة، لكي تستطيع مواكبة ما يعرض من برامج ومسلسلات؛ من الممكن أن نستمر ببث الشكوى من هذا التسليع المتواصل لشهر الخير دون أن نقوم بشيء إيجابي تجاه هذا الخط التجاري المتصاعد، بيد أن الخطوة الأولى تبدأ في منازلنا نحن.. حينما نستشعر الشهر الفضيل بجوانبه كافة، فهو شهر الصوم لذا يفترض أن تقلّ كمية الطعام اليومي لا أن تتضاعف كما يحدث حاليا، وهو شهر قراءة القرآن وتدبره، وهذا يعني أن نستقطع وقتا كافيا لكتاب الله لا أن يضيع وقتنا في متابعة تهريج القنوات وسخافات البعض، كما أن صلة الرحم والقيام بأعمال الخير تحتاج إلى العزيمة، والوقت أيضا الذي لا يجب أن يضيع في ما لا ينفع.
نعم لقد استطاع التجار تحوير شهر رمضان إلى موسم تجاري، لكننا نحن من يستطيع إيقاف ذلك، أو على الأقل نستطيع عدم التأثر بكل هذه الحملات الدعائية.. فقط لا تزيد من طعامك اليومي وابتعد قليلا عن الشاشة الصغيرة.  



عبدالرحمن السلطان

الخميس، 11 يونيو، 2015

رواية ومدينة

"صروح إسطنبول" رواية بوليسية شيقة للأديب التركي "أحمد أوميت"، تأخذك في رحلة متلاحقة بين ماضي إسطنبول العريق وحاضرها المهيب، وتسلط الضوء على أهم مراحل تطور المدينة وتوسعها.



هذه الرواية وبعد نجاحها بلغتها الأم وهي اللغة التركية، قامت وزارة الثقافة والسياحة التركية على الفور بتلقفها وتبني مشروع ترجمتها إلى لغات حية عدة، ومنها اللغة العربية، بحيث تتحمل الوزارة تكاليف الترجمة وتتشارك تكاليف الطباعة والتوزيع مع دور نشر متنوعة حول العالم.
ولك أن تتصور وبعد أن تتلاحق أنفاسك ما بين معبد بوسيدون، وعمود قسطنطين، إلى جامع أيا صوفيا، وقصر توبكابي، حتى تصل إلى جامع الفاتح؛ تمسي كما لو كنت في جولة سياحية على أهم معالم تاريخ المدينة التي تتوزع بين قارتين، فضلا عن الإشارات الثقافية للمورث والفلكلور التركي، إضافة إلى الأطباق الشهية للمطبخ التركي اللذيذ.



540 صفحة من الإثارة والفائدة الممزوجة بشيء من التسويق لمدينة تستحق أن تزار لمرة واحدة على الأقل، والحقيقة أن "أوميت" استطاع أن يجعلني أعيد النظر لزيارة هذه المدينة العريقة مرة أخرى، رغم أنني سبق أن زرتها أكثر من مرة، ولكن دون أن أهتم بتلكم المعالم والشواهد التي أضحت تنبض بالحياة أمامي كما لو كنت أقف أمامها الآن.
البعض يشير إلى أن كتابات "أوميت" قد تكون مشابهة لأسلوب "دان بروان" أو حتى "ستيفن كينج"، لكن هذا الأمر لا يهم، لأن هدف أي رواية هو تقديم المتعة السردية على طبق من البلاغة والأسلوب السلس، وهذا ما تحقق بنجاح تام في رواية "صروح إسطنبول".
لطالما كانت الرواية نافذة نطل منها على ثقافات شعوب الأرض، واليوم يبدو أنها تحولت إلى إحدى قنوات التسويق السياحي، فلم لا تتشجع وزارة ثقافتنا وإعلامنا لتقوم على ترجمة شيء من إبداعنا الأدبي شرط أن يكون مدخلا للتعرف على إنسانية مدننا وشواهد حضارتنا؟


عبدالرحمن السلطان



الأربعاء، 10 يونيو، 2015

"ديلبرت".. الإداري المحنك!

إذا لم تكن تعرف "ديلبرت" فإنك بالتأكيد سبق وشاهدته مرة واحدة على الأقل في صحيفة ما، ذلك أنه يظهر في أكثر من ألفي صحيفة في 65 دولة حول العالم كل يوم!
إنه الشخصية الرئيسة لرسام الكاريكاتير الأميركي "سكوت أدامز" الذي يمرر رؤيته الإدارية الثاقبة بكل خفة ومهارة، بواسطة ما يرسم من قصص ومواقف للمهندس "ديلبرت" ذي الياقة البيضاء وأسلوب الإدارة المركزي والمغرق في التفاصيل.. مما جعله يتحول مع مرور الوقت إلى أكثر رسائل التطوير الإداري انتشارا حول العالم.




العجيب في الأمر أن "سكوت" نفسه لم يستطع الوصول إلى هذه القمة بسهولة، إذ يذكر أنه راسل رسام الكرتون الشهير "جاك كاسيدي" وطلب منه المساعدة، إلا أنه رد عليه أن المجال مزدحم حاليا بالمنافسين، لكنه لا يجب أن يستلم، ورغم أن الرسالة كانت عامة؛ إلا أن "سكوت" أخذها على محمل الجد ورسم عددا من المواقف لشخصيته الخيالية "ديلبرت" وأرسلها إلى مجلات وصحف متنوعة، لكن أحدا ما لم يرد، فتوقف "سكوت" عن المحاولة، لكنه بعد عام تلقى رسالة أخرى من "جاك" الذي قال له إن كان ينظف مكتبه ووجد الرسالة فقرر أن يكتب له مرة ثانية ليتأكد أنه لم ييأس، وبالفعل تركت هذه الرسالة أثرا قويا على "سكوت" وعاد من جديد لتكرار المحاولة حتى وافقت إحدى محررات الصحف على النشر، والسبب كان طريفا، إذ إن زوج تلك المحررة كان شديد الشبه بشخصية "ديلبرت" بل ويعمل في نفس وظيفته الخيالية!





منذ عام 1989 تحوّل "ديلبرت" والشخصيات المحيطة به إلى وجبة يومية من السخرية اللاذعة للممارسات الإدارية الخاطئة، والتي نختبرها جميعا بشكل مختلف في حياتنا اليومية، والرائع في الأمر أنه لا يزال يقدم هذه الوجبة كل يوم وبنفس المستوى من الإتقان والإبداع.



عبدالرحمن السلطان



الاثنين، 8 يونيو، 2015

لائحة رغباتي

يمكن أن تربح فجأة عشرات الملايين من الريالات، فقد ترث قريباً مجهولاً لم تسمع به أبداً، أو قد تصاب بالصدمة حينما تحصل على 18 مليون يورو وأكثر؛ كتلك التي ربحتها "جوسلين" في الرواية الأخيرة للفرنسي "جريجوار دولاكور".
والمثير هنا أنك سوف تبدأ على الفور بكتابة لائحة طويلة من الرغبات: شراء سيارة فاخرة، رحلة سياحية على الدرجة الأولى، استبدال أثاث المنزل، ربما استبدال المنزل نفسه! والكثير من الرغبات والأماني، التي قد تعتقد لوهلة أن المال وحده سوف يجعلك تحقق بهجة الحصول عليها.



ولكن هل المال وحده يستطيع تحقيق السعادة  المنشودة لنا؟ وإسعاد من نحب بكل سهولة؟  أم أن وجود مثل هذا المال المفاجئ سوف يقودنا إلى التعاسة، أم أن هذا المال سيكون بداية حقبة من الحياة السهلة والمريحة، خصوصاً بعد أن يتغيّر تعامل الجميع من حولنا، العجيب في الأمر أن "جوسلين" تريثت في الأمر ولم تستعجل إخبار عائلتها، وبالذات زوجها بنبأ هذه الثروة الضخمة، بل بدأت بكتابة رغباتها الشخصية، ثم توسعت بجمع رغبات من تحب، وهناك فقط أدركت أن القيمة الحقيقية للأمور الجوهرية في الحياة لا تقدر بثمن.
هناك في رواية "لائحة رغباتي" تعرضت للخيانة والسرقة ممن تحب، والأغرب من ذلك أنها لم تفعل شيئاً لأنها أدركت بوضوح أن تلك الأموال قد تعرّض صاحبها للأذى أكثر مما قد تقود إلى السعادة.
منذ زمن طويل لم أقرأ رواية فلسفية كما وجدت "لائحة رغباتي"، والتي وإن كانت قصة غير حقيقية لكنها مسكونة بشخصيات مؤثرة، وقصة تدعونا لإعادة النظر بلائحة رغباتنا من جديد، دون أن أغفل تلكم الحكمة التي صاغها المؤلف على لسان بطلته حينما قالت: "السعادة هي استمرار المرء بالرغبة بما لديه"، وبالطبع حينما يفقد الإنسان الرغبة في تحقيق الأشياء أو تجربة الجديد سوف يفقد روح الحياة نفسها.


عبدالرحمن السلطان


الأحد، 7 يونيو، 2015

ألقِ باللوم عليهم واسترح!

من الطبيعي أن نقع في الأخطاء، وأن تصادفنا العديد من "المطبات"، لكن أن نلقي باللوم على الآخرين في كل "مطب"ٍ أو في كل خطأ نقترفه فذلك تصرف غير طبيعي.
ولعل قصة "كذبة سارة إبراهيم" التي تابعنا فصولها مؤخرا عبر منصة التواصل الاجتماعي "تويتر" خير دليلٍ على استمرار مسلسل إلقاء اللوم على الآخرين، الذي طالما كان خط دفاعنا الأول حينما نتعثر أو نتفاجأ بحصيلة أعمالنا، فالبعض أشار إلى أن سبب وقوعه في فخ هذا الحساب المزوّر هو أن عددا من المشاهير قد روجوا للحساب نفسه، بل قدموا بعض المساعدات والهدايا دون التثبت منه، مع أن الجميع يعلم أن وقوف بعض المشاهير مع أي حساب لن يضفي عليه الصبغة الرسمية ولا يعني أنه موثوق تماما.
أما البعض الآخر فلقد ألقى باللوم كاملا على الجهات الرسمية التي لم تتحرك لفضح هذا "النصاب" وإيقافه عند حده! وكأنما الهدف الأساسي من تلكم المؤسسات هو ترك عملها الأساسي وخدماتها لتتفرغ وتتابع حسابات "تويتر" التي لا تنتهي، والتي تجاوزت الخمسة ملايين حساب في المملكة وحدها! الإشكالية هنا أن البعض لا يريد أن يقرّ بخطئه، وأنه هو وحده يتحمل مسؤولية تصديق حسابٍ مجهولٍ دون أن يتثبت ويتأكد، فقط هكذا مجرد صور مؤثرة وبضع كلمات رقيقة، وصار الحساب مصدقا في كل ما ينشر! لكنها أسهل طريقة وأخفها على النفس أن تلقي باللوم على أي أحد سواك.
لا أريد هنا أن نفقد الثقة في الآخرين، ولا أريد أن نقسو على طيبة مجتمعنا السعودي التي يضرب بها المثل، ولكن أخذ الحيطة والحذر خطوة أولى وأساسية مطلوبة قبل أن نضع ثقتنا في أي مجهول، والأهم من ذلك أن نعترف بالخطأ بوضوحٍ؛ لا أن نلقي باللوم على الآخرين وننسى أنفسنا.

عبدالرحمن السلطان



الخميس، 4 يونيو، 2015

هل تعرفهم؟

دعني أطرح عليك عدداً من الأسئلة الغريبة، لا أحتاج إلى إجابتها، ولكنك –حتماً- سوف تدرك هدفها حالما تبحر بحثاً عن إجاباتها.
هل تعرف الهوايات الشخصية لمن تزاملهم في العمل؟ هل تعرف عدد أطفالهم وأعمارهم؟ هل تعرف شيئاً من إنجازاتهم سواء الشخصية أو المهنية؟ هل تعرف ماذا يحبون وماذا يكرهون؟ أم أن علاقتنا بمن نعمل معهم أو نتزامل معهم لا يجب أن تتجاوز حدود العمل وقوانينه، أليس من المخجل أن نتشارك لنحقق الأهداف دون أن نعرف شركاءنا حق المعرفة!



قبل أسابيع كنت في برنامج تدريبي، وكان الحضور ينتمون إلى 19 دولة مختلفة، وبالطبع من ذوي خلفيات ثقافية متباينة، لم يكد مسؤول البرنامج يرحب بنا حتى أشار إلى أن الطريقة المتبعة لتعريف الحضور بأنفسهم هناك مختلفة عن أي برنامج آخر! إذ تعتمد الفكرة على أن يقوم كل مشارك بإجراء مقابلة قصيرة مع من يجلس بالقرب منه والعكس صحيح، وبعد ذلك يقوم كل مشارك بالتعريف عن صاحبه بناءً على ما جمعه من المقابلة الخاطفة قبل قليل.
والحقيقة أنها كانت تجربة أقل ما توصف به أنها رائعة ومثيرة، ذلك أن الأسئلة اعتمدت على الخلفية الثقافية للسائل، بينما تختلف الإجابات باختلاف فهم وإدراك الطرف الآخر، وبالطبع استطعنا التعرّف على بعضنا بشكل مبتكر وجديد، واستطعنا التعرّف على معلومات غريبة ومثيرة عن كل مشارك، فذلك يمتلك ثلاث دراجات نارية، والآخر أحد القلائل ممن تسلق قمّة "إفرست"، وتلك تتحدث ثمان لغات، وهلم جرا، والأكثر روعة أن تلك المعلومات كانت جسرا كسر الجليد بين الجميع، فأصحاب الهوايات المشتركة تجمعوا بسرعة، وذوو الهموم المتقاربة تحلقوا حول بعضهم البعض.
ولك أن تتصور حينما تعرف نجاحات رفيق عملك وتتفهم همومه وتدرك آماله سوف تصبح أكثر قرباً، وبالطبع سوف يصبح إنجاز الأعمال وتحقق الأهداف أقرب من أي وقت مضى.. فقط تعرّف عليهم.


عبدالرحمن السلطان