الأحد، 25 أكتوبر، 2015

غرفة وكرسيان وميكروفونان

قبل أسابيع لفت نظري غرفة صفراء مؤقتة نُصبت وسط محطة القطار الرئيسة في نيويورك، لم تكن معرضا ترويجيا لأحد المنتجات الاستهلاكية، بل كانت مجرد حجرة بسيطة تحوي طاولة وكرسيين اثنين وميكروفونين اثنين كذلك!
بالطبع، اقتربت من الحجرة لأجد داخلها رجلين، يبدو أن أحدهما جَدٌ للآخر، وكانا يتحدثان بحيث يستطيع سماعهما القريبون من الحجرة بواسطة مكبر صوت صغير، بينما هما يسجلان داخل حجرة معزولة عن الضجة الكبيرة في محطة "القراند سنترال" الشهيرة.






اتضح لي أن هذه الغرفة هي المبادرة الأولى والمستمرة لمؤسسة StoryCorps الأميركية غير الربحية التي تهدف إلى توثيق التاريخ الشفوي للولايات المتحدة الأميركية، بواسطة تسجيل حكايا وذكريات الجميع، وليس كما يحدث عادة عبر المشاهير أو متخذي القرار
العجيب في الأمر، أن هذه الحجيرة الصغيرة كانت الشرارة التي قدحت زناد تسارع تأسيس المؤسسة عام 2003، لتجعلها تكبر وتتمدد خلال سنوات قليلة لاحقة.
ولك أن تتصور أن يدخل شاب لا يتجاوز عمره الثمانية عشر ربيعا الحجرة مع جدته المعمرة، ليجري معها حوارا تاريخيا لا تتجاوز مدته 45 دقيقة، حتما ستتاح له الفرصة لطرح الأسئلة التي ربما لا يجرؤ عليها، وعلى الاستمتاع بإجابات لم يكن يدرك وجودها، وبعد الحوار يتسلم المتحاوران قرصا مدمجا لحوارهما، ثم يجد تسجيل الحوار طريقه تلقائيا إلى مركز الفلكلور الأميركي بمكتبة الكونجرس –أكبر مكتبة في العالم- بعد تصنيفه وتحديد الكلمات الدالة، مع توفير نسخة رقمية للعموم عبر موقع المؤسسة الإلكتروني! ما يجعل تلك التسجيلات المتنوعة كنزا لا يصدق لجمهور الباحثين، بل إن الحظ ربما يحالف بعض الحوارات لتبث الفترة الصباحية عبر إذاعة NPR الوطنية.
وغني عن القول، إن تسجيل التاريخ الشفوي لأي شيء حتما سيكون مختلفا حينما يصدر من أفواه من عايشوه وتأثروا به، وليس عبر صنعه من القادة فقط، فهم –أي الناس- الأصدق في نقل رؤيتهم هم، بكلماتهم ووصفهم هم، إذ تجد الكلمات تنهمر وتتدفق دونما رقيب داخلي أو خارجي، لأنها نتاج حوار صادق وتلقائي بين طرفين تربطهما علاقة مباشرة، فإما أن يكونا زوجا وزوجة، أو ابنا ووالده أو جده، أو أخا وأختا، بل ربما يكونا صديقين مضى على صداقتهما زمن طويل، أو زميلا عمل تفرقت بهما السنون وهكذا دواليك
غير أن اللحظة الأجمل تحدث حينما يتبادل الطرفان المقاعد، حينها ننتقل في كثير من الحالات من توثيق الماضي إلى كتابة الحاضر
الرائع في الأمر، أن كثيرا من تلك التسجيلات تتجاوز توثيق الأحداث ووصف الأماكن، إلى تحوّل دقائقها لرحلة مصارحة وصدق، كما حديث العجوز "داني بيرازا" لزوجته "آني"، حينما وصف عواطفه الصادقة عن حبهما خلال 26 عاما هي مدة زواجهما، أو الشاب "ميشيل ولماتز" الذي طلب الزواج من صديقته "ديبورا براكراز" داخل هذه الغرفة، ولكن بعد أن قدم لها الخاتم العتيق الذي تزوجت به جدته!





هذه الاستجابة الرائعة من مختلف شرائح المجتمع، جعلت برنامج التوثيق يتوسع إلى معظم الولايات الأميركية، وأن يتخذ أشكالا متعددة، بحيث أضحت المؤسسة توفر أجهزة التسجيل الصوتي والمرئي للمتاحف والمراكز الثقافية، لتجعل عملية التسجيل أسهل وأقرب من أي وقت مضى، فضلا عن تطور المشروع ليضحى أكثر تخصصا كما حدث في برنامج توثيق قصص أحداث الحادي عشر من سبتمر، ليس فقط من وجهة نظر من عاشها أو شاهدها بعينه المجردة في نيويورك، بل إلى جميع الناس الذين شاركوا رؤيتهم وقصصهم، بل حتى بعض الصور الحصرية التي ساعدت على إكمال الصورة الكبيرة للحدث. هنا في المملكة، توجد تجربة دارة الملك عبدالعزيز التي أخذت على عاتقها التوثيق الشفهي لتاريخ المملكة منذ حوالي عشر سنوات، عبر زيارة كبار السن وتسجيل توثقيهم الشفهي للأحداث والقصص التاريخية، والتي أنتجت "قاعدة معلومات التاريخ الشفوي"، فضلا عن الحصول على أكثر من ثلاثين ألف وثيقة تاريخية خلال المقابلات



إن مؤسسة "Story Corps" التطوعية –سالفة الذكر- استطاعت حتى اليوم تسجيل 60 ألف مادة تاريخية، عبر استضافة أكثر من مئة ألف أميركي وأميركية! بواسطة غرف التسجيل الرئيسة في نيويورك وسان فرانسيسكو وأطلانطا، وكذلك عبر وحدتي تسجيل متنقلة تتوقف كل مرة في مدينة أميركية مختلفة، دون إغفال خدمة التسجيل في المنزل لمن لا يستطيع، وكذلك إتاحة الفرصة لم يرغب التسجيل بنفسه ثم تحميله عبر الموقع الإلكتروني للمؤسسة، مع توفيرها دليل إجراءات يساعد على الاستفادة القصوى من الحوار، عبر اقتراح بعض الأسئلة والمحاور التي تزيد من كفاءة الحوار وعمقه، وكذلك عبر إطلاق مبادرات توثيق متخصصة، إحداها للذكريات العسكرية، والثانية للإرث الشخصي، والثالثة لمن يعانون أمراض فقدان الذاكرة كمرضى الخرف ونحوه، والرابعة لتاريخ الأميركان الهسبانك، والأخيرة للأميركيين من أصل أفريقي
جميعنا لديه كمٌ هائل من القصص التي لا مثيل لها، والتي يجب أن تروى وتسجل لتبقى شاهدا لنا أننا مررنا هنا، وحتى يأتي ذلك اليوم الذي تتاح لنا فرصة تسجيل قصصنا، دعونا نتشجع ونسجل ونكتب قصصنا بأي وسيلة كانت.


عبدالرحمن السلطان


الاثنين، 5 أكتوبر، 2015

الجميع يستحق أ

 تخيّل فصلا دراسيا يحصل فيه جميع الطلاب على درجة الامتياز! هكذا دون طلبة متأخرين وجمهور في المنتصف وقلة في المقدمة، ليس هذا وحسب بل يحصل الجميع على درجة "الألف" منذ اليوم الأول للدراسة!
أوليس هدف الالتحاق بفصل دراسي هو التعلّم واكتساب المهارات؟ وليس تلقي وحفظ المعلومات ثم سردها في امتحان قصير قد لا يكون فرصة كاملة لتأكيد اكتساب الحد الأدنى من الكفاءات



هذه الفكرة الجنونية بمنح الجميع الدرجة العليا منذ البداية كانت من بنات أفكار الموسيقار الأميركي  الشهير: "بينامين زاندر" الذي يستقبل كل عام عشرات الطلاب حول العالم في فصله الدراسي لتعلم عزف البيانو وقيادة الأوركسترا، وهو يدرك أنهم جميعا يتجشمون عناء السفر وهم يحملون شغفا هائلا وعشقا لعوالم الموسيقى، خصوصا الكلاسيكية، غير أنهم كما جميع الطلاب غالبا ما يقعون في فخ المقارنة، ولا يدركون أن القمة تتسع للجميع، إذ يفقد الكثير حماسته للتعليم والتدريب حال تدشين فصله الدراسي، وذلك حينما يؤمن عقله الباطن أنه وإن كان أفضل من صاحبه، إلا أنه بالتأكيد أقل مستوى من صاحبه الآخر، وهكذا دواليك حتى يغرق في دوامة الخوف من عدم تحقيق الكمال إلى الخوف من الوقوع في الخطأ، وينتهي الوقت المخصص للدراسة والتدريب دون تعلّم حقيقي، لأنه يحاول الصعود من الأسفل نحو الأعلى، وغني عن القول إنه لا يمكن أن تصعد من الأسفل إلى الأعلى دون أن تقع ولو لمرة واحدة على الأقل.
في بداية العام الدارسي، وبعد أن يرحب  "زاندر" بطلابه الجدد؛ يصدمهم بتقرير أنهم جميعا سيحصلون على  درجة الامتياز نهاية العام! ولكن شرط أن يكتب الواحد منهم رسالة موجهة إليه خلال الأسبوعين الأولين من الدراسة، وأن تكون مؤرخة بشهر مايو من العام القادم، أي حينما ينتهي العام الدراسي الحالي، وأن تبدأ هذه الرسالة بجملة: "أنا حصلت على درجة "أ" بسبب .... "، ثم يقوم الطالب بوصف مستواه المهاري الذي وصل إليه في مايو القادم! فقط ليبرر حصول على هذه الدرجة الاستثنائية، وهو – أي زاندر- يقول إنه بهذه الوسيلة المبتكر يجعل طالبه يبدأ يتمثل سلوك ومهارات الشخص الذي سيكون خلال أشهر قليلة، والذي يكتب عنه الآن، وأنه سيفعل المستحيل ويتجاوز كل الصعاب فقط ليصل إلى الشخصية التي رسمها في خطابه.



وهذا ما يحدث بالفعل.. يتحمس الطلاب ويكتبون عما يحبون أن يكونوا عليه، مما يجعلهم يركزون على أنفسهم وحسب، ويتركون خلفهم إحساس المنافسة الزائف، ويتجاهلون الصوت الذي يمنعهم من اقتراف الخطأ نحو الوصول إلى التفوق، فيرتاحون نفسيا، وتشحذ منشارهم للوصول إلى أقصى ما يستطيعون، ولك أن تتصور المستوى العلمي والمهاري لفصل دراسي لا يضم سوى الحاصلين على درجة الامتياز! وهذا ما يفخر به "زاندر" صاحب التجربة الإدارية الطويلة والأفكار القيادية المبتكرة، فهو دوما لا يدرّس سوى طلاب الامتياز على حد تعبيره.
وأنت أيضا تستطيع أن تمنح من حولك درجة "الامتياز".. الزوجة، صديقك المقرّب، زميل العمل.. وهلم جرا، ذلك أن منحها مقدما والحديث بوضوح عما يجب على الطرف الثاني عمله لاستمرار الحصول عليها، كفيل بتحقيقه الدرجة العليا ويزيد، بل إن هذه المبادرة قد تكون فرصة لرفع مستوى العلاقة وتحقيق شيء من التوقعات المتبادلة.
وكما يتحمس كثير من الطلاب لهذه الفكرة المجنونة بمنحه الامتياز مقدما؛ هناك فئة لا بأس بها لا تتجاوب مع هذه الفكرة، لأنهم يؤمنون بالطريقة التقليدية، حيث التلقي والاستماع إلى المعلم مهما قال، وهو بالذات ما يحدث دوما مع  طلاب شرق القارة الآسيوية، إذ تلعب التقاليد واحترام التراتبية دورا كبيرا في المجتمع، ولا يقبل هؤلاء أن يقوموا بتقييم أنفسهم بدلا من معلمهم! لكنهم وبعد فترة من الزمن يبدأون بفهم الفكرة، وكيف أن الشخص في حد ذاته قادر على فهم نفسه وإمكاناته، وقادر على تحديد مستواه اليوم، والأهم من ذلك قادر على رسم خارطة طريق مستواه في المستقبل القريب.
إننا حينما نضع لأنفسنا هدفا مرتفعا نصب أعيننا؛ نجد أننا غالبا ما نحققه أو على الأقل نقترب من تحقيقه، على العكس حينما نبدأ من الأسفل، ونضيع في دوامة عدم وضوح الهدف، ودوامة الخوف من الفشل، وبدلا من القفز إلى الأعلى، نبقى عالقين دون تحرك.
أكاد أجزم أن كثيرا من المعلمين والمعلمات سيصابون بالهلع من مجرد التفكير بمنح جميع طلابهم درجة الامتياز هكذا دون مقابل، ولكن دعونا نفكر بصدق في جوهر العملية التعليمية، هل هدفنا هو مجرد تقييم استحقاق الطالب للدرجات؟ أم أن هدفنا الأسمى هو نجاح العملية التعليمية وتوريث الخبرات والمهارات؟ أما سؤالي الأهم- لنا نحن من غير المعلمين- لم لا نعيد تعريف علاقاتنا بمن نحب؟  لم لا نمنحهم "الألف" منذ البداية؟

عبدالرحمن السلطان